النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة الأعراف : الآية ٤٦
﴿ وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ﴾. قال: هم الملائكةُ. قلتُ: يا أبا مجلز، يقولُ اللَّهُ تبارك
وتعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ وتقولُ أنت: ملائكةٌ؟ قال: إنهم ذُكْرانٌ ليسوا بإناثٍ(١).
[٥٢/١٩ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بنِ
مُحُدَيْرٍ، عن أبى مجلٍ فى قولِه: / ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّ بِسِيمَهُمْ﴾ . قال: ١٩٤/٨
ج.
الملائكةُ . قال: قلتُ: يقولُ اللَّه: ﴿رِجَالٌ﴾. قال: الملائكةُ(٢).
والصوابُ مِن القولِ فى أصحابِ الأعرافِ أن يُقالَ كما قال الله جلَّ ثناؤه فيهم:
هم رجالٌ يَعْرِفون كُلَّ مِن أهلِ الجنةِ وأهلِ النارِ بسيماهم. ولا خبرَ عن رسولِ اللَّهِ صَلَه
يَصِحُ سندُه، ولا آيَةً(١) متفقٌ على تأويلِها ، ولا إجماعَ مِن الأمةِ على أنهم ملائكةٌ .
فإذا كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدْرَكُ قِياسًا، وكان المتعارَفُ بينَ أهلِ
لسانِ العربِ أن الرجالَ اسمٌ يَجْمَعُ(٤) ذكورَ بنى آدمَ دونَ إناثِهم ، ودونَ سائرِ الخلقِ
غيرِهم. كان بيِّنًا، أن ما قاله أبو مجلزٍ مِن أنهم ملائكةٌ، قولٌ لا معنَى له، وأن
الصحيحَ مِن القولِ فى ذلك ما قاله سائرُ أهلِ التأويلِ غيرَه ، هذا مع مَن قال بخلافِه
مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ ◌ِّ ◌َه، ومع ما رُوِى عن رسولِ اللَّهِ سَّه فى ذلك مِن
الأخبارِ ، وإن كان فى أسانيدِها ما فيها .
وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى جَريرٌ، عن عُمارةَ بنِ
القَعْقاعِ، عن أبى زُرْعةَ بنِ(٥) عمرو بنِ جَريرٍ، قال: سُئِل رسولُ اللَّهِ يَّهِ عن
أصحابِ الأعرافِ، فقال: ((هم آخِرُ مَن يُفْصَلُ بينَهم مِن العبادِ ، وإذا فرغ ربُّ
(١) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٦٩ من طريق وكيع به .
(٢) بعده فى م: ((ذكور)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أنه)).
(٤) فى الأصل: ((لجمع)) .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٣٣.
٢٢٢
سورة الأعراف : الآية ٤٦
العالمين مِن فصلٍ (١) بينَ العبادِ، قال: أنتم قومٌ أَخْرَ جَتْكم حَسَناتُكم مِن النارِ، ولم
تُدْخِلْكم الجنةَ ، فأنتم ◌ُتَقائى، فارْعَوْا مِن الجنةِ حيث شئتُم ))(١).
[٥٣/١٩و] القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ
الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : وعلى الأعرافِ رجالٌ يَعْرِفون أهلَ الجنةِ بسيماهم ، وذلك
بياضُ وجوهِهم ، ونَضرةُ النعيمِ عليها ، ويَعْرِفون أهلَ النارِ كذلك بسيماهم، وذلك
سَوادُ وجوهِهم، وزُرْقَةُ أَعينِهم، فإذا رأَوْا أهلَ الجنةِ نادَوْا أن سلام عليكم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبی
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾. قال":
يَعْرِفون أهلَ النارِ بسَوادِ الوجوهِ، وأهلَ الجنةِ يتَياضِ الوجوهِ(٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾. قال: أَنْزَلَهم اللَّهُ
بتلك المنزلةِ لِيَعْرِفوا مَن فى الجنة والنارِ، ولِيَعْرِفوا أهلَ النارِ بسَوادِ الوجوهِ، ويَتْعَوَّدوا
باللَّهِ أن يَجْعَلَهم مع القومِ الظالمين، وهم فى ذلك يُحَيُّون أهلَ الجنةِ بالسلامِ، لم
(١) فى م: ((فصله)).
(٢) تفسير سنيد - كما فى تفسير ابن كثير ٣/ ٤١٦- وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٥/٥ (٨٥٠٠)
من طريق جرير به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٣ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
(٤) سیأتی تخريجه فی ص ٢٣١.
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أهل)).
٢٢٣
سورة الأعراف : الآية ٤٦
يَدْخُلوها وهم يَطْمَعون أن يَدْخُلوها، وهم داخِلوها إن شاء اللَّهُ(١).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى ١٩٥/٨
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿بِسِيمَهُمْ﴾. قال: [٥٣/١٩ظ] بسَوادِ الوجوهِ وزُرْقَةِ
(٢)
العیون
٠
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾: الكفارَ بسوادِ الوجوهِ وزُرقةِ
العيونِ، وسِيما أهلِ الجنةِ مُبْيَضَّةٌ وجوهُهم .
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال : ثنا هشيم ، عن جوییٍ، عن
الضحاكِ ، عن ابنِ عباس، قال: أصحابُ الأعرافِ إذا رأَوْا أصحابَ الجنةِ عرّفوهم
ببياضٍ الوجوهِ، وإذا رأوا أصحابَ النارِ عرّفوهم بسَوادِ الوجوهِ.
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال : أْبَرنا ابنُ المباركِ ، عن جوییٍ ،
عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : إن أصحابَ الأعرافِ رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ
عِظامٌ، وكان حَسْمُ (١) أمرِهم للَّهِ، فَأَقِيموا ذلك المُقَامَ، إذا نظَروا إلى أهلِ النارِ عرَفوهم
بسوادٍ الوجوهِ، فقالوا: ﴿رَبََّ لَا تَجْعَلْنَاَ مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ﴾. وإذا نظَروا إلى أهلِ الجنةِ
عرَفوهم ببياض الوجوهِ، فذلك قوله: ﴿ وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا
وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾(٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال : ثنا عبيدُ بنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٨/٥ (٨٥٢١) عن محمد بن سعد به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٣٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٧/٥ (٨٥١٠).
(٣) فى الأصل: ((حسيم))، وفى الزهد: ((جسيم))، والمثبت موافق لما فى تفسير ابن أبى حاتم .
(٤) الزهد لابن المبارك (٤٠٢ - زيادات نعيم)، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٨٦، ١٤٨٨
(٨٥٠٩، ٨٥٢٠) .
٢٢٤
سورة الأعراف : الآية ٤٦
سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ
بِسِيمَهُمْ﴾: زعَموا أن أصحابَ الأعرافِ رجالٌ مِن أهلِ الذنوبِ أصابوا ذُنوبًا ،
وكان حَسْمُ (١) أمرِهم للَّهِ، فجعَلهم اللَّهُ على الأعرافِ، فإذا نظَروا [٥٤/١٩,] إلى
أهلِ النارِ عرَفوهم بسوادِ الوجوهِ، فتعَوَّذُوا باللَّهِ مِن النارِ. وإذا نظروا إلى أهلِ الجنةِ
نادَوْهم: ﴿أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ﴾. (" قال اللَّهُ(٢): ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾. قال:
وهذا قول ابنِ عباسٍ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾: يَعْرِفون الناسَ بسِيماهم، يَعْرِفون أهلَ النارِ
بسَوادِ وجوهِهم، وأهلَ الجنةِ ببياضٍ وجوهِهم .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ يَعْرِفُونَ كُلّ بِسِيمَهُمْ﴾: يَعْرِفون أهلَ النارِ بسوادٍ وجوهِهم، وأهلَ الجنةِ ببياضٍ
وجوهِهم .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَعَلَى
اُلْأَغْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾ . قال: أهلَ الجنةِ بسِيماهم ، بيضُ الوجوهِ ،
وأهلَ النارِ بسيماهم، سودُ الوجوهِ. وقولُه: ﴿يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾. قال:
أصحابَ الجنةِ وأصحابَ النارِ. قال: ﴿ وَنَادَوْاْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾. قال: حينَ رَأَوْا
وُجوهَهم قد ائْتَضَّت .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحارِيئُّ، عن مجويبٍ، عن الضحاكِ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلَّ
(١) فى الأصل: ((جسیم)).
(٢ - ٢) سقط من: الأصل .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٧/٥ (٨٥١٣) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٨٩/٣ إلى أبى الشيخ .
٢٢٥
سورة الأعراف : الآية ٤٦
بِسِيمَهُمْ﴾ . قال : بسوادِ الوجوهِ .
/حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ١٩٦/٨
بِسِيمَهُمْ﴾. قال: بسوادِ الوجوهِ وزُرْقةِ العيونِ .
و «السّيماءُ)): العلامةُ الدالةُ على الشىءِ فى كلام العربِ، وأصلُه من السّمَةِ،
نُقِلَت واؤها التى هى فاءُ الفعلِ إلى موضعِ العينِ، كما يقالُ: اضْمَحَلَّ [٥٤/١٩ظ]
وامْضَحَلَّ، وذُكِر سماعًا عن بعضٍ بنى عُقَيْلٍ: هى أرضٌ خامةٌ . يعنى: وَخِيمةٌ(١)
ى
ومنه قولُهم : له جاةٌ عندَ الناسِ . بمعنى : وجة. نُقِلَت واؤه إلى موضعٍ عينِ الفعلِ.
وفيها لغاتٌ ثلاثٌ؛ سِيما مقصورةٌ ، وسِيماءُ ممدودةٌ ، وسِيمِيَاءُ بزيادة ياءٍ أُخرى بعدَ
الميمٍ فيها، ومدِّها على مثالِ الكِبرياءِ، كما قال الشاعرُ(١):
غلام رماه اللَّهُ بالْحُسْنِ يافعًا(١) له سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
وأما قولُه: ﴿ وَنَادَوْاْ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ
يَطْمَعُونَ﴾. " فإِنَّه يقولُ: ونادَى أصحابُ الأعرافِ: يا أهلَ الجنةِ أن سلامٌ
عليكم ) . أىْ: حلَّت عليكم أمَنةُ اللَّهِ مِن عقابِهِ وأليمِ عذابِه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بقولِه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ ؛ فقال
بعضُهم : هذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عن أهلِ الأعرافِ أنهم قالوا لأَهلِ الجنةِ ما قالوا
قبلَ دخولٍ أصحابِ الأعرافِ الجنةَ (٥) ، غير أنهم قالوه وهم يَطْمَعون فى دخولها .
(١) فى م، ف: ((وخمة)). وأرض وخيمة أى لا ينجع كلؤها ولا توافق ساكنها . ينظر تاج العروس (وخ م).
(٢) هو أسيد بن عنقاء الفزارى، وتقدم تخريجه فى ٢٧/٥.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((إذا رمى)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
( تفسير الطبرى ١٥/١٠ )
٢٢٦
سورة الأعراف : الآية ٤٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: أهلُ الأعرافِ يَعْرِفون الناسَ، فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرةٍ يُذْهَبُ بها إلى
الجنةِ، قالوا: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ اللَّهُ لأهلِ الأعراف: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ
يَطْمَعُونَ ﴾ أن يَدْخُلوها (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال :
تلا [١٥٥/١٩] الحسنُ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. قال: واللهِ ما جعَل ذلك
الطمعَ فى قلوبِهم إلا لكرامةٍ يُرِيدُها بهم" .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ
يَطْمَعُونَ﴾. قال: قد أنْبَأَكم اللَّهُ بمكانِهم مِن الطمعِ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن أبى بكرِ الهُذَلىِّ،
قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وهو يُحَدِّثُ ذلك عن ابنٍ مسعودٍ ، قال : أما أصحابُ
الأعرافِ ، فإن النورَ كان فى أيديهم، فلم يُنْزَعْ" مِن أيديهم، فهنالك يقولُ اللَّهُ
جل ثناؤه: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. ( فكان الطمعُ دُخولًا(٥).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ ، عن جُوَییٍ ،
عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾) . قال : فى دخولها .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٧/٥ (٨٥١٣) من طريق أحمد به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢٣٠ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٨/٥ (٨٥١٧) -
عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فانتزع))، وفى م: ((ما انتزع)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٥) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٢١٣، ٢١٤.
٢٢٧
سورة الأعراف : الآيتان ٤٧،٤٦
قال ابنُ عباسٍ: فأدخلَ اللَّهُ أصحابَ الأعرافِ الجنةً .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن
عكرمةً وعطاءٍ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ . قالا : فى دخولها .
/ وقال آخرون: إنما عنى بذلك أهل الجنةِ، وأن أصحاب الأعرافِ يقولون لهم ١٩٧/٨
قبلَ أن يَدْخُلوا الجنةَ: سلام عليكم. وأهلُ الجنةِ يَطْمَعون أَن يَدْخُلُوها، ولم
يَدْخُلوها بعدُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ( وابنُ وَكيع، قالا: ثنا جريرٌ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبى
مجلزٍ: ﴿ وَنَادَوْاْ أَصَْبَ [٥٥/١٩ظ] الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾.
قال: الملائكةُ يَعْرِفون الفريقين جميعًا بسِيماهم، وهذا قبلَ أَن يَدْخُلَ أَهلُ الجنةِ
الجنةَ ، أصحابُ الأعرافِ يُنادُون أصحابَ الجنةِ أن سلام عليكم، لم يَدْخُلوها وهم
يَطْمَعون فى دخولها .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُوا رَبَّا لَا
تَّجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ
٤٧
يَعْنى تعالى ذكره: وإذا صُرِفَت أبصارُ أصحابِ الأعرافِ ﴿ نِلْقَاءَ أَصْحَبٍ
الَّارِ ﴾ يعنى: حِيالَهم ووِجاهَهم، فنظَروا إلى تشويهِ اللَّهِ بهم(٢) ﴿قَالُوا رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ
الْقَوْمِ اٌلَّلِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسَهم، فأكْسَبوها مِن سَخَطِك ما أوْرَثهم مِن
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((قال: ثنا وكيع، قال)).
(٢) فى م: ((لهم)).
٢٢٨
سورة الأعراف : الآيتان ٤٧، ٤٨
عقابك(١) ما هم فيه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ ، قال: وإذا مرُّوا بهم - يعنى بأصحابِ الأعرافِ - بزُمْرةٍ يُذْهَبُ بها إلى
النارِ قالوا: ﴿رَبَّ لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أُخْبرَنا ابنُ المباركِ ، عن مجوييرٍ،
عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن أصحابَ الأعرافِ إذا نظروا إلى
أهلِ النارِ ("عرَفوهم، فقالوا": ﴿رََّ لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى مَكِينٍ، [٥٦/١٩و] عن أخيه، عن
عكرمةَ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَدُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ ﴾. قال: تَجُّدُ وجوهُهم للنارٍ ، فإذا
رَأَوْا أهلَ الجنةِ ، ذهَب ذلك عنهم(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ فِقَ أَصْنَبِ النَّارِ ﴾: فرأَوْا وجوهَهم مُسْوَدَّةً، وأعينَهم مُزْرَقَّةً ، قالوا:
﴿رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَادَّ أَصَْبُ اُلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَهُمْ
قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
٤٨
(١) فى م: ((عذابك)).
(٢) تفسير ابن كثير ٣/ ٤١٧، وقد تقدم أوله فى ص ٢٢٦.
(٣ - ٣) فى م: ((وعرفوهم قالوا)).
(٤) تقدم تخريجه فی ص ٢٢٣.
(٥) تجرد: تسلخ جلود وجوههم بسبب النار. وينظر النهاية ٢٥٧/١.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فی تفسیرہ ١٤٨٨/٥ (٨٥١٨) من طريق و کیع به .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٨/٥ (٨٥١٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد.
٢٢٩
سورة الأعراف : الآية ٤٨
١٩٨/٨
/ يقولُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَنَادَّ أَعَْبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾. مِن أَهلِ النّارِ(١)
﴿يَعِفُونَهُم بِسِيمَهُمْ﴾: سيما أهلِ النارِ. فقالُوا: ﴿مَا أَغْتَ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: ما
كنتم تَجْمَعون مِن الأموالِ والعَدَدِ فى الدنيا. ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبُونَ﴾. يقولُ:
وتكبُّرُ كم الذى كنتمُ تَتَكَيَّرون فيها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُّ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ،
عن السدىِّ، قال: فمرّ بهم - يعنى بأصحابِ الأعرافِ - ناسٌ مِن الجبّارِين،
عرَفوهم بسيماهم. قال: يقولُ: قال أصحابُ الأعرافِ: ﴿ مَآ أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُتـ
وَمَا كُنُتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾(٢).
[٥٦/١٩ظ] حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال: ثنی عمى ، قال: ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: "ونادَوا - يعنى" أصحابَ الأعرافِ - ﴿رِجَالًا﴾
فى النارِ ﴿يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنكُمْ جَمْمُكُمْ﴾: تكتُُّكمُ ﴿ وَمَا كُمْ
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن سليمانَ التَّيْمىّ، عن أبى مجلٍ:
﴿ وَنَادَ أَمَْبُّ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا
كُنُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: هذا حينَ دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ
أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآية . قلتُ لأبى مجلٍ : عن ابنِ عباسٍ ؟ قال :
(١) فى م: ((الأرض)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٩/٥ (٨٥٢٥) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٣ - ٣) فى م: (( ونادى)).
(٤) سقط من: الأصل، وفى م: ((وتكبركم)). وما فى بقية النسخ كالذى فى ((م)) إلا أنهم قدموا هذه
اللفظة على التى قبلها فقالوا: ((تكبركم وجمعكم)). وأثبتنا الصواب من تفسير ابن أبى حاتم ، حيث أخرجه
فى ١٤٨٩/٥ (٨٥٢٢، ٨٥٢٣) عن محمد بن سعد به .
٢٣٠
سورة الأعراف : الآيتان ٤٨، ٤٩
لا ، بل عن غيره .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سليمانَ التيميّ ، عن أبى
مجلزٍ: ﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ اُلْأَعْرَافِ رِمَا لَا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ﴾. قال: نادَت الملائكةُ رجالًا
فى النارِ، يَعْرِفونهم بسِيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبُونَ
٤٨
أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ﴾. قال: فهذا حينَ دخَل أهلُ الجنةِ الجنةً
(٢)
﴿أَدْخُلُواْ الَْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ..
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه:
﴿ وَنَادَى أَصْحَبُّ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ﴾. قال: رجالٌ عظماءُ مِن أَهل
الدنيا . قال : فبهذه الصفةِ عَرَف أَهلُ الأعرافِ أهلَ الجنةِ مِن أهلِ النارِ، وإنما ذكر
هذا حينَ يُذْهَبُ برئيسٍ أهلِ الخيرِ ورئيسٍ أهلٍ الشرّ يومَ القيامةِ . قال : وقال ابُ زيد
فى قوله: ﴿ مَآ أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْمُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْيُونَ﴾. قال: عن(٣) أهلِ طاعةٍ
(٤)
اللَّهِ(٤) .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
٤٩
أُدْخُلُواْ الَّْةَ لَا خَوْفٌّ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
[٥٧/١٩و] اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنيِّين بهذا الكلام؛ فقال بعضُهم: هذا
قِيلُ اللَّهِ جلّ ثناؤه لأهلِ النارِ ؛ توبيخًا لهم على ما كان مِن قِيلهم فى الدنيا لأهلٍ
الأعرافِ ، عندَ إدخالِهِ أصحابَ الأعرافِ الجنةَ .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٢٠.
(٢) قد تقدم فى ص ٢١٩، ٢٢٠.
(٣) فى م: ((على)).
(٤) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٩/٥ (٨٥٢٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
٢٣١
سورة الأعراف : الآية ٤٩
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ١٩٩/٨
ابنِ عباسٍ، قال: أصحابُ الأعرافِ رجالٌ كانت لهم ذنوبٌ عِظامٌ، وكان
حسمُ(١) أمرِهم للَّهِ، يقومون على الأعرافِ، فإذا نظروا إلى أهلِ الجنةِ طمِعوا أن
يَدْخُلوها، وإذا نظَروا إلى أهلِ النارِ تَعَوَّذوا باللّهِ منها، فأُدْخِلوا الجنةَ، فذلك قولُه :
﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. يعنى أصحابَ الأعرافِ،
أُدْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُريدُ بنُ نصرٍ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن
جُوبِيرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ)، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن اللَّهَ أُدْخَل
أصحابَ الأعرافِ الجنةَ. قوله: ﴿اَدْخُلُواْ اَلْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ
تَحْزَنُنَ﴾(٤).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أُبی ، قال : ثنی عمی ، قال: ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: "﴿قَالُواْ مَآ أَغْفَ عَنْكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ . قال :
فلمَّا قالُوا لهم الذى قضَى اللَّهُ أن يقولوا - يعنى أصحابَ الأعرافِ - لأهلِ الجنةِ
وأهلِ النارِ ) ، قال اللّهُ لأهلِ التَكَثْرِ والأموالِ: ﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ
بِرَحْمَةٍ﴾، يعنى أصحابَ الأعرافِ، ﴿اَدْخُلُواْ الَّْةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ
(١) فى الأصل: ((جسيم))، وفى ف: ((حسمهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٧/٥، ١٤٨٨ (٨٥١٥) ببعضه، والبيهقى فى الشعب (٣٨١)،
وفى البعث والنشور (١٠٨) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/٣ إلى عبد بن حميد
وابن المنذر .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٢٢٣.
٢٣٢
سورة الأعراف : الآية ٤٩
تَحْزَُّنَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿أَهَؤُلَاءٍ﴾ الضعفاءُ ﴿ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ
لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ [٧/١٩ ٥ظ] تَحْزَنُونَ﴾. قال: فقال حذيفةُ : إن أصحابَ
الأعرافِ قومٌ تَكافَأَت أعمالُهم ، فقصَّرت بهم حسناتُهم عن الجنةِ ، وقصَّرَت بهم
سيئاتُهم عن النارِ ، فجُعِلوا على الأعرافِ ، يَعْرِفون (٢) الناسَ بسيماهم، فلمَّا قُضِى
بينَ العبادِ ، أَذِن لهم فى طلبِ الشفاعةِ ، فَأَتَوْا آدمَ عليه السلامُ، فقالوا: يا آدمُ ، أَنت
أبونا ، فاشْفَعْ لنا عندَ ربِّك، فقال: هل تَعْلَمون أحدًا خلَقَه اللّهُ بیدِه، ونفخ فيه مِن
رُوحِه، وسبَقَت رحمتُهُ(٢) إليه غضبَه، وسجَدَت له الملائكةُ غيرى؟ فيقولون : لا .
قال: فيقولُ: ما عمِلْتُ(٤) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولكن اثْتُوا ابنى إبراهيمَ .
قال: فيَأْتُون إبراهيم عليه السلامُ، فَيَشْأَلونه أن يَشْفَعَ لهم عندَ ربِّه، فيقولُ: هَل
تعْلَمون مِن أحدٍ اتَّخَذه اللَّه خليلًا؟ هل تَعْلَمون أحدًا أخْرَقه قومُه فى النارِ فى اللَّهِ
غيرى؟ " فيقولون: لا°). فيقولُ: ما عمِلت(٦) كُنْهَ ما أَسْتَطِيعُ أن أَشْفَعَ لكم، ولکنِ
اثْتُوا ابنى موسى. فيأتون موسى عليه السلامُ، فيقولُ: هل تَعْلَمون مِن أحدٍ كلَّمه اللَّهُ
تكليمًا ، وقرّبه نَجِيًّا غيرى؟ فيقولون: لا. فيقولُ: ما عمِلْتُ(٦) كُنْهَ(٢) ما أَسْتَطِيعُ أن
أَشْفَعَ لكم، ولكنِ اثْتُوا عيسى. فيَأْتُونه فيقولون: اشْفَعْ لنا عندَ ربِّك. فيقولُ: هل
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٤٨٩/٥ (٨٥٢٨) عن محمد بن سعد به، دون ذكر أوله .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يعترفون)). وهما بمعنى، ينظر التاج (ع ر ف).
(٣) فى م: ((رحمة الله)).
(٤) فى م، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، والدر المنثور: ((علمت)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((علمت)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فيه))، وفى تفسير ابن كثير حيث جاء: (( كنهه)).
٢٣٣
سورة الأعراف : الآية ٤٩
٢٠٠/٨
تَعْلَمون أحدًا خلَقَه اللَّهُ مِن غيرِ أبٍ غيرى؟ فيقولون: لا. فيقولُ: هل تَعْلَمون مِن أُحدٍ
كان يُتْرِىُّ الأكْمَهَ والأبرصَ ويُخِى الموتى بإذنِ اللَّهِ غيرى؟ قال: فيقولون: لا.
فيقول : أنا حجیج / نفسی ، ما عمِلتُ(١) مُنة(٢) ما أُسْتَطِيئُ أن أَشْفَعَ لکم ، ولکنِ اثْتُوا
محمدًا(٢). قال رسولُ الَّهِ عَهِ: ((فِيَأْتونى، فَأَضْرِبُ بيدى على صدرى، ثم أَقولُ:
أنا لها. ثم أَمْشِى حتى أَقِفَ بينَ يدي العرشِ، فَأُثْنِى على ربى، فيُفْتَحُ لى مِن الثناءِ
ما لم يَسْمَع السامعون بمثله قطُّ ، [٥٨/١٩و] ثم أَسْبُدُ فيُقالُ لى: يا محمدُ ، ارْفَعْ
رأسَك، سلْ تُعْطَه، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأرفعُ رأسى(٤) فأقولُ: ربِّ أَمَّتى. فيقالُ: هم
لك. فلا يَثْقَى نبىٌّ مرسَلٌ ولا ملَكٌ مُقَرَّبٌ إلا غبَطَنى يومَئذٍ بذلك المَقَامِ، وهو المقامُ
المحمودُ. قال : فآتِی بهم باب الجنة ، فأَسْتَفْتِحُ، فيُفْتَخُ لی ولهم ، فُذْهَبُ بهم إلى نهرٍ
يُقالُ له : نهرُ الحيوانِ (٥) . حافَتَاه قَصَبٌ(١) مِن ذهبٍ، مُكَلَّلٌ باللؤلؤ، ترابُه المِسْكُ،
وحَصْباؤُه الياقوتُ، فيَغْتَسِلون منه، فتَعودُ إليهم ألوانُ أهلِ الجنةِ وريحُ(١) (٢أهلٍ
الجنةُِ ، ويَصِيرون كأنهم الكواكبُ الدُّرِّيّةُ، ويَتْقَى فى صدورِهم شاماتٌ بِيضٌ
يُعْرَفون بها ، يقالُ لهم: مساكينُ أهلِ الجنةِ)) (١).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((علمت)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيه كنه)) .
(٣) بعده فى م: (( رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(٤) بعده فى الأصل: ((ثم أثنى على ربى ثم أخر ساجدًا، فيقال لى: ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع .
فأرفع رأسى)). وينظر الدر المنثور وتفسير ابن كثير.
(٥) فى م، والدر المنثور: ((الحياة)).
(٦) فى الأصل، م: ((قضب)).
(٧) فى م: ((ريحهم)).
(٨ - ٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٩) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤١٨/٣ عن حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى المصنف . وينظر ما
أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ( ٩٥٥، ٩٥٦ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨٤/٥، ١٤٨٥ =
٢٣٤
سورة الأعراف : الآية ٤٩
حدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: إن اللَّهَ أَدْخَل (١) بعدُ أصحابَ الأعرافِ(٢)
الجنةَ، وهو قولُه: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. يعنى
أصحابَ الأعرافِ، وهذا قولُ ابنِ عباسٍ .
فتأويلُ الكلام على هذا التأويلِ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ ومَن ذَكَوْنا قولَه
فيه : قال اللَّهُ لأهلِ التكبِّرِ عن الإقرارِ بوَحْدانيتِه، والإذْعانِ لطاعتِه وطاعةِ رسلِه،
الجامِعِين فى الدنيا الأموالَ، مكاثَرةً ورياءً : أيُّها الجَبابِرةُ(١) كانوا فى الدنيا ، أهؤلاء
الضعفاء الذين كنتم فى الدنيا أقْسَمْتُم لا يَنالُهم اللّهُ برحمةٍ؟ فإنى (٤) قد غفَرْتُ لهم
ورحِمْتُهم بفضلى ورحمتى ، ادْخُلوا يا أصحابَ الأعرافِ الجنةَ ، لا خوفٌ عليكم
بعدَها مِن عقوبةٍ تُعاقَبون بها على ما سلَف منكم [٥٨/١٩ظ] فى الدنيا مِن الآثامِ
والإجرامِ ، ولا أنتم تَخْزُنون على شىءٍ فاتكم فى دنياكم .
وقال أبو مجلٍ: بل هذا القولُ خبرٌ مِن اللَّهِ عن قِيلِ الملائكةِ لأَهلِ النارِ بعدَ ما
دخلوا النارَ، تَغْيِيرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون فى الدنيا للمؤمنين الذين أدْخَلَهم
اللَّهُ يومَ القيامةِ جنته. وأما قولُه: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
فخبرٌ مِن اللَّهِ عن أمرِه أهلَ الجنةِ بدخولها .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عُليةَ ، عن سليمانَ التيمىِّ ، عن أبى مجلزٍ ، قال :
= (٨٤٩٩)، والبيهقى فى البعث والنشور (١١٠) من طريق الشعبى عن حذيفة، وما أخرجه الحاكم
٣٢٠/٢ - ومن طريقه البيهقى فى البعث (١٠٩) - من طريق الشعبى عن صلة عن حذيفة.
(١) فى م: ((أدخلهم)).
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، في.
(٣) بعده فى م: ((الذين)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: ((قال)).
.
٢٣٥
سورة الأعراف : الآيتان ٤٩، ٥٠
نادَت الملائكةُ رجالاً فى النارِ يَعْرِفونهم بسيماهم ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ
تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨َ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾. قال: فهذا حينَ
دخَل أهلُ الجنةِ الجنةَ ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَآَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ
٥٠
عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ
/ وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن استِغاثةِ أهلِ النارِ بأهلِ الجنةِ عندَ نزولٍ ٢٠١/٨
عظيمِ البلاءِ بهم، مِن شدةِ العطشِ والجوع ؛ عقوبةً مِن اللّهِ لهم على ما سلَّف منهم
فى الدنيا ، مِن تركِ طاعةِ اللهِ فى أداءٍ ما كان فرَض عليهم فيها فى أموالهم مِن حقوقٍ
المساكينِ، مِن الزكاة والصدقةِ. يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ بعدَ
ما دخَلوها ﴿ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ﴾ بعدٌ ما سكنوها ﴿أَنْ﴾ يا أهلَ الجنةِ ﴿ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا
مِنَ الْمَاءِ﴾ أى: أَوْسِعُونا مِن الماءِ). ﴿أَوْ مِتَا رَزَقَكُمُ الله﴾. أىْ: أَطْعِمونا مما
رزَقَكم اللَّهُ مِن الطعامِ .
[٢٥٩/١٩] كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال :
ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾. قال:
مِن الطعامِ(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَنْ
أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يَسْتَطْعِمونهم
ويَسْتَشْقُونهم(٢) .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٠/٥، ١٤٩١ (٨٥٣٤) من طريق أحمد بن المفضل به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٤٩١/٥ (٨٥٣٥) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
٢٣٦
سورة الأعراف : الآية ٥٠
فأجابهم أهلُ الجنةِ : إن اللَّهَ تبارك وتعالى حرَّم الماء والطعامَ على الذين جحَدوا
توحیدَه، و کذَّبوا فى الدنيا رسله .
والهاءُ والميمُ فى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا﴾. عائدتان على ((الماءِ)) ، وعلى
ج
((ما )) التى فى قوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.
وبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى ، عن سفيانَ ، عن عثمانَ الثقَفىِّ ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ
اَلْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه أو أباه، فيقولُ: قد
اخْتَرَقْتُ، أَفِضْ علىَّ مِن الماءِ. فيقالُ لهم: أَجِيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ
حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾(١).
وحدَّثنى المثنى، قال : ثنا ابنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ ، عن سعيدِ
ابنِ جبيرٍ: ﴿ وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ اُلْجَنَّةِ أَنْ أَفِضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا
رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾. قال: يُنادِى الرجلُ أخاه: يا أخى قد اخْتَرَقْتُ فأغِثْنِى. فيقولُ:
﴿ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾(٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ
(١) تفسير سفيان ص ١١٣، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٩/١٣ عن وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٩٠/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٠/٥ (٨٥٣٢) من طريق أبي نعيم الفضل بن د کین به من قول ابن
عباس .
٢٣٧
سورة الأعراف : الآيتان ٥١،٥٠
اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. قال: طعامَ(١) الجنةِ وشرابَها(٢) .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ الَّذِينَ أُتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًّا
وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَنْهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا
[٥٨/١٩ظ] كَانُواْ بِئَايَِنَا يَجْحَدُونَ
٥١
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن قِيلِ أهلِ الجنةِ للكافرين ، يقول تعالى ذكره :
فأجاب أهلُ الجنةِ أَهلَ النارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾ الذين كفروا
باللّهِ ورسلِه، ﴿الَّذِينَ أُتَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾ الذى أَمَرَهم اللَّهُ به، ﴿لَهْوَّا
وَلَعِبًّا﴾. يقولُ: سُخْرِيةً ولِعِبًا.
/ ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ٢٠٢/٨
ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ(١): ﴿ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا
وَلَعِبًّا﴾ « قال: لعبّا) .
وذلك أنهم كانوا إذا دُعُوا إلى الإِيمانِ سخِروا ممن دعاهم إليه، وهزِئوا به ؛
اغْتِرارًا باللّهِ .
﴿ وَغَرَّتَّهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾. يقولُ: وخدَعهم عاجلُ ما هم فيه مِن
العيشِ والخفضِ والدَّعَةِ، عن الأخذِ بنصيبهم مِن الآخرةِ، حتى أتتْهم المنيةُ ،
يقولُ اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿ فَالْيَوْمَ نَنْسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. أىْ:
ففى هذا اليوم، وذلك يومُ القيامةِ، ﴿ نَنْسَهُمْ﴾. يقولُ: نَتْؤُكُهم فى العذابِ
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((أهل)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩١/٥ (٨٥٣٧) من طريق أصبغ، عن ابن زيد .
(٣) بعده فى م: (( فى قوله)) .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((ولعبا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩١/٥ (٨٥٣٩) من طريق أبى صالح به.
٢٣٨
سورة الأعراف : الآية ٥١
المُهِينِ(١) جِياعًا ◌ِطاشًا بغيرِ طعامٍ ولا شرابٍ، كما ترَكوا العملَ للقاءِ يومِهم هذا،
ورفَضوا الاستعدادَ بإتعابٍ أبدانِهم فى طاعةِ اللَّهِ .
وقد بيَّنا معنى قوله: ﴿نَنْسَهُمْ﴾. بشواهدِه فيما مضى، بما أُغْنَى عن
(٢)
إعادته(٢) .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ : ﴿فَالْيَوْمَ
نَنْسَهُمْ﴾. قال : نُسُوا فى العذابِ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن ابنٍ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَلْيَوْمَ نَسَهُمْ﴾. قال: نَتْرُكُهم كما تركوا لقاءً يومِهم هذا.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، عن ابنٍ أَبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: [٥٥٨/١٩] ﴿نَنْسَهُمْ﴾. قال: تَتْرُكُهم فى النارِ .
حذَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿ فَلْيَوْمَ نَنسَئُهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال: نَتْرُكُهمْ
كما تَرَكوا لقاءَ يومِهم هذا .
(١) فى م: ((المبين)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٩ / ٢٤٤، ٢٤٥.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٢/٥ عقب الأثر (٨٥٤٣) معلقا .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٣٠/١ عن معمر به، وهو فى تفسير مجاهد ص ٣٣٧ .:
(٥) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (( من الرحمة)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ف: ((أن يعملوا للقاء)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٢/٥ (٨٥٤٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٢٦)، من
طريق عبد الله بن صالح به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/٣ إلى ابن المنذر.
٢٣٩
سورة الأعراف : الآية ٥١
« حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أحمدُ ، قال: حدَّثنا أسْبَاطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَنَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿فَلْيَّوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾
الآية. يقولُ: نسِيّهم اللَّهُ مِن الخيرِ، ولم يَنْسَهم مِن الشرّ(١) .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ ، قال : سمِعْتُ
مجاهدًا فى قولِه: ﴿ فَلْيَوْمَ نَنْسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ . قال:
نُؤَخِّرُهم فى النارِ(٣) .
وأما قولُه: ﴿ وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ﴾. فإن معناه: فاليومَ ننسَاهم
كما نشوا لقاءً يومِهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يَجْحَدون .
فـ ((ما)) التى فى قولِه: ﴿ وَمَا كَانُواْ﴾. معطوفةٌ على ((ما)) التى فى(٤)
قوله: ﴿كَمَا نَسُوا﴾ .
وتأويلُ الكلام : فاليومَ نَتْرُكُهم فى العذابِ كما ترَكوا العملَ فى الدنيا للقاءِ
اللَّهِ يومَ القيامةِ، وكما كانوا بآياتِ اللَّهِ(١)، وهى حججُه التى احْتَجَّ بها عليهم؛ مِن
الأنبياءِ والرسلِ والكتبِ وغيرِ ذلك، ﴿ يَجْحَدُونَ﴾: يُكَذِّبون، ولا يُصَدِّقون
بشىءٍ مِن ذلك .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٢/٥ (٨٥٤٥) من طريق أحمد بن المفضل به، ولفظه: نتركهم
من الرحمة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٢/٥ (٨٥٤٦) عن محمد بن سعد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩٢/٥ (٨٥٤٤) من طريق ابن جريج، عن مجاهد .
(٤) فى الأصل: ((مع)).
(٥) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س، ف: (( يجحدون)).
٢٤٠
سورة الأعراف : الآيتان ٥٣،٥٢
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى
٥٢
وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٠٠٠٠
٢٠٣/٨
يقولُ تعالى ذكرُه : أَقْسِمُ يا محمدُ لقد جِئْنا هؤلاء الكفَرَةَ ﴿ بِكِنَبٍ﴾، يعنى
القرآنَ الذى أَنْزَله إليه ، يقولُ: لقد أَنْزَلْنا إليهم هذا القرآنَ مُفَصَّلًا مُبَيْنًا فيه [ ٥٩/١٩ظ]
الحقُّ مِن الباطلِ، ﴿عَلَى عِلٍْ﴾. يقولُ: على علم منا بحقٌّ ما فُصِّل فيه مِن
الباطلِ الذى ميَّز فيه بينَه وبينَ الحقِّ، ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ . يقولُ: بيّناه لنَهْدِىَ به
ونَرْحَمَ به قومًا يُصَدِّقون به وبما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونهيه ، وأخبارِه، ووغْدِه ووعيدِه،
فینْقِذَهم به مِن الضلالةِ إلى الهدى .
وهذه الآيةُ مردودةٌ على قولِه: ﴿ كِتَبْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِ صَدْرِكَ حَرَجٌ
مِنَّهُ لِتُنْذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢]. ﴿ وَلَقَدْ جِثْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَّلْتَهُ
عَلَى عِلْمٍ﴾ .
و ((الهدى)) فى هذا الموضعِ نُصِبَ على القطعِ مِن الهاءِ التى فى قوله :
فَضَّلْنَهُ﴾. ولو نُصِب على فعلِ ﴿فَصَّلْنَهُ﴾ فيكونُ المعنى: فضَّلْنا الكتابَ
كذلك. کان صحیحًا .
ولو كان قُرِئٍ ( هُدّى ورحمةٍ) كان فى الإعرابِ فصيحًا ، وكان خفضُ ذلك
بالردِّ على ((الكتاب)).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةِّ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ
اُلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جََّتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه : هل يَنْتَظِرُ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبون بآياتِ اللَّهِ ،
ويَجْحَدون لقاءَه ﴿إِلَّا تَأْوِيلَمْ﴾. يقولُ: إلا ما يَقُولُ إليه أمرُهم، مِن ◌ُرودِهم على
(١ - ١) سقط من: الأصل، ف .