النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة الأعراف : الآيتان ١١، ١٢ المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وزَعَم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدمَ. ثم صَوَّرناكم . وذلك غيرُ جائزٍ فى كلام العربِ؛ لأنها لا تُدخِلُ ((ثم)) فى الكلام وهی مرادٌ بها التقديمُ على ما قبلَها مِن الخبرِ، وإن (١كان قد يُعترضُ بها) فى الكلام، إذا كان فيه دليلٌ على أن معناها التأخيرُ، وذلك كقولهم: قامَ ثم عبدُ اللَّهِ عمرٌو. فأما إذا قيل: قامَ عبدُ اللَّهِ ثم قَعَد عمرٌو . فغيرُ جائٍ أن يكونَ قعودُ عمرٍو كان إلا بعدَ قيامِ عبدِ اللَّهِ ، إذا كان الخبرُ صدقًا. فقولُ اللَّهِ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَدَمَ ﴾ . نظيرُ قولِ القائلِ: قام عبدُ اللَّهِ ثم قَعَد عمرٌو. فى أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ أمرُ اللَّهِ الملائكةَ بالسجودِ لآدمَ، كان إلا بعدَ الخلقِ(١) والتصويرِ؛ لِا وصفنا قبلُ . وأما قولُه: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَّدَمَ ﴾. [٥٥/١٩] فإنه يقولُ جلّ ثناؤه: فلما صَوَّرنا آدمَ وجعلناه خلقًا سويًّا، ونَفَخنا فيه مِن روحِنا ، قلنا للملائكةِ : اسجدوا لآدمَ. ابتلاءً مِنَّا واختبارًا لهم بالأمرِ؛ لنَعْلَمَ الطائعَ منهم مِن العاصى . ﴿ فَسَجَدُواْ﴾. يقولُ: فَسَجَد الملائكةُ ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ﴾، فإنه ﴿لَمْ يَكُنْ مِّنَ اُلسَّجِدِينَ﴾ لآدمَ حينَ أَمَرِه اللَّهُ مع مَن أَمَر مِن سائرِ الملائكةِ غيرِه بالسجودِ . وقد بيّنا فيما مَضَى المعنى الذى مِن أجلِه امْتَحَنَ جلَّ جلالُه ملائكته بالسجودِ لآدمَ، وأَمْرَ إبليسَ وقصصَه، بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضع " . القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ (١ - ١) فى م: ((كانوا قد يقدمونها)). (٢) بعده فى ت ١: ((المصور)). (٣) تقدم فى ٥٣٠/١ - ٥٤٧ . ( تفسير الطبرى ٦/١٠ ) ٨٢ سورة الأعراف : الآية ١٢ ◌َلَقْطَنِ مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ١٢٩/٨ / وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قيلِه لإبليسَ إذ عصاه فلم يسجُدْ لآدمَ إذ أمَره بالسجودِ له. يقولُ: ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ لإبليسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: أَىُّ شيءٍ منَعك ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾: أن تدعَ السجود لآدمَ، ﴿إِذْ أَمِّئُكٌ﴾ أن تسجُدَ له(١)؟ ﴿ قَالَ أَنَأْ غَيْرٌ﴾. يقولُ: قال إبليسُ: أنا خيرٌ "منه. يَغْنى: مِن آدمَ، ﴿خَلَقْتَنِ مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ . فإن قال قائلٌ: فأخبرنا عن إبليسَ، أَلَقَتْه الملامةُ على السجودِ أم على تركٍ السجودِ؟ فإن تكنْ لَحِقَته الملامةُ على تركِ السجودِ، فكيف قيل له: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ والنَّكِيرُ إذا كان على تركِ السجودِ فإنّما يقالُ: ما منَعَك أن تسجدَ. وإن كان النكيرُ على [٥/١٩ظ] السجودِ) ، فذلك خلافُ ما جاء به التنزيلُ فى سائرٍ القرآنِ ، وخلافُ ما يعرِفُه المسلمون ؟ قيل : إن الملامةً لم تلحَقْ إبليسَ إلا على معصيته ربَّه بتركِه السجود لآدمَ إذ أمره بالسجودِ له، غيرَ أن فى تأويل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. بِينَ أَهل المعرفةِ بكلامِ العربِ اختلافًا، أبداً بذكرٍ ما قالوا، ثم أذكُرُ الذى هو أولى ذلك بالصواب . فقال بعضُ نحویی البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد . و ((لا ) هلهنا زائدةٌ ، كما قال الشاعرُ(٤): (١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف. (٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((منه من آدم))، وفى م: ((من آدم)). (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. (٤) البیت غیر منسوب فى الحكم لابن سیده ٢/ ١٤٤، وأمالی ابن الشجری ٢٢٨، ٢٣١، واللسان (ن ع م)، وشرح شواهد المغنى ٦٣٤/٢. ٨٣ سورة الأعراف : الآية ١٢ نَّعَمْ مِنْ فَتَّى لا يَمْتَعُ الجُوعَ(١) قَائِلُهُ أتی مُودُه لا البُخْلَ واسْتَغْجَلَتْ به وقال: فَشَرته العربُ: أَتَى مُجُودُه البخلَ. وجعلوا (( لا)) زائدةً حشوّا هلهنا ، وَصَلوا بها الكلامَ . قال: وزَعَم يونسُ أن أبا عمرٍو كان يَجُرُّ البخلَ، ويجعلُ ((لا)) مضافةً إليه، أراد: أبى جودُه ((لا)) التى هى للبخل. ويجعلُ ((لا)) مضافةً؛ لأن ((لا)) قد تكونُ للجودِ والبخلِ؛ لأنه لو قال له: امنع الحقَّ ولا تُعْطِ المساكينَ. فقال: ((لا)). كان هذا جودًا منه . وقال بعضُ نحوبى الكوفةِ (١) نحوَ القولِ الذى ذكرناه عن البصرىِّ(١) فى معناه وتأويله، غيرَ أنه زَعَم أن العلةَ فى دخولِ (( لا)) فى قوله: ﴿ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. أن فى أولِ الكلامِ جحدًا ، يعنى قوله: ﴿لَمْ يَكُن مِّنَ اُلسَّجِدِينَ﴾. وأن العربَ ربما أعادوا فى الكلام الذى فيه جحدٌ، جحدًا، كالاستيثاقِ(*) والتوكيدٍ له، قال: وذلك (٥) کقولهم(٥) : سُودِ الرءوسِ فَوالحجٌ(٢) وفُيُولُ ما إِنْ رَأَيْنا مِثْلَهُنَّ لمعشرٍ [٦/١٩و] فأعادَ على الجحدِ الذى هو ((ما)) جحدًا، وهو قولُه: ((إنْ)). فجمعهما للتو كيدِ . (١) فى المحكم: ((الجوس))، هو بمعنى الجوع، وفى أمالى ابن الشجرى، وشرح شواهد المغنى: ((الجود)). وكذا أثبتها ناشرو المطبوعة عن هذه المصادر. (٢) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٣٧٤. (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((البصريين)). (٤) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((كالاستئناف)). (٥) البيت فى معانى القرآن للفراء ١٧٦/١، ٣٧٤. (٦) الفوالج جمع الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. الصحاح (ف ل ج). ٨٤ سورة الأعراف : الآية ١٢ وقال آخرُ منهم: ليست ((لا))، بحشوٍ فى هذا الموضع ولا صلةٍ() ، ولكن المنعَ ههنا بمعنى القولِ . ١٣٠/٨ / قال: وإنما تأويلُ الكلام: مَن قال لك: لا تسجُدْ إذا أمرتُك بالسجودِ؟ ولكن دَخَل فى الكلامِ ((أنْ))، إذ كان المنعُ بمعنى القولِ لا فى لفظِه، كما يُفْعَلُ ذلك فى سائرِ الكلامِ الذى يضارعُ القولَ وهو له فى اللفظِ مخالفٌ، كقولهم: نادَيثُ ألَّ تَقُمْ . و: حَلَفتُ ألَّ تجلسْ. وما أشبه ذلك مِن الكلامِ . وقال: "خفَض البخلَ) مَن رَوَى: أبى جودُه لا البخلِ. بمعنى: كلمةً البخلِ ؛ لأن ((لا)) هى كلمةُ البخلِ، فكأنه قال: كلمةَ البخلِ . وقال بعضُهم: معنى المنعِ الحولُ بينَ المرءِ وما يريدُه . قال: والممنوعُ مضطرٌ إلى خلافٍ ما مُنِعَ منه، كالممنوعِ مِن القيامِ وهو يريدُه، فهو مضطرٌّ مِن الفعلِ إلى ما كان خلافًا للقيام، إذ كان المختارُ الفعلِ هو الذى له السبيلُ إليه وإلى خلافِه ، فيُؤثِرُ أحدهما على الآخرِ فيفعلُه. قال: فلما كانت صفةُ المنعِ ذلك، فخوطِب إبليسُ بالمنعِ، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. كان معناه: كأنه قيل له: أىُّ شىءٍ اضطرّك إلى ألا تسجدَ ؟ والصوابُ عندى مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إنَّ فى الكلام محذوفًا قد كَفَی دليلُ الظاهرِ منه، وهو أن معناه: ما مَنَعك مِن السجودِ فأخْوجَك ألا تسجدَ؟ فَتَرَك ذكرَ ((أَخْوجك)) استغناءً بمعرفةِ السامعين قوله: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ (١) ينظر تعريف الصلة فى ١ / ١٩١. (٢) سقط من: الأصل . (٣ - ٣) فى م: ((بعض)). (٤) بعده فى م: (( به )). ٨٥ سورة الأعراف : الآية ١٢ اُلسَّجِدِينَ﴾. أن ذلك معنى الكلامِ، مِن ذكرِه، ثم عَمِلَ قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾. فى ((أنْ)) ما كان [٦/١٩ظ] عاملاً فيه قبلَ ((أحْوجَك)) لو ظَهَر، إذ كان قد نابَ عنه . وإنما قلنا : هذا القولُ أولى بالصوابِ ؛ لِما قد مَضَى مِن دلالتِنا قبلُ على أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فى كتابِ اللَّهِ شىءٌ لا معنَى له، وأن لكلِّ كلمةٍ معنًى صحيحًا، فبَيِّنٌ (١) بذلك فسادُ قولٍ مَن قال: ((لا)) فى الكلامِ حشوٌ لا معنَى لها . وأما قولُ مَن قال: معنى المنع هلهنا القولُ، فلذلك دخلَت ((لا)) مع ((أن)). فإن المنعَ وإن كان قد يكونُ قولاً وفعلاً، فليس المعروفَ فى الناسِ استعمالُ المنع فى الأمرِ بتركِ شىءٍ؛ لأن المأمورَ بتركِ الفعلِ إذا كان قادرًا على فعلِه وتركِه ، ففعَلَه ، لا يقالُ: فَعَله وهو ممنوعٌ مِن فعلِه . إلا على اسْتكراهٍ للكلامِ . وذلك أن المنعَ مِن الفعلِ حَوْلٌ بينَه وبينَه ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ وهو مَحُولٌ بينَه وبينَه فاعلًا له ؛ لأنه إن جازَ ذلك وَجَب أن يكونَ مَحُولًا بينَه وبينَه، لا مَحولًا، وممنوعًا لا ممنوعًا. وبعدُ ، فإن إبليسَ لم يأتمِرْ لأمرِ اللَّهِ بالسجودِ لآدمَ كِبْرًا، فكيف كان يأتمرُ لغيرِهِ فى تركِ أمرِ اللَّهِ وطاعتِه بتركِه السجودَ لآدمَ ، فيجوزَ أن يقالَ له : أُّ شىءٍ قال لك : لا تسجُدْ لآدمَ إذا أمرتُك بالسجودِ له (٢)؟ ولكن معناه إن شاء اللَّهُ ما قلتُ: ما منَعَك مِن السجودِ له فأخْوجَك، أو: فأخْرجَك، أو: فاضْطرَّك إلى ألا تسجُدَ له . على ما بینتُ . ( وأما قولُه٣): ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَقْطَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾. فإنه (٤) خبرٌ مِن (١) فى م: ((فتبين)) . (٢) سقط من: الأصل . (٣ - ٣) فى الأصل: ((القول فى تأويل قوله عز وجل: قال)). (٤) فى الأصل: ((وهذا)). ٨٦ سورة الأعراف : الآية ١٢ ١٣١/٨ اللَّهِ جلّ ثناؤه عن جوابٍ إِبليسَ إياه إذ سأله ما الذى منَعه مِن السجودِ لآدمَ فأخْوجَه إلى ألا يسجدَ له، واضْطرّه إلى خلافِه أمرَربِّه) ، وتركه طاعته، أن المانعَ كان له مِن السجودِ، والداعىَ له إلى خلافٍ أمرٍ ربِّه فى ذلك، أنه أشدُّ منه أيْدًا (١) ، وأقوى منه قوةً ، وأفضلُ منه فضلاً ؛ لفضلِ الجنسِ الذى منه خُلِقَ ، وهو النارُ، على(٢) الذى منه خُلِقِ آدمُ ، وهو الطينُ، فجَهِلَ عدُ اللَّهِ وجهَ الحقِّ ، وأُخْطأ سبيلَ الصوابِ، إذ كان معلومًا أن مِن جوهرِ النارِ الخِقَّةَ والطيشَ والاضْطرابَ والارتفاعَ علوًّا، والذى فى جوهرِها مِن ذلك هو الذى / حَمَل الخبيثَ بعدَ الشقاءِ الذى كان(٤) سبق له مِن اللَّهِ فى الكتابِ السابقِ، على الاستكبارِ عن السجودِ لآدمَ، والاسْتخْفافِ بأمرِ ربِّه، فأورَثَه العَطَبَ والهلاكَ، وكان معلومًا أن مِن جوهرِ الطينِ الرّزانةَ والأناةَ والحلمَ والحياء والتثبُتَ، وذلك الذى "هو مِنْ جوهره مِن ذلك، كان الداعىّ لآدمَ، بعدَ السعادة التى كانت سَبقت له مِن ربِّه فى الكتابِ السابقِ ، إلى التوبةِ مِن خطيئته ، ومسألتِه ربَّه العفوَ عنه والمغفرةَ. ولذلك كان الحسنُ وابنُ سيرينَ يقولان: أولُ مَن قاسَ إبليسُ. يعنيان بذلك القياسَ الخطأ . وهو هذا الذى ذكرنا مِن خطأً قولِه، وبُعْدِه مِن إصابةِ الحقِّ، فى الفضلِ الذى خَصَّ اللَّهُ به آدمَ على سائرٍ خلقِه ، مِن خلقِه إياه بيدِه، ونفخِه فيه مِن روحِه، وإسجادِه له ملائكته، وتعليمِه أسماءَ كلِّ شيءٍ، مع سائرٍ ما خَصَّه اللَّهُ به مِن كرامتِهِ، [٧/١٩ظ] فضَرَبَ عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا، وقَصَدَ إلى الاحتجاج بأنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ مِن طين، وهو فى ذلك أيضًا له غيرُ كُفْءٍ ، لو لم يكنْ لآدمَ مِن اللَّهِ تَكْرِمٌ بشىءٍ غيرِه، فكيف والذی خُصَّ (١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أمره به)). (٢) فى م: ((يدا)). والأيد: القوة . اللسان (أى د). (٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى م: ((من)). (٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. (٥ - ٥) فى م: ((فى)). ٨٧ سورة الأعراف : الآية ١٢ به مِن كرامتِه یکثر تعدادُه ، ويُمَلُّ إحصاؤه . حدَّثنى عمرُو بنُ مالكٍ(١)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيْمِ الطائفىُّ، عن هشامٍ ، عن ابنِ سيرينَ، قال: أوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، وما ◌ُبِدَت الشمسُ والقمرُ إلا بالمقاييسِ. حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ ، عن ابنٍ شَؤْذَبٍ ، عن مطرِ الورّاقِ ، عن الحسنِ قولَه: ﴿ خَلَقْذَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِطِينٍ﴾ . قال : قاسَ إبليسُ، وهو أولُ مَن قاسَ(٣). وينحوِ ما(٤) قلنا فى تأويلٍ(٥) ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذکر من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا بشرُ بنُ عمارةَ ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا خَلَقَ اللَّه آدمَ قال للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين فى السماواتِ: اسْجُدُوا لآدمَ . فسَجَدوا كلَّهم أجمعون، إلا إبليسَ "أتَى و) استكبر، لما كان " حدَّثَتْه به" نفسُه مِن كبرِه واعتزازه (١). فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبرُ سِنًا، وأقوى خَلْقًا؛ ﴿ خَلَقْطَنِ مِن (١) بعده فى الأصل: ((المری)). (٢) أخرجه ابن أبی شیبة ٨٦/١٤، والدارمی ١/ ٦٥، من طریق یحیی بن سلیم ، عن داود بن أبی هند ، عن ابن سيرين به. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣٨٨/٣ عن المصنف، وقال : إسناده صحيح . (٣) أخرجه الدارمى ٦٥/١ عن محمد بن كثير به. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٨/٣ عن المصنف، وقال : إسناده صحيح . (٤) فى م: ((الذى)). (٥) سقط من: م، ف . (٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. (٧ - ٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((حدث)). (٨) فى م: ((اغتراره)) بالغين والراء. ٨٨ سورة الأعراف : الآيتان ١٣،١٢ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾. يقولُ: إن النارَ أقوى مِن الطينِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ ثَارٍ﴾. قال: ثم جَعَل ذرِّيتَه مِن ماءٍ . وهذا الذى قاله عدوُ اللَّهِ ليس لما سألَه عنه بجوابٍ ، وذلك أن الله تعالى ذكره قال له : ما مَنَعك مِن السجودِ؟ فلم يُجِبْ بأن الذى منعه مِن السجودِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ [٨/١٩و] وخُلِقَ آدمُ مِن طينٍ، ولكنه ابتدَأ خبرًا عن نفسِه، فيه دليلٌ على موضع الجوابِ، فقال: ﴿ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ . القول فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ قَالَ فَأَهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ١٣ / يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: قال اللّهُ لإبليسَ عندَ ذلك: فاهْبِطْ منها . ١٣٢/٨ وقد بيَّنا معنى الهبوطِ فيما مَضَى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه (١). ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكره: فقال اللَّهُ له: اهبِطْ منها . يعنى مِن الجنةِ، ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾. يقولُ : فليس لك أن تستكبرَ فى الجنةِ عن أمرى وطاعتى . فإن قال قائلٌ: وهل لأحدٍ أن يَتَكَبَّرَ " عن أمرِ اللَّهِ وطاعتِه فى غيرِ الجنةِ فيقالَ: ليس لك أن تتكئَّ) فى الجنةِ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلافٍ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك : فاهبِطْ مِن الجنةِ؛ فإنه لا يسكُنُ الجنةَ مُتَكَبّر عن أمرِ اللَّهِ ، فأما غيرُها ، فإنه قد يَسْكُنُها المستكبرُ (١) تقدم فى ١/ ٥٧١. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف . ٨٩ سورة الأعراف : الآيات ١٣ - ١٥ عن أمرِ اللَّهِ والمستكينُ لطاعتِهِ . وقولُه: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّنْفِرِينَ﴾. يقولُ: فاخرُجْ مِن الجنةِ ، إنك مِن الذین قد نالَهم مِن اللَّهِ الصَّغَارُ، وذلك(١) الذلُّ والمهانةُ. يقالُ منه: صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغَارًا وصُغْرانًا. وقد قيل: صَغُرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وصَغَارَةً. وبنحوِ ذلك(١) قال السدىُّ. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ، [٨/١٩ظ] عن السدىِّ: ﴿ فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّنْفِرِينَ﴾: والصَّغَارُ هو الذلُّ. القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ قَالَ أَنِظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَنُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ١٤ اٌلْمُنظَرِينَ ١٥ وهذه(٣) جَهْلةٌ أُخرى من جَهَلاتِهِ الخبيثِ (٤) ، سأل ربَّه ما قد علِم أنه لا سبيلَ لأحدٍ مِن خلقِ اللَّهِ إليه، وذلك أنه سأل النَّظِرةَ إلى قيامِ الساعةِ ، وذلك هو يومٌ يَبْعَثُ اللَّهُ فيه الخلقَ، ولو أُعطِى ما سأل مِن النَّظرةِ، كان قد أُعطِى الخلودَ، وبقاءً لا فناءَ معه، وذلك أنه لا موتَ بعدَ البعثِ. فقال جلّ ثناؤه له: ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِيِنَّ ٣٧ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ [الحجر: ٣٧، ٣٨، ص: ٨٠، ٨١]. وذلك إلى اليوم الذى قد كَتَبَ اللَّهُ عليه فيه الهلاكَ والموتَ والفناءَ؛ لأنه لا شىءَ يَثْقَى فلا يَفْنَى، غيرُ ربِّنا الحىّ الذى لا يموتُ . يقولُ اللَّهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت : ٥٧] . والإِنظارُ فى كلام العربِ التأخيرُ، يقالُ منه: أنظرتُه بحقِّى عليه، أُنْظِرُه به إنْظارًا . (١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف . (٢) فى م: ((الذى قلنا)). (٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((أيضا)). (٤) فى م: ((الخبيثة)). ٩٠ سورة الأعراف : الآيتان ١٤، ١٥ فإن قال قائلٌ: فإن اللَّهَ تبارك وتعالى قد قال له إذ سأله الإنظارَ إلى يومٍ يُتْعَثون: إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾. فى هذا الموضع، فقد أجابه إلى ما سأل؟ قيل(١) : ليس الأمر كذلك، وإنما كان يكونُ(٢) مُجِيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له : إنك مِن المُنْظَرِين إلى الوقتِ الذى سألتَ، أو إلى يومِ البعثِ، أو إلى يومٍ يُتْعَثون. أو ما أشبه ذلك مما يدلُّ على إجابته إلى ما سأل مِن النَّظِرةِ. فأما قولُه: ﴿ إِنَّكَ مِنَ [٥٩/١٩] الْمُنظَرِينَ﴾. فلا دليلَ فيه لولا الآيةُ الأخرى إِلَ (٣٧ التى قد بَيَّ فيها مدةَ إنظارِه إياه إليها ، وذلك قوله: ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينُّ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. كم (٢) المدةُ التى أَنْظَرَه إليها؛ لأنه إذا أَنْظَرَه يومًا واحدًا أو أقلّ منه أو أكثرَ، فقد دَخَلَ فى عِدادِ المُظَرين، وتَمَّ فيه وعِدُ اللَّهِ الصادقُ ، ولكنه بَّنَ قدرَ مدةِ ذلك بالذى ذكرنا ، فعُلِمَ بذلك الوقتُ الذى أَنْظِر إليه . وبنحوِ ذلك كان السدىُّ يقولُ . حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن ١٣٣/٨ السدىِّ: ﴿ قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْ نِيّ / إِلَ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِيِنِّ ◌َ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ اٌلْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨، ص: ٧٩ - ٨١]. فلم يُنْظِرْه إلى يومِ البعثِ، ولكن أنظَرَه إلى يومِ الوقتِ المعلومِ، وهو يومُ يُنفخُ فى الصورِ النفخةُ الأُولى ، فصَعِقَ مَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ فماتَ (٤). فتأويلُ الكلام: قال إبليسُ لربِّه: ﴿فَأَنْظِرْنِ﴾. أى: أَخِّرْنِى وَأَجُلْنى، (١) بعده فى م: (( له)). (٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. (٣) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف، وفى م: ((على). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٩/٤ إلى ابن أبى حاتم دون قوله: وهو يوم ينفخ فى الصور .... ٩١ سورة الأعراف : الآيات ١٤ - ١٦ وأَنْسِئْ فِى أَجَلى، فلا تُمْنى ﴿ إِلَى يَوْمِ يُعَثُونَ﴾. يقولُ: إلى يومٍ يُتْعَثُ الخلقُ. فقال تعالى ذكرُه: ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: إلى يومٍ يُنْفَخُ فى الصورِ فَيَضْعَقُ مَن فى السماواتِ ومَن فى الأرضِ إلا مَن شاء اللَّهُ. فإن قال قائلٌ: وهل أحدٌ مُنْظَرّ إلى ذلك اليومِ سوى إبليسَ فيقالَ له : إنك منهم ؟ قيل : نعم، مَن لم يقبِضِ اللَّهُ روحَه مِن خلقِه إلى ذلك اليومِ ممن تقومُ عليه الساعةُ، فهو (١) مِن المُظَرين بآجالِهم إليه، ولذلك قيل لإبليسَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ اٌلْمُنظَرِينَ﴾. بمعنى: إنك ممن لا يُمِيتُه اللَّهُ إلا ذلك اليومَ. [٩/١٩ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ 17 اُلْمُسْتَقِيمَ ٢) يقولُ جلّ ثناؤه: قال إبليسُ لربِّه: ﴿ فَيِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾. يقولُ: " فبأىِّ شىءٍ أُضْلَلْتَنی . كما حدَّثنی المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾. يقولُ: أَضْلَلتَنى(١). حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَبِمَاً أَغْوَيْتَنِ﴾ . قال: فبما أضْللتنی . وكان بعضُهم يتأوَّلُ قولَه: ﴿فَِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾: بما أَهْلَكْتَنى. مِن قولهم: (١) فى م: ((فهم)). (٢ - ٢) فى م: ((فيما)). (٣) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد (١٠٠٢) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم . ٩٢ سورة الأعراف : الآية ١٦ غَوِىَ الفَصيلُ يَغْوَى غَوَّى. وذلك إذا فَقَّدَ اللبنَ فماتَ، مِن قولِ الشاعرِ(١) : بِرازِيُها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوَى(٢) مُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ(٢) ليس فَصِيلُها وأصلُ الإغواءِ فى كلامِ العربِ تَزْبِينُ الرجلِ للرجلِ الشىءَ حتى يُحَسِّنَه عنده ، غارًّا له به (٤) . وقد محكِى عن بعضٍ قبائلٍ طيِّئ أنها تقولُ : أصبح فلانٌ غاوِيًا . أى: أصبَح مريضًا . وكان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى القَسَم، كأن معناه عندَه : فبإغْوائِك إیاى لأَقعُدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ. كما يقالُ: باللَّهِ لأفعلنَّ كذا. ١٣٤/٨ وكان / بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى المجازاةٍ، كأن معناه عندَه: فلأَنك أغويتَنى ، أو: فبأنك أغويتَنى، لأقعدنَّ لهم صراطَك المستقيمَ. وفى هذا بيانٌ واضحٌ على فسادٍ ما يقولُ القَدرِيَّةُ، مِن أن كلَّ مَن كَفَر أو آمَن فبتفويضِ اللَّهِ أسبابَ ذلك إليه ، وأن السببَ الذى به يصِلُ المؤمنُ [٥١٠/١٩] إلى الإيمانِ هو السببُ الذى به (٥) يصلُ الكافر إلى الكفرِ. وذلك أن ذلك لو كان كما قالوا : لكان الخبيثُ قد قال بقوله: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾: فبما أضْلَحتَنی . إذ كان سببُ الإغواء هو سببَ الإصلاحِ، وكان فى إخبارِه عن الإغواءِ إخبارٌ عن (١) هو مدرج الريح، عامر بن المجنون الجرمى، والبيت فى إصلاح المنطق ص ١٨٩، ٢٠٣، وتهذيبه ٢/ ٥٤، والمعانى الكبير ١٠٤٧/٢، والمخصص ٤١/٧، ١٨٠ (المجلد الثانى). وينظر الشعر والشعراء ٢/ ٧٣٦. (٢) فى المعانى الكبير ((الأذناب)). (٣) يصف قوسًا، قال التبريزى فى تهذيبه: أثناؤها: أطرافها الملتئبة ، ورازئها ، أى : آخذ منها شيئا ، ليس فصيل هذه القوس يشرب منها لبنا كفصيل الناقة ، ولا يؤذيه كثرة الشرب ، يريد أنه لا يشرب فى حال من الأحوال . (٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف. (٥) سقط من: م. ٩٣ سورة الأعراف : الآية ١٦ الإصلاح، ولكن لما كان سبباهما مختلفَين، وكان السببُ الذى به غَوَى وهلَكَ مِن عندِ اللَّهِ، أضافَ ذلك إليه فقال: ﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِ﴾. ولذلك(١) قال محمدُ بنُ كعبِ القُرَظِىُّ ما(٢) حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: قال(٢) أبو مودودٍ: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبِ القُرَظىَّ يقولُ: قاتَلَ اللَّهُ القَدَرِيةَ، لَإبليسُ أعلمُ باللّهِ منهم . وأما قولُه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . فإنه يقولُ: لأجْلِسنَّ لبنى آدمَ صراطَك المستقيمَ. يعنى: طريقَك القويمَ، وذلك دينُ اللَّه الحقُّ، وهو الإسلامُ وشرائعه . وإنما معنى الكلام: لأَصُدَّنَّ بنى آدمَ عن عبادتك وطاعتك، ولأُغْوِيَتَّهم كما أَغْوِيتَنى، ولأُضِلَُّهم كما أضْلَلْتَنى . وذلك كما رُوِى عن (٤سَبْرةَ بنِ أبى) الفاكهِ أنه سمِع النبىَّ ◌َّمِ يقولُ: ((إن الشيطانَ قَعَدَ لابنِ آدمَ بِأَطْرُقِهُ(١) ، فَقَعَدَ له بطريقِ الإسلامِ، فقال: أتُسْلِمُ وتَذَرُ دينَك ودينَ آبائِك؟ فَعَصاه فأسْلمَ ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الهجرة ، فقال : أتهاجر وتذرُ أرضَك وسماءَك، وإنما مَثَلُ المهاجرِ كالفرسِ فى الطُّوَلِ (٢) ؟ فعصاه وهاجَرَ، ثم قَعَدَ له بطريقِ الجهادِ، وهو جَهْدُ النفسِ والمالِ، فقال: أتقاتلُ(٧) فَتُقْتَلُ، [١٠/١٩ظ] (١) فى م: (( كذلك)). (٢) فى م: ((فيما)). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((ثنا)). (٤ - ٤) فى م: ((سبرة بن). وهو قول فى اسمه. وينظر تهذيب الكمال ٢٠٢/١٠. (٥) جمع طريق على التأنيث لأن الطريق تذكر وتؤنث؛ وجمعه على التذكير: أطرِقَة. ينظر النهاية ٣/ ١٢٣. (٦) قال السندى - بحاشية سنن النسائى -: هو الحبل الذى يشد أحد طرفيه فى وتد والطرف الآخر فى يد الفرس ... ومقصوده أن المهاجر يصير كالمقيد فى بلاد الغربة لا يدور إلا فى بيته ولا يخالطه إلا بعض معارفه. (٧) فى الأصل: ((تقاتل)). ٩٤ سورة الأعراف : الآية ١٦ فَتُنْكَحُ المرأةُ، ويُقْسَمُ (١) المالُ؟ قال: فَعَصاه فجاهَدَ))(١). ورُوِىَ عن عونِ بنِ عبدِ اللَّهِ فى ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا حَبُويه(١) أبو يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بنِ بكيرٍ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ: ﴿لَأَفْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: طريقَ مكةً(٤). والذى "قال عونٌ من ذلك)، وإن كان مِن صراطِ اللَّهِ المستقيم، فليس هو الصراطَ كلَّه. وإنما أخبرَ عدوُ اللَّهِ أنه يقعُدُ لهم صراطَ اللَّهِ المستقيمَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شىءٍ. فالذى رُوِىَ فى ذلك عن رسولِ اللَّهِ عَلَّمِ أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ، وأَوْلى بالتأويل ؛ لأن الخبيثَ لا يَأْلو عبادَ اللَّهِ الصَّدَّ عن كلِّ ما كان لهم قُرْبةً إلى اللَّهِ عزَّ وجل . وبنحوِ ما قلناً) قال أهلُ التأويلِ فى معنى ((المستقيمِ)) فى هذا الموضعِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿صِرَطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: الحقَّ(). (١) فى الأصل: ((يقتسم)). (٢) أخرجه أحمد ٣١٥/٢٥ (١٥٩٥٨)، والبخارى فى التاريخ الكبير ١٨٧/٤، والنسائى (٣١٣٤)، وابن حبان (٤٥٩٣)، والطبرانى فى الكبير (٦٥٥٨)، والبيهقى فى الشعب (٤٢٤٦). (٣) فى م: ((حيوة))، وفى ف: ((حبوة)). ينظر الإكمال لابن ماكولا ٢/ ٣٥٨. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ. (٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((قاله)). (٦) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فى ذلك)). (٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وهو فى تفسير مجاهد ص٣٣٣ بلفظ: يعنى الإسلام، والدين الحق . ٩٥ سورة الأعراف : الآية ١٦ /حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن ١٣٥/٨ مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدِ المدنُ، قال : سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. قال: سبيلَ الحقِّ، فلأُضلَّنهم إلا قليلًا . واختلف أهلُ العربيةِ فى ذلك ؛ فقال بعضُ نحويّى البصرةِ : معناه : لأقعُدنَّ لهم على صراطِك المستقيم. كما يقالُ: تَوجَّه مكةً. أى: إلى مكةَ، كما قال الشاعرُ(١) : مع النَّجْمِ فى ٢١ جَوِّ السماءِ يَصُوبُ [١١/١٩ و] كأنّىَ إِذْ أَسْعَى لأَظْفَرَ طائرًا بمعنى: لأَظفَرَ بطائرٍ. فألقَى الباءَ. وكما قال جل ثناؤه: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْىَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. بمعنى: أَعَجِلتُم عن أمرٍ ربّكم . وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين(١): المعنى واللَّهُ أعلمُ: لأَقعُدنَّ لهم على طريقِهم . وفى طريقهم. قال : وإلقاءُ الصفةِ مِن هذا جائزٌ، كما تقولُ: قعَدتُ لك وجهَ الطريقِ، وعلى وجهِ الطريقِ؛ لأن الطريقَ صفةٌ() فى المعنى، فاخْتمَل ما يحتمِلُه اليومُ والليلةُ والعامُ ، إذ قيل: آتِيك غدًا، وآتيك فى غدٍ . وهذا القولُ هو أَولى القولين فى ذلك(٥) بالصوابِ؛ لأن القعودَ مُقْتَضٍ مكانًا (١) التبيان ٤/ ٣٦٤. (٢) فى م: ((من)). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((الكوفة)). وهو قول الفراء فى معانى القرآن ٣٧٥/١. (٤) يقصد بالصفة فى الموضع الأول حرف الجر، وفى الموضع الثانى الظرف . وينظر المصطلح النحوى ص ١٧٧، ١٧٨. (٥) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((عندی)). ٩٦ سورة الأعراف : الآيتان ١٦، ١٧ يُقْعَدُ فيه، فكما يقالُ: " قعدتُ مكانَك. كذلك يقالُ: قعَدتُ صراطَك. وكما يقالُ : قعَدتُ فى مكانِك. يقالُ: قعَدتُ على صراطِك) ، وفى صراطِك. كما قال الشاعرُ : فيه(٣) كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ(٤). لَدْنٌ بِهَزٌ الكَفِّ يَعْسِلُ مَثْتُهُ ولا تكادُ العربُ تقولُ ذلك فى أسماءِ البلدان، لا يكادون يقولون: جلستُ مكةَ ، (أو: فعَدتُ) بغدادَ . القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَمَايَلِهِمٌّ وَلَا تَمِّدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ (®] . [١/١٩ ١ ظ] اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى قوله : لَتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَبْدِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الدنيا، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، ﴿ وَعَنْ شَائِلِهِمْ﴾ : مِن قِبَلِ الباطلِ . ذكرُ مَن قال ذلك / حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابن عباسٍ ١٣٦/٨ قوله: ﴿ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾. يقولُ: أُشَكِّكُهم فى آخرتِهم، ﴿وَمِنْ (١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قعدت فى مكانك، يقال قعدت على صراطك، وفى صراطك)). وكذا فى ف إلا أن فيها: ((صراطك فى صراطك)). (٢) هو ساعدة بن جؤية الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ١/ ١٩٠. (٣) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فيها)). (٤) فى الديوان: ((لذِّ)) مكان: ((لدن)). واللدن: اللين الناعم. ولذ: تلَذُّ الكفُّ بهزه. يعسل: أى يضطرب. كما عسل الطريق الثعلب: أى فى الطريق، وهو اضطرابه. شرح أشعار الهذليين ٣/ ١١٢٠، وينظر خزانة الأدب ٨٥/٣. (٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وقمت))، وفى ب: ((وقعدت)). ٩٧ سورة الأعراف : الآية ١٧ خَلْفِهِمْ﴾: (أُرَغِّبُهم فى دنياهم(١)، ﴿وَعَنّ أَيْمَتِهِمْ﴾: أُشَبَّهُ عليهم أمرَ دينهم، ﴿ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أَشَهِّى لهم المعاصىّ . وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ بهذا الإسنادٍ فى تأويلٍ ذلك خلافُ هذا التأويل . وذلك ما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾: يعنى مِن الدنيا، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن الآخرةِ، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ حسناتِهِم، ﴿ وَعَن شَيِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ (٣) سيئاتهم (٢). وتُحقَّقُ () بهذه الروايةُِ" الروايةُ الأخرى التى حدَّثنى بها محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَبْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَمَيِلِهِمْ﴾. قال: أما ﴿مِّنُ(٥) بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ دنياهم، وأما ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فأمرُ آخرتِهم، وأما ﴿ عَنْ أَيْمَنِمْ﴾: فمِن قِبَلِ حسناتِهم، وأما ﴿عَن شَائِلِهِمْ﴾: فمِن قِبَلِ سيئاتِهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيَدِيهِمْ﴾ الآية: أتاهم مِن بين أيديهم فأخْبَرَهم أنه لا بعثَ ولا جنةً ولا نارَ، (١ - ١) فى تفسير ابن أبى حاتم، والدر المنثور: ((فأرغبهم عن دينهم)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٤٤، ١٤٤٥ (٨٢٤٥، ٨٢٤٨، ٨٢٥٣) من طريق أبى صالح به ، وليس فيه تفسير: ﴿وعن شمائلهم﴾. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٩٠. (٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((هذه الرواية)). (٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف . (٦ - ٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((قبلهم)). (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٤/٥، ١٤٤٥ (٨٢٤٤، ٨٢٥٠، ٨٢٥٥، ٨٢٥٨) من طريق سلمة بن شابور عن عطية به . ( تفسير الطبرى ٧/١٠ ) ٩٨ سورة الأعراف : الآية ١٧ ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن أمرِ الدنيا، فزيَّنها لهم، ودعاهم إليها، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: مِن قِبَلٍ حسناتِهم؛ بطّأهم عنها، ﴿ وَعَنْ شَمَايَلِهِمْ﴾: زيَّن لهم السيئاتِ والمعاصىَ، ودعاهم [١٢/١٩ و] إليها، وأمَرّهم بها، أتاك يا بن آدمَ مِن كلِّ وجهٍ، غيرَ أنه لم يَأْتِك مِن فوقِك، ( لم يَشْتَطِعْ() أن يَحُولَ بينك وبينَ رحمةِ اللَّهِ(٢). وقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَبْدِيهِمْ﴾: مِن قِبَلِ دنياهم، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرتهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصور ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ﴾. قال: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾: مِن قِبَلٍ دنياهم، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ آخرِهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: مِن قِبَلٍ حسناتِهم، ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ سيئاتِهم" . حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكم: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَئِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ ﴾ . قال : ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيَدِيِهِمْ﴾: مِن دنياهم، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن آخرتِهم، ﴿ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾ : عن (٤) حسناتهم، ﴿ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ : مِن قِبَلٍ سیئاتِھم . (١ - ١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س، في. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٣٠٩٠. (٣) تفسير سفيان ص ١١١. (٤) فى م: ((من)). (٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٤/٥ - ١٤٤٦ عقب الآثار (٨٢٤٤، ٨٢٥١، ٨٢٥٦، ٨٢٦٠) معلقا . ٩٩ سورة الأعراف : الآية ١٧ حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿ ثُمَّ لَاتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ﴾. قال: مِن قِبَلِ الدنيا يُزَيِّنُها لهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الآخرةِ، يُتَبَّطُهم (١) عنها، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: مِن قِبَلِ الحقِّ، يَصُدُّهم عنه، ﴿ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ﴾: مِن قِبَلِ الباطلِ، يُرَغِّبُهم فيه، ويُزَيِّنُه لهم . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ: ١٣٧/٨ ثُمَّ لَتِيَنَّهُم / مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمَّ﴾: أما ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ﴾: فالدنيا [١٢/١٩ ظ] أَدْعُوهم إليها، وأُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: فمِن الآخرةِ، أَشَكِّكُهم فيها، وأُباعِدُها (٢) عليهم، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: يعنى الحقَّ، فَأَشَكَّكُهم فيه، ﴿ وَعَنْ شَائِلِهِمْ﴾: يعنى الباطلَ، أَخَفِّفُه عليهم، وأُرَغِّبُهم (٣) فیه(٢) . حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه : ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: مِن دُنْياهم، أُرَغِّبُهم فيها، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: آخرتهم، أُكَفِّرُهم بها، وأُزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾: حسناتِهم، أَزَهِّدُهم فيها، ﴿وَعَنْ و ه : مَساوِى أعمالِهم، أَحَيُّها(*) إليهم . وقال آخرون: بل (١) معنى ذلك : لآتِینَّهم مِن حیث یُصِرون ومِن حيث لا يُنصِرون . (١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((يبطئهم)). (٢) فى م: ((أبعدها)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٤٤، ١٤٤٥ عقب الأثر ٨٢٤٤، ٨٢٥١) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به، وليس فيه تفسير: ﴿وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ . (٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((أحسنها)) . (٥) سقط من : ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف. ١٠٠ سورة الأعراف : الآية ١٧ ذکر مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾ - ﴿ وَعَنْ أَيْمَنِمْ﴾. قال: حيث يُتْصِرون، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾: حيث لا يُنْصِرون(١) . حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدِ المَدَنُ، قال: قال مجاهدٌ . فذكر نحوه . حدَّثنا ابنُ وكيع وابنُ محميدٍ، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، قال : تَذاكَوْنا عندَ مجاهدٍ قوله: ﴿ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِهِمْ وَعَنْ شَيِلِهِمْ﴾. " فقال مجاهدٌ: هو كما قال: يَأْتِيهم مِن بين أيديهم ومِن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم٢) ، زاد ابنُ حمیدٍ ، قال : يأْتِیهم مِن ثَمّ . وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ثم لآتِيَنَّهم مِن جميعٍ وجوهِ الحقِّ والباطلِ، فَأَصُدُّهم عن الحقِّ، وأُحَسّنُ لهم الباطلَ. وذلك أن ذلك عَقِيبُ قولِه: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ [١٣/١٩و] اُلْمُسْتَقِيمَ ﴾. فأخْبَر أنه يَقْعُدُ لبنى آدَمَ على الطريقِ الذى أمَرَهم اللَّهُ أن يَسْلُكوه، وهو ما وصَفْنا مِن دينِ اللَّهِ دينٍ() الحقِّ ، فيَأْتِيهم فى ذلك مِن كلِّ وُجوهِه، مِن الوجهِ الذى أمَرَهم اللَّهُ به، فيَصُدُّهم عنه، وذلك ﴿مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ﴾ - ﴿عَنْ أَيْمَنِهِمْ﴾، ومِن الوجهِ الذى نهاهم اللَّهُ عنه، فيُزَيِّئُه لهم، ويَدْعُوهم إليه، وذلك ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ - ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ . (١) تفسير مجاهد ص ٣٣٤، من طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٤/٥ - ١٤٤٦ (٨٢٤٧، ٨٢٥٢، ٨٢٥٧، ٨٢٦١). (٢ - ٢) سقط من: الأصل. (٣) سقط من : م.