النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة الأعراف : الآيتان ٨٩، ٩٠
وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعتُ ابنةَ ذِى يزنَ تقولُ: تعالَ أُفَاتِحُكَ .
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفْتَحْ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. أى: اقضِ بيننا وبينَ قومِنا بالحقِّ .
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، قال : ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: ( اقضٍ بيننا وبينَ قومِنا بالحقِّ(١) .
حدثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: أما
قولُه: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا﴾. فيقولُ: احْكُمْ بِينَنا .
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ، قال : قال
الحسنُ البصرىُّ: ﴿ أَفْتَحْ﴾: الحكمُ (١): احْكُمْ بيننا وبينَ قومِنا، و﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَّكَ
فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]: حكَمْنا لكَ حُكْمًا مُبِينًا .
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج، قال : قال
ابنُ عباسٍ : ﴿ اقْتَحْ﴾ : اقضٍ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، قال : ثنا
مِسْعَرٌ، عن قتادةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أكن أدرِى ما: ﴿ أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾. حتى سمِعْتُ بنتَ(٣) ذى يَزَنَ تقولُ لزوجِها: انطلِقْ أُفَاتِحُكَ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه : ﴿ وَقَالَ لَمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ أَتَّبَعْتُمْ
شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
٩٠
(١ - ١) زيادة من: م. والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٣/١ عن معمر به.
(٢) سقط من : م .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ابنة)).
( تفسير الطبرى ٢١/١٠ )

٣٢٢
سورة الأعراف : الآيتان ٩٠ ، ٩١
يقولُ تعالى ذِكْرُه: وقالت الجماعةُ مِن كَفَرَةِ رِجالٍ قومٍ شعيبٍ - وهم الملأ
الذين جَحَدوا آياتِ اللَّهِ، وكذَّبُوا رسولَه، وتمادَوا فى غَيِّهم - لآخرينَ مِنهم: لئن
أنتم اتَّبَعْتم شعيبًا على ما يقولُ، وأَجَبْتُموه إلى ما يَدْعوكم إليه مِن تَوْحيدِ اللَّهِ ،
والانْتِهاءِ إلى أمرِهِ ونهِهِ، وأَقْرَرْتم بنُبُوَّتِه - ﴿إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ . [٨/٢٠و] يقولُ
جل ثناؤه: لَغَّبونون فى فِعْلِكم وتَرْكِكم مِلْتَكم التى أنتم عليها مقيمون ، إلى دينه
الذی یدعو كم إليه، وهالكون بذلك مِن فِعْلِکم .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ
جَئِمِینَ
يقولُ : فَأَخَذتِ الذين كفروا مِن قوم شعيبٍ الرجفةُ - وقد بيَّنتُ معنى الرجفةِ
قبلُ (١)، وأنَّها الزلزلةُ المتحرّكةُ(٢) لعذابِ اللَّهِ - فأهْلَكتهم(٣)، ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ
جَثِمِينَ﴾: على رُكَبِهِم مَوْنَى هَلْكَى .
وكان صفةُ العذابِ الذى أهْلَكَهم اللَّهُ به كما حدثنى محمدُ بنُ الحسینِ،
قال: ثنا أحمدُ، / قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
ثُعَيْبًا﴾. قال: إِنَّ اللَّهَ بعَث شعيبًا إلى مَدْيَنَ وإلى أصحابِ الأَئِكَةِ - والأيكةُ هی
الغَيْضَةُ مِن الشَّجَرِ - وكانوا مع كفرِهم يبخَسُون الكيلَ والوزنَ ، فدعاهم فكذَّبوه ،
فقال لهم ما ذكَر اللَّهُ فى القرآنِ ، وما ردُّوا عليه، فلمّا عَتَوا وكذّبوه سأَلوه العذابَ،
ففتَح اللَّهُ عليهم بابًا مِن أبوابٍ جَهَنَّمَ ، فَأَهْلَكَهم الحَّ منه، فلم يَنْفَعْهم ظِلِّ ولا ماءٌ،
ثم إنه بعَث سحابَةً فيها ريحٌ طَيَِّةٌ، فوجدوا بردَ الريح وطِيبَها، فتنادَوا: الظُّلَّةَ،
عليكم بها . فلما اجتمعوا تحتَ السحابةِ رِجالُهم ونِساؤُهم وصبيانُهم، انطبقَت
٤/٩
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٠٢، ٣٠٣.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((المحركة)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .

٣٢٣
سورة الأعراف : الآية ٩١
عليهم فأهْلَكَتْهم، فهو قولُه: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُلَّةِ
(١)
[ الشعراء: ١٨٩] .
حدثنا ابنُّ حمیدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال : كان مِن قِصَّةٍ خبرٍ
شعيبٍ وخبرٍ قومِه ما ذكَّر اللَّهُ فى القرآنِ ، كانوا أهلَ بَخْسٍ للناسِ فى مكاييلهم
وموازينهم، مع كفرِهم باللّهِ وتكذيِهِم نبيَّهم، [٨/٢٠ظ] وكان يَدْعُوهم إلى اللَّهِ
جل ثناؤه وعبادتِهُ ١ ، وتركٍ ظلم الناسِ وبَخْسِهم فى مكاييلهم وموازينهم، فقال
نُصْحًا لهم، وكان صادقًا: ﴿ مَآ أُرِدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئُكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا
اُلْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيْبُ ﴾ [هود: ٨٨]. قال ابنُ
إسحاقَ: فكان رسولُ اللَّهِ عَمِ - فيما ذكَر لى يعقوبُ بنُّ أبى سلمةَ - إذا ذكَرَهُ(٣)،
قال: ((ذَاكَ(٤) خَطِيبُ الأَنْبِياءِ)). لحُسْنِ مُراجَعَتِه قومَه فيما يُرادُّهم(٥). فلما كذَّبوه
وتوعَّدوه بالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بلادِهم، وعَتَوا على اللَّهِ ، أَخَذهم عذَابُ يومِ الظُّلَّةِ ، إنه
"كان عذابَ يومٍ عظيمٍ. فبلغنى أنَّ رجلًا مِن أهلِ مدينَ يُقالُ له : عمرُو بنُ جَلْهَاءَ. لما
رآها قال :
عنكم سُمَيْرًا وعِمْرَانَ بنَ شَدّادٍ
يا قَوْمِ إِنَّ شعيبًا مُرْسَلٌ فذروا
تَدْعُو بصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةٍ ( ) الوادِى
إِنِّى أَرَى غَبِيَةً(٦) يا قومٍ قد طلعت
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٣/٥ إلى ابن المنذر، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥١٩/٥
(٨٧٠٥، ٨٧٠٦) من طريق أحمد بن مفضل به إلى قوله : سألوه العذاب .
(٢) فى م: ((عبادتهم)).
(٣) فى م: (( ذكر شعيبا)).
(٤) فى الأصل : (( ذلك)).
(٥) فى م: ((يراد بهم)). ورادّه القولَ: راجعه. التاج (رد د).
(٦) فى الأصل: ((غيبة))، وفى م: ((غيمة)). والغبية: الدفعة من المطر. اللسان (غ بى). ويريد هنا سحابة
ذات غبية .
(٧) فى ص، ف: ((صانة))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: ((صابة)) وغير منقوطة فى س. والصمانة والصمان:
أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل . اللسان (ص م م) .

٣٢٤
سورة الأعراف : الآية ٩١
إِلَّ الرَّقيمَ يُمَشِّى بِينَ أَنجادٍ(٣)
( وإِنَّهُ لِنْ تَرَوا فيها ضَحاءَ(١) غَدٍ
وسُمَیْرٌ وعِمْرانُ: کاهِناهم، والرقیمُ : كلُهم() .
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : فحدَّثنی ابنُ إسحاقَ ، قال : فبلَغنى -
واللَّهُ أعلمُ - أَنَّ اللَّهَ سلَّط عليهم الحرَّ حتى أنضَجَهم، ثم أنشأَ لهم الظُّلَّةَ كالسحابةِ
السوداءِ، فلما رَأَوْها ابتدرُوها يستغيثون بيردِها مما هم فيه مِن الحرّ، حتى إذا دخَلوا
تحتَها أُطبقت عليهم، فهلكوا جميعًا، ونجَى اللَّه شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته (٥).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنى أبو عبدِ اللَّه البجلى، قال:
(أبو جاد))، و((هوّز))، و((خُطى))، (و(( كلمن))" و((سعفص))، و «قرشت)) :
أسماءُ ملوكٍ مدينَ، وكان مَلِكُهم يومَ الظُّلَّةِ فى زمانٍ شعيبٍ ((كلمن))، [٥٩/٢٠]
فقالت أختُ (( كلمن(٢)) تبكيه :
هُلْكُهُ وَسْطَ الَحَلَّةْ
كَلَمُونٌ هَدَّ رُكْنِى
ـحَتْفُ نارٌ وَسْطَ ظُلَّهْ
/سيدُ القومِ أتاه الـ
٥/٩
دارُهم كالمُضْمَحِلَّةُ(٨)
مُجُعِلَت نارًا عليهم
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((إنكم إن)).
(٢) فى م: ((ضحاة)).
(٣) أنجاد ؛ جمع نجد : ما غلظ من الأرض وأشرف وارتفع واستوى . اللسان (ن ج د).
(٤) أخرج المرفوع منه المصنف فى تاريخه ٣٢٧/١ عن ابن حميد به إلى قوله: يرادهم . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٠٣/٣ إلى ابن أبى حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال: ذكرلى يعقوب بن أبى سلمة. إلى آخره.
وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٢/٥ (٨٧٢٦)، والحاكم ٥٦٨/٢ من طريق سلمة به مختصرًا كما
عند المصنف فى تاريخه .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٤/٥ (٨٧٣٩) من طريق سلمة به.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((كلمون)).
(٨) ذكره الثعلبى فى عرائس المجالس ص١٤٧ . وينظر ما أخرجه المصنف فى تاريخه ١٩٥/١.

٣٢٥
سورة الأعراف : الآية ٩٢
القولُ فى تأويل قوله جل وعز: ﴿اَلَّذِينَ كَذَّبُواْ سُّعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَأَ الَّذِينَ
(٩٢
كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِينَ
يقولُ تعالى ذكْرُه: فأهلَك اللَّهُ الذين كذَّبوا شعيبًا فلم يُؤْمِنوا به فأبادَهم،
فصارت قريتُهم منهم خاويةً خلاءً، ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾. يقولُ: كأن لم
يَنْزِلوها (١) قطّ، ولم يعيشوا بها حينَ هلَكوا.
يقالُ: غَنِى فلانٌ بمكانٍ كذا، فهو يَغْنَى به غِنَّى ( وغُنْيانًا ) وغُنِيًّا، إذا نزَل به
وكان به، كما قال الشاعرُ) :
هُمْسِكو منك °بعهدٍ ووِصالٍ)
ولقد يَغْنَى به(٤) جيرانُك الـ
وقال(٦) رؤيةٌ(٧):
وعهدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ (٨) بضَلْفَعا(٩)
إنما هو مَفْعَلٌ من ((غَنِىَ)).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ينزلوا)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٣) هو عبيد بن الأبرص، والبيت فى ديوانه ص ١١٥ .
(٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((بها)).
(٥ - ٥) فى الديوان: ((بأسباب الوصال)).
(٦) فى الأصل: ((قول)).
(٧) ديوانه ( مجموع أشعار العرب) ص٨٧ .
(٨) دمنة الدار: آثارها . اللسان (د م ن) .
(٩) ضلفع : قارة بيلاد بنى أسد. التاج (ضلفع) .

٣٢٦
سورة الأعراف : الآيتان ٩٢، ٩٣
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ﴾: كأنْ لم يعيشوا، كأن لم ينعَموا (١).
حدثنى المُثُّنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ، عن [٩/٢٠ظ]
ابنِ عباسٍ: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾. يقولُ: كأن لم يعيشوا فيها(٢).
حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿كَأَن لَّمْ
يَغْنَوْاْ فِيهَأَ﴾: كأن لم يكونوا فيها قطّ .
٦/٩
وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِينَ ﴾ . يقول تعالى ذِمْرُه : لم
يكنْ الذين اتََّعوا شعيبًا / الخاسرين ، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين؛
لأَنَّه أخبرَ عنهم جلّ ثناؤه أنَّ الذينَ كذّبوا شعيبًا قالوا للذين أرادوا اتباعَه : ﴿ لَیْنِ
أَتَّبَعْتُمْ شُعَيِّبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَِرُونَ ﴾ . فكذَّبهم اللّهُ بما أُحلّ بهم مِن عاجلِ نَکاله ، ثم
قال لنبيّه محمدٍ عَّله: ما خسِر تُتَّاحُ شعيبٍ، بل كان الذين كذَّبوا شعيبًا لما جاءت
عقوبةُ اللَّهِ هم الخاسرين، دونَ الذين صدَّقوه وآمنوا به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل وعزّ: ﴿فَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْنُكُمْ
(٩٣
رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ مَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ
يقولُ تعالى ذِكْرُه : فأدبر شعيبٌ عنهم شاخِصًا مِن بين أظْهُرِهم حينَ أتاهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٤/٥، ٢٠٥٣/٦ من طريق محمد بن عبد الأعلى به، وأخرجه
عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٣/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/٣ إلى عبد بن حميد.
وسيأتى هذا الأثر والأثر بعده فى ٤٦٥/١٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥٢/٦ من طريق عبد الله به، وأخرجه فى ٢٠٥٢/٦ من طريق
الضحاك ، عن ابن عباس ، وابن أبی الدنیا فی العقوبات (١٤٠) من طريق أبی صالح باذان - عن ابن عباس،
بلفظ: لم يعمروا فيها، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/٣ إلى أبى الشيخ .

٣٢٧
سورة الأعراف : الآيتان ٩٣ ، ٩٤
عذابُ اللَّهِ ، وقال لمّ أيقنَ بنزولٍ نِقْمَةِ اللَّهِ بقومِه الذين كذّبوه، حُزْنًا عليهم:
﴿ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ ﴾ وأدیتُ إلیکم ما بعثنی به إلیکم مِن تحذیر کم
غَضَبَه على إِقامَتِكم على الكُفْرِ به، وظُلْمِ الناسِ أشياءَهم، ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾
بأمرى إياكم بطاعةِ اللَّهِ ونهيكم عن معصيتِه، ﴿فَكَيْفَ ءَاسَى﴾. يقولُ: فكيف
أُحزَنُ على قومِ جحَدوا وحدانيةَ اللَّهِ ، وكذَّبوا رسولَه، وأتوجعُ لهلاكِهم؟
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[٠/٢٠ ١و] ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنى المثنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ فَكَيْفَ ءَاسَى﴾. يعنى: فكيف أحزنُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ:
﴿فَكَيْفَ مَاسَى﴾. يقولُ: فكيف أحزنُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال : أصابَ شعيبًا على
قومِه حزنٌّ لِمَاَ نزَل(٢) بهم مِن نقمةِ اللَّهِ، ثم قال يُعَزِّى نفسَه فيما ذكَر اللَّهُ عنه: ﴿يَقَوْمِ
لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ ( نَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَدٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّ أَخَذْنَآَ
٩٤
أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
یقولُ تعالی ذ کژه لنبيُّه محمد پاے مُعَّفَه سنته فى الأمم التى قد خلَت مِن قبلِ
أُعْتِه، ومُذَكِّرَ مَن كفَر به مِن قريشٍ؛ ليَْزَجِروا عما كانوا عليه مُقيمين مِن الشركِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٤/٥ (٨٧٤٠) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يرى)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((إلى آخر الآية)). وهذا اللفظ هو تمام الأثر المتقدم فى ص٣٢٤.

٣٢٨
سورة الأعراف : الآيتان ٩٤ ، ٩٥
باللّهِ، والتكذيبِ لنبيّه محمدٍ عَِّ: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِىِ قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ﴾ قبلَك
﴿إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ﴾ وهو البؤسُ وشَظَفُ المعيشةِ وضيقُها،
وَالضَّرَّآءِ﴾ وهى الضُّوْ وسوءُ الحالِ فى أسبابِ دُنْياهم، ﴿لَعَلَّهُمْ
يَضَّرَّعُونَ﴾./ يقولُ: [٠/٢٠ ١ظ] فعَلْنا ذلك بهم(١) لِيَتَضَرَّعوا إلى ربِّهم،
ويَسْتَكِينوا ) إليه، ويُنِيبوا بالإقلاع عن كفرِهم، والتوبةِ مِن تكذيبٍ أنبيائهم.
٧/٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ :
﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ﴾. يقولُ: بالغقرِ والجُوعِ().
وقد ذكَرْنا فيما مضى الشواهدَ على صِحَّةِ القولِ بما قُلْنا فى معنى البأساءِ
والضرّاءِ بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وقيلَ: ﴿ يَضَرَّعُونَ﴾. والمعنى: يَتَضَرَّعون، ولكن أَدْغِمَت التاءُ فى الضادِ
لتقارب مخرجهما .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا
وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَبَنَا الضَّرَّةُ وَالسََّّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
يقولُ جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا﴾ أهلَ القريةِ التى أُخَذنا أهلَها بالبأساءِ والضرّاءِ،
(١) سقط من: الأصل، ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س .
(٢) فى الأصل: ((يستكينون))، وفى ف: ((سلبوا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٤/٥، ١٥٢٥ عقب الأثر (٨٧٤١) من طريق أسباط به .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٨٦/٣ - ٩١.

٣٢٩
سورة الأعراف : الآية ٩٥
مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ وهى البأساءُ والضرّاءُ؛ وإنما جعَل ذلك سيئةً لأنه مما يسوءُ الناسَ
ولا يَسْرُّهم(١) - ﴿اَلْحَسَنَةَ﴾، وهى الرخاءُ والنعمةُ والسَّعَةُ فى المعيشةِ، ﴿ حَّ
عَفَواْ﴾ يقولُ: حتى كَثُرُوا. وكذلك كلُّ شىءٍ كَثُر فإنه يقالُ فيه: قد عفا . كما
قال الشاعر(٢):
بَأَشْوُقِ عافِياتِ الشَّحمِ كُومٍ
[١١/٢٠و] ولكِنَّا نُعِضُ الشَّيْفَ منها(٣)
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأُعلَى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً :
مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: مكانَ الشدةِ رخاءً، ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾(٤).
حدثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ أُبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. قال: السيئةُ الشرُّ،
والحسنةُ الرخاءُ والمالُ والولدُ(٥).
حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾: "الشرّ، و﴿اَلْحَسَنَةَ﴾: الخير).
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (( تسوءهم).
(٢) تقدم البيت فى ٦٧٦/٣ .
(٣) فى الأصل: ((منا)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٣/١ عن معمر به .
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٣٩، ومن طريقه ابن ابى حاتم فى تفسيره ١٥٢٦/٥ (٨٧٤٩، ٨٧٥١)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((الحسنة والحسنة الخير))، وفى م: ((الحسنة قال السيئة
الشر والحسنة الخير)) .

٣٣٠
سورة الأعراف : الآية ٩٥
حدثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾. يقولُ: مكانَ الشدةِ الرخاءَ" .
٨/٩
حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا
مَكَانَ السَّيِئَةِ / الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ﴾. قال: بدَّلنا مكانَ ما كَرِهوا ما أحبُّوا فى الدنيا،
حتى عَفَوا مِن ذلك العذابِ، ﴿وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرَّآءُ وَاَلسَّرَّةِ﴾(١)
واختلفوا فى تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾؛ فقال بعضُهم نحوَ الذى قلنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قوله: ﴿حَّ عَفَواْ﴾. [١١/٢٠ ١] يقولُ: حتى كثُرُوا وكثُرت أموالُهم(٣).
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن جريج، قال: قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ حَتَّى عَفَواْ﴾ . قال : جَمُّوا .
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، وحدثنى
المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى نَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿ حَتَّى
عَفَواْ﴾. قال: كثُرت أموالُهم وأولادُهم(٤).
حدثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٦/٥ (٨٧٤٨) من طريق عبد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٣/٣ إلى ابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٥٢٧،١٥٢٦ (٨٧٥٠، ٨٧٥٨) من طريق أصبغ بن الفرج، عن
ابن زید .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٥٢٦/٥ (٨٧٥٤) من طريق عبد الله بن صالح به.
(٤) تفسير مجاهد ص٣٣٩. وهو فى الدر المنثور من تمام الأثر المتقدم فى ص٣٢٩ .

٣٣١
سورة الأعراف : الآية ٩٥
﴿حَتَّى عَفَواْ﴾: حتى كثُرُوا .
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾.
قال : حتى جَمُّوا و كَثُرُوا .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا جابرُ بنُّ نوحٍ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ
عباس: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾. قال: حتى جئُّوا(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَئِيرٍ، عن الضحاكِ: ﴿حَتََّ
عَفَواْ﴾. يعنى : جُّوا؛ كثُروا (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاءٍ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ :
حَتَّى عَفَواْ﴾. قال : حتى كثُرت أموالُهم وأولادهم.
حدثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ حَتَّى
عَفَواْ﴾: كثُرُوا كَمَا يكثُرُ النباتُ والريشُ، ثم أخذَهم عندَ ذلك بغتةً وهم لا
يشعرون .
وقال آخرون : معنی ذلك : حتی سُرُوا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ . يقولُ: حتى سُرُوا بذلك(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٦/٥ (٨٧٥٣) من طريق أبى روق به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٤/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((وكثروا)).
(٣) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٧/٥ (٨٧٥٦) من طريق محمد بن عبد الأعلى، تفسير عبد
الرزاق ٢٣٣/١ عن معمر به .

٣٣٢
سورة الأعراف : الآيتان ٩٥ ، ٩٦
وهذا الذى قاله قتادةُ فى معنى ﴿عَفَواْ﴾: سُرُّوا(١). [١٢/٢٠ و] تأويلٌ لا
وجهَ له فى كلامِ العربِ؛ لأنه لا يُغْرَفُ العَفْؤُ السرورُ فى شىءٍ مِن كلامِها،
إلَّا أن يكونَ أرادَ: حتى سُرُّوا بكَثْرَتِهم وكثرةٍ أموالهم. فيكونَ ذلك وجهًا وإن
بَعُدَ .
وأما قولُه: ﴿وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرّآءُ وَالسَّرَّآءُ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ جل
ثناؤُه عن هؤلاءِ القومِ الذين أبدلَهم الحسنةَ بالسيئةِ(٢) التى كانوا فيها ، استدراجًا
وابتلاءً، أنهم قالوا إذ فعَل ذلك بهم: هذه أحوالٌ قد أصابت مَن قبلنا مِن آبائنا ،
ونالت أسلافنا، ونحن لا نعدو أن نكونَ أمثالَهم، يصيئنا ما أصابهم من الشِّدّةِ فی
المعايشِ، والرخاءِ فيها، وهى السرّاءُ؛ لأنها تَشُرُ أهلَها. وجَهِل المساكينُ شُكْرَ نعمةٍ
اللَّهِ، وأغفلوا (٤ حظّهم مِن" استدامةِ فضلِه، / بالإنابة إلى طاعتِه، والمسارعةِ إلى
الإقلاعِ عما يكرَهُه بالتوبةِ، حتى أتاهم أمرُه وهم لا يشعرون .
٩/٩
وقولُه: ﴿فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: فأخذناهم بالهلاكِ
والعذابِ فجأةً، أتاهم على غِرَّةٍ منهم بمجيئِه، وهم لا يَدْرُون ولا يَعْلَمون أنه
یجیئهم، بل هم بأنه آتیھم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوْه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا
عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَمَآءِ [١٢/٢٠ ظ] وَاَلْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٢) بعده فى م: ((بمعنى)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((السيئة)).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((من جهلهم))، وفى م: ((جهلهم)).

٣٣٣
سورة الأعراف : الآيات ٩٦ - ٩٨
(١ يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ الذين أرسَلنا إليهم رُسُلَنا
الذين ذكَرتُ لك يا محمدُ نبأهم فى هذه السورةِ وغيرِها، ﴿ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ:
صدَّقوا اللَّهَ ورسله، ﴿ وَأَتَّقَوْاْ﴾. يقولُ: واتَّقَوا اللَّهَ فخافُوا عذابَه بتَجَنِّهم ما يَكْرَهُه
مِن أعمالِهِم، والإنابةِ إلى ما يُحِبُّه منهم مِن العملِ بطاعتِه، ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ
مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لأرسلنا عليهم مِن السماءِ الأمطارَ، وأنْبَتْنا لهم مِن
الأرضِ بها النباتَ، ورفَعنا عنهم القُحوطَ والجُدُوبَ، وذلك مِن بركاتِ السماءِ
والأرضِ. وأصلُ البركةِ المواظبةُ على الشىءِ، يقالُ: قد بارَك فلانٌ على فلانٍ . إذا
واظَب عليه، والمباركةُ نحوُ المواظبةِ، فكأنَّ قولَه: ﴿بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
ما يَتَتَابَعُ عليهم مِن خيرِ السماءِ والأرضِ، ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ﴾. يقولُ: ولكن
كذَّبوا باللّهِ ورسلِه، ﴿فَأَخَذْفَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فعجّلنا لهم
العقوباتِ بكسيهم الخبيثِ وعملِهم الردىءٍ، وذلك كفرُهم باللّهِ وآیاتِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتًا وَهُمْ
٩٨
نَآئِمُونَ ﴿﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
[١٣/٢٠و] يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَأَمِنَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبةِ
باللّهِ ورسولِه أن يُسْلَكَ بهم مَسْلَكَ سلّافِهم مِن الأمم المكذبةِ اللَّهَ ورسلَه، فى تعجيلٍ
العقوبة لهم كما عُجلت لهم، وقد سلكوا سبیلهم فى تكذیبِ الله ورسوله وجحودِ آياتِه
فـ﴿ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾ يقولُ: عقوبتنا ﴿بَنًا﴾ يَعْنى: ليلًا، ﴿وَهُمْ نَآَيِمُونَ﴾ .
﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىِّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ: أَوَ أَمِنوا
أن تأتيهم عقوبتُنا نهارًا عندَ الضحى وهم ساهون غافلون عن مجيئه، لا يَشْعُرون به ؟ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وهو خرم قديم، استدركناه من نسخة جامعة
القرويين، والتى هى الأصل عندنا .

٣٣٤
سورة الأعراف : الآية ١٠٠،٩٩
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ
٩٩
إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ
يقولُ تعالى ذكره : أفأمِن يا محمدُ هؤلاءِ الذين يكذِّبون اللَّهَ ورسولَه،
ويَجْحَدون آياتِه ، استدراجَ اللّهِ إياهم بما أنعم به عليهم فى دنياهم مِن صحة الأبدانِ
ورخاءِ العيشِ، كما اسْتَدْرَج الذين قصَّ عليهم قصَصَهم مِن الأمم قبلَهم ، فإنَّ مكرَ
اللَّهِ لا يَأْمَنُه - يقولُ: لا يأمنُ ذلك أن يكونَ استدراجًا مع مُقَامِهم على كفرِهم
وإصرارهم على معصيتهم - ﴿ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾: وهم الهالكون .
[١٣/٢٠ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ
اُلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
لَا يَسْمَعُونَ
١٠٠
يقولُ جل ثناؤه: أو لم يَّنْ(١) للذين يُسْتَخلفون فى الأرضِ بعدَ هلاكٍ آخرين
قبلَهم كانوا أهلَها، فساروا سيرتَهم وعمِلوا أعمالَهم، وعتَوا على(١) ربِّهم - ﴿أَنْ
لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمَّ﴾. يقولُ: أن لو نشاءُ فعلنا بهم(٢) فعلَنا بمَن قبلَهم،
فأخذناهم بذنوبهم ، وعجّلنا لهم بأسَنا ، كما عجّلناه لمن كان قبلهم ممّن وَرِثوا عنه
الأرضَ، فأهلكْناهم بذنوبهم، ﴿وَنَطَّبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. يقولُ: ونختِمُ على
قلوبِهم ﴿ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. موعظةً ولا تذكيرًا، سماعَ منتفع بهما .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
١٠/٩
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، س، ف: ((نبين))، وفى م: (( يبين).
(٢) فى م: ((عن أمر)).
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((كما)).

٣٣٥
سورة الأعراف : الآية ١٠٠
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ، وحدثنى المثنى ،
قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمَ
یهْدِ﴾. قال : يُئِن(١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه : ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾: أو لم يُبَّنْ(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: أو لم
◌ُئِّنْ() لهم.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ:
﴿أَوَلَمْ يَهْدٍ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ [١٤/٢٠ و] بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. يقولُ: أو لم
يُبَّنْ(٤)، ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، هم المشركون(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَوَلَمْ
يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾. قال: أو لم يَتَبيَّنْ(١) لهم ﴿أَنْ لَوْ
(١) فى الأصل: ((يتبين))، وفى ت ٢، س، ف: ((نبين)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٩/٥ (٨٧٧٤)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى الأصل: ((يتبين))، وفى ت ٢، س، ف: (( نبين )).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ .
(٣) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يتبين))، وفى ف: ((نبين )).
(٤) فى الأصل، م، ف: (( يتبين)).
(٥) أخرج أوله ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢٩/٥ عقب الأثر (٨٧٧٤) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط
به . وأخرج آخره (٨٧٧٥) من طريق أحمد به .
(٦) فى ص، م: (نبين)).

٣٣٦
سورة الأعراف : الآيتان ١٠٠، ١٠١
نَشَآءُ أَصَبَّنَهُم بِذُنُوبِهِمَّ ﴾. قال: والهدى البيانُ الذى بُعِث هاديًا لهم مبيّنًا لهم
حتى يَعرفوا ، لولاً(١) البيانُ لم يَغْرِفوا(١).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَابِهَاْ وَلَقَدْ
جَآَمَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ
اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلْكَفِرِينَ
يقولُ تعالى ذِكْرُه : هذه القرى التى ذكَّرْتُ لك يا محمدُ أَمْرَها وأمْرَ أَهلِها .
يعنى قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومَ لوطٍ وقومَ شعيبٍ - ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَاَ﴾
فَنُخْبِرُك عنها وعن أخبارِ أهلِها، وما كان مِن أمرِهم وأمرِ رسل اللَّهِ التى أَرْسِلت
إليهم ؛ لتَعلمَ أَنَّا ننصُرُ رسلنا والذين آمنوا فى الحياةِ الدنيا على أعدائنا وأهلِ الكفرِ بنا ،
ويعلمَ مُكَذِّبوكَ مِن قومِكَ ما عاقبةُ أمرٍ مَن كذَّبَ رسلَ اللَّهِ ، فيرتدِعوا عن تكذيِكَ ،
ويُنيبوا إلى توحيدِ اللَّهِ وطاعتِهِ، ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾. يقولُ: ولقد
جاءت أهلَ القرى التى قَصَصْتُ عليكَ نبأَها ﴿ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ ، يعنى:
بالحُجَجِ ("والآياتِ)، ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ [١٤/٢٠ ظ] بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ
قَبْلُّ ﴾ .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم : معناه : فما كان هؤلاء
المشركون الذين أهلكناهم مِن أهلِ القَرَى لِيُؤْمنوا عندَ إرسالِنا إليهم رسلنا (*)،
بما كذَّبُوا (٥) مِن قبلِ ذلك، وذلك يومَ أخَذ ميثاقَهم حين أُخرَجُهم مِن ظَهْرِ
(١) فى م: ((ولولا)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٣٠/٥ (٨٧٧٦) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((والبينات))، وفى م: ((البينات)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يحدثوا)).

٣٣٧
سورة الأعراف : الآية ١٠١
آدمَ .
١١/٩
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلٌ﴾. قال: ذلك يومَ أخَذ منهم
الميثاقَ فآمنوا كَوْهًا (١).
وقال آخرون : معنى ذلك : فما كانوا ليُؤْمِنوا عندَ مجىءِ الرّسُلِ، بما سبَق فى
علمِ اللَّهِ أنَّهم يكذِّبون به يومَ أخْرَجَهم(٢) مِن صُلْبٍ آدمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ()، عن أبى جعفرٍ، عن
الربيع، عن أبى العالية، عن أَبىّ بنِ كعبٍ: ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ
قَبْلٌ﴾. قال: كان فى عِلْمِه يومَ أقرّوا له بالميثاقِ (٤) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرَّبيعِ بنِ أنسٍ ، قال: يحِقُّ على العبادِ أن يأخُذوا مِن العلم ما أبدى لهم ربّهم، ( وَأَلا
يتناولوا علمَ ما أخفى اللَّهُ عنهم(٦)؛ فإن علمَه نافذٌ فيما كان وفيما يكونُ ، وفى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٣٠/٥ (٨٧٨٠) من طريق أحمد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٤/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) فى الأصل: ((أخذهم))، وفى ت١: ((خروجهم).
(٣) بعده فى ص، م، ف: (( عن ابن جريج )) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٣٠/٥ (٨٧٧٨) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٥ - ٥) فى م: ((والأنبياء ويدعوا)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((عليهم)).
( تفسير الطبرى ٢٢/١٠ )

٣٣٨
سورة الأعراف : الآية ١٠١
ذلك " قال اللَّهُ): ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ
مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلْكَفِرِينَ﴾. قال: نفَذ علمُه فيهم أيُّهم
المطيعُ مِن العاصى، [١٥/٢٠ و] حيثُ خلَقَهم فى زمانِ آدمَ، وتصديقُ ذلك حيث
قال لنوحِ: ﴿أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَن مَّعَكَّ وَأُمَّمٌ
سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَشُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨]. وقال فى ذلك: ﴿ وَلَوْ رُدُواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وفى ذلك قال: ﴿ وَمَا كُنَّاً
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وفى ذلك قال: ﴿لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُبَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥]. فلا حُجَّةَ لأحدٍ على اللَّهِ(٢) .
وقال آخرون : معنى ذلك : فما كانوا لو أخييناهم بعدَ هلا کھم ومعاينتهم ما
عايَنُوا مِن عذابِ اللَّهِ، لِيُؤْمنُوا بما كذَّبوا من قبلٍ هلاكِهم. كما قال: ﴿وَلَوَ رُدُواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ﴾. قال: كقولِه:
﴿﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾(١).
وأشبهُ هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ وأَوْلَاها بالصوابِ القولُ الذى ذكرناه عن أُبيِّ
ابنِ كعبٍ والرَّبيعِ، وذلك أنَّ مَن سبق فى علمِ اللَّهِ أنه لا يؤمنُ به فلن يؤمن به(٤) أبدًا .
وقد كان سبق فى علمِ اللَّهِ لمن أهلَك مِن الأمم التى قصَّ نبأَهم فى هذه السورة أنه لا
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((قالوا))، وفى م: ((قال)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ دون أوله.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٣٠/٥ (٨٧٧٩).
(٤) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف .

٣٣٩
سورة الأعراف : الآيتان ١٠١، ١٠٢
يؤمِنُ أبدًا ، فأخبرَ عنهم أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذُّبون فى سابقٍ عِلْمِه قبلَ
مجىء الرسلِ عندَ(١) مجيئهم إليهم .
ولو قيل: تأويلُه: فما كان هؤلاء الذين وَرِثُوا الأرضَ يا محمدُ مِن [١٥/٢٠ظ]
مُشْرِكی قومِك مِن بعدِ أهلِها الذين كانوا بها ، مِن عادٍ وثمودَ - ليؤْمنوا بما کذَّب به
الذين وَرِثوها عنهم مِن توحيدِ اللَّهِ ووَعْدِه ووعيدِه. كان وجهًا ومذهبًا ، غيرَ أنى لا
أعلمُ قائلاً قاله ثمّن يُعْتَمَدُ ("على علمِه٢) بتأويلِ القرآنِ .
وأما الذى قاله مجاهدٌ مِن أن / معناه: ولو رُدُّوا ما كانوا ليُؤْمِنوا. فتأويلٌ لا ١٢/٩
دلالةَ له(٢) عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ ولا مِن خبرٍ عن الرسولِ صحيح. وإذا كان ذلك
كذلك، فأولى منه بالصوابِ ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دليلٌ .
وأما قولُه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَفِرِينَ﴾. فإنه يقولُ جل
ثناؤه: كما طبَع اللَّهُ على قلوبٍ هؤلاء الذين كفروا بربِّهم وعَصَوا رُسُلَه مِن هذه الأمم
التى قصَصْنا عليكَ نبأهم يا محمدُ فى هذه السورةِ ، حتى جاءَهم بأسُ اللَّهِ فهلَكوا
به، كذلك يطبعُ اللَّهُ فِيَخْتِمُ (١) على قلوبِ الكافرين الذين كَتَب عليهم أنهم لا
يؤمنون أبدًا مِن قومِك .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَاً
أَكْتَرَهُمْ لَفَسِقِينَ
١٠٢
يقولُ تعالى ذكره : ولم نجدْ لأكثرٍ أهلِ هذه القرى التى أهلكناها واقتصصنا
عليك يا محمدُ نبأَها ﴿مِّنْ عَهْدٍ﴾. يقولُ: مِن وفاءٍ بما وصَّيناهم به مِن توحيد
(١) فى م: ((وعند)).
(٢ - ٢) فى ت ١، س، ف: ((عليه)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .

٣٤٠
سورة الأعراف : الآية ١٠٢
اللَّهِ، واتباع رسلِه، [١٦/٢٠ و] والعملِ بطاعته، واجتنابٍ معاصِيه، وهجرٍ عبادة
الأوثانِ والأصنام - والعهدُ هو الوصيةُ، وقد بيّنا ذلك فيما مضَى بما أغنى عن
إعادتِهُ(١) - ﴿ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾. يقولُ: وما وجَدْنا أكثرَهم إلا
فَسَقةٌ عن طاعةِ ربِّهم، تاركين عهدَه ووصيته. وقد بيَّنا معنى الفسقِ قبلُ(١).
وبنحو الذی قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَسِقِينَ﴾. قال:
ي(٣)
القرونُ الماضيةُ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجريجٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْتَِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَهُمْ
(١) ﴾ . قال : القرونُ الماضیةُ ، وعهدُه الذى أخذَه مِن بنى آدمَ فی ظھرِ
لَفَسِقِینَ
آدمَ ولم یقُوا به .
حدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجّاٌ، عن أبى جعفرٍ، عن
الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ، عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ .
قال: فى الميثاقِ الذى أَخَذَه فى ظهرِ آدمَ(٤) .
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٣٥/١ - ٤٣٧ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٣٤/١، ٢٥٥/٩.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٤٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٣١/٥ (٨٧٨٥)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٠٥/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، بلفظ الأثر القادم.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٣ إلى المصنف.