النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
فأخَذ حربتَه، وكانت من حديدٍ كلُّها، ثم دخَل عليه القُّبَّةَ وهما متضاجِعان ،
فانتَظَمَهما بحربتِه ، ثم خرَج بهما رافِعَهما إلى السماءِ، والحربةُ قد أخَذها بذراعِه ،
واعتَمَد ( بمِرْفَقِه على١) خاصِرتِهِ، وأَسْند الحربةَ إلى لخيَّتِه(٢)، وكان بِكْرَ العَيْزَارِ،
وجعل يقولُ : اللهم هكذا نَفْعَلُ بمن يَعْصِيك . ورُفِع الطاعونُ . فحُسِبَ مَن هلَك من
بنى إسرائيلَ فى الطاعونِ، فيما بينَ أن أصاب زمرى المرأةَ إلى أن قتَله فِنْحاصُ،
فؤُجِدوا(٢) قد هلَك منهم سبعون ألفًا، والمُقُلِّلُ يقولُ: عشرون ألفًا. فى ساعةٍ من
النهارِ، فمِن هنالك يُعْطِى بنو إسرائيلَ ولدَ فِنْحاصَ ابنِ العَيْزارِ بنِ هارونَ مِن كلِّ
ذبيحةٍ ذبَحوها القِبَةَ (٤) والذراعَ واللَّخىَ؛ لاعتمادِه بالحربةِ على [٨٧٤/١و] خاصرتِهِ،
وأُخْذِه إياها بذراعِه، وإسنادِه إياها إلى لحيتِه (٢) ، والبِكْرَ من كلِّ أموالهم وأنفسِهم ؛
لأنه كان بِكِرَ العَيْزَارِ، ففى بَلْعَمّ بنِ باعورًا أَنزَل اللَّهُ على محمدٍ عَهِ: ﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ
نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾. يعنى بَلْعَمَ، ﴿فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ
مِنَ الْغَاوِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَّكَّرُونَ﴾(٥).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّ، قال : انطلَقَ
رجلٌ من بنى إسرائيلَ يقالُ له: بَلْعمُ. فأتى الجبارين فقال: لا تَرْهَبُوا مِن بنى
إسرائيلَ ، فإنى إذا خرَجتم تُقَاتِلونهم أدعو عليهم . فخرَج يُوشَعُ يُقاتِلُ الجبارين فى
الناسِ، وخرَجِ بَلْعَمُ مع الجبارين على أَتَانِهِ، وهو يُرِيدُ أن يَلْعَنَ بنى إسرائيلَ، فكلَّما
أراد أنْ يَدعُوَ على بنى إسرائيلَ دعا على الجبارين، فقال الجبارون: إنك إنما تَدْعُو
علينا . فيقولُ : إنما أردتُ بنى إسرائيلَ. فلما بلَغ بابَ المدينةِ أُخَذ مَلَكٌ بذَنَبِ الأتانِ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((على مرفقه إلى)).
(٢) فى م: (( لحييه)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف، وتاريخ دمشق: (( فوجدوه ) .
(٤) فى م: ((الفشة)). والقبة: هنة متصلة بالكرش ذات أطباق. اللسان ( ق ب و).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٧/١، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٤٠١/١٠ - ٤٠٣.
٥٨٢
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
فأمسَكَها، فجعَل يُحَرّكُها فلا تَتَحَرَّكُ، فلمَّا أكثرَ ضرْبَها تكلَّمتْ، فقالت: أنتَ
تَنْكِحُنِى بالليلِ وتَوْكَبُنى بالنهارِ ! وَيْلى منك، ولو أنى أطقْتُ الخروجَ لخرَجتُ،
ولكن هذا الملَكُ يَحْبِشنى. وفى بَلْعَمَ يقولُ اللَّهُ: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ
ءَايَِنَا﴾ الآية(١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنى رجلٌ سَمِعَ عكرمةَ يَقُولُ:
قالت امرأةٌ منهم: أَرُونِى موسى ، فأنا أَقْتُه. قال: فَتَطَيِّبَتْ ، فمَرَّتْ على رجلٍ يُشْبِهُ
موسى ، فواقَعَها ، فأَتِىَ ابنُ هارونَ فأُخْبِرَ، فأخَذ سيفًا ، فطعَن به فى إحليله حتى
أخرَجْه " وأخرَجه٢) من قُبُلِها، ثم رفَعهما حتى رآهما الناسُ، فَعُلِمَ أنه ليس موسى ،
ففُضِّلَ آلُ هارونَ فى القُربانِ على آلٍ موسى بالكَتِفِ (١) والعَصُدِ والفَّخِذِ. قال : فهو
﴿الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَلِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ . يعنى بَلْعَمَ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَتْنَهُ بِهَا﴾ ؛ فقال
بعضُهم: معناه: لرفَعناه بعلمِه بها .
/ ذكّر مَن قال ذلك
١٢٧/٩
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجريج، قال : قال
ابنُ عباسٍٍ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعَنَهُ بِهَا﴾ لرفَعَه اللَّهُ تعالى بعلمِه (٤).
وقال آخرون : معناه : لرَفعنا عنه الحالَ التى صار إليها من الكفرِ باللَّهِ ، بآياتِنا .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٧٣ .
(٢ - ٢) سقط من: م، والعبارة غير مستقيمة .
(٣) فى ص، ت ١، ف: (( بالكتاب))، وفى س: (( بالكتاف)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٦/٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
٥٨٣
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
ذِكر من قال ذلك
حدَّثُنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أُبى
نجيح، "عن مجاهدٍ)، فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾: لدَفعنا عنه" .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾: لدفَعناه(١) عنه .
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ فى تأويلِ ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إِنّ اللَّهَ عمَّ
الخبرَ بقولِه: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعَتَهُ بِهَا﴾. أنه لو شاء رفَعه بآياتِه التى آتاه إياها ، والرفعُ
يَعُمُّ معانىَ كثيرةٌ ؛ منها الرفعُ فى المنزلةِ عندَه، ومنها الرفعُ فى شرفِ الدنيا
ومكارمِها، ومنها الرفعُ فى الذكرِ الجميلِ والثناءِ الرفيعِ. وجائزٌ أن يكونَ اللَّهُ عنَى
كلَّ ذلك أنه لو شاء لرفَعه ، فأعطاه كلَّ ذلك بتوفيقِه للعملِ بآياتِه التى كان آتاها إياه .
وإذ كان ذلك جائزًا ، فالصوابُ من القولِ فيه ألا يُخَصَّ منه شىءٌ ، إذ كان لا
دلالةَ على خصوصِه من خبرٍ ولا عقلٍ .
وأما قولُه: ﴿بِهَا﴾. فإن ابنَ زيدٍ قال فى ذلك كالذى قلنا .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْ
شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا﴾ : بتلك الآياتِ(٤) .
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢ - ٢) فى ص، س، ف: ((لدفعناه عنه))، وفى م: ((لرفعنا عنه بها)). والأثر فى تفسير مجاهد ص ٣٤٧،
ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦١٩. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٦/٣ إلى عبد بن حميد
وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) فى م: (( لرفعناه )) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١٩/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به.
٥٨٤
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
وأما قولُه: ﴿ وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. فإن أهلَ التأويلِ قالوا فيه نحوَ
قولِنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبى الهيثم، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿وَلَكِنَّهُ، أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. يعنى: ركن إلى الأرضِ(١).
قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكِ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ :
وَلَكِنَّهُ: أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ﴾. قال: نزَع إلى الأرضِ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجیح، عن مجاهدٍ: ﴿أَنلَدَ﴾: سكن(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ ، عن أبى حمزةَ، عن جابرٍ ،
عن مجاهدٍ وعكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان فى بنى إسرائيلَ بَلعامُ بنُ باعرَ ،
أُوتِيَ كتابًا ، فَأَخَلَدَ إلى شهواتِ الأرضِ ولذتِها وأموالِها، لم يَنْتَفِعْ بما جاء به
(٤)
الكتابُ(٤) .
١٢٨/٩
/حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ: ﴿وَلَكِنَّهُ:
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَهُ﴾: أمّا ﴿أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فاتبع الدنيا وركَن
إليها .
(١) ينظر تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٩٨/١٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦١٩، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٩٨/١٠ من طريق شريك به
بنحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١٩/٥ من طريق ابن أبى نجيح به .
(٤) تمام الأثر المتقدم فى ص ٥٧٣.
٥٨٥
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
وأصلُ الإخلادِ فى كلامِ العربِ الإبطاءُ والإقامةُ، يقالُ منه: أخلَدَ فلانٌ
بالمكانِ : إذا أقامَ به، وأخلَدَ نفسَه إلى المكانِ: إذا أتاه من مكانٍ آخرَ. ومنه قولُ
(١)
زُهَيْرٍ(١):
كالوَحْيِ فى حَجَرِ الَسِيل المخْلِدِ(٣)
لمَنِ الديارُ غشيتَها بالفَدْفَدِ(٢)
يعنى المقيمَ .
ومنه قولُ مالكِ بنِ نُؤَيْرةَ(٤):
وعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعِ أقامُوا فأخْلَدوا
بأبناءِ حَىٌّ مِنْ قَائِلِ مالِك
وكان بعضُ البَصْريين يقولُ(٥): معنى قوله: ﴿أَخْلَدَ﴾: لَزِمَ وتقاعَسَ وأبطأ ،
والمَخْلِدُ أيضًا هو الذى يُنْطِئُّ شَيْئُه من الرجالِ ، وهو من الدوابُ الذى تَبْقَى ثناياه
حتى تَخْرُجَ رَباعِیتاه .
وأمّا قولُه : ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَهُ﴾ . فإن(١) ابن زيد قال فى تأويله ما حدثنى به
يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَأَتََّعَ هَوَةٌ﴾. قال:
كان هواه مع القومِ ().
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَثَلُهُ كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ
(١) شرح ديوان زهير ص ٢٦٨.
(٢) فى م: ((بالغرقد)). والفدفد: المرتفع، فيه صلابة وحجارة ، ويقال: أرض مستوية. المصدر السابق
ص ٢٦٩.
(٣) الوحى هنا: الكتاب، وإنما جعله فى حجر المسيل لأنه أصلب له . ينظر المصدر السابق.
(٤) البيت فى الأصمعيات ص ١٩٣.
(٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٢٢٣/١.
(٦) فى النسخ: ((كان)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٠/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به .
٥٨٦
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكره : فَمَثَلُ هذا الذى آتيناه آياتنا فانسلَخَ منها مَثَلُ الكلبِ الذى
يَلْهَثُ ؛ طرَدْتَه أو ترَكْتَه .
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى من أجلِه جعَل اللَّهُ مَثَلَه كمَثَلِ الكلبِ؛
فقال بعضُهم: مثَّله به فى اللَّهْثِ، لتركِه العملَ بكتابِ اللَّهِ [٧٨٤/١ظ] وآياتِه التى
آتأها إياه ، وإعراضِه عن مواعظِ اللَّهِ التى فيها إعراضُ مَن(١) لم يؤْتِه اللَّهُ شيئًا من
ذلك ، فقال جلَّ ثناؤه فيه، إِذْ(٢) كان سواءً أَمْرُه، وُعِظ بآياتِ اللَّهِ التى آتاها إياه أو لم
يُوعَظْ، فى أنه لا يَتَّعِظُ بها ، ولا يَتْرِكُ الكفرَ به: فمثلُه مَثَلُ الكلبِ الذى سواءٌ أَمرُه
فى لَهْتِه؛ طُرِدَ أو لم يُطْرَدْ، إذ كان لا يَتْرُكُ اللهثَ بحالٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ اٌلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال:
تَطْرُدُّه، هو مَثَلُ الذى يَقْرَأُ الكتابَ ولا يَعْمَلُ به(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جريجٍ ، قال
١٢٩/٩ مجاهدٌ: ﴿فَثَلُهُ / كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾. قال: تَطْرُدْه
بدايَتْك ورِجْلِك يَلْهَتْ . قال: مَثَلُ الذى يَقْرَأُ الكتابَ ولا يَعْمَلُ بما فيه . قال ابنُ
نجريج : الكلبُ منقطِعُ الفؤادِ، لا فؤادَ له، ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( لمن)).
(٢) فى النسخ: (( إذا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٢٠.
٥٨٧
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
يَلْهَتَّ﴾. قال: مَثَلُ الذى يَتْرُكُ الهدَى لا فؤادَ له، إنما فؤادُه منقطِعُ (١).
حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ١، عن معمرٍ، عن بعضِهم: ﴿فَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَّحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَ﴾: فذلك هو الكافرُ،
هو ضالٌّ إن وعَظْتَه وإن لم تَعِظُهُ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ اٌلْكَلْبِ﴾: إن تُحْمَلْ عليه الحكمةُ لم يَحْمِلْها ،
وإن تُرِكَ لم يَهْتَدِ لخيرٍ، كالكلبٍ، إن كان رابضًا لَهَثَ، وإن طُرِدٍ لَهَكَ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: آتَاه اللَّهُ آياتِه فترَكها، فجعَل اللَّهُ مَثَلَه كمثل الكلبِ ﴿ إِن
تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثَّ﴾(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
الَّذِىّ ءَاتَّيْنَهُ ءَايَتِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية: هذا مثلٌ ضرّبه اللَّهُ لمن
عُرِضَ عليه الهُدى . فَأَتَى أَن يَقْبَلَه وترَكَه - قال : وكان الحسنُ يقولُ: هو المنافقُ -
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَمَثَلُ كَمَثَلِ
اٌلْكَلْبٍ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَذْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ﴾. قال: هذا مَثَلُ الكافرِ،
(١) قول ابن جريج عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٦/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى النسخ: (( توبة)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤٤/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩٧/١ - عن معمر، عن
الكلبى قوله .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٠/٥ من طريق عبد الله بن صالح به. وهو تمام الأثر المتقدم فى
ص ٥٦٨.
(٥) تقدم تخريجه فى ص ٥٧٦.
٥٨٨
سورة الأعراف : الآية ١٧٦
ميتُ الفؤادِ (١).
وقال آخرون: إنما مَثَّلَه جل ثناؤه بالكلبِ لأنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُّ الكلبُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَثَلُهُ كَمَثَلٍ
اُلْكَلْبٍ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتْ﴾: وكان بَلْعَمُ يَلْهَثُ كما
يَلْهَثُ الكلبُ، وأما ﴿ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾: فَتَشُدَّ عليه(٢).
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويلين فى ذلك بالصوابِ تأويلُ من قال: إنما هو مَثَلٌ
لتركِه العملَ بآياتِ اللَّهِ التى آتاها إياه. وإن معناه: سواءٌ وُعِظَ أَو لم يُوعَظْ ، فى أنه لا
يَتْرُكُ ما هو عليه من خلافِه أمرَ ربِّه، كما سواءٌ محُمِلَ على الكلبِ وطُرِدَ ، أو تُرِكَ فلم
يُطْرَدْ، فى أنه لا يَدَعُ اللهثَ فى كلتا حالتيه .
وإنما قلنا : ذلك أولى القولين بالصوابِ؛ لدلالةِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿ ذَلِكَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَابَئِنَا﴾. فجعَل ذلك مَثَلَ المكذِّبين بآياتِه ، وقد عَلِمنا
أن اللُّهاثَ ليس فى خِلقةِ كلِّ مكذِّبٍ كُتِبَ عليه تركُ الإنابةِ من تكذيبٍ بآياتِ اللَّهِ ،
وإنَّ ذلك إنما هو مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لهم، فكان معلومًا بذلك أنه للذى وصَف اللَّهُ صفتَه
فى هذه الآيةِ - كما هو لسائرِ المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ - مَثَلٌ.
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَا فَأَقْصُصِ
١٣٠/٩
١٧٦
اُلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : هذا المثلُ الذى ضرّبتُه لهذا الذى آتيناه آياتِنا فانسَلَخ منها ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦١٧/٥، ١٦١٨، ١٦١٩، ١٦٢٠ من طريق يزيد به مفرقًا دون قول
الحسن، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٦/٣ - دون قول الحسن - إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) تقدم تخريجه فى ص٥٧٣ دون آخره .
٥٨٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٧٦، ١٧٧
مثلُ القوم الذين كذَّبوا بحججِنا وأعلامِنا وأدلتِنا، فسَلَكوا فى ذلك سبيلَ هذا
المنسلخ من آياتِنا الذى آتيناها إياه ، فى تركِه العملَ بما آتيناه من ذلك .
وأما قولُه : ﴿ فَأَقْصُصِ اٌلْقَصَصَ﴾. فإنه يقولُ لنبيّه محمدٍ لم : فاقْصُصْ يا
محمدُ هذا القصصَ الذى اقْتَصصتُه عليك - من نبأ الذى آتيناه آياتنا، وأخبارِ الأمم
التى أخبرتُك أخبارَهم فى هذه السورةِ ، واقتَصصتُ عليك نبأهم ونبأ أشباهِهم ، وما
حلّ بهم من عقوبتنا، ونزَل بهم حينَ كذَّبوا رسلَنا من نِقمتِنا - على قومِك من
قريشٍ، ومَن قِبَلَك من يهودِ بنى إسرائيلَ ؛ لِيَتَفَكّروا فى ذلك فيَعْتَبِروا ويُنِيبوا إلى
طاعتِنا ؛ لئلا يَحِلَّ بهم مثلُ الذى حلَّ بمن قبلَهم من النِّقم والمثُّلاتِ ، ويَتَدَبَّرَه اليهودُ
من بنى إسرائيلَ ، فيَعْلَموا حقيقةً أمرِك، وصحةً نبوتِك ، إذ كان نبأً الذى آتيناه آیاتِنا
من خفىٌّ علومِهم ومكنونِ أخبارِهم، لا يَعْلَمُه إلا أحبارُهم ومن قرأ الكتبَ ودرَسَها
منهم ، وفى علمِك بذلك - وأنتَ أُمِّ لا تَكْتُبُ ولا تَقْرَأُ، ولا تَدْرُسُ الكتبَ ، ولم
تُجالِسْ أهلَ العلم - الحجةُ البينةُ لك عليهم بأنك للَّهِ رسولٌ، وأنك لم تَعْلَمْ ما عَلِمْتَ
من ذلك، وحالُك الحالُ التى أنت بها ، إلَّا بوحي من السماءِ.
وبنحوِ ذلك كان أبو النَّصْرِ يقولُ :
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن محمدٍ ، عن سالم أبى النضرِ :
(فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: يعنى بنى إسرائيلَ، أى ) : قد جئتَهم
بخبرِ ما كان فيهم مما يُخْفُون عليك ، لعلَّهم يَتَفَكّرون فيَعْرِفون أنه لم يأتِ بهذا الخبرِ
عما مضَى فيهم إلا نبيٌّ يأتيه خبرُ السماءِ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ سَأََّ مَثَلًاً اُلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ
-ـ
(١) فى ص، ت١، س، ف: ((أنى))، وفى م: ((إذ))، والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج.
(٢) تمام الأثر المتقدم فى ص٥٧٩ - ٥٨١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢١/٥ من طريق سلمة به .
٥٩٠
سورة الأعراف : الآيتان ١٧٧، ١٧٨
يَظْلِمُونَ
يقولُ تعالى ذكره : ساء مثلًا القومُ الذين كَذَّبوا بحجج اللَّهِ وأدلتِه فجَحَدوها ،
وأنفسَهم كانوا يَنْقُصُون حظوظَها، ويَتْخَسُونها منافِعَها ، بتكذييهم بها لا غيرِها .
وقيل: ﴿سَلَّ مَثَلًا﴾ من السُّوءِ(١)، بمعنى: بئْسَ مثلًا (" مَثَلُ القومِ). وأُقِيم
((القومُ)) مُقَامَ ((المثَلِ))، [٨٧٥/١و] وحُذفَ ((المثلُ))، إذ كان الكلامُ مفهومًا معناه ،
كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ [ البقرة: ١٧٧]. فإن معناه: ولكنَّ
الِرَّ بِهُ(٣) مَنْ آمَنْ بِاللَّهِ .
وقد بيَنا نظائرَ ذلك فى مواضعَ غيرِ هذا بما أُغْنَى عن إعادتِهِ (٤).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِىٌّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَ هُمُ
اَلْخَسِرُونَ
١٧٨)
يقولُ تعالى ذكره : الهدايةُ والإضلالُ بيدِ اللَّهِ، والمهتدِى - وهو السالكُ
١٣١/٩ سبيلَ الحقِّ، الراكبُ قَصْدَ / المحجَّةِ فى دينِه - من هداه اللَّهُ لذلك، فوَقَّقه لإصابتِهِ،
والضالَّ مَن خَذَله اللَّهُ ، فلم يُوَفِّقْه لطاعتِهِ ، ومَن فعَل اللَّهُ ذلك به فهو الخاسرُ، يعنى :
الهالكُ .
وقد بيَّنا معنى ((الخَسارةِ)) و((الهداية)) و ((الضلالةِ)) فى غيرٍ موضعٍ من كتابِنا
هذا بما أُغَنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ(٥).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ف: ((السر))، وفى م: ((الشر)). وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٢ - ٢) سقط من النسخ، وينظر تفسير القرطبى ٧/ ٣٢٤.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣/ ٧٧.
(٥) ينظر ما تقدم فى معنى الخسارة فى ١/ ٤٤٢، وما تقدم فى معنى الهداية فى ١٦٥/١ - ١٦٩، ٢٣٤،
وما تقدم فى معنى الضلالة فى ٤١٥/٢، ٤١٦.
٥٩١
سورة الأعراف : الآية ٧٩!
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ اَلْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ
لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَاذَانُ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خَلَقْنا لجهنمَ كثيرًا مِن الجنِّ والإنسِ. يقالُ منه: ذَرَأ
اللَّهُ خَلْقَه يَذْرَؤُهم ذَرْءًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسن(١) الأزْدِىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ ، عن مباركِ بنِ
فَضالةً، عن الحسنِ، فى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِّ﴾.
قال : مما خَلَقْنَا(٢) .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن مباركٍ ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾. قال: خَلَقْنا .
قال : ثنا زكريا، عن عَتَّبٍ بنِ بَشيرٍ، عن علىٍّ بنِ بَذِيمَةً، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ،
قال: أولادُ الزّنا مما ذَرَأَ اللَّهُ لجهنمَ(٣) .
قال: ثنا زكريا بنُ عَدِىٌّ، وعثمانُ الأَحْوَلُ، عن مَرْوانَ بنِ معاويةَ ، عن الحسنِ
(١) فى النسخ: ((الحسين)). وقد تقدم على الصواب فى ٣٧٧/٧. وينظر تاريخ المصنف ٨٧/١،
٩٧، ١٢٥/٥، ٢٥٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٢/٥ من طريق مبارك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٧/٣
إلى أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٢/٥ من طريق عتاب به .
٥٩٢
سورة الأعراف : الآية ١٧٩
ابنِ عمرٍو، عن معاويةَ بنِ إسحاقَ ، عن جليسٍ له بالطائفِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو،
عن النبيِّ عََّه، قال: ((إنَّ اللَّهَ لَّ ذَرَأ لجهنمَ ما ذَرَأْ، كان وَلَدُ الرِّنا مِمّن ذَرَأْ
(١)
جهنم))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَ﴾. (" يقولُ: خَلَقْنا لجهنمَ ) .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سَمِعتُ
مجاهدًا يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. قال: لقد خلَقْنا لجهنمَ (١) من الجنّ
(٤)
والإنسِ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ:
﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾: خَلَقْنَا(٥) .
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَاَلْإِنسِّ﴾. لِنَفَاذِ
عِلْمِه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرِهم بربِّهم .
وأما قولُه: ﴿لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. فإن معناه: لهؤلاء الذين ذَرَأَهم اللَّهُ
لجهنمَ مِن خَلْقِه، قلوبٌ لا يَتَفكّرون بها فى آياتِ اللَّهِ ، ولا يَتَدَبَّرون بها أدِلَّتَه على
١٣٢/٩ وَحْدَانِيَّتِه، ولا يَعْتَبرون بها حُجَجَه لِرُسُلِه، / فيَعْلَموا توحيدَ ربِّهم، ويَعْرِفوا حقيقةً
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٢/٥ من طريق مروان بن معاوية به، وعنده: (( لما ذرأ لجهنم مَنْ
ذرأ)). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٧/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه .
(٢ - ٢) فى م: ((لجهنم يقول خلقنا)).
(٣) بعده فى م: ((كثيرًا)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٧/٣ إلى المصنف، بلفظ: ((لقد خلقنا لجهنم)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢١/٥ من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٧/٣
إلی ابن المنذر .
٥٩٣
سورة الأعراف : الآية ١٧٩
نبوّةِ أَنبيائِهم . فوَصَفَهم ربنا جلَّ ثناؤه بأنهم لا يَفْقَهون بها؛ لإعراضِهم عن الحقِّ،
وتَرْكِهم تدبُّرَ صحةِ الرّشْدِ ، وبُطُولِ الكُفْرِ .
وكذلك قولُه: ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾. معناه: ولهم أعينٌ لا يَنْظرونَ
بها إلى آياتِ اللَّهِ وأدِلَّتِهِ ، فِيَتَأَمَّلُوها ويَتَفَكِّروا فيها، فيَعْلَموا بها صحةً ما تَدْعوهم إليه
رسلُهم ، وفسادَ ما هم عليه مُقِيمون مِن الشركِ باللَّهِ ، وتكذيبٍ رسلِه. فوَصَفَهم اللَّهُ
بتركِهم إعمالَها فى الحقِّ، أَنَّهم(١) لا يُصرون بها. وكذلك قولُه: ﴿وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا
يَسْمَعُونَ بِهَ﴾ آياتِ كتابٍ اللَّهِ فِيَغْتَبِروها ويَتَفَكّروا فيها، ولكنَّهم يُعْرِضونَ عنها،
ويقولون: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وذلك
نظيرُ وصفِ اللَّهِ إِياهم فى موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿صُمْ بُكْمُ عُمَّىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[ البقرة: ١٧١]. والعربُ تقولُ ذلك للتارِكِ استعمالَ بعضٍ جوارحِه فيما يَصْلُحُ له.
ومنه قولُ مسكينِ الدَّارِمىِّ(٢):
حتى يُوَارِىَ جارتى السّتْرَ(٢)
أعْمَى إذا ما جارَتى خَرَجَتْ
سَمْعِى (وَمَا بالسَّمْعِ مِنْ) وَقْرٍ
فَأَصَمُ(٤) عمَّا كان بينَهما
فوَصَفَ نفسَه لتَرْكِه النظرَ والاستماعَ بالعمىَ والصَّمَمِ .
ومنه قولُ الآخرِ (٦) :
(١) فى م: (( بأنهم )) .
(٢) ديوانه ص ٤٥.
(٣) فى الديوان: ((الخدر)).
(٤) فى م: ((وأصم))، وفى الديوان: ((ويصم)).
(٥ - ٥) فى الديوان: ((وما بى غيره)). وبهذه العبارة تصبح ((وقر)) مرفوعة، فلا يكون فى البيت إقواء.
(٦) هو عبد الله بن مرة العجلى. والبيتان فى حماسة البحترى ص ١٧٢ كما ذكر ذلك الشيخ شاكر، أما
البيت الأول فقد وجدناه فى تفسير القرطبى ٢١٤/١.
( تفسير الطبرى ٣٨/١٠ )
٥٩٤
سورة الأعراف : الآية ١٧٩
("ولو أنِّى٢) أشاءُ بها سَمِيعُ
وَعَوْرَاءِ الكلامِ صَمَمْتُ عنها
وقد (٤) "تَقَتْ مِن الغَضَبٍ) الضُّلوعُ
وبادِرَةٍ وَرِعْتُ (٢) النَّفْسَ عنها
وذلك كثيرٌ فى كلامِ العربِ وأشعارِها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمعتُ
مجاهدًا يقولُ فى قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾. قال: " لا يَفْقَهون بها" شيئًا
مِن أمرِ الآخرةِ. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الهُدَى. ﴿ وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾
الحَقَّ. ثم جَعَلهم كالأنعامِ سواءً، ثم جَعَلهم شرًّا من الأنعام، فقال: ﴿ بَلّ هُمْ
أَضَلُّ﴾. ثم أخبر أنهم هم الغافلون .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ
اُلْغَفِلُونَ
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ﴾: هؤلاءِ الذين ذَرَأهم لجهنمَ هم
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((اللام)). وفى م: ((اللئام)). وأثبتناه كما فى مصادره. والعوراء :
الكلمة القبيحة. وقال الليث : العوراء: الكلمة التى تهوى فى غير عقل ولا رشد. ينظر اللسان (ع ور).
(٢ - ٢) فى م: ( وإنی لو)).
(٣) فى م، والحماسة - كما عند الشيخ شاكر -: ((وزَعت)) والورع والوزع وأحد، ومعناهما: الكَفُّ.
التاج (و رع، و ز .ع).
(٤) فى م: ( لو)).
(٥ - ٥) فى النسخ: ((بينت من العصب)). وأثبتنا كما فى الحماسة، وينظر تعليق الشيخ شاكر، وتئق: إذا
امتلأ غضبًا وغيظًا أو حزنًا . التاج (ت أق).
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( له قلب لا يفقه به )).
٥٩٥
سورة الأعراف : الآيتان ١٧٩، ١٨٠
كالأنعام، وهى البهائمُ التى لا تَفْقَهُ ما يقالُ لها، ولا تَفْهَمُ مَا أَبْصَرَتْه، لِمَا (١) يَصْلُحُ
ولِمَا (٢) لا يصلُحُ، ولا تَعْقِلُ بقلوبِها الخيرَ من الشرِّ، فتُمَيَِّ بينَهما (١٢)، / فشَبَّههم اللَّهُ ١٣٣/٩
بها؛ إذ كانوا لا يَتَذَكّرون ما يَرَوْن بأبصارِهم من حُجَجِه، ولا يَتَفَكّرون فيما
يسمعون من آيٍ كتابِه. ثم قال: ﴿ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾ . يقولُ: هؤلاء الكفرةُ الذين
ذَرَأهم لجهنمَ ، أَشَدُّ ذهابًا عن الحقِّ، وَأَلْزَمُ لطريقِ الباطلِ مِن البهائم ؛ لأَنَّ البهائمَ لا
اختيارَ لها ولا تْبِيزَ، فَتَخْتَارَ وَثُمََّ، وإنّما هى مُسَخَّرَةٌ، ومع ذلك تَهْرُبُ مِن الْمَضَارِّ،
وتَطْلُبُ لِأَنفُسِها مِن الغذاءِ الأَصْلَعَ. والذين وَصَف اللَّهُ صِفَتَهم فى هذه الآيةِ، مع
ما أُعْطوا مِن الأَفْهام والعقولِ [٨٧٥/١ ظ] المُميّزةِ بين المَصَالِحِ والمضارِّ، تَتْرُكُ ما فيه
صلاحُ دنياها وآخِرِتِها، وتَطْلُبُ ما فيه مَضَارُها (4) ، فالبهائمُ منها أَسَدُّ، وهى منها
أَضَلُّ، كما وَصَفَها به ربَّنا جلَّ ثناؤه .
وقولُه : ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : هؤلاء الذين وَصَفْتُ
صِفَتَهم القومُ الذين غَفَلوا - يَعْنى سَهَوْا - عن آياتى وحُجَجِى، وتَرَكوا تدبَُّها
والاعتبارَ بها والاستدلالَ على ما دَلَّتْ عليه مِن توحيدِ ربِّها ، لا البهائمُ التى قد عَرَّفها
ربُّها ما سَخّرها له .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ
١٨٠
أَسْمَّيِدٍّ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وهى كما قال ابنُ عباسٍ.
(أ) فى م: « مما).
(٢) فى م: (ما)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((بينها)).
(٤) بعده فى ص، ت ١، س، ف: ((فيها)).
٥٩٦
سورة الأعراف : الآية ١٨٠
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: حدَّثنی عمِّى، قال: حدَّثنی
أبى١، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهِّ﴾ . ومِن أسمائِه
العزيزُ الجبارُ، وكلُّ أسماءِ اللَّهِ حَسَنٌ(٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامِ بنِ حسانَ ، عن ابنِ سيرينَ، عن
أبى هريرةَ عن رسولِ اللهِ ◌ِ ◌ِلّهِ، قال: ((إنَّ للَّهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدًا ،
مَن أحصاها كُلُّهَا دَخَل الجنةَ))(٢).
وأمَّا قولُه: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُّلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَِّهِ،﴾ . فإنه يعنى به المشركين .
وكان إلحادُهم فى أسماءِ اللَّهِ أَنَّهم عَدَلوا بها عما هى عليه؛ فسَمَّوْا بها آلهتَهم
وأوثانَهم، وزادوا فيها ونَقَصوا منها؛ فسَمَّوْا بعضَها اللاتَ ، اشتقاقًا منهم لها من
اسم اللَّهِ الذى هو اللَّهُ، وسَمَّوْا بعضَها العُزَّى، اشتقاقًا لها من اسم اللَّهِ الذى هو
العزيزُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٣/٥ عن محمد بن سعدٍ به .
(٣) أخرجه أحمد ٣١٥/١٥ (٩٥١٣) عن ابن علية به. وأخرجه أحمد أيضًا ٣١٥/١٥ (٩٥١٣)،
١٦/ ٢٩١، ٤٠٣ (١٠٤٨١، ١٠٦٨٦)، والترمذى (٣٥٠٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٢/٥،
وابن حبان (٨٠٧)، والطبرانى فى الدعاء (١٠٣)، والحاكم ١٧/١، وعنه البيهقى فى الأسماء
والصفات (١٠) - وعند الحاكم والبيهقى ذِكْرٌ تفصيل الأسماء التسعة والتسعين - من طريق هشام ابن حسان
به. وأخرجه معمر فى جامعه (١٩٦٥٦)، وأحمد ٦١/١٣، ٢٩١/١٦، ٤٠٢، ٤٠٣ (٧٦٢٣،
١٠٤٨١، ١٠٦٨٥)، ومسلم (٢٦٧٧)، والعقيلى فى الضعفاء ٣/ ١٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٪
١٦٢٢، والطبرانى فى الدعاء (٩٥ - ١١٢،١٠٥)، وفى الأوسط (٢٢٩٥، ٤٩٠٠)، والحاكم ١٧/١،
والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٣) من طريق ابن سيرين به، وعند الحاكم والعقيلى والطبرانى (الدعاء -
حديث ١١٢ فقط) والبيهقى (حديث ١٠ فقط) ذكر تفصيل الأسماء الحسنى.
٥٩٧
سورة الأعراف : الآية ١٨٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىَ أَسْمَيِّ﴾. قال: إلحادُ
المُلْحِدِين أن دَعَوُا اللاتَ فى أسماءِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْجِدُونَ فِى أَسْمَنْبِهِ،﴾. قال: اشْتَقُّوا العُزَّى من العزيزِ،
واشْتَقُوا اللاتَ مِن اللَّهِ(٢) .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿يُلْحِدُونَ}
فقال بعضُهم: يُكذِّبونَ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٣٤/٩
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىَ أَسْمَنَبِّ﴾. قال: الإلحادُ التكذيبُ (١) .
وقال آخرون : معنى ذلك : يُشْرِكون .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأُعلَى، قال: ثنا ابنُ(٤) ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٣/٥ عن محمد بن سعد به، زاد فيه: ((والعزى)) بعد قوله:
((اللات)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥١٧/٣ عن ابن جريج عن مجاهد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٣/٥ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٤٩/٣ إلى ابن المنذر .
(٤) فى النسخ: ((أبو)). والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم .
٥٩٨
سورة الأعراف : الآية ١٨٠
﴿ يُلْحِدُونَ﴾. قال: يشركون(١).
وأصلُ الإلحادِ فى كلامِ العربِ، العُدُولُ عن القصدِ، والجَوْرُ عنه،
والإعراضُ. ثم يُسْتَعْمَلُ فى كلِّ مُعْوَجٌ غيرٍ مستقيم، ولذلك قيل لِلَحْدِ القبرِ: لَحْدٌ .
لأنه فى ناحيةٍ منه، وليس فى وَسَطِه. يُقال منه: أْحَدَ فلانٌ يُلْحِدُ إلحادًا. ولَحَدَ يَلْحَدُ
لَحْدًا ولخُودًا. وقد ذُكِر عن الكِسائىِّ أنه كان يُفَرَّقُ بينَ الإلحادِ واللَّهْدِ ؛ فیقولُ فى
الإلحادِ : إنه العُدولُ عن القصدِ. وفى اللَّحْدِ: إنه الؤُكُونُ إلى الشىءٍ. وكان يَقْرَأ
جميعَ ما فى القرآنِ ((يُلْحِدُون)) بضَمِّ الياءِ وكسرِ الحاءِ، إلا التى فى ((النحلِ)»، فإنه
كان يَقْرَؤُها ((يَلْحَدُون)) بفتح الياءِ والحاءِ . وَيَزْعُمُ أنه بمعنَى الؤُكُونِ(١) . وأما سائرُ
أهلِ المعرفةِ بكلام العربِ ، فيَرَوْن أن معناهما واحدٌ ، وأنَّهما لغتانٍ جاءَتا فى حرفٍ
واحدٍ بمعنى واحدٍ .
واخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فَقَرَأَتْه عامَّةُ أَهْلِ المدينةِ وبعضُ البَصْرِيِّين
والكوفيّين: ﴿ يُلْحِدُونَ﴾ بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاءِ، مِن: أُلْحَد يُلحِد. فى جميعِ
القرآن. وقرأَ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ (يَلْحَدون) بفتح الياءِ والحاءِ ، من: لَحَدَ
يَلْحَدُ(٣) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أنهما لغتانِ بمعنى واحدٍ ، فبأَّتِهما قَرَأ القارئُ
فمصيبٌ الصوابَ فى ذلك، غيرَ أنَّى أختارُ القراءةَ بِضمِّ الياءِ، على لغةٍ مَن قالَ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٣/٥ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه عبد الرزاق فى
تفسيره ٢٤٤/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٣ إلى عبد بن حميد.
(٢) ينظر السبعة ص ٢٩٨، ٣٧٥، والكشف عن وجوه القراءات ١/ ٤٨٤.
(٣) قرأ حمزة بفتح الياء والحاء، ومثله فى النحل والسجدة، ووافقه الكسائى على ذلك فى النحل، وقرأ
الباقون (( يُلْحِدون)) بضم الياءوكسر الحاء. ينظر الكشف عن وجوه القراءات السبع ٤٨٤/١، ٤٨٥،
والتيسير فى القراءات السبع ص ٩٤.
٥٩٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٨٠، ١٨١
أْخَدَ. لأنها أشهرُ اللغتين وأفصحُهما. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى قوله: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِيَّ أَسْمَتْبِهِّ﴾: إنه منسوخٌ.
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ، فى قولِه: ﴿ وَذَرُواْ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَتَبِهِّ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكفرِ، وقد نُسِخِ، نَسَخه
ــ (١)
القِتالُ (١).
ولا معنَى لما قال ابنُ زيدٍ فى ذلك مِن أنه منسوخٌ؛ لأنَّ قوله: ﴿ وَذَرُواْ الَّذِينَ
يُتْحِدُونَ فِىّ أَسْمَيِّ﴾. ليس بأمرٍ مِن اللَّهِ لنبيِّه عَ لِّ بتَوْكِ المشركين أن يقولوا
ذلك، حتى يَأْذَنَ له فى قتالِهم . وإنَّما هو تهديدٌ مِن اللَّهِ للمُلْحِدِين فى أسمائِه ووعيدٌ
منه لهم، كما قال فى موضعٍ آخرَ: ﴿ذَرُهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾
الآية [الحجر: ٣]. وكقوله: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
[ العنكبوت: ٦٦]. وهو كلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأَمْرِ بمعنى الوعيد والتهديدِ، ومعناه : إنْ
تُمْهِلِ(٢) الذين يُلْحِدون، يا محمدُ، فى أسماءِ اللَّهِ إلى أجلِ هم بالِغُوه، فسوف
يُجْزَوْن - إذا جاءَهم أجلُ اللَّهِ الذى (٣أَلَهم إليه٣) - جزاءَ أعمالِهم التى كانوا
يَعْمَلونها قبلَ ذلك؛ مِن الكفرِ باللَّهِ ، والإلحادِ فى أسمائِه، وتكذيبِ رسولِه .
١٣٥/٩
/ القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَمِقَنْ خَقْنَاْ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ومن الخَلْقِ الذين خَلَقْنا ﴿أُمَّةٌ﴾. يعنى: جماعةٌ.
يَهْدُونَ﴾. يقولُ: يَهْتَدون ﴿ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾. يقولُ: وبالحقٌ يَقْضون
ويُنْصِفُون الناسَ. كما قال ابنُ جريجٍ.
(١) ذكره ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٣٩، والقرطبى فى تفسيره ٣٢٨/٧.
(٢) فى م: ((تمهل )).
(٣ - ٣) فى م: ((أجله إليهم)).
٦٠٠
سورة الأعراف : الآيتان ١٨١، ١٨٢
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه :
(أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾. قال ابنُ مجريجٍ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَه
قال: ((هذه أَمَّتِى)). قال: ((بالحقِّ يَأْخُذون ويُعْطون ويَقْضُون)) (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ :
وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةُ يَهْدُونَ بِأَلْحَقِّ وَبِ يَعْدِلُونَ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَاً
أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ بَلَغنا أن نبيَّ اللّهِ عَمِ كان يقولُ إذا قَرَأَها :
((هذه لكم، وقد أَعْطِى القومُ بينَ أَيْدِيكم مِثْلَها: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾)) [الأعراف: ١٥٩].
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَاَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ(
يقولُ [٨٧٦/١و] تعالى ذِكرُه: والذين كَذَّبوا بأدِلَّتِنا وأعلامِنَا، فجَحَدوها ولم
يَتَذَكّروا بها، سنُمْهِلُهُ بِغِرَّتِهِ ونُزَيِّنُ له سوءً عملِه، حتى يَحْسَبَ أنه (" فيما هو" عليه
مِن تكذيِه بآياتِ اللَّهِ ، إلى نفسِه مُحْسِنٌ، وحتى يَتْلُغَ الغايةَ التى كُتِب له مِن الْمَهَلِ،
ثم نَأْخُذُه بأعمالِهِ السيئةِ ، فتُجازِيه بها مِن العقوبةِ ما قد أَعِدَّ له . وذلك اسْتِدْراج اللَّهِ
إياه . وأصلُ الاسْتِدْراجِ اغْتِرارُ المُسْتَدْرَجِ بَلُطفٍ، مِن حيثُ يَرَى المُستدرَجُ أنَّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٣ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٢٣/٥ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، بلفظ: (( يعنى هذه الأمة
يهدون بالحق وبه يعدلون))، كما أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤٤/١ عن معمر به، مثل لفظ ابن أبى
حاتم .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥١٨/٣ عن سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٣ إلى المصنف
وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤ - ٤) فى م: ((هو فيما)).