النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
بعينِه وإنه لقرْدٌ، ويعرِفُون المرأةَ بعينها وإنها لقردةٌ، قال اللَّهُ: ﴿فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةُ لِلْمُثَّقِينَ﴾(١) [البقرة: ٩٦
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهذَليّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية . قال ابنُ عباسٍ: ثَجا الناهونَ،
وهلَك الفاعِلون، ولا أدْرِى ما صُنعَ بالسَّاكِتِينَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلَى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمَرٍ ، عن قتادةَ ، عن ابنِ
عباسٍٍ: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: هم ثلاثُ فرقٍ ؛ الفرقةُ التى
وعَظَتْ، والموعوظَةُ التى وُعِظَت ، واللَّهُ أعلمُ ما فعلَت الفرقةُ الثالثةُ، وهم الذين
قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اَللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. وقال الكلبىُّ: هما فرقتان؛ الفرقةُ التى
وعَظَتْ، والفرقةُ التى قالتْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: هى
و (٣)
الموعوظةٌ(٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيينةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ
ابنِ جبيرٍ، عن ابنٍ / عباسٍ ، قال: لأُنْ أكونَ علِمْتُ مَن هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ
تَعِظُونَ قَوَمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ أحبُّ إلىَّ يَِّّا عُدِلَ به(٤).
٩٨/٩
حدَّثنا ابنُّ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: قال ابنُ عباسٍٍ: ﴿وَإِذْ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. قال: أسمعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿أَنْجَيْنَا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٨/٥، ١٥٩٩، ١٦٠٠، ١٦٠١ من طريق عبد الله بن إدريس
به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٣ إلى أبى الشيخ. وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٩٦/٣: وهذا إسناد
جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة فى نجاة الساكتين أولى من القول بهذا؛ لأنه تبين حالهم
بعد ذلك ، والله أعلم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٨/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٩/١ عن معمر به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٨/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

٥٢٢
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيْسٍ﴾. فليت شِعرِى ما فُعِلَ
بهؤلاءِ الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن ماهانَ الحنفىِّ أبى صالح
فى قوله: ﴿تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا
تَأْتِهِمْ﴾. قال: كانوا فى المدينةِ التى على ساحلِ البحرِ، وكانت الأيامُ ستةً،
الأحدُ إلى الجُمُعةِ ، فوضعتِ اليهودُ يومَ السبتِ ، وسَبَتوه على أنفُسِهِم، فسَبَتِه اللَّهُ
عليهم، ولم يكنِ السبتُ قبلَ ذلكَ، فوكّده اللهُ عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتانِ ،
فجعَلت تَشْرَعُ يومَ السبتِ ، فيتَّقُون أنْ يُصيبُوا منها ، حتى قالَ رجلٌ منهم: واللَّهِ ما
السبتُ بيومٍ وَكَّدَه اللَّهُ علينا، ونحنُ وَدناه على أنفُسِنا، فلو تناولتُ مِن هذا
السمكِ . فتناولَ حوتًا من الحيتان ، فسمع بذلك جاژه، فخاف العقوبةَ ، فھرَبَ من
منزلِه، فلما مكث ما شاءَ اللَّهُ ولم تُصبْه عقوبةٌ تناولَ غيرُه أيضًا فى يومِ السبتِ ، فلمَّا
لم تُصبْهم العقوبةُ، كثُرَ (١ من تناوَل) فى يومٍ السبتِ، واتَّخِذُوا يومَ السبتِ وليلةً
السبتِ عيدًا يشرَبون فيه الخمورَ، ويلعَبونَ فيه بالمعازِف، فقال لهم خيارُهم
وصُلحاؤُهم: وَيْحَكم، انتَهُوا عمّا تفعلون، [٨٦٧/١ظ] إن اللَّهَ مُهْلِكُكم أو مُعذِّبُكم
عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدُوا(١) فى السبتِ. فأبَوْا، فقال خيارُهم : نضرِبُ
بيننا وبينَهم (١) حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلةُ السبتِ تأذَّوْا بما يسمعون من
أصواتِهم وأصواتِ المعازِف ، حتى إذا كانت الليلةُ التى مُسخوا فيها ، سكَنتْ أَصواتُهم
أوّلَ الليلِ، فقال خيارُهم: ما شأنُ قومِكم قد سكنتْ أصواتُهم الليلةَ؟ فقال بعضُهم :
لعلّ الخمرَ غَلبتهم فناموا. فلمَّا أصبحوا لم يسمَعوا لهم حِسَّا، فقال بعضُهم لبعضٍ :
(١ - ١) فى ص، ت ١، س، ف: ((ما يتناول)).
(٢) فى ص، ف: ((تعتدوا)).
(٣) فى ف: (( بینکم)).

٥٢٣
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
ما لنا لا نسمَعُ من قومِكم حِسًا؟ فقالوا لرجلٍ: اصعَد الحائطَ ، وانْظُرْ ما شأنُهم.
فصعِد الحائطَ فرآهم يموجُ بعضُهم فى بعضٍ، قد مُسِخوا قردةٌ ، فقال لقومِه : تعالَوا
فانظُروا إلى قومِكم ما لَقُوا. فصعِدوا، فجعلوا ينظُرُونَ إلى الرجلِ فيتوسَّمونَ فيه،
فيقولون : أَىْ فلانُ، أنت فلانٌ؟ فيومِىُ بيدِه إلى صدرِه: أى نعم، بما كسَبتْ يداىَ.
حدَّثنى يعقوبُ وابنُ وكيع، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَةَ، عن أيوبَ ، قال : تلا الحسنُ
ذاتَ يومٍ : ﴿ وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى
السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبِّتِهِمْ شُرَّعُاْ وَيَوْمَ لَا يَسْلِتُونَ لَا
تَأْتِيهِزَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. فقال: حوتٌ(١) حرّمه اللَّهُ
عليهم (" فى يومٍ وأحلَّه) لهم فيما سوَى ذلك، فكان يأتيهم فى اليوم الذى حرَّمَهُ اللّهُ
عليهم كأنه المخاضُ، لا يمتنعُ من أحدٍ - وقلَّما رأيتُ أحدًا يُكثرُ الاهتمامَ بالذنبِ إلا
واقَعهُ. قال: فجعلوا يَهُمُّون ويُمسِكون حتى أخذُوه، فأكلوا أوخَمَ أكلةٍ أكلها قومٌ
قطُّ ، (٣أبقَى خِزْيًا٢) فى الدنيا، وأشدَّ عقوبةً فى الآخرةِ، وَاتِمُ / اللَّهِ، « ما حُوتٌ أخَذه
قومٌ فأكّلوه، أعظمَ عندَ اللَّهِ مِن قتلِ رجلٍ مؤمنٍ، وْلَلْمُؤمِنُ أعظمُ حرمةٌ عندَ اللَّهِ من
حوتٍ ، ولكنَّ اللَّهَ جعَل موعدَ قومٍ الساعةَ، والساعةُ أَذْهَى وأمَهُ(٥).
٩٩/٩
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن أبى موسى، عن الحسنِ، قال :
جاءتهم الحيتانُ تَشْرَحُ فى حياضِهم كأنها المخاضُ، فأكلوا واللَّهِ أوخمَ أْلةٍ أكلَها
(١) فى م، والدر المنثور: ((كان حوتا)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يوم أحله)).
(٣ - ٣) فى م: ((أثقله خزيا)).
(٤ - ٤) زيادة من: م. وليست فى مصادر التخريج. وينظر روح المعانى ٩/ ١٣٨.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٥٣١، وابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢٨) من طريق ابن علية به . وأخرجه
ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٩/٥ من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن به بنحوه مختصرا ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٣٨/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

٥٢٤
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٤ ، ١٦٥
قومٌ قطُّ، أسوأَه عقوبةً فى الدنيا، وأشدَّه(١) عذابًا فى الآخرةِ. وقال الحسنُ: وقتْلُ
المؤمن واللَّهِ أعظمُ من أْلِ الحيتانِ .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ ، قال : كنت جالسًا فى المسجدِ ،
فإذا شيخٌ قد جاءَ وجلسَ الناسُ إليه ، فقالوا : هذا من أصحابِ عبدِ الله بن مسعودٍ .
فقال: قال ابنُ مسعودٍ: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾
الآية. قال: لمَّ محرَّمَ عليهم السبتُ كانت الحيتانُ تأتى يومَ السبتِ وتأمنُ، فتجِىءُ
فلا يستطيعونَ أَنْ يمشُوها، وكان إذا ذهَب السبتُ ذهَبتْ ، فكانوا يتصيَّدُونَ كما
يتصيَّدُ الناسُ، فلمَّا أرادُوا أن يَعْدُوا فى السبتِ اصْطادُوا ، فنهاهم قومٌ من صالحيهم
فأبُوا ، وكَثرَهم (١) الفُجّارُ، فأرادَ الفُجّارُ قتالهم ، فكان فیھم من لا یشْتَهون قِتالَه ؛ أبو
أحدِهم أو أخوه أو قريئه، فلمَّا نهَوهم وأبَوْا، قال الصَّالحون: إِنْ(٣) (4 أبَيْتُم، فإنا"
نجعلُ بينَنَا وبينَكم(٥) حائطًا. ففعَلُوا، فلمَّا فقَدُوا أصواتَهم، قالوا: لو نَظَرْتُم إلى
إخوانِكُم ما فعلوا؟ فنظَروا فإذا هم قد مُسِخُوا قردةً، يَعرفونَ الكبيرَ بكِبَرِهِ، والصغيرَ
بصِغَرِه، فجعَلوا بيكونَ إليهم، وكان هذا بعدَ موسى عٍَّ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بٍِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ
١٦٥
السُوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيْسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: فلما ترَكَت الطائفةُ التى اعتدَتْ فى السبتِ ما أمرّها اللَّهُ به
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أشد)).
(٢) كثرهم الفجار: غلبوهم كثرة. ينظر النهاية ٤/ ١٥٢.
(٣) فى م: ((إنّا)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((اسهم وإنا))، وفى م: ((نباينهم وإنا)). والمثبت من العقوبات.
(٥) فى م: (( بينهم) .
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢٧) من طريق جرير به .

٥٢٥
سورة الأعراف : الآية ١٦٥
مِن تركِ الاعتداءِ فيه، وضيَّعتْ ما وعَظْها به الطائفةُ الواعظُ، وذكَّرَتْها ما ذكَّرَتْها به
من تحذيرِها عقوبةَ اللَّهِ على معصِيَتِها ، فتقدَّمتْ على استحلالِ ما حرَّمَ اللَّهُ عليها -
أنْجَى اللَّهُ الذين ينْهَوْنَ منهم عن السُّوءِ، يعنى عن معصيةِ اللَّهِ ، واستحلالِ حُرَمِه،
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. يقولُ: وأخَذ اللَّهُ الذين اعتدَوْا فى السبتِ، فاستحلُّوا
فيه ما حرَّم اللَّهُ من صيدِ السمكِ وأكْلِه، فأحلّ بهم بأْسَه، وأهلَكَهم بِعَذَابٍ شديدٍ
بكيسٍ بما كانوا (١) يُخالِفون أمرَ اللَّهِ، فيخرجونَ من طاعَتِه إلى معصِيَتِهِ، وذلك هو
الفسقُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ جُريج فى
قولِه: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِةٍ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾. قال: فلمَّا
نسُوا موعظةَ المؤمنينَ إيَّهم، الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾(٢).
١٠٠/٩
/ حدَّثنى محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا حَرَمِىٌّ، قال: ثنى شعبةُ ، قال : أخبرنى
عمارةُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾. قال :
يا ليتَ شِعرِى ما السُّوءُ الذى نَهَوْا عنه .
وأما قولُه: ﴿ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ﴾. فإنّ القرَأةَ اختلَفتْ فى قراءتِه؛ فقرأتْه عامّةُ
قرَأَةِ أهلِ المدينةِ ( بعذابٍ بِيسٍ) بكسرِ الباءِ وتخفيفِ الياءِ بغيرِ همزٍ، على مثالٍ
(٣)
(فِعْلٍ))(٣) .
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يفسقون))، ومضروب عليها فى: ص.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠١/٥.
(٣) وهى قراءة نافع وأبى جعفر. النشر ٢٠٥/٢ .

٥٢٦
سورة الأعراف : الآية ١٦٥
وقَرَأ ذلك بعضُ قَرَأَةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. على مثلٍ
((فَعِيلٍ))، من البؤسِ، بنصب الباءِ وكسرِ الهمزةِ ومدِّها(١).
وقرَأْ ذلك كذلك بعضُ المكيين، غيرَ أنه كسَر باءَ: (بِئِيسٍ). على مثالٍ
((فِعِيلٍ)(٢) .
وقرَأَه بعضُ الكوفيين: (بَيْسٍ). بفتح الباءٍ وتسكينِ الياءِ وهمزةٍ بعدها
مكسورةٍ، على مثالٍ (( فَبِعِلٍ))(٣).
وذلك شاذٌّ عند أهلِ العربيةِ، لأَنَّ ((فَيْعِل)) إذا لم يكنْ من ذواتِ الياءِ والواوِ،
فالفتحُ فى عيْنِهِ الفصيحُ فى كلامِ العربِ ، وذلك مثلُ قولِهم فى نظيرِه من السالم :
صَيْقَلٌ(٤)، ونَيْرَبّ(٥) . وإنما تُكْسَرُ العينُ من ذلك فى ذواتِ الياءِ والواوِ ، كقولهم:
سَيِّدٌ، وميّتْ . وقد أنشدَ بعضُهم قولَ امرئٍّ القیسِ بنِ عابسٍ الكندىِّ(١) :
يَضْرِبُ فِى يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا(٧)
كِلاهُما كانَ رَئِیسًا بَيْئِسَا
بكسرِ العينِ من «فيعِل))، وهى الهمزةُ من ((بَيْئِس)). فلعلّ الذى قرَأ ذلك
كذلك قَرأه على هذه .
وذُكِرَ عن آخَرَ من الكوفيين أيضًا أنه قرَأه: ( بَس). نحوَ القراءةِ التى ذكرناها
(١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وحمزة والكسائى، وحفص عن عاصم. ينظر النشر ٢٠٥/٢.
(٢) ينظر تفسير القرطبى ٧/ ٣٠٨، والبحر المحيط ٤١٣/٤، وقد نسباها إلى أهل مكة ولم يسميا أحدا .
(٣) هى قراءة عيسى بن عمر والأعمش بخلاف عنه وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٤/ ٤١٣.
(٤) الصيقل : شحاذ السيوف. اللسان (ص ق ل).
(٥) النيرب : الشر والنميمة، وهو أيضا الرجل الجليد. اللسان (ن رب).
(٦) البيت فى البحر المحيط ٤/ ٤١٣.
(٧) القونس : مقدم الرأس . اللسان (ق ن س) .

٥٢٧
سورة الأعراف : الآية ١٦٥
قبلَ هذه ، وذلك بفتح الباءِ [١٨٦٨/١] وتسكينِ الياءِ وفتح الهمزةِ بعدَ الياءِ، على مثالٍ
((فَيْعَلِ )) مثلُ(١) صَعِقَلٍ(١).
ورُوِى عن بعضٍ البصريينَ أنه قرأه : ( بَئِسٍ). بفتح الباءِ وكسرِ الهمزةٍ، على
مثالٍ ((فَعِلٍ)) (٣)، وكما قال ابنُ قيسِ الرقياتِ(4):
لَيْتَنِى أَلْقَى رُقَيَّةَ فِى خَلْوَةٍ مِنْ غيرِ ما بَيْسٍ
ورُوِىَ عن آخَرَ منهم أنه قرأ : ( بِئْسَ) . بكسرِ الباءِ وفتح السين، على معنى :
بِئْسَ العذابُ(٥) .
وأوْلَى هذه القراءاتِ عندِى بالصَّوابِ قراءةُ من قِرَأْه: (﴿بَعِيسٍ﴾). بفتحٍ
الباءِ وكسرِ الهمزةِ ومدِّها على مثالٍ ((فَعِيلٍ))، كما قال ذو الأصبع العَدْوانئُ:
(٦)
حَنَقًا عَلَىَّ وما(٧) تَرَى لى(٨) فِيهِمُ أثَرًّا بَئِيسا
/ لأن أهلَ التأويلِ أجمعوا على أن معناه: شديدٌ، فدلّ ذلك على صحةٍ ما ١٠١/٩
اختونا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريج،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((على مثال)).
(٢) وهى رواية عن أبى بكر، عن عاصم. ينظر السبعة ٢٩٦.
(٣) وهى قراءة أبى عبد الرحمن بن مصرف وهى شاذة . ينظر البحر المحيط ٤/ ٤١٣.
(٤) ديوانه ص ١٦٠.
(٥) وهى قراءة الحسن. إتحاف فضلاء البشر ص ١٣٩.
(٦) البيت فى مجاز القرآن ١/ ٢٣١، والأغانى ٣/ ١٠٢.
(٧) فى م، والأغانى: ((لن)).
(٨) فى س، ف: ((لهم)).

٥٢٨
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٥، ١٦٦
قال : أخبرنى رجلٌ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ
◌ِعَذَابٍ بَئٍِ﴾ : أليمٍ وجِيعٍ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ : ﴿ بِعَذَابٍ بَيْسٍ﴾ . قال : شديدٍ .
حدَّثنى المثنّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: أليم شديد (١).
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعْمٍ ، عن قتادةً :
(بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾. قال : مُوجعٍ " .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ بِعَذَابٍ
یعیِ﴾. قال : بعذابٍ شديد .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْ عَن مَّا نُهُواْ عَنّهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً
خَسِِینَ
يقولُ تعالى ذِكرُه: فلمَّا تمرَّدُوا فيما نُهُوا عنه من اعتدائِهم فى السبتِ ،
واستحلالِهم ما حرّم اللَّهُ عليهم من صيدِ السمكِ وأْلِهِ، وتمادَوْا فيه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ
قِرَدَةً خَسِتِينَ﴾ أىْ: بُعداءَ من الخيرِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٢/٥.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٠٢. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٨/٣ إلی عبد بن حميد .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٩/١ عن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٨/٣ إلى عبد بن
حمید .

٥٢٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٦، ١٦٧
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن
مَّا نُهُواْ عَنْهُ﴾. يقولُ: لَمَّ مَرَد القومُ على المعصيةِ ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ فِرَدَةً
خَسِينَ﴾، فصاروا قردةً لها أذنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالاً ونساءً (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا عَتَوَأْ عَن ◌َّا نُهُواْ عَنّهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً
خَسِمِينَ﴾: فجعل اللَّهُ منهم القردةَ والخنازيرَ، فزُعِم أن شبابَ القومِ صارُوا قردةً،
وأنَّ المشيخةَ صارُوا خنازيرَ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحمّانىُ، قال: ثنا شريكٌ، عن الشّدِّىِّ، عن أبى
مالكٍ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: رأى موسى عليه السلامُ رجلًا يحمِلُ قَصَبًا يومَ
السبتِ ، فضرَب ◌ُنقَه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن
يَسُومُهُمْ سُوْءَ الْعَذَابِ﴾ .
/ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾: واذْكُوْ يا محمدُ إِذْ آذن رِبُّك ١٠٢/٩.
:
فأعْلَمَ . وهو ((تفقَّل)) من الإيذانِ، كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قيسٍ(١) :
صَرَّمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَأْلُوفٍ
آذَنَ اليَوْمَ جِيرَتِی بِخُفُوفٍ (٤)
يعنى بقولِه : آذَنَ: أَعْلَمَ . وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ .
(٥)
(١) تقدم تخريجه فى ٢ / ٦٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٣/١ (٦٧٣) عن محمد بن سعد به .
(٣) ديوانه ص ٣١٣.
(٤) خفوف: ارتحال ، يقال: خفّ القوم عن وطنهم خفوفا: ارتحلوا مسرعين. التاج (خ ف ف).
(تفسير الطبري ٣٤/١٠ )
(٥) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٣٦١.

٥٣٠
سورة الأعراف : الآية ١٦٧
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، عن ابنِ أیی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾. قال: قال(١).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِذْ
تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾. قال: أَمَرِ رِبُّك .
وقولُه: ﴿ لَبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾. يعنى: أَعْلَمَ رِبُّك لَيبعثَنَّ على اليهودِ مَن يسومُهم
سوءَ العذابِ . قيل : إن ذلك العربُ ، بعَثهم اللَّهُ على اليهودِ يُقاتِلُون مَن لم يُسِلمْ
منهم ولم يُعطِ الجزيةَ، ومَن أَعْطَى منهم الجزيةَ كان ذلك له صَغَارًا وذِلَّةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى
معاويةٌ ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبَّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ
اُلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾. قال: هى الجزيةُ ، الذين يسومونَهم؛
محمدٌ عَمِ وأمَّتُه إلى يومِ القيامةِ(١) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
(١) سقط من: ف، وفى م: ((أمر ربك)). والأثر فى تفسير مجاهد ص ٣٤٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٦٠٣/٥. ويعنى بقوله: قال. أى: قال ربك. كما فى مصدرى التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٤/٥ من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٩/٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه .

٥٣١
سورة الأعراف : الآية ١٦٧
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن
يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ ﴾ : فهى المسكنةُ وأخذُ الجزيةِ منهم(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ،
قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ
سُوَّءَ الْعَذَابِ﴾. قال: يهودُ وما ضُرِبَ عليهم من الذِّلةِ والمسكنةِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
لَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوّءَ الْعَذَابِ ﴾. قال: فبعَث اللَّهُ
عليهم هذا الحىّ من العربِ ، فهم فى عذابٍ منهم إلى يومِ القيامةِ .
/ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ١٠٣/٩
لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾. قال: بعَث عليهم هذا الحىَّ من
العربِ، فهم فى عذابٍ منهم إلى يومِ القيامةِ . وقال عبدُ الكريم الجزرِىُّ: يُستحبُّ
أنْ تُبعثَ الأنباطُ فى الجزيةِ .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ ، عن جعفرٍ، عن
سعيدٍ: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾. قال:
العربُ، ﴿ سُوَءَ الْعَذَابِ ﴾. قال: الخراج، وأوّلُ من وضَع الخراجَ موسى [٨٦٨/١ظ]
عليه السلامُ، فجَبَى الخراجَ سبعَ سنينَ (١) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ
رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيَّهِمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ مَن يَسُومُهُمْ﴾. قال: العربُ، ﴿سُّهَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٧/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٤/٥ من طريق يعقوب به مقتصرا على قوله: قال : الخراج.

٥٣٢
سورة الأعراف : الآية ١٦٧
اَلْعَذَابِ﴾. قال: الخراج. قال: وأوّلُ مَن وضَع الخراجَ موسى ، فجبَى الخراجَ سبعَ
سنينَ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ
رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَّهَ اَلْعَذَابِ ﴾. قال: هم أهلُ
الكتاب، بعَث اللّهُ عليهم العربَ يَجبُونَهم الخراجَ إلى يومِ القيامةِ، فهو (١) سوءُ
العذابِ، ولم يَجْبِ نبيٌّ الخراجَ قطَّ إلَّ موسى عَِّ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، ثم أمسك،
وإلّ النبيَّ عَهٍ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ
اَلْعَذَابِ﴾. قال: يَبْعَثُ (١) عليهم هذا الحىّ من العربِ، فهم فى عذابٍ منهم إلى يومٍ
القيامةِ .
قال: أخبرنا معمرٌ، قال: أخبرنى عبدُ الكريم، عن ابنِ المسيَّبِ، قال :
يُستحبُّ أن تُبعثَ الأنباطُ فى الجزيةِ(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّئِّ: ﴿ وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوَءَ
اَلْعَذَابِ﴾. يقولُ: إن ربَّك ببعَثُ على بنى إسرائيلَ العربَ، فيسومونَهم سوءً
العذابِ ؛ يأخذونَ منهم الجزيةَ ويقتلونَهم .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، فى: ((فهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٣/٥ من طريق يعقوب به من قول ابن عباس. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٣٩/٣ إلى أبى الشيخ من قول ابن عباس.
(٣) فى ف: ((بعث))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((يتعب)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٣٩/١، وفى مصنفه (٩٨٨٠،٩٨٧٧).

٥٣٣
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٧، ١٦٨
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذْ
تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيْبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: ليبعَثنَّ على يهودَ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابٍّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
(١٦٧)
يقولُ تعالى ذكره: إن ربَّك يا محمدُ لسريعٌ عقابُه إلى مَن استوْجَبَ منه العقوبةَ
على كفرِه به ومعصيته له ، ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: وإنه لذو صَفحٍ عن
ذنوبٍ مَن تابَ من ذنوبِه ، فأنابَ وراجعَ طاعتَه ، يستُرُ عليها بعفوِه عنها ، رحيمٌ له
أن يُعاقبَه على جرْمِه بعدَ توبتِه منها؛ لأنه يَقْبلُ التوبةَ ويُقيلُ العثْرَةَ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ
وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ وَبَلَوْنَهُمْ بِالْحَسَنَتِ وَالسَِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
.
(١٦٨)
/ يقولُ تعالى ذِكرُه: وفرَقنا بنى إسرائيلَ فى الأرضِ ﴿أَمَمًا﴾، يعنى ١٠٤/٩
جماعاتٍ شتّی مُتفرّقين .
كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، عن يعقوبَ ، عن
جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَطَّعْنَهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً﴾.
قال: فى كلِّ أرضٍ يدخُلُها قوم من اليهود (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَقَطّْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً﴾. قال: يهودُ(٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٤/٥ من طريق أصبغ عن ابن زيد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٥/٥ من طريق يعقوب به. وهو فى الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم
فى الصفحة السابقة .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٩/٣ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وأبى الشيخ.

٥٣٤
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٨، ١٦٩
وقولُه: ﴿مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ﴾. يقولُ: مِن هؤلاءِ القومِ الذين وصَفهم اللَّهُ
مِن بنى إسرائيلَ - ﴿الصَّلِحُونَ﴾. يعنى: مَن يؤمنُ باللهِ ورسلِه، ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ
ذَلِكٌ﴾ . يعنى: دونَ الصَّالحِ .
وإنَّما وصفهم اللهُ جلَّ ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبلَ ارتدادهم عن دینھم ،
وقبلَ كفرِهم بربِّهم، وذلك قبلَ أن يُبعث فيهم عيسى ابنُ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه .
وقولُهُ: ﴿وَبَلَوْنَهُمْ بِاْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ:
واخْتَبَرناهم بالرَّخاءِ فى العيشِ، والخفْضِ فى الدنيا ، والدَّعَةِ والسّعةِ فى الرزق ، وهی
الحسناتُ التى ذكرَها جلَّ ثناؤه. ويعنى بـ ﴿ وَالسَّيِّئَاتِ ﴾: الشدّةَ فى العيشِ،
والشَّظَفَ فيه، والمصائبَ والرزايا فى الأموالِ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ:
لِيرجعوا إلى طاعةِ ربِّهم، ويُنيبوا إليها ، ويتوبوا مِن معاصِيهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ
هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾ .
يقولُ تعالى ذِكرُه: فخلَف من بعدِ هؤلاءِ القومِ الذين وصَف صِفَتَهم -
خَلْفٌ﴾ يعنى: خَلْفُ سَوْءٍ. يقولُ: حدَثَ بعدَهم وخِلافَهم، وتبدَّل منهم بَدَلُ
سَوْءٍ.
يقالُ منه: هو خَلَفُ صِدْقٍ، وخَلْفُ سَوْءٍ. وأكثرُ ما جاء فى المدحِ بفتحِ
اللامِ ، وفى الذمِّ بتسكينِها ، وقد تُحرَّكُ فى الذمِّ ، وتُسكّنُ فى المدح، ومن ذلك فى
تسكينها فى المدح قولُ حسانَ(١):
لِأَوَّلِنا فى طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ
لنا القَدَمُ الأَولى إليكَ وحَلْفُنا
ء
(١) ديوانه ص ٢٤١.

٥٣٥
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
وأحْسَبُ أنه إذا وُجِّه إلى الفسادِ مأخوذٌ من قولهم : خَلَف اللّبنُ ، إذا حمِض
من طُولٍ تركِه فى السّقاءِ حتى / يَفْسُدَ . فكأنَّ الرجلَ الفاسدَ مشبَّةٌ به. وقد يجوزُ أن ١٠٥/٩
يكونَ من (١) قولِهم: خَلَف فمُ الصائم، إذا تغيَّرت رِيحُه .
وأمّا فى تسكين اللامِ فى الذمِّ، فقولُ لَبِيدٍ (٢):
وبقیتُ فِی خَلْفٍ گجلْدِ الأجْرَبِ
ذَهَبَ الذین یُعاشُ فی اُكْنافِهم
وقيل : إن الخلْفَ الذى ذكَر اللَّهُ فى هذه الآيةِ أنّهم خَلَفُوا مَن قبلَهم، هم
النَّصَارى .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. قال: النصارى (١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما وصَفَ أنه
خَلَف القومَ الذين قصَّ قَصصَهم فى الآياتِ التى مضتْ - خَلْفُ سَوْءٍ رَدِىءٌ ، ولم
يذكُوْ لنا أنهم نَصارَى فى كتابِهِ، وقِصّتُهم بقَصَصِ اليهودِ أشبَهُ منها بقَصَصٍ
النصارى .
وبعدُ ، فإن ما قبلَ ذلك خبرٌ عن بنى إسرائيلَ ، وما بعده كذلك ، فما بينهما بأن
يكونَ خبرًا عنهم أشبهُ؛ إذْ لم يكنْ فى الآيةِ دليلٌ على صَرْفِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم ،
ولا جاء بذلك دليلٌ يوجبُ صحةً القولِ به .
(١) فى النسخ: ((منه)). والمثبت صواب العبارة .
(٢) دیوانه ص ١٥٧.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٠٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٩/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

٥٣٦
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
فتأويلُ الكلام إذنْ : فتبدّلَ من بعدِهم [٨٦٩/١ ٥] بَدَلُ سوْءٍ، ورِثوا كتابَ اللَّهِ
فعلِموهُ(١) ، وضَيَّعوا العملَ به، فخالفوا محُكْمَه؛ يُرْشَوْن فى حكم اللَّهِ فيأخذون
الرِّشْوةَ فيه من عرضٍ هذا العاجلِ الأُذْنَى، يعنى بـ ﴿اَلْأَدْنَ﴾: الأقربَ من الآجلِ
الأبعدِ ، ويقُولون إذا فعلوا ذلك: إن اللَّهَ سيغفر لنا ذنوبَنا. تمنًّا على اللَّهِ الأباطيلَ،
كما قال جلَّ ثناؤه فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا
مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَا كَثَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم
مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾. يقولُ: وَإِنْ شَرَع
لهم ذنبٌ حرامٌ مثلُه من الرّشوةِ بعدَ ذلك، أخذُوه واستحلَّوه، ولم يَرْتدِعوا عنه .
يُخبِرُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم أهلُ إصرارٍ على ذنوبهم ، وليسوا بأهلِ إنابةٍ ولا توبةٍ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويل، وإن اختلَفتْ عنه عباراتُهم .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُّ المقدام ، قال : ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ ، عن منصورٍ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ فى قولِه: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَضٌ مِثْلُهُ
يَأْخُذُوهُ﴾. قال: يعملون بالذنبِ ثم يستغفِرُونَ اللَّهَ، فإن عرَضَ ذلك الذنبُ
(٢)
أخذوه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: من الذنوبٍ(٣).
(١) فى م: ((تعلموه))، وفى ت ١، ت ٢، س: ((يعلموه)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق ٢٤٠/١ فى تفسيره، وسعيد بن منصور فى سننه (٩٦٦ - تفسير)، والبيهقى فى الشعب
(٧١٥٨) من طريق فضيل به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٧/٥ من طريق سفيان به .

٥٣٧
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ١٠٦/٩
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾. قال: يعملون بالذنوبِ، ﴿ وَإِن
يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ ﴾. قال: ذنبٌ آخرُ يعمَلوا به .
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ :
( يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: الذنوبُ، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ .
ج
قال : الذنوبُ .
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی، عن ابنِ أُبی
نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ﴾. قال: ما أشرَف لهم من شىءٍ
فى اليومِ من الدنيا حلالٌ أو حرامٌ يشتهونَه، أخذوه، ويبتغُون (١) المغفرةَ، فإن يجِدُوا
الغدَ مثلَه يأخذوه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه ، إلا أنه قال : يتمنَّون المغفرةَ .
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ﴾. قال: لا يُشْرِفُ لهم شىءٌ من الدنيا إلا أخَذوه،
حلَالًا كان أو حرامًا، ويتمنَّون المغفرةَ، ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. وإن يجدُوا عرضًا
مثله یأخذوه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَخَلَفَ
مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: إِى واللَّهِ ، لَخَلْفُ سَوْءٍ ورِثوا الكتابَ بعدَ أنبيائهم ورسلِهم،
(١) فى مصادر التخريج: ((يتمنون))، وهو اللفظ الآتى.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٤٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٠٧، ١٦٠٨، وهو تمام الأثر المتقدم
فی ص ٥٣٥.

٥٣٨
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
ورَّثَهم اللَّهُ وعِهِدَ إليهم، وقال اللَّهُ فى آيةٍ أخرى: ﴿ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ
الصَّلَوةَ وَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ﴾ [مريم: ٥٩]. قال: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَ وَيَقُولُونَ
سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: تمنَّوا على اللَّه أمانيَّ، وغِرَّةٌ يغترُّون بها، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَضٌ مِثْلُ﴾: لا
يشغَلُهم شىءٌ عن شىءٍ، ولا ينهاهُم عن ذلك، كلَّما أشرَف ١ لهم شيءٌ من الدنيا
أكلوه، لا يُتَالُون حلالاً كان أو حرامًا(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلَى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعمرٍ ، عن قتادة :
﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: يأخُذونَه إن كان حلالًا وإن كان حرامًا،
﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَضُ مِثْلُهُ﴾. قال: إن جاءهم حلالٌ أو حرام أخذوه(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ﴾. قال:
كانت بنو إسرائيلَ لا يشْتقضُون قاضيًا إلّا ارتَشَى فى الحكم، وإنّ خيارَهم اجتمعوا
فأخَذَ بعضُهم على بعضِ العهود ألا يفْعلوا، ولا يرتَشُوا(٤)، فجعَل الرجلُ منهم إذا
اسْتُقْضِى ارتشَى، فيقالُ له : ما شأنُك ترتشِى فى الحُكْمِ؟ فيقولُ: سيُغفرُلِى. فيطْعُنُ
عليه البقيةُ الآخرُون من بنى إسرائيلَ فيما صنَعَ، فإذا ماتَ أَو نُزِعَ، و(٥) يجعلَ مكانَه
رجلٌ مَّن كان يطعُنُ عليه فيرتشِى. يقولُ(١): وإنْ يأتِ الآخرين(١) عرضُ الدنيا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((وصف)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٦٠٦، ١٦٠٧ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣٩/٣ إلى عبد بن حميد، وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٤٠/١ عن معمر به .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: (( یرتش)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أو)).
(٦) فى ص: ((فيقول))، وسقط من: ت١، ت٢، س، ف.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الآخر)).

٥٣٩
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
يأخُذوه. وأمّا ((عَرَضُ الأدنى(١))، فعرضُ الدنيا من المالِ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ
هَذَا الْأَدَّنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. يقولُ: يأخذون ما أصابوا ، ويتركون ما شاءوا من
حلالٍ أو حرامٍ، ويقولُون: ﴿سَيُغْفَّرُ لَنَا﴾﴾(١).
١٠٧/٩
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدَّنَ﴾. قال: الكتابُ الذى كتَبوه، ويقولُون: ﴿سَيُغْفَرُ
لَنَا﴾؛ لا نُشركُ باللَّهِ شيئًا، ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَضُ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾: يأتِهم المحُّ برشوةٍ
فيُخْرِجوا له كتابَ اللَّهِ، ثم يحكموا له بالرّشوةِ، وكان الظالمُ إذا جاءَهم برِشَةٍ
أخرَجواله المَثْنَاةَ(٤)، وهو الكتابُ الذى كتَبوه، فحكموا له بما فى المثناةِ بالرّشوةِ ،
فهو فيها مُحِقٌّ، وهو فى التوراةِ ظالم، فقال اللَّهُ: ﴿أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيتَقُ اُلْكِتَبِ
أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ﴾(٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا اُلْأَدْنَ﴾. قال:
يعمَلونَ بالذنوبِ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُمُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال:
ج
الذنوبُ(٦).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((الدنيا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/٣ إلى أبى الشيخ مختصرا.
(٣) ينظر التبيان ٥/ ٢١.
(٤) قيل: إن ((المثناة)) هى أن أحبار بنى إسرائيل بعد موسى عليه السلام وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا
من غير كتاب الله . النهاية ٢٢٥/١.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠٧/٥، ١٦٠٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد به .
(٦) تقدم تخريجه فى ص ٥٣٦.

٥٤٠
سورة الأعراف : الآية ١٦٩
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلَّا
اَلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(١)
(١٦٩)
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم يُؤْخَذْ على هؤلاء المرتشِين فى أحكامِهم، القائلين:
سَيغفِرُ اللَّهُ لنا فعلَنا هذا. إذا عُوتِبوا على ذلك - ﴿مِيثَقُ الْكِتَبِ﴾؟ وهو أخذُ اللَّهِ
العهودَ على بنى إسرائيلَ بإقامةِ التوراةِ والعملِ بما فيها ، فقال جلّ ثناؤُه لهؤلاء الذين
قصَّ قِصَّتَهم فى هذه الآيةِ ، مُوبِّخًا لهم على خِلافِهم أمرَه ، ونقْضِهم عهدَه وميثاقَه :
ألم يأخذِ اللَّهُ عليهم ميثاقَ كتابِهِ ألا يقولوا على اللَّهِ إلا الحقَّ، ولا يُضِيفوا إليه إِلَّ ما
أَنَزلَه على رسولِه موسى عليه السلامُ فى التوارةِ ، وألا يَكْذِبوا عليه .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جریچٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَقُ [٨٦٩/١ ظ] اُلْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ
إِلَّا الْحَقَّ﴾ . قال : فيما يوجِئُون على اللَّهِ من غفرانِ ذنوبهم التى لا يزالون يعودون
فيها ولا يتوبون منها(٢).
وأما قولُه: ﴿وَدَرَسُواْ مَا فِيَةٍ﴾ .. فإنه معطوفٌ على قولِه: ﴿وَرِثُواْ
الْكِنَبَ﴾ . ومعناه : فخلَفَ من بعدهم خلفٌ ورِثوا الكتاب ودرَسُوا ما فیه . ویعنی
بقولِه: ﴿ وَدَرَسُوا مَا فِيَةٍ﴾: قَرَءُوا ما فيه. يقولُ: ورِثوا الكتابَ فعلِموا ما فيه
ودَرَسُوا، فضيَّعوه وترَكوا العملَ به، وخالفوا عهدَ اللَّهِ إليهم فى ذلك.
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
(١) فى ص، ت ١، ت ٣، س، ف: ((يعقلون)). وبالتاء قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وبالياء قرأ
ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائى وأبو بكر عن عاصم. ينظر حجة القراءات ص ٣٠١. وأثبتنا القراءة
بالتاء كرسم مصحفنا، وإن كان تفسير المصنف على القراءة بالياء كما سيأتى .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٤٩٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٠/٣ إلى أبى الشيخ.