النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة الأعراف : الآيتان ١٥٨ ، ١٥٩
الناسُ، واعملوا بما أمَركُم أن تعملوا به من طاعةِ اللهِ، ﴿ لَعَلَكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
يقولُ : لكى تهتدُوا فَتَرِشُدوا وتصيبُوا الحقَّ فى اتباعِكم إِيَّه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ،
ـعْدِلُونَ
١٥٩
يقولُ(١) تعالى ذكرُه: ﴿ وَمِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ . يعنى: مِن بنى إسرائيلَ،
أُمَّةٌ﴾. يقولُ: جماعةٌ، ﴿ يَهْدُونَ بِالْحَقِ﴾. يقولُ: يهتَدونَ بالحقِّ ، أى:
يستقِيمون عليه ويعملون به، ﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ أى: وبالحقِّ يُعطُون ويَأْخُذُون ،
ويُنصِفون من أَنفُسِهم فلا يَجورُونَ .
وقد قال فى صفةِ هذه الأمَّةِ التى ذكَرَها اللَّهُ فى هذه الآيةِ جماعةٌ أقوالًا نحنُ
ذاكرون ما حضَرَنا منها .
[٨٤/٢٠ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ ، عن
ابنِ عُيينةَ، عن صدقةً أبى الهذيلِ، عن السدىِّ: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾. قال: قومٌ بينكم وبينَهم نهرٌ مِن شَهْدٍ ().
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج قولَه :
﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾. قال: بلغنى أن بنى
إسرائيلَ لما قتَلوا أنبياءَهم (" وكفروا٢)، وكانوا / اثْنَى عشَرَ سِبْطًا، تبرّأ سبطٌّ منهم مِما ٨٨/٩
صنَعوا، واعتذروا، وسألوا اللَّهَ أَنْ يفرّقَ بينهم وبينَهم ، ففتح اللَّهُ لهم نَفَقًّا فى الأرضِ
(١) فى الأصل: ((يعنى)).
(٢) الشهد: العسل ما دام لم يعصر من شمعه، واحدته شَهْدة وشُهْدَة. التاج (ش هـ د). والأثر أخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره ١٥٨٨/٥ من طريق ابن عيينة به، وفيه ((نهر من سهل)). قال حامد - رواية عن ابن عيينة - :
سهل؛ نهر من رمل يجرى. وكذا عزاه إليه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٣. وذكره ابن كثير فى
تفسيره ٤٩١/٣ عن ابن عيينة به كلفظ المصنف .
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((كفروا)).

٥٠٢
سورة الأعراف : الآيتان ١٥٩، ١٦٠
فساروا فيه حتى خرجوا من وراءِ الصِّينِ، فهم هنالك حنفاءُ مسلمون ، يستقبلون
قبلَتَنا . قال ابنُ نجريج: قال ابنُ عباسٍ: فذلك قولُه: ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرِكِلَ
أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: ١٠٤]. ووعدُ الآخرةِ
عيسى ابنُ مريمَ يخرُجون معه . قال ابنُ جريج: قال ابنُ عباسٍ : ساروا فى الشّرَبِ
(١)
سنةً ونصفًا (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَ عَشْرَةَ أَسْبَاطَا أُمَمَّأَ ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه: فَقْنَاهُم(٢) ، يعنى قومَ موسى من بنى إسرائيلَ، فَرَّقهم.
اللَّهُ فجعلَهم قبائلَ شتَّى ، اثنتَىْ عَشْرَةَ قبيلةٌ .
وقد بيَّنا معنى ((الأسباطِ)) فيما مضى ومَن هُم(٤) .
واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجْهِ تأنيثِ ((الاثْتىْ عَشْرَةَ))، [٥٨٥/٢٠]
و ((الأسباطُ)) جمعُ مُذكرٍ؛ فقال بعضُ نحوبيِّ البصرةِ: أراد اثنتى عَشْرَة فرقةٌ . ثم
أخبَر أن الفِرَقَ أسباطٌ ، ولم يجعلِ العددَ على ((أسباطٍ )).
وكان بعضُهم يَسْتَخْطِئُ(٥) هذا التأويلَ ويقولُ: لا يخرجُ العددُ على غيرِ
الثانى، ولكنَّ الفِرَقَ قبلَ ((الاثنتي العَشْرَةَ)) حتى تكونَ ((الاثنتا العشْرةَ)) مؤنَّئَةً على ما
قبلَها ، ويكونُ الكلامُ: وقطّعناهُم فِرَقًّا اثنتى عشْرَةَ أسباطًا . فيصحُ التأنيثُ لما تقدّمَ .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩١/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٦/٣ إلى المصنف
وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) فى س: ((مزقناهم)) .
(٣) فى س: ((مزقهم)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٥٩٧/٢ - ٥٩٩.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((يستحكى))، وفى م: ((يستحكى على)).
(٦) فى م: ((عين)).

٥٠٣
سورة الأعراف : الآية ١٦٠
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: إنما قال: ﴿ أَثْنَتَا عَشْرَةَ﴾ بالتأنيثِ،
و ((السّبطُ )) مذكرٌ؛ لأن الكلامَ ذهبَ إلى الأُمم، فغَلَّب التأنيثَ وإن كان ((السّبطُ))
ذكرًا، وهو مثلُ قولِ الشاعرِ(١) :
وَإِنَّ كِلابًا هذه عَشْرُ أَبْطُنٍ
وأنتَ بَرِىءٌ مِن قَبَائِلِها العَشْرِ
/ ذهَب بـ ((البطنِ)) إلى القبيلةِ والفصيلةِ، فلذلك جمَع ((البطنَ)) بالتأنيثِ .
٨٩/٩
وكان آخَرُ(١) من نحوِّى الكوفةِ يقولُ(٢): إنما أَنْثَت ((الاثنتَا عَشْرَةَ))،
و ((السبطُ)) ذَكَرٌ؛ لذكرِ ((الأممٍ)).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أنّ ((الاثنتَى العَشْرَةَ)) أَنَّنت التأنيثِ
((القِطْعةِ)). ومعنى الكلام: وقطّعناهم قطعًا اثنتى عشْرَةَ. ثم ترجمَ عن القِطَع
بـ ((الأسباطِ))، وغيرُ جائزٍ أنْ تكونَ ((الأسباطُ)) مُفسَّرَةً عن ((الاثْنتى العشْرَةَ))،
وهى جمعٌ؛ لأن التفسيرَ() فيما فوقَ العشرِ إلى العشرين بالتوحيدِ لا بالجمعِ،
و ((الأسباطُ)) جمعٌ لا واحدٌ، وذلك كقولهم: عندى اثنَتَا عَشْرَةَ امرأةٌ . ولا يقالُ:
عندى اثنَتَا عَشْرَةَ نسوةً . [٨٥/٢٠ظ] ففى ذلك بيانُ(٥) أن ((الأسباطَ)) ليستْ بتفسیرِ
لـ ((الاثنتى العشْرَةَ)). وأن القولَ فى ذلك على ما قلْنا.
وأمّا ((الأمُ)) فالجماعاتُ. و((السّبطُ)) فى بنى إسرائيلَ نحوُ القرنِ .
وقيل: إِنما فُرُّقوا أسباطًا لاختلافِهم فى دينهم .
(١) هو النواح الكلابى، والبيت فى الكتاب ٥٦٥/٣، ومعانى القرآن للفراء ١٢٦/١، واللسان (ب ط ن).
(٢) فى ص، م، ت ١، ف: ((آخرون)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ف: ((يقولون)). وهذا قول الفراء فى معانى القرآن ١/ ٣٩٧.
(٤) يعنى بالتفسير التمييز.
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، فى.

٥٠٤
سورة الأعراف : الآية ١٦٠
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَنَّهُ قَوْمُهُ:
أَنِ أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةً عَيْئًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىَّ كُلُواْ مِن
طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمُّ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
١٦٠
يقولُ جلَّ ثناؤه: وأوحينا إلى موسى إذْ فَرَّقنا بنى إسرائيلَ قومَه اثنتى عشْرَةَ
فرقةً، وتَتَّهناهُم فى التِّيهِ فاستشْقَوْا موسى من العطشِ وعَوَرٍ (١) الماءِ - ﴿أَنِ
أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ﴾.
وقد بيَّنَّا السببَ الذى كان قومُه استَقَوه(١)، وبيَّنا معنى ((الوحي))
(٣)
بشواهده
﴿فَتْبَجَسَتْ مِنْهُ﴾: فانصبَّتْ وانفجرَتْ من الحجرِ، ﴿ أَثْنَتَا عَشْرَةً
عَيْئًا﴾ من الماءِ، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾. يعنى: كلَّ أناسٍ من الأسباطِ الاثنتى
عَشْرَةَ، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخُلُ سبطٌ على غيرِهِ فى شِرْبِهِ، [٨٦/٢٠و] ﴿ وَظَلَّلْنَا
عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ ﴾ يُكِنُّهم مِن حرِّ الشمسِ وأذاها. وقد بيَّنا معنى ((الغمامِ)) فيما مضى
قبلُ، وكذلكَ ((المنّ)) و((الشَّلْوى))(٤).
﴿ وَأَنَزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ طعامًا لهم، ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
رَزَقْنَكُمْ﴾. يقولُ: وقلنا لهم: كُلوا من حلالِ ما رزقناكُم أيّها الناسُ فطيّبناهُ
لكم، ﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وفى الكلامِ
(١) فى ص: ((عور))، وفى م: ((غثور))، وفى س، ف: ((غور)). والعوز: الحاجة. ينظر اللسان (ع وز).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥/٢، وما بعدها .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥/ ٤٠١، وما بعدها .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦٩٨، وما بعدها .

٥٠٥
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٠، ١٦١
محذوفٌ تُرِكَ ذِكرُه استغناءً بما ظهرَ عما تُرِكَ، وهو: فأجِمُوا) ذلك وقالوا : لن
نصبرَ على طعامٍ واحدٍ، فاستبدلوا الذى هو أذْنَى بالذى هو خيرٌ، ﴿وَمَا
ظَلَهُوْنَا﴾. يقولُ: وما أَدخَلوا علينا نقصًا فى مُلكِنا وسُلْطانِنا بمسألتِهم ما سألوا،
وفعلِهِم ما فَعلوا، ﴿ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أى: يَنقُصُونها
حظوظَها باستبدالِهم الأَذْنَى بالخيرِ ، والأزذلَ بالأفضلِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أَسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ
وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِقِظَةٌ وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ
٦١
خَطِيْئَتِكُمُّ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
٩٠/٩
/يقولُ تعالى ذِكرُه لنَبِّه محمدٍ عَله: واذكُرْ أيضًا يا محمدُ مِن خَطَأَّ فعل
هؤلاءِ القومِ ، وخلافِهم على ربِّهم، وعصيانِهم [ ٨٦/٢٠ظ] نبيَّهم موسى ، وتبدیلهم
القولَ الذى أُمِرُوا أنْ يقولُوه حينَ قال اللَّهُ لهم: ﴿أَسْكُنُواْ هَذِهِ اُلْقَرْيَةَ﴾: وهى
قريةُ بيتِ المقدسِ، ﴿ وَكُلُواْ مِنْهَا﴾. يقولُ: مِن ثمارِها وحبوبِها ونَباتِها،
حَيْثُ شِئْتُمْ﴾(٢). يقولُ: أين(٢) شِئْتُم منها، ﴿وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾. يقولُ:
وقولوا : هذه الفَعْلةُ حِطةٌ تحطّ ذنوبَنا - ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾. يقولُ: يَتغمدْ لکمْ ربُّكم
ذنوبكم التى سلَفتْ منكم، فيعفُو لكم عنها فلا يؤاخذُكم بها، ﴿سَنَزِيدُ
الْمُحْسِنِينَ﴾ منكم - وهم المطِيعون للَّهِ - على ما وعدْتُكم من غفران الخطايا .
وقد ذكَرْنا الرواياتِ فى كلِّ ذلك باختلافِ المختلفِينَ، والصحيحَ من القولِ
لدَيْنا فيه(٤) فيما مضى بما أغنَى عن إعادَتِه(٥).
(١) فى م: ((فأجمعوا))، وأجم الشىء: كرهه ومله من المداومة عليه. اللسان (أج م).
(٢) بعده فى م: (( منها)).
(٣) فى م: ((أنى)).
(٤) سقط من : الأصل .
(٥) ينظر ما تقدم فى ٧٢٠/١ - ٧٢٢ .

٥٠٦
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٢، ١٦٣
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ
الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآِ بِمَا كَانُوا
يَظْلِمُونَ
(١٦٢
يقولُ تعالى ذِكْرُه: فَغَيَّرَ الذين كفروا باللَّهِ منهم ما أمرّهم اللَّهُ به من القولِ،
فقالوا - وقد قِيلَ لهم : قولوا : هذه حِطٌ - : حِبْطةٌ فى شَعيرةٍ . وقولُهم ذلك كذلك
هو غيرُ القولِ الذى قِيلَ لهم: قُولُوه. يقولُ اللَّهُ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ
السَّمَاءِ﴾. يقولُ: بعثنا عليهم عذابًا أهلكهم(١) بما كانوا يغيّرون ما يُؤْمَرون به،
فيفعَلون خلافَ ما أمَرهُم اللَّهُ بفعلِه، ويقولون غيرَ الذى أمرَهم بقِيلِهِ .
وقد بيَّنا معنى ((الرِّجْزِ)) فيما مضَى(١).
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤه : [٨٧/٢٠و] ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى
كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ
١٦٢
يقولُ جلَّ ثناؤه: واسألْ يا محمدُ هؤلاءِ اليهودَ الذين(٢) هم مُجاورُوكَ عن أمرٍ
﴿ اَلْقَرْيَةِ اَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ أَلْبَحْرِ﴾. يقولُ: كانت بحضرةِ البحرِ . أىْ :
بقربِ البحرِ وعلی شاطِئه .
واختلف أهلُ التأويلِ فيها ؛ فقال بعضُهم: هى أَتْلةُ .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أهلكناهم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٧٢٩/١ - ٧٣١ .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((و)).

٥٠٧
سورة الأعراف : الآية ١٦٣
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ابنُ إدريسَ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن داودَ بنِ
حُصينٍ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَِّى كَانَتْ
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾. قال: هى قريةٌ يقالُ لها: أَيْلَةُ، بينَ مَدْينَ والطورِ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عبد
اللَّهِ بنِ كثيرٍ فى قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِ كَانَتْ حَاضِرَةَ أَلْبَحْرِ﴾ .
قال : سمِعنا أنها أثْلَة .
/حدَّثنا سلَّامُ بنُ سالم الخُراعِىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ سليم الطائفىُ، قال: ثنا ابنُ ٩١/٩
نجريجٍ، عن عكرمةً، قال: دخَلتُ على ابنِ عباسٍ والمصحفُ فى حجرِه وهو
بكِى ، فقلتُ : ما يُكيكَ، جعَلنى اللَّهُ فداءَك؟ فقال: ويلَك، تعرِفُ القريةَ التى
كانتْ حاضرةَ البحرِ؟ فقلتُ: تلك أيْلَةُ(٢).
[٨٧/٢٠ظ] حدثنا ابنُ وكبعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرِ الهُذلىّ، عن عكرمةً،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ . قال :
هى أيْلةُ(٣) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةً،
عن ابنِ عباسٍ ، قال : هى قريةٌ على شاطئ البحرِ بينَ مصرَ والمدينةِ يُقالُ لها: أيِلةٌ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٧/٥ من طريق محمد بن إسحاق به بلفظ: وهى قرية يقال لها
مدين بين أيلة والطور .
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢٦)، والبيهقى ٩٢/١٠ من طريق يحيى بن سليم به مطولا.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٧/٥ من طريق أبى بكر الهذلى به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٧/٣ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وسيأتى تخريجه عند ابن
أبى حاتم فى ص ٥١٣ ، وليس فيه هذا اللفظ .

٥٠٨
سورة الأعراف : الآية ١٦٣
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال:
هم أهلُ أيلةَ ؛ القريةِ التى كانت حاضرةَ البحرِ(١).
حدَّثنى الحارثُ، "قال: حدثنا عبدُ العزيزِ)، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾.
قال : أيلةُ .
وقال آخرون : معناه : ساحلُ مَدْينَ .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ
اُلْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنها كانتْ قريةً على
ساحلِ البحرِ يُقالُ لها : أثْلةُ .
وقال آخرون: هى مَقْنَا (٣).
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ اَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال: هى قريةٌ يقالُ
لها: مقنا. بينَ مدينَ وعَيْنُونَى(٤).
وقال آخرون : هی مدینُ .
(١) تقدم تخريجه فى ٦٣/٢ - ٦٥.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٣) فى الأصل: ((مقنا)). وينظر معجم البلدان ٤/ ٦١٠.
(٤) عينونى وعينون ؛ قيل: هى من قرى بيت المقدس. وقيل: قرية من وراء البثّنيّة من دون القُلُزُم فى طرف
الشام. معجم البلدان ٣/ ٧٩٥، وينظر طبقات ابن سعد ٢٦٧/١.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٧/٥، ١٥٩٨ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

٥٠٩
سورة الأعراف : الآية ١٦٣
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، [٨٨/٢٠و] قال: ثنا سلَمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى قريةٌ بين أيْلةَ والطورِ
يُقالُ لها: مدينُ(١).
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يُقالَ: هى قريةٌ حاضرةُ البحرِ. وجائزٌ أن
تكونَ أَيْلَةَ ، وجائزٌ أن تكونَ مدينَ، وجائزٌ أن تكونَ مَقْنا(٢)؛ لأنّ كلَّ ذلك حاضرةُ
البحرِ، ولا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ مَّه يقطعُ العذرَ بأىِّ(٢) ذلك من أىّ، والاختلافُ
فيه على ما قد وصفتُ ، ولا يُوصَلُ إلى علم ما قد كانَ فمضَى ، ممّا لم نعايته ، إلا
بخبرٍ يوجبُ العلْمَ ، ولا خبرَ كذلك فى ذلك .
وقولُه: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾. يعنى به أهلَه، إذْ يعتدُون فى السبتِ
أمرَ اللَّهِ، ويتجاوزُونه إلى ما حرّمه اللّهُ عليهم .
يقالُ منه: عدَا فلانٌ أَمْرِى واعتدَى ، إذا تجاوَزَه .
٩٢/٩
وكان اعتداؤهم فى السَّبتِ أنّ اللَّهَ كانَ حرَّمَ عليهم السبت ، فكانوا يصطادون
فيه السمكَ، ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاْ﴾. / يقولُ: إِذْ
تأتيهم حيتانُهم يومَ سبتِهِمُ الذى نُهُوا فيه عن العملِ ﴿ شُرَّعًا﴾. يقولُ: شارعةٌ
ظاهرةً على الماءِ مِن كلِّ طريقٍ وناحيةٍ، كشوارِعِ الطَّريقِ(٤).
کالذى حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا عثمانُ بنُّ سعیدٍ، قال: حدثنا بشرُ بنُ
(١) تقدم تخريجه بتمامه فى ٦١/٢ - ٦٣ .
(٢) فى الأصل: ((مقناة)).
(٣) فى م: ((بأن )).
(٤) فى م: ((الطرق)).

٥١٠
سورة الأعراف : الآية ١٦٣
عُمارةَ، عن أبى روقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ ﴿إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ
سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. يقولُ: ظاهرةً على الماء(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿شُرَّعًاْ﴾. يعنى: من كلِّ مكانٍ(٢).
وقولُهُ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْوِئُونَ﴾. يقولُ: ويومَ لا يعظّمونَه [٨٨/٢٠ط]
تعظيمَهم السبتَ، وذلك سائرُ الأيامِ غيرِ يومِ السبتِ، لا تأتيهمُ الحيتانُ،
◌ْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾. يقولُ: كما وصفْنَا لكم مِن الاختبارِ والابتلاءِ الذى
ذَكَرْنا، بإظهارِ السمكِ لهم على ظهرِ الماءِ فى اليومِ المحرَّمِ عليهم صيدُه ، وإخفائها
عنهم(٣) فى اليومِ المحلَّلِ لهم(٤) صيدُه، كذلك نبلُوهم ونختيرُهم ﴿بِمَا كَانُوا
يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بفسقِهم عن طاعةِ اللَّهِ وخروجهم عنها .
واختلَفتِ القَرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْلِتُونَ﴾؛ ° فقرَأ ذلك عامةُ
قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُّونَ﴾. بفتحِ الياءِ مِن ﴿يَسْبِتُونَ﴾. من قولٍ
القائلِ : سَبَتَ فلانٌ يسْبِتُ سَبْتًا وسُبُوتًا، إذا عظّم السبْتَ.
وذُكِرَ عن الحسنِ البصرىِّ أنه كان يقرؤُه: ( وَيَوْمَ لا يُشْبِئُونَ)(١) . بضمٌ الياءِ،
مِن: أسْبتَ القومُ يُشْبِتون ، إذا دخلوا فى السبتِ، كما يقالُ: أجْمَعْنا، مَرَّتْ بنا
جُمُعَةٌ، وأَشْهَرْنَا، مَرَّ بنا شَهْرٌ، وأسْبَتنَا، مرّ بنا سبتٌ .
(١) تقدم بتمامه فى ٥٩/٢ - ٦١ .
(٢) سيأتى بتمامه فى ص ٥١٣ .
(٣) فى م: (عنه)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٥ - ٥) فى م: ((فقرئ))، وسقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٦) وهى قراءة على، وعاصم بخلاف عنه. البحر المحيط ٤/ ٤١١.

٥١١
سورة الأعراف : الآيتان ١٦٣ ، ١٦٤
لا
ونُصِبَ ﴿ يَوْمَ﴾ من قوله: ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾. بقوله:
تَأْتِيهِرَّ﴾؛ لأن معنى الكلامِ : لا تأتيهم يومَ لا يَسبتون .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اَللَّهُ
مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
يقولُ جل ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَظِلّهِ: واذكُرْ [٨٩/٢٠و] أيضًا يا محمدُ ﴿ إِذْ قَالَتْ
أُمَّةٌّ مِنْهُمْ﴾. يعنى: جماعةٌ منهم لجماعةٍ كانت تعِظُ المعتدِين فى السبتِ،
وتنهاهُم عن معصيةِ اللَّهِ فيه -: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اَللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ فى الدنيا
بمعصيتهِم إيّاه، وخلافِهم أمرَه، واستحلالِهم ما حرَّم عليهم، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
شَدِيدًا﴾ فى الآخرةِ . قال الذين كانوا ينهَوْنَهم عن معصيةِ اللَّهِ مُجيبِيهم عن قولهم:
عِظَتْنَا إِيّاهم مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكم، نُؤدِّى فرضَه علينا فى الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن
المنكرِ، ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ﴾. يقولُ: ولعلَّهم أن يَتَّقُوا اللَّهَ فيخافُوه، فينِبُوا إلى
طاعتِه ، ويتوبوا من معصيتهم إيّاه، وتقدُّمِهم(١) على ما حرَّم اللَّهُ عليهم من اعتدائِهم
فى السبتِ .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن داودَ بنِ
الحُصَينِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: لسُخْطِنا
أعمالَهم، ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أىْ: يَنْزِعون عمَّا هم(١) عليه(٣).
٩٣/٩
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾. قال : يتركون هذا العملَ الذى هم عليه (٤).
(١) فى م: ((تعديه))، وفى ص، ت ١، ت ٢: ((تعديهم))، وفى ف: ((تعذيهم).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣) تقدم تخريجه فى ٦١/٢، ٦٢، وليس فيه تفسير: ((ولعلهم يتقون)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٠١/٥ من طريق أصبغ، عن ابن زيد.

٥١٢
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
واختلَفتِ القَرَأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً﴾؛ فَقَرأْ ذلك عامّةُ قرأةِ الحجازِ
والكوفةِ والبصرةِ: (مَعْذِرَةٌ). بالرفعُ ) ، على ما وصَفتُ من معناها .
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾. نصبًا ، بمعنى: إِعذارًا
وعَظْناهم وفَعَلنا ذلك .
واختلَفَ أهلُ العلم فى هذه الفرقةِ التى قالتْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ
مُهْلِكُهُمْ﴾ هل كانت مِن الناجِيةِ أُم من الهالكَةِ؟ [٨٩/٢٠ظ] فقال بعضُهم: كانت
من الناجيةِ ؛ لأنها كانت من الناهِيةِ الفرقةَ الهالكَةَ عن الاعتداءِ فى السبتِ .
ذِکژ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾:
هى قريةٌ على شاطىِّ البحرِ بينَ مصرَ(١) والمدينةِ يقالُ لها : أيِلةُ، فحرَّمَ اللَّهُ عليهم
الحيتانَ يومَ سبْتِهم، فكانت الحيتانُ تأتيهم يومَ سبتهِم ◌ُرّعا فى ساحلِ البحرِ، فإذا
مضَى يومُ السبتِ لم يَقدِرُوا عليها، فمكثُوا بذلك ما شاءَ اللَّهُ، ثم إِنَّ طائفةٌ منهم
أخذوا الحيتانَ يومَ سبتهم ، فنهتْهم طائفةٌ وقالوا: تأخذونَها وقد حرَّمها اللَّهُ عليكم يومَ
سبتِكم؟ فلم يزدادوا إلَّا غَيًّا وُتَوًّا، وجعَلتْ طائفةٌ أخرى تَنْهاهم، فلمَّا طالَ ذلك
عليهم، قالت طائفةٌ من النُّهاةِ: تَعْلَمُون أنّ هؤلاء قومٌ قد حقَّ عليهم العذابُ ، ﴿لِمَ
تَعِظُونَ قَوَّمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ وكانوا أشدَّ غضبًا للَّهِ من الطائفةِ الأُخْرى،
فقالوا: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ وَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكلٌّ قد كانوا يَنْهَوْن ، فلمَّا وقَع عليهم
(١) وهى قراءة ابن كثير، ونافع، وأبى عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائى، ورواية عن أبى بكر، عن
عاصم. ينظر السبعة ص ٢٩٦.
(٢) وهى قراءة حفص - ورواية عن أبى بكر - عن عاصم. ينظر السابق .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((مكة )).

٥١٣
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
غضبُ اللَّهِ، نجتِ الطائفتان اللتان قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. والذين
قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. وأهلَكَ اللَّهُ أهلَ معصيتِه الذين أخذوا الحيتانَ،
فجعَلَهم قردةً وخنازيرَ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ
اَلْبَحْرِ﴾. إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِئُونَ لَا تَأْتِيهِزَّ﴾: وذلك أن أهلَ قريةٍ
كانت حاضرةَ البحرِ كانت تأتيهم حيتانُهم يومَ سبتهِم. يقولُ: إذا كانوا يومَ
يَسْبتونَ تأتيهم شُرَّعًا، يعنى: من كلِّ مكانٍ، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْلِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ﴾ .
وأنهم قالوا: لو أنَّا أخذنا مِن هذه الحيتانِ يومَ تجىءُ ما يكفينا فيما سوَى ذلك من
الأيامِ . فوعَظهم قومٌ مؤمنون ونهَؤْهم وقالت طائفةٌ من المؤمنين: إنّ هؤلاء قوم قد
همُّوا بأمْرٍ ليسُوا مِنْتَهين دونَه ، واللَّهُ مُخزِيهمْ ومعذّبُهم عذابًا شديدًا . قال المؤمنون
بعضُهم لبعضٍ: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَثَّقُونَ﴾ إِنْ كان هلاكٌ فلعلّنا نَنْجُو ،
وإما أنْ ينْتَهوا فيكونَ لنا أجرًا. وقد كان اللَّهُ جعَل على بنى إسرائيلَ يومًا يعبدونَه ،
ويَفرّغون له فيه ، وهو يومُ الاثْنين، فتعدّى الخبثاءُ مِن الاثنينِ إلى السبتِ . وقالوا :
هو يومُ السبتِ . فنهاهُم موسى ، فاختلفوا فيه، / فجعَلَ عليهم السبتَ ، ونهاهُم أن
يعملوا فيه ، وأن يعْتَدُوا فيه ، وإنَّ رجلًا منهم ذهَب لِيحتطبَ ، فأخذَه موسى عليه
السلامُ فسأله: هل أمرَك بهذا أحدٌ ؟ فلم يجِدْ أحدًا أمَرَه، فرجَمه أصحابُه(٢) .
٩٤/٩
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٩٩، ١٦٠٢ من طريق أبى صالح به مختصرا، وينظر أوله فى
ص ٥٠٧.
(٢) بعده فى الأصل: ((إذ يعدون)). وهو آخر الموجود من الجزء العشرين من نسخة جامعة القرويين، والأرقام
بين المعكوفين بعد ذلك هى أرقام النسخة ت ١ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٩٨/٥ من طريق محمد بن سعد به. إلى قوله : من كل مكان ويوم لا
( تفسير الطبرى ٣٣/١٠ )
يسبتون لا تأتيهم .

٥١٤
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: قال
بعضُ الذين نَهَوهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا
شَدِيدًا﴾. يقولُ: لمَ تعِظونَهم وقد وعَظتموهم فلم يُطيعوكم ؟ فقال بعضُهم:
﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال: ثنا معاذُ بنُ هانى ، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ ،
عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال: ما أدْرِى أَجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ
مُهْلِكُهُمْ﴾ أمْ لَا؟ قال: فلم أَزَلْ به حتى عرّفتُه أنهم قد نَجَوْا، فكسانِى مُلَّةً(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا حمادٌ، عن داودَ، عن عكرمةً ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ
هذه الآيةَ. فذَكرَ نحوَه ، إلَّا أنه قال فى حديثه: فما زِلتُ أبصِّرُه حتى عرَفَ أنهم قد
نَجَوْا .
حدَّثنى سلَّمُ بنُ سالم الخزاعىُ، قال: ثنا يحيى بنُ سُليم الطائفىُّ ، قال :
ثنا ابن جريج، عن عكرمةَ، قال: دخَلتُ على ابنِ عباسٍ والمصحفُ فى
حجرِه وهو ييكِى، فقلتُ: ما يُيكيكَ، جعلنى اللَّهُ فداءَكَ؟ قال: فقرأ:
وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا
كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ قال ابنُ عباسٍ: لا أسمعُ الفرقةَ الثالثةَ ذُكرتْ ، نخافُ أنْ تكونَ
مثلَهم . فقلتُ: أمَا تسمعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ فسُرِّىَ عنه
نت.(٣)
وكسانى محُلَّةً (٣).
(١) تقدم تخريجه فى ٦٤/٢.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٤/٣ عن حماد به .
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٠٧.

٥١٥
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريجٍ،
قال: ثنى رجلٌ، عن عكرمةَ، قال: جئتُ ابنَ عباسٍ يومًا، وإذا هو [٨٦٦/١ظ]
يَتْكِى، وإذا المصحفُ فى حجْرِهِ، فأعْظمتُ أنْ أَدنُوَ، ثم لم أزلْ على ذلك حتى
تقدّمتُ فجلستُ ، فقلتُ : ما يُكيكَ يا بنَ عباسٍ، جعَلنى اللَّه فداءَكَ ؟ فقال :
هؤلاءِ الورقاتُ. قال: وإذا هو فى سورةِ ((الأعرافِ))، قال: تعرِفُ أَيْلَةَ؟ قلت:
نعم. قال : فإنه كان حىٍّ مِن يهودَ سِيقت الحيتانُ إليهم يومَ السبتِ ، ثم غاصَتْ لا
يقدِرون عليها، حتى يغوصُوا بعد كدٍّ ومُؤنةٍ شديدةٍ، كانت تأتيهم يومَ السبتِ
شُرَّعًا، بيضًا سمانًا، كأنها الماخِضُ(١)، تَنْطِعُ(٢) ظهورُها لبطونِها بأفْنِيتِهم
وأبنيتِهم ، فكانوا كذلك برهةً من الدهرِ، ثم إن الشيطانَ أوحى إليهم ، فقال: إنما نُهيتُم
عن أكْلِها يومَ السبتِ ، فخُذُوها فيه، وكُلُوها فى غيرِهِ من الأيام . فقالتْ ذلك طائفةٌ
منهم، وقالت طائفةٌ منهم: بل نُهيتُم عن أكلِها وأخذِها وصيدِها فى يومِ السبتِ .
وكانوا كذلك حتى جاءت الجُمُعةُ المقبلةُ، فعدَتْ طائفةٌ بأنفُسِها وأبنائِها ونسائِها،
واعتزَلت طائفةٌ ذاتَ اليمينِ وتَنَّتْ ، واعتزَلتْ طائفةٌ ذاتَ اليسارِ وسكتَتْ، ("وقال
الأيمنون: اللَّهُ ينهاكُم عن أن تعترِضوالعقوبةِ اللَّهِ). وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا
اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ قال الأيمنون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَثَّقُونَ﴾. أى: ينتَهُون، فهو أحبُّ إلينا ألا يُصَابوا ولا يَهلِكوا، وإن لم ينتَهُوا
فمعذرةً إلى ربِّكم. فمضَوْا / على الخطيئةِ ، فقال الأيمنونَ: قد فعَلتم ( يا أعداءً))
٩٥/٩
(١) الماخض من النساء والإبل والشاء: التى قد اقترب ولادها . ينظر اللسان (م خ ض).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لطح)) غير منقوطة، وفى م: ((تنتطح))، وفى نسخة من
تفسير عبد الرزاق: ((فتنطح)). والمثبت موافق لنسخة من تفسير عبد الرزاق . وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى تفسير عبد الرزاق: ((فقال الأيمنون : ويلكم،
الله الله، ننهاكم عن الله ألا تتعرضوا لعقوبة الله)).
(٤ - ٤) فى ف: (( بأعداء)) .

٥١٦
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
اللَّهِ ، واللَّهِ " لَا تُبَايْتُكم١) الليلةَ فى مدينتِكم، واللَّهِ ما نراكم(٢) تُصبحون حتى
يصيبكم اللَّهُ بخَشْفٍ أو قَذْفٍ، أو بعضِ ما عندَه "من العذابِ). فلمَّا أصبحوا
ضرَبوا عليهم البابَ ونادَوْا، فلم يُجَابُوا، فوضَعُوا سُلَّمًا وأَعْلَوْا سورَ المدينةِ رجلًاً،
فالتفت إليهم فقالَ: أْ عبادَ اللَّهِ، قرودٌ(٤) واللَّهِ تَعاوَى، لها أذنابٌ. قال: ففتَحُوا
فدخَلوا عليهم، فعرفتِ القردةُ أنْسابَها من الإنسِ، ولا تعرفُ الإنسُ أنسابَها مِن
القردةِ ، فجعلتِ القرودُ تأتى نسيبها من الإنسِ، فتشَمُّ ثيابَه وتَبكِى ، فتقولُ لهم : ألم
نَنْهكم عن كذا؟ فتقولُ برأسِها نَعم. ثم قرَأُ ابنُ عباسٍ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِه
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّهِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَيِيسٍ بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ﴾. قال: فَأَرَى اليهودَ الذين نَهَوْا قد نَجَوْا، ولا أرى الآخَرِين ذُكِروا ، ونحنُ
نرى أشياءَ نُنكِرُها فلا نقولُ فيها. قال : قلتُ: أى(٥) جعلنى اللَّهُ فداءَك، أَلَا تَرَى أنهم
قد كَرِهُوا ما هم عليه وخالَفُوهم، وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ﴾؟ قال: فأمَرَبِى فَكُسِيتُ بُردين غليظَيْن(٦).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً : ﴿ وَسْئَلَهُمْ
عَنِ الْقَرْيَةِ أَلَتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: ذُكِر لنا أنه إذا كان يومُ السبتِ.
أقبلَتِ الحيتانُ حتى تَنْبَطعَ(١) عَلَى سواحِلِهم وأَفْنِيتِهِم؛ لما بلَغها من أمرِ اللَّهِ فى الماءِ،
فإذا كان فى غيرِ يومِ السبتِ بِعُدتْ فى الماءِ حتى يطلُبَها طالِبُهم، فأتاهم الشيطانُ ،
(١ - ١) فى ص: ((لنأتینكم))، وفى س: ((ليأتينكم))، وفى ف، ت ١: (( يأتينكم)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((أراكم)).
(٣ - ٣) فى م: ((بالعذاب)).
(٤) فى م: ((قردة)).
(٥) فى ص، ف: ((إن))، وفى س: ((قد)).
(٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٤٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٩٨، ١٦٠٠، ١٦٠١ من طريق
ابن جريج وأبى بكر الهذلى، عن عكرمة، عن ابن عباس به إلى قوله: أو ببعض ما عنده من العذاب .
(٧) فى م: ((تنتطح))، وفى س: ((سطح))، وغير منقوطة فى ص، ت ١، ت ٢، ف.

٥١٧
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
فقال : إنما حرَّمَ عليكم أكْلَها يومَ السبتِ ، فاصْطادُوها يومَ السبتِ وكُلوها فيما بعدُ .
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ
مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: صارَ القومُ ثلاثةَ أَصنافٍ؛ أمَّا صِنفٌ فأمْسَكُوا
عن محرمةِ اللَّهِ ونَهَوا عن معصيةِ اللَّهِ ، وأمَّا صِنفٌ فأمسَك عن حُرمةِ اللَّهِ هيبةً للَّهِ ،
وأمّا صِنْفٌ فانتهكَ الحُزْمَةَ ووقَع فى الخطيئةِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ : ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. قال:
حُرِّمتْ عليهم الحيتانُ يومَ السبتِ ، وكانت تأتيهم يومَ السبتِ شُرَّعًا ، بلاءً ابتْلُوا به ،
ولا تأتيهم فى غيرِه إلّا أنْ يطلُبوها؛ بلاءً أيضًا بما كانوا يفسُقون، فأخذوها يومَ
السبتِ اسْتحلالاً ومعصيةً، فقال اللَّهُ لهم: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَسِتِينَ﴾. إِلَّا طائفةً
منهم لم يعتَدوا ونَهؤهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذْ
قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوَمَا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ حتى بلَغَ: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ :
لعلّهم يتركون ما هم عليه . قال : كانوا قد بُلُوا بكفِّ الحيتانِ عنهم، وكانوا يسبتون فى
يومٍ السبتِ ، ولا يعمَلون فيه شيئًا ، فإذا كان يومُ السبتِ أَتَتْهم الحيتانُ شُرَّعًا، وإذا كان
غيرُ يومِ السبتِ لم يأتِ حوتٌ واحدٌ. قال: وكانوا قومًا (٢) قد قَرِيمُوا (٣) بحبٌ الحيتانِ
ولَقُوا منه بلاءً، فأخَذَ رجلٌ منهم حوتًا، فربَطَ فى ذَنَبِهِ خَيْطًا، ثم ربَطَهُ إلى خَشَفَةٍ(٤)،
(١) تفسير مجاهد ص٣٤٥ من قوله : ليس فيه ابن عباس.
(٢) زيادة من: م.
(٣) فى ف: ((حرموا)). وقرِم إلى اللحم: اشتهاه، والقَرَم: شدة الشهوة إلى اللحم. اللسان (ق رم).
(٤) فى ص، س: ((حفة))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((خسفة))، والخشفة ، وبالحاء المهملة أيضا:
حجارة تنبت فى الأرض نباتا، أو صخرة رخوة فى سهل من الأرض. اللسان (ح ش ف، خ ش ف).

٥١٨
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
٩٦/٩
ثم ترَكه فى الماءِ، حتى إذا غرَبتُ (١) الشمسُ من يوم الأحدِ اجْتوَّه بالخيطِ ثم شواه،
فوجَد جارٌ له / ريحَ حوتٍ، فقال: يا فلانُ إِنِّى أجدُ فى بيتِك ريحَ نُونٍ. فقال: لَا .
قال : فتطَلَّعَ فى تنُّورِه فإذا هو فيه ، فأخبرَه حينئذٍ الخبرَ. فقال: إِنِّى أَرَى اللَّهَ سيُعذّبُك .
قال: فلمَّا لم يَرَه عُجِّل عذابًا ، فلمَّا أتى السبتُ الآخرُ أخذَ اثنين فربَطَهما ، ثم اطَّلِعَ جارٌ
له عليه ، فلمَّا رَآهُ لم يُعَجَّلْ عذابًا جعَلوا يَصيدونَه، فاطَّلِعَ أهلُ القريةِ عليهم ، فنهاهُم
الذين ينهون عن المنكرِ ، فكانوا فِرقتَيْنْ ؛ فرقةٌ تنهاهم وتكُفُّ ، وفرقةٌ تنهاهُم ولا تَكُفُّ ،
فقال الذين نَهَوا وكَفُّوا للذين يتْهَوْن ولا يكفُّون: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟ فقال الآخَرون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾.
فقال اللَّهُ: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوَّةِ﴾ إلى قولِه:
( بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ فِرَدَةً
خَسِئِينَ﴾. وقال لهم أهلُ تلك القريةِ: عمِلْتم بعملٍ سُوءٍ، من كان يريدُ يعتزلُ
ويتطَهْرُ فَلْيعتزِلْ هؤلاءٍ. قال: فاعتزَل هؤلاءِ وهؤلاءٍ فى مدينتِهم، وضرَبوا بينهم
سورًا ، فجعلُوا فى ذلك السورِ أبوابا يخرجُ بعضُهم إلى بعضٍ. قال : فلمَّا كان الليلُ
طَرقَهم اللَّهُ بعذابٍ ، فأصبح أولئك المؤمنون لا يرَوْن منهم أحدًا، فدخَلوا عليهم،
فإذا هم قردةٌ؛ الرجلُ وأزواجه وأولادُه، فجعلوا يدخلون على الرجلِ يعْرِفونَه،
فيقولون : يا فلانُ ألم نحذّرْك سَطْواتِ اللَّهِ؟ ألم [٨٦٧/١و] نُحذِّرْك نِقماتِ اللَّهِ؟
ونحذِّرْك ونحذِّرْك؟ قال: فليسَ إلا بكاءً(٢) . قال: وإنما عذَّب اللَّهُ الذين ظلموا،
الذين أقاموا على ذلك. قال : وأما الذين نَهَوا فكلُّهم قد نَهى ، ولكنّ بعضَهم أفضلُ من
بعضٍ. فقرَأ: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَصِيٍِ بِمَا
(٣
كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((له)).
(٢) فی ص، س، ف: ((تکاکا))، وفی ت ١: ((بکاء كما)) .
(٣) تقدم تخريج أوله فى ص ٥١١.

٥١٩
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن داودَ، عن عكرمةً، قال: قرَأُ ابنُ
عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمَّا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال:
لا أدرى أنجا القومُ أو هلكوا، فما زلتُ أبصِرُه حتى عرَف أنهم نَجَوا، وكسانی
== (١)
محلّةً(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنى أشهبُ بنُ عبدِ العزيزِ، عن مالكِ ، قال : زعَم ابنُ
رومانَ أن قوله: ﴿تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاً وَيَوْمَ لَا يَسْكِنُونَ
لَا تَأْتِيهِزْ﴾. قال: كانت تأتِيهم يومَ السبتِ، فإذا كان المساءُ ذهَبتْ فلا يُرَى
منها شىءٌ إلى السبتِ ، فَاتَّخَذ لذلك رجلٌ منهم خَيْطًا ووتِدًا، فربَط حوتًا منها فى
الماءِ يومَ السبتِ، حتى إذا أَمْسَوا ليلة الأحدِ أخَذه فاشْتواه ، فوجَد الناسُ ريحَه ، فأتوه
فسألوه عن ذلك ، فجحَدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : فإنه جِلْدُ حوتٍ وجَدناه .
فلمَّا كان السبتُ الآخرُ فعَلَ مثلَ ذلك - ولا أدرِى لعلَّه قال : ربَط حوتَينِ - فلما
أمسَى من ليلةِ الأحدِ أخَذه فاشْتواه، فوجَدوا رائحتَه، فجاءُوا فسألوه ، فقال لهم :
لو شئتم صَنعتُم كما أصنعُ. فقالوا له: وما صنعتَ؟ فأخبرهم ، ففعلوا مثلَ ما فعل،
حتى كثُرَ ذلك، وكانت لهم مدينةٌ لها رَبَضّ(٢) ، فغلَّقوها عليهم، فأصابَهم من
المسخِ ما أصابَهم، فَغَدا إليهم جيرانُهم ممَّن كان يكونُ حولَهم يطلُبون منهم ما يطلُبُ
الناس ، فوجدوا المدینة مغلقةً علیھم، / فنادوا فلم يُجیُوهم، فتسوَّروا علیھم ، فإذا هم
قردٌ، فجعَلَ القِزْدُ یدْنو یتمشحُ بمن کان یعرِفُ قبل ذلك ، یدْنو منه ویتمسّحُ به ١ .
٩٧/٩
وقال آخرون: بل الفرقةُ التى قالت: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. كانت
من الفرقةِ الهالِكَةِ .
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٥١٤ .
(٢) الربض: سور المدينة وما حولها، وقيل: الفضاء حول المدينة. التاج (رب ض).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٥/٣ عن المصنف .

٥٢٠
سورة الأعراف : الآية ١٦٤
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ و کیعٍ، قال : ثنا ابنُ إدریسَ ، عن محمد بن إسحاق ، عن داودَ بنِ
حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِ كَانَتْ
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. إلى قوله: ﴿ شُرَّعًاْ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ : ابتدَعوا
السبتَ فابْتُلُوا فيه، فحرِّمتْ عليهم ( فيه الحيتانُ) ، فكانوا إذا كان يومُ السبتِ
شَرَعت لهم الحيتانُ ينظرونَ إليها فى البحرِ ، فإذا انقضَى السبتُ ذهَبتْ فلم تُرَ حتى
السبتِ المقبلِ، فإذا جاء السبتُ جاءتْ شُرَّعًا، فمكثوا ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يمكثوا كذلك،
ثم إن رجلاً منهم أخَذ حوتًا "فخَزَمه بأنفِه٢ ، ثم ضرَب له وَتِدًا فى الساحلِ، وربَطه
وترَكه فى الماءِ، فلما كان الغدُ أخَذه فشَواهُ فأكَله، ففعَل ذلك وهم يَنظُرون ولا
يُنكِرون ، ولا يَنهاه منهم أحدٌ ، إلّ عُصبةٌ منهم نهؤه، حتى ظهَر ذلك فى الأسواقِ
وفُعِلَ علانيةً. قال: فقالت طائفةٌ للذين يَنْهَوْنَ: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ
مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ﴾ فى سُخْطِنَا أعمالَهم، ﴿ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾، ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً
خَسِئِينَ﴾. قال ابنُ عباسٍ: كانوا أثلاثًا ، ثُلُثْ نَهَوْا، وثلثّ قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ
قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾. وثلثّ أصحابُ الخطيئةِ، فما نَجَا إلَّ الذينَ نَهَوْا، وهلَك
سائرهم، فأصبح الذين نَهَوْا عن السوءِ ذاتَ يومٍ فى مجالسِهم يتفقَّدون الناسَ لَا
يرؤْنَهم، "فغلَّقوا عليهم دورَهم، فجعلوا يقولون: إن للناسِ لشأنًا، فانظُروا ما
شأنُهم. فاطّلعوا فى دورِهم ، فإذا القومُ قد مُسِخوا فى ديارِهم قردةً، يَعرِفونَ الرجلَ
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س، ف.
(٢ - ٢) فى م: ((فخرم أنفه))، وفى ف: ((فخرمه بأنفه)). وخزم أنف الدابة: ثقبها، وجعل فيه خزامة،
وهى حلقة تجعل فى أحد منخريها . ينظر اللسان (خ زم).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س، ف: ((فعلوا على)).