النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة الأعراف : الآيتان ٤، ٥
على ما ابتُدِئ به فى أوّلِ الآيةِ. ولو قيل: فجاءهم بأسنا بياتًا . لكان صحيحًا
فصيحًا ، ردًّا للكلامِ إلى معناه ، إذ كان البأسُ إنما قُصِد به سكانُ القريةِ دونَ بُنيانِها ،
وإن كان قد نالَ بُنْيانَها ومساكنَها مِن البأسِ بالخرابِ نحوٌّ مِن الذى نالَ سكانَها ،
وقد رُجِع فى قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾. إلى خصوصِ الخبرِ عن سكانها دونَ
مساكنها؛ لما وصفنا مِن أن المقصود بالبأس كان السكانُ ، وإن كان فى هلا کِھم
هلاكُ مساكنهم وخرابُها . ولو قيل: أو هى قائلةٌ . كان صحيحًا، إذ كان السامعون
قد فهموا المرادَ مِن الكلامِ .
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قولُه: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾. خبرًا عن الوقتِ الذى
أتاهم فيه بأسُ اللَّهِ مِن النهارِ ؟
قيل : بلى .
فإن قال: أوَ ليس المواقيتُ فى مثلِ هذا تكونُ فى كلامِ العربِ بالواوٍ(١) الدالّ
على الوقتِ ؟
قيل : إن ذلك وإن كان كذلك، فإنهم قد يَحْذِفون مِن مثلِ هذا الموضعِ،
اسْتَثْقالا للجمعِ بينَ حَرْفى عطفٍ، إذ كان ((أو)) عندَهم مِن حروفِ العطفِ،
وكذلك ((الواوُ))، فيقولون: لقيتَنَى مُعْلِقًا أو أنا مسافرٌ. بمعنى: أو وأنا مسافرٌ.
فيَحْذِفون الواوَ وهم مُريدوها فى الكلامِ ؛ لما وصفتُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا
كُنَّا ظَالِمِينَ
يقولُ تعالى ذكره : فلم يكنْ دَعْوى أهلِ القرية التى أهْلكناها ، إذ جاءهم بأسنا
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، س، ف: (( و)).

٦٢
سورة الأعراف : الآية ٥
وسطوتُنا بياتًا أوهم(١) قائلون - إلا اعترافَهم على أنفسِهم بأنهم كانوا إلى أنفسِهم
مُسِيئِين، وبربِّهم آئِمِين، ولأُمرِه ونَهْيِه مخالفين .
وعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿دَعْوَنَهُمْ﴾. فى هذا الموضعِ دعاءَهم.
وللدعوَى فى كلام العربِ وجهان؛ أحدُهما الدعاءُ، والآخرُ الدِّعاءُ للحقِّ .
ومِن الدَّعْوى التى معناها الدعاءُ، قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ
دَعْوَدُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥]. ومنه قولُ الشاعرِ(٢):
١٢٠/٨
/ وإنْ مَذِلَتْ(١) رِجْلی دَعَوْتُكِ أُشْتَفِی
بدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بها فَيَهُونُ.
وقد بيّنا فيما مَضَى قبلُ أن البأسَ والبأساءَ، الشدةُ ، بشواهدِ ذلك الدالةِ على
صحته، بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضع.
وفى هذه الآيةِ الدلالةُ الواضحةُ على صحةِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ
عَظِلّهِ مِن قوله: ((ما هَلَكَ قومٌ حتى يُعْذِروا (*) مِن أنفسِهم)).
وقد تأوَّل ذلك كذلك بعضُهم .
حدّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبى سنانٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ
الزرَّادِ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: قال رسولُ اللَّهِ عَِّلّهِ: ((ما هَلَكَ قومٌ حتى
(١) فى ص: ((وهم)).
(٢) هو كثير عزة، والبيت فى ديوانه ص١٧٦ من الزيادات على القصيدة.
وروايته :
بذكرك من مذل بها فيهون.
إذا خدرت رجلى ذكرتك أشتفي
(٣) مذلت: خَدِرت . اللسان (م ذ ل).
(٤) تقدم فى ٨٥/٣ وما بعدها .
(٥) یقال: أعذر فلان من نفسه. إذا أمكن منها، یعنی أنهم لا یهلکون حتی تکثر ذنوبهم وعیوبهم،
فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر، كأنهم قاموا بعذره فى ذلك. النهاية ٣/ ١٩٧.

٦٣
سورة الأعراف : الآية ٥
يُعْذِروا مِن أنفسِهم)). قال: قلتُ لعبدِ الملكِ: كيف يكونُ ذلك؟ قال: فقرَأ هذه
الآيةَ: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَهُمْ إِذْ جَمَهُم بَأْسُنَاً﴾ الآية(١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَ هُم بَأْسُنَاً إِلَّ أَنْ قَالُواْ
إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ﴾؟ وكيف أمكنتهم الدَّعْوى بذلك وقد جاءهم بأسُ اللَّهِ
بالهلاكِ؟ أقالوا ذلك قبلَ الهلاكِ ؟ فإن كانوا قالوه قبلَ الهلاكِ ، فإنهم قالوا قبلَ
مجىءِ البأسِ ، واللَّهُ يخبِرُ عنهم أنهم قالوه حينَ جاءهم لا قبلَ ذلك؟ أو قالوه بعدَ ما
جاءهم ، فتلك حالةٌ قد هَلَكوا فيها ، فكيف يجوزُ وصفُهم بقيلِ ذلك إذا عايَنوا بأسَ
اللَّهِ وحقيقةً ما كانت الرسلُ تَعِدُهم مِن سطوةِ اللَّهِ؟
قيل(١) : ليس كلُّ الأمم كان هلاكُها فى لحظةٍ ليس بينَ أَوّلِه وآخرِهِ مَهَلٌ ، بل
كان منهم مَن غَرِقَ بالطوفانِ ، فكان بينَ أوّلِ ظهورِ السببِ الذى عَلِموا أنهم به
هالكون ، وبينَ آخرِه الذى عَمَّ جميعَهم هلاكُه ، المدةُ التى لاخفاءَ بها على ذى
عقلٍ، ومنهم مَن مُتِّعَ بالحياةِ بعدَ ظهورِ علامةِ الهلاكِ لأعينهم أيامًا ثلاثةً، كقومٍ
صالحٍ وأشباهِهم. فحينئذٍ لمّ عاينوا أوائلَ بأسِ اللَّهِ الذى كانت رسلُ اللَّهِ تَتَوَّدُهم
به ، وأَيْقَنوا حقيقةً نزولٍ سطوةِ اللَّهِ بهم، دَعَوا: يا وَيْلَنا إنَّا كُنَّا ظالِينَ. فلم يَكُ
يَنْفَعُهم إيمانُهم مع مجىءٍ وعيدِ اللَّهِ وحلولٍ نِقْمتِه بساحتهم (٢)، فحَذَّر ربنا جلّ ثناؤه
الذين أرسَل إليهم نبيَّه محمدًا عَِّ مِن سطوتِه وعقابه على كفرهم به، وتَكَذيِهم
رسولَه، ما حلَّ بَمَن كان قبلَهم مِن الأمم، إذ عَصَوا رسلَه، واَّبَعوا أمرَ كلِّ جبارٍ
عنيد .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨٣/٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٨/٥، ١٤٣٩
(٨٢١٢) من طريق جرير به موقوفًا .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣، س، ف: ((و)).
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((إيمانهم)).

٦٤
سورة الأعراف : الآية ٦
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
٦
يقولُ تعالى ذكرُه : لنسألنَّ الأممَ الذين أرسلتُ إليهم رُسلى، ماذا عَمِلت فيما
جاءتْهم به الرسلُ مِن عندى، مِن أمرى ونَهْبى؟ هل عمِلوا بما أمرتُهم به، وانتهَوا
عما نهيتُهم عنه(١)، وأطاعوا أمرى، أم عَصَونى فخالفوا ذلك؟ ﴿ وَلَنَسْئَلَنَّ
اُلْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: ولنسألنَّ الرسلَ الذين أرسلتُهم إلى الأمم، هل بَلَّغَتهم
رسالاتى(٢) ، وأَدَّت إليهم ما أمرتُهم بأدائِه إليهم، أم قَصَّروا فى ذلك ففَرَّطوا ولم
◌ُلِّغوهم؟
/ وكذلك كان أهلُ التأويلٍ يتأؤلُونه .
١٢١/٨
ذكرُ مَن قال ذلك
:
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. قال: يسألُ اللَّهُ الناسَ عما أجابوا المرسلين(٣)، ويسألُ
المرسلين عما بَلَّغوا(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾. إلى قولِه :
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( به)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((رسالاته)).
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((قال)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٩/٥، ١٤٤٠ (٨٢١٨،٨٢١٣) من طريق أبى صالح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٣ إلى ابن المنذر والبيهقى فى البعث .

٦٥
سورة الأعراف : الآيتان ٧،٦
غَيِينَ﴾. قال: يوضعُ الكتابُ يومَ القيامةِ فيتكلّمُ بما كانوا يعملون(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَلَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ:
فلنسألنَّ الأَمَمَ ما عمِلوا فيما جاءت به الرسلُ، ولنسألتَّ الرسلَ هل بَلَّغوا ما
أُرسِلوا به؟
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ (١) المدنى، قال: قال
مجاهدٌ: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: الأممَ، ولنسألنَّ الذين أرسلنا إليهم
عما ائْتَمَناهم عليه ، هل بَلَّغوا؟
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلَّمٍ وَمَا كُنَا غَيِينَ
٧
يقولُ تعالى ذكره : فَلَنُخبرِ الرسلَ ومَن أرسلْتُهم إليه بيقينِ علم بما عمِلوا فى
الدنيا فيما كنتُ أمرْتُهم به، وفيما(٢) كنتُ نهيتُهم عنه، ﴿ وَمَا كُنَا غَيِينَ﴾
عنهم وعن أفعالهم التى كانوا يفعلونها .
فإن قال قائلٌ: وكيف يسألُ الرسلَ والمرسلَ إليهم، وهو يخبِرُ أنه يقصُّ عليهم
بعلم بأعمالهم وأفعالهم فى ذلك ؟
قيل : إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألةِ اسْترشادٍ ، ولا مسألة تعُفٍ منهم ما
هو به غيرُ عالمٍ، وإنما هو مسألةٌ توبيخِ وتقريرٍ معناها الخبرُ، كما يقولُ الرجلُ .
للرجلِ : ألم أُحسِنْ إليك فأسأتَ؟ وألم أصِلْكَ فقطعتَ؟ فكذلك مسألةُ اللَّهِ المرسَلَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٥/٤ (٨٢٢١) عن محمد بن سعد به. وهو فى الدر المنثور من تمام
الأثر السابق .
(٢) فى ت ١: ((سعيد)).
(٣) فى م: ((ما)).
( تفسير الطبرى ٥/١٠ )

٦٦
سورة الأعراف : الآية ٧
إليهم بأن يقولَ لهم: ألم يأتِكم رسلى بالبيناتِ؟ ألم أبعثْ إليكم النُّذُرَ فَتُذِرَكم
عذابى وعقابى فى هذا اليومِ مَن كَفَرَبى وعَبَدَ غيرى؟ كما أخبر جلّ ثناؤه أنه قائلٌ
لهم يومَئذٍ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُبِينٌ ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]. ونحوَ ذلك مِن
القولِ الذى ظاهِرُه ظاهرُ مسألةٍ ، ومعناه الخبرُ والقصصُ، وهو بعدُ توبيخٌ وتقريرٌ.
وأما مسألةُ الرسلِ الذى هو قَصَصٌ وخبرٌ، فإن الأممَ المشركةً لما سُئِلت فى
القيامةِ قيل لها : ﴿أَلَمّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَابَتِ رَيِّكُمْ﴾ [ الزمر: ٧١] .
أنكر ذلك كثيرٌ منهم وقالوا : ما جاءنا مِن بشيرٍ ولا نذيرٍ. فقيل للرسلِ : هل بَلَّغْتُم ما
أُرْسِلْتُم به؟ أو قيل لهم: ألم تُلِّغوا إلى هؤلاء ما أُرسِلتم به؟ كما جاء الخبرُ عن رسولٍ
اللَّهِ مَّهِ، وكما قال جلّ ثناؤه لأَمةِ نبيّنا محمدٍ عَّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةٌ
وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:
١٤٣]. فكلُّ ذلك مِن اللَّهِ مسألةٌ للرسلِ على وجهِ الاستشهادِ لهم على مَن أرسلوا
إليه مِن الأمم ، وللمُرسَلِ إليهم على وجهِ التقريرِ والتوبيخ، وكلّ ذلك بمعنى القصصِ
والخبرِ. فأما الذى هو عن اللَّهِ منفىٌ مِن مسألتِه خلقَه، فالمسألةُ التى هى مسألةٌ
اسْترشادٍ واستثباتٍ فيما لا يعلمُه السائلُ عنها ويعلَمُه المسئولُ؛ ليعلمَ السائلُ علمَ
ذلك من قِبَلِه، فذلك غيرُ جائزٍ أن يوصفَ اللَّهُ به؛ لأنه العالمُ بالأشياءِ قبلَ كونِها
وفى حالٍ كونِها وبعدَ كونِها، وهى المسألةُ التى نَفاها جلّ ثناؤه عن نفسِه بقولِه :
﴿فَمَيِذٍ لَّا يُّعَلُ عَنْ ذَنْيِهِ إِنسُ وَلَا جَاَنٌّ ﴾ [الرحمن: ٣٩]. وبقولِه: ﴿وَلَا يُسْئَلُ
عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. يعنى: لا يسألُ عن ذلك أحدًا منهم علم
مُسْتَثْبِتٍ ، ليعلمَ علمَ ذلك من قِبَلِ مَن سأل منه (١)؛ لأنه العالِمُ بذلك كلِّه وبكلِ شىءٍ
غيره .
١٢٢/٨
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((عنه)).

٦٧
سورة الأعراف : الآيتان ٧ ، ٨
وقد ذكَرْنا ما رُوِىَ فى معنى ذلك مِن الخبرِ فى غيرِ هذا الموضع، فكَرِهْنا
(١)
إعادته(١) .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ فى معنى قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم
بِعٍِّ﴾. أنه يُنْطَقُ لهم كتابُ عملِهم، (" فيقصُّ بذلك٢) عليهم أعمالَهم(٣).
وهذا قولٌ غيرُ بعيدٍ مِن الحقِّ، غيرَ أن الصحيحَ مِن الخبرِ، عن رسولِ اللَّهِ عَ لَالله
أنه قال : (( ما منكم مِن أحدٍ إلا سيُكلِّمُه ربُّه يومَ القيامةِ ليس بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ ،
فيقولُ له : أتذكُرُ يومَ فعلتَ كذا وفعلتَ كذا؟ حتى يُذَكِّرَه ما فَعَل فى الدنيا))(٤).
والتسليمُ لخبرِ رسولِ اللهِ يَ ◌ّهِ أَولِى مِن التسليمِ لغيرِه.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقٌّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ، فَأُؤْلَتِكَ
ج
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٨
الوزنُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وَزَنتُ كذا وكذا ، أَزْنُه وَزْنًا وزِنَةً. مثلَ: وَعَدتُه
أَعِدُه وعدًا وعِدَةً .
وهو مرفوعٌ ب﴿ اَلْحَقّ﴾، و﴿ الْحَقُ﴾ به.
ومعنى الكلامِ : والوزنُ يومَ نسألُ الذين أُرسل إليهم والمرسلين الحقُّ.
ويعنى بـ ﴿اَلْحَقٌّ﴾ العدلَ. وكان مجاهدٌ يقولُ: الوزنُ فى هذا الموضعِ
القضاءُ .
(١) تقدم فى ٦٣٠/٢ وما بعدها .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((بأعمالهم)). وينظر ماتقدم تخريجه فى ص ٦٥.
(٤) صدر هذا الحديث أخرجه البخارى (٧٤٤٣)، ومسلم (١٠١٦).

٦٨
سورة الأعراف : الآية ٨
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ ﴿ وَاُلْوَزْنُ يَوْمَيِدٍ﴾: القضاءُ(١).
وكان يقولُ أيضًا: معنى ﴿الْحَقِّ﴾ هلهنا: العدلُ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَالْوَزْنُ
يَوْمَيِذٍ اَلْحَقُّ﴾. قال: العدلُ(٢).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿ وَاُلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ﴾ : وزنُ الأعمالِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ﴾: تُوزَنُ الأعمالُ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ / فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ﴾. قال: قال عبيدُ بنُ
عميرٍ: يُؤتى بالرجلِ العظيمِ الطويلِ الأُكُولِ الشَّروبِ فلا يَزِنُ جناح بعوضةٍ (٢).
١٢٣/٨
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ١٤٤٠/٥ (٨٢٢٥) من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٠/٥ (٨٢٢٣) من طريق جرير به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وسيأتى من طريق آخر فى تفسير الآية ٤٧ من سورة الأنبياء.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٠/٥ (٨٢٢٤) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٠/٥ (٨٢٢٢)، وليس فى
التفسير: عن مجاهد، وأصل الحديث عند البخارى (٤٧٢٩)، ومسلم (٧٨٥) من حديث أبى هريرة
مرفوعا بنحوه .

٦٩
سورة الأعراف : الآية ٨
ج
مجاهدٍ: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقُّ﴾. قال: قال عبيدُ بنُ عميرٍ: يُؤْتَى بالرجلِ الطويل
العظيم فلا يَزِنُ جناح بعوضةٍ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يوسفُ بنُ صهيبٍ، عن
موسى ، عن بلالِ بنِ يحبى ، عن حذيفةَ، قال : صاحبُ الموازينِ يومَ القيامةِ جبريلُ
عليه السلامُ، قال: يا جبريلُ، زِنْ بينَهم، فردَّ مِن بعضٍ على بعضٍ. قال : وليس
ثَمَّ ذهَبٌ ولا فضةٌ. قال: فإن كان للظالمِ حسناتٌ أُخِذَ مِن حسناتِه) فَرْدَّ على
المظلومِ ، وإن لم يكنْ له حسناتٌ محُمِلَ عليه مِن سيئاتٍ صاحبِهِ ، فيرجِعُ الرجلُ وعليه
مثلُ الجبالِ ، فذلك قوله: ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ اُلْحَقٌّ﴾ (١).
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ﴾ ؛ فقال
بعضُهم: معناه : فمَن كَثُرت حسناتُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَن تَقُلَتْ
مَوَزِينُهُ﴾. قال: حسناتُه(٣) .
وقال آخرون : معنى ذلك: فمن ثَقُلَتْ موازِينُه التى تُوزَنُ بها حسناتُه وسيئاتُه .
قالوا : وذلك هو الميزانُ الذى يعرِفُه الناسُ ، له لسانٌ وكِفَّتان .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج، قال : قال ابنُ جريجٍ :
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/٣ للمصنف وابن أبى الدنيا واللالكائى.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤١/٥ (٨٢٢٦) من طريق جرير به، وهو فى الدر المنثور من تمام الأثر
المتقدم فى الصفحة السابقة .

٧٠
سورة الأعراف : الآية ٨
قال [١٩/١ ٨ و] لى عمرُو بنُ دينارٍ قولَه: ﴿ وَاُلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ﴾. قال : إنا نرى ميزانًا
وكِفَّتَين، سمِعتُ عبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: يُجْعَلُ الرجلُ العظيمُ الطويلُ فى الميزانِ ، ثم
لا يقومُ بجناحٍ ذبابٍ .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى القولُ الذى ذكرناه عن
عمرٍو بنِ دينارٍ، مِن أن ذلك هو الميزانُ المعروفُ الذى يُوزَنُ به ، وأن اللَّهَ جلّ ثناؤه
يزِنُ أعمالَ خلقِه الحسناتِ منها والسيئاتِ، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ
مَوَزِينُهُ﴾: موازينُ عملِهِ الصالحِ، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يقولُ:
فأولئك هم الذين ظَفِروا بالنجاح، وأدْرَ كوا الفوزَ بالطَّلِباتِ، والخلودَ والبقاءَ فى
الجناتِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ مْ لَمِ بقوله: (( ما وُضِعَ فى الميزانِ شىءٌ أثقلُ
مِن حسنِ الخلقِ )) (١) . ونحوِ ذلك مِن الأخبارِ التى تُحقِّقُ أن ذلك ميزانٌ توزنُ به
الأعمالُ على ما وصفْتُ .
فإن أنكر ذلك جاهلٌ بتَوْجيهِ معنى خبرِ اللَّهِ عن الميزانِ وخبرٍ رسولِه ◌َائلِ عنه،
وِجْهَتَه، وقال: أوَ باللَّهِ حاجةٌ إلى وزنِ الأشياءِ وهو العالمُ بمقدارٍ كلِّ شيءٍ قبلَ خلقِه
إياه وبعدَه وفى كلِّ حالٍ ؟ أو قال: وكيف توزنُ الأعمالُ، والأعمالُ ليست
بأجسامِ توصفُ بالثّقَلِ والخِقَّةِ ، وإنما توزنُ الأشياءُ ليُعْرَفَ ثِقَلُها مِن خِفَّتِها ، وكثرتُها
مِن قلتِها، وذلك لا يجوزُ إلا على الأشياءِ التى توصفُ بالثقلِ والخفةِ ، والكثرةِ
والقلةِ ؟
قيل له فى قولِه: وما وجهُ وزنِ اللَّهِ الأعمالَ وهو العالمُ بمقاديرِها قبلَ
كونِها؟ "قيل: وَزْنُهُ) ذلك نظيرُ إثباتِه إياه / فى أمّ الکتاب واستنساخُه ذلك فى
١٢٤/٨
(١) أخرجه أحمد ٤٤٦/٦، ٤٤٨ (الميمنية)، وأبو داود (٤٨٩٩)، والترمذى (٢٠٠٢) ، وابن حبان
(٤٨١) من حديث أبى الدرداء.
(٢ - ٢) فى م: ((وزن)).

٧١
سورة الأعراف : الآية ٨
الكتابِ ، مِن غيرِ حاجةٍ به إليه ، ومِن غيرِ خوفٍ مِن نسيانِه، وهو العالمُ بكلٌ ذلك
فى كلِّ حالٍ ووقتٍ ، قبلَ كونِه وبعدَ وجودِهِ، بل ليكونَ ذلك حجةٌ على خلقِه ،
كما قال جلّ ثناؤه فى تنزيلِه: ﴿كُلُّ أُمٍَّ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
هَذَا كِتَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِ﴾ الآية [الجاثية: ٢٨، ٢٩]. فكذلك وزنُه تعالى أعمالَ
خلقِه بالميزانِ ؛ حجةٌ عليهم ولهم ، إما بالتقصيرِ فى طاعته والتضييعِ ، وإما بالتكميلِ
والتتميم .
وأمَّا وجهُ جوازِ ذلك، فإنه كما حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ ،
قال : ثنا جعفرُ بنُّ عونٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيادٍ الإفريقىُ، عن عبدِ اللهِ بنِ
يزيدَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (١) ، قال: يُؤْتَّى بالرجلِ يومَ القيامةِ إلى الميزانِ ، فیُوضَعُ
فى الكِفَّةِ ، فيُخرج له تسعةٌ وتسعون سِجلاً فيها خطاياه وذنوبُه. قال: ثم يُخرجُ له
كتابٌ مثلُ الأَعْلةِ ، فيها شهادةُ ألا إلهَ إلا اللَّهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُهُ عَ لٍ. قال:
فتُوضِعُ فى الكِفَّةِ ، فَتَرْجَحُ بخطاياه وذنوبِه (١) .
فكذلك وزنُ اللهِ أعمال خلقه ، بأن يُوضعَ العبدُ و کتبُ حسناتِه فی کِفةٍ مِن
كِفتى الميزانِ ، وكتبُ سيئاتِه فى الكِفةِ الأخرى، ويُحدِثُ اللَّهُ تبارك وتعالى ثقلًا
وخفةً فى الكِفةِ التى الموزونُ بها أَوْلى ؛ احتجاجًا مِن اللَّهِ بذلك على خلقِه، كفعلِه
بكثيرٍ منهم، مِن اسْتنطاقٍ أيديهم وأرجلهم، استشهادًا بذلك عليهم، وما أشبه
ذلك من حُجَجِه .
ويُسألُ مَن أنكَر ذلك، فيقالُ له: إن اللَّهَ أخبرنا تعالى ذكرُه أنه يُتَقِّلُ موازينَ
(١) فى م: ((عمر)).
(٢) أخرجه عبد بن حميد (٣٣٩) من طريق عبد الرحمن بن زياد به، وأخرجه أحمد ١١/ ٥٧٠، ٥٧١
(٦٩٩٤)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والترمذى (٢٦٣٩)، وابن حبان (٢٢٥)، والحاكم ٦/١، والبيهقى فى
الشعب (٢٨٣)، والبغوى (٤٣٢١) من طريق عبد الله بن يزيد أبى عبد الرحمن الحبلى به .

٧٢
سورة الأعراف : الآيتان ٨، ٩
قومٍ فى القيامةِ، ويُخِفُّ (١ موازينَ آخرين، وتظاهرت الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ عَ لَه
بتحقيقِ ذلك ، فما الذى أوجبَ لك(٢) إنكارَ الميزانِ أن يكونَ هو الميزانَ الذى وصَفنا
صفته، الذى يتعارفُه الناسُ؟ أحجةُ عقل؟ فقد (١) يقالُ: وجهُ صحتِهِ مِن جهةٍ
العقلِ ، وليس فى وزنِ اللَّهِ جلّ ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالِهم، لتعريفِهم أثقلَ القِسمين
منها بالميزانِ ، خروجٌ مِن حكمةٍ ، ولا دخولٌ فى جورٍ فى قضيةٍ ، فما الذى أحالَ
ذلك عندَك مِن حجةٍ(٤) عقلٍ أو خبرٍ؟ إذ كان لا سبيلَ إلى حقيقةِ القولِ بإفسادٍ ما لا
يدفَعُه العقلُ إلا مِن أحدِ الوجهَين اللذين ذكرتُ، ولا سبيلَ إلى ذلك. وفى عدمِ
البرهانِ على صحةٍ دَعْواه من هذين الوجهين، وضوح فسادٍ قولِه، وصحةِ ما قاله
أهلُ الحقِّ فى ذلك .
وليس هذا الموضعُ مِن مواضعِ الإكثارِ فى هذا المعنى على مَن أنكَر الميزانَ الذى
وصفْنا صفتَه، إذ كان قصدُنا فى هذا الكتابِ البيانَ عن تأويلِ القرآنِ دونَ غيرِه .
ولولا ذلك لقَرَنًا إلى ما ذكرنا نظائرَه، وفى الذى ذكّرْنا مِن ذلك كفايةٌ لمن وُفِّق
لفهمِه إن شاء اللَّهُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا
كَانُواْ بِعَايَِنَا يَظْلِمُونَ
٩
يقولُ جلّ ثناؤه: ومَن خَفَّتْ موازينُ أعمالِهِ الصالحةِ ، فلم تثقُلْ بإقرارِهِ
بتوحيدِ اللَّهِ ، والإيمانِ به وبرسولِه ، واتباع أمره ونهيهِ ، فأولئك الذين غَبَّنوا أنفسَهم
حظوظَها مِن جزيلِ ثوابِ اللَّهِ وكرامته، ﴿بِمَا كَانُواْ / بِشَايَِنَا يَظْلِمُونَ﴾. يقولُ:
١٢٥/٨
(١) فى م: ((يخفف)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((ذلك)).
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((أن)).
(٤) بعده فى النسخ: ((أو). والصواب بحذفها كما أثبتناه .

٧٣
سورة الأعراف : الآيتان ٩، ١٠
بما كانوا بحجج اللَّهِ وأدِلَّتِهِ يَجْحَدون، فلا يُقرُّون بصحتها ، ولا يُوقنون
بحقيقتها .
كالذى حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ ﴾. قال: حسناتُه(٣).
وقيل: ﴿فَأُوْلَئِكَ﴾، و﴿ مَنْ﴾ فى لفظِ الواحدِ؛ لأن معناه الجمعُ ، ولو جاء
مُوَّدًا ، كان صوابًا فصيحًا .
[١/١٩ ظ]° القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجل: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّتَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا
لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَُ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد وطَّأْنًا (٣) لكم أيُّها الناسُ فى الأرضِ، وجعلناها لكم
قرارًا تستقِرُّون فيها ، ومِهادًا تَمْتهِدونها ، وفراشًا تَفْتِشُونها، وجعَلْنا فيها لكم معايشَ
تعيشُون بها أيامَ حياتِكم ، مِن مطاعمَ ومشاربَ ، نعمةٌ منى عليكم، وإحسانًا منى
إليكم، ﴿ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: وأنتم قليلٌ شكرُكم على هذه النعم التى
أُنعَمتُها علیکم لعبادێکم غیری، واتخاذِ کم إلهًا سوای .
والمعايشُ جمعُ معيشةٍ .
واختلفت القرأةُ فى قراءتِها؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ مَعَِشَْ﴾ . بغيرِ
همز.
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لصحتها)).
(٢) فى ص، ف: ((سيئاته)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤١/٥ (٨٢٢٨) من طريق جرير به. وهو فى الدر المنثور من تمام
الأثر المتقدم فى ص٦٨ .
* من هنا يبدأ الجزء التاسع عشر من نسخة جامعة القرويين، والمشار إليها بـ ((الأصل))، وسيجد القارئ أرقام
أوراقها بین معقوفین.
(٣) فى م: ((وطنا)).

٧٤
سورة الأعراف : الآية ١٠
وقرَأَه عبدُ الرحمنِ الأعرجُ: (معائِشَ) بالهمزِ ).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندنا ﴿ مَعَلِشٌَ﴾ بغيرِ همزٍ؛ لأنها ((مَفاعِلُ))،
مِن قولِ القائلِ: عشتَ، تعيشُ. فالميمُ فيها زائدةٌ ، والياءُ فى الحكم متحركةٌ؛ لأن
واحدَها ((مَفْعَلَةٌ))، مَعْيَشةٌ، متحركةُ الياءِ، نُقِلت حركةُ الياءِ منها إلى العينِ فى
واحدِها، فلما جُمعت رُدَّت حركتُها إليها ، لسكونِ ما قبلَها وتحركها . وكذلك
تفعلُ العربُ بالياءِ والواوٍ إذا سَكَنَ ما قبلَهما وتَحَرَّكَتا ، فى نظائرٍ ما وصفنا مِن الجمعِ
الذى يأتى على مثالٍ ((مَفاعِلَ))، وذلك مخالفٌ لِما جاء مِن [٢/١٩و] الجمعِ على مثالٍ
((فعائلَ))، التى تكونُ الياءُ فيها زائدةً ليست بأصلٍ ، فإن ما جاء مِن الجمعِ على هذا
المثالِ ، فالعربُ تهمِزُه، كقولهم: هذه مدائنُ، وصحائفُ، وبصائرُ(١)؛ لأن مدائنَ
جمعُ مدينةٍ ، والمدينةُ ((فَعِيلةٌ)) مِن قولِهم: مَدَنْتُ المدينةَ. وكذلك صحائفُ ،
جمعُ صحيفةٍ، والصحيفةُ ((فَعِيلةٌ)) مِن قولِك: صَحَفْتُ الصحيفةَ. فالياءُ فى
واحدِها زائدةٌ ساكنةٌ ، فإذا جمَعْتَ هَمزتَ ، لخلافِها فى الجمعِ الياءَ التى كانت فى
واحدِها، وذلك أنها كانت فى واحدِها ساكنةٌ، وهى فى الجمع متحركةٌ . ولو
جَعَلْتَ مَدِينةً ((مَفْعِلةً)) مِن: دانَ يدينُ، "وجَمَعْت على) ((مفاعلَ))، كان
الفصيحُ تركَ الهمزِ (٤) وتحريكَ الياءِ . وربما هَمَّزتِ العربُ جمعَ ((مَفْعِلةٍ)) فى ذواتٍ
(١) وقرأ بها أيضا زيد بن على والأعمش، وخارجةُ عن نافع، وابنُ عامر فى رواية . ينظر السبعة لابن مجاهد
ص ٢٧٨، ومختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٨، والبحر المحيط ٤/ ٢٧١، قال أبو حيان : وليس بالقياس،
لكنهم رووه وهم ثقات ، فوجب قبوله . وينظر بقية كلامه فى الاحتجاج لهذه القراءة والدفع عن الحكم عليها
بالشذوذ .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( نظائر)).
(٣ - ٣) سقط من: س، وفى الأصل: ((ثم جعلت))، وفى ص: ((فرححب))، غير منقوطة، وفى ف،
ت ١، ت٢، ت ٣: ((فرجعت).
(٤) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فيها)).

٧٥
سورة الأعراف : الآيتان ١٠، ١١
الياءِ والواوٍ، وإن كان الفصيحُ مِن كلامِها تركَ الهمزِ فيها، إذا جاءت على
((مفاعلَ))، تشبيهًا منهم لجَمْعِها بجمع ((فَعِيلةٍ))، كما تُشَبَّهُ ((مَفْعَلًا)) بـ ((فَعِيلِ))،
فتقولُ: مَسِيلُ الماءِ. مِن: سَالَ يسيلُ، ثم تجمعُها جمعَ ((فعيلٍ))، فتقولُ: هى
أمسِلةٌ. فى الجمعِ، تشبيهًا منهم لها بجمعِ ((بعيرٍ)) وهو ((فعيلٌ))، إذ تجمعُه
((أبعرةً))، وكذلك تجمعُ المَصِيرَ وهو ((مَفْعِلٌ))، ((مُصْرانٌ))، تشبيهًا له بجمع
((بعيرٍ)) وهو ((فعيلٌ))، إذ تجمعُه ((بُغْرانٌ)). وعلى هذا هَمَز الأعرجُ (معائشَ).
وليس ذلك بالفصيح فى كلامِها. وأولى ما قُرِئَ به كتابُ اللَّهِ مِن الألسن
أفصحُها (١ وأعربُها) وأعرفُها، دونَ أَنْكَرِها وأَشَذِّها .
/ القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجل: [٢/١٩ظ] ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ
١٢٦/٨
قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُوا لَِّدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ اُلسَّجِدِيِنَ
١١
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك ﴿ وَلَقَدْ
خَلَقْتَكُمْ﴾ فى ظهرِ آدمَ أيُّها الناسُ، ﴿ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ فى أرحامِ النساءِ خلقًا
مخلوقًا، ومثالاً مُمثَّلًا فى صورةِ آدمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾: قولَه: ﴿خَلَقْتَكُمْ﴾ (١ آدمَ، وأما
﴿ صَوَّرْنَكُمْ﴾ فذرِّيتَه(٣) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف.
(٢) بعده فى م: (( يعنى)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ (٨٢٣٣، ٨٢٣٦) من طريق عبد الله به.

٧٦
سورة الأعراف : الآية ١١
أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ الآية. قال: أما
خَلَقْتَكُمْ﴾ فَآدَمَ، وأما ﴿صَوَّرْنَكُمْ﴾ فذرِّيةَ آدمَ مِن بعدِه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع: ﴿ وَلَقَدْ
خَقْتَكُمْ﴾: يعنى آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾: يعنى فى الأرحامِ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ ، قال : أخبرنا
أبو جعفرِ الرازىُّ، عن الربيع بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾.
يقولُ : خَلَقناكم خلق آدمَ ، ثم صَوَّرناكم فى بطون أمهاتِكم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾. يقولُ: خلقْنا آدمَ، ثم صَوَّرنا الذريةَ فى
(٢)
الأرحام(١).
حدَّثنا بشرٌ(٢)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا [٣/١٩و] سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾. قال: خَلَقَ اللَّهُ آدمَ مِن طينٍ، ثم صَوَّركم فى بطونِ
أمهاتِكم خلقًا مِن بعدِ خلقٍ ، عَلَقةٌ ، ثم مضغةً ، ثم عظامًا، ثم كسا العظامَ لحمًا ، ثم
أنشأْناه خلقًا آخر(٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ عقب أثر (٨٢٣٤) من طريق أبى جعفر به، مقتصرًا على
آخره .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ عقب أثر (٨٢٣٣، ٨٢٣٤) من طريق عمرو بن حماد، عن
أسباط ، عن السدى .
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( بن آدم)).
(٤) فى م: (( صورناكم)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٧٧
سورة الأعراف : الآية ١١
قال: خَلَقَ اللَّهُ آدمَ، ثم صَوَّرَ ذريتَهُ(١) بعدَه (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثناعمرُ بنُّ هارونَ، عن نصرِبنِ مُشارسٍ(٢) ، عن الضحاكِ:
خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾: ﴿خَلَقْتَكُمْ﴾ آدمَ، ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾(٤) . قال :
(٥)
ذُرِّيَّتَهُ(٥) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرَج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدُ بنُ
سليمانَ، عن الضحاكِ قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ﴾: يعنى آدمَ، ﴿ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ﴾ : یعنی ذريته .
/ وقال آخرون(١): معنى ذلك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ﴾ فى أصْلابِ آبائكم، ١٢٧/٨
ثُمَّ صَوَرْنَگُمْ﴾ فى بطون أمهاتِکم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن شريك، عن سِماكٍ، عن عكرمةً:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾. قال: خلَقْناكم فى أصْلابِ الرجالِ ، ثم(٧)
صَوَّرناكم فى أرحامِ النساءِ().
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحِمَّانيُ، قال : ثنا شريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((من)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٢٥/١ عن معمر به .
(٣) فى الأصل، ص: ((مشاوس))، وفى م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((مشاوش)). والمثبت من تهذيب
الكمال ٢٩٧/٣٤.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ عقب الأثر (٨٢٣٣، ٨٢٣٦) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٣٨٧/٣.
(٦) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((بل)).
(٧) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((و)).
(٨) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ عقب الأثر (٨٢٣٢، ٨٢٣٤) معلقًا .

٧٨
سورة الأعراف : الآية ١١
مثله .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمعتُ
الأعمشَ يقرَأُ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ . قال : خلقناكم فى أضْلابِ
الرجالِ ، ثم صَوَّرناكم فى أرحامِ النساءِ() .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿خَلَقْتَكُمْ﴾: يعنى [٣/١٩ظ] أَدمَ،
صَوَّرْنَكُمْ﴾ (٢) : فى ظهرِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ﴾. قال: آدمَ، ﴿ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ﴾. قال : فى ظهرِ آدمَ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ﴾ : فى ظهرِ آدمَ .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ . قال: صَوَّرناكم فى ظهرِ
آدمَ .
(١) تفسير سفيان ص ١١١ عن الأعمش عن المنهال، عن ابن عباس من قوله، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٤٤٢/٥ (٨٢٣٢، ٨٢٣٤)، والحاكم ٣١٩/٢، والبيهقى فى الشعب (١٠٧)، بزيادة سعيد بن
جبير، بین المنهال وابن عباس .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( يعنى)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٣٣ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤٢/٥ (٨٢٣٥) - وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٧٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

٧٩
سورة الأعراف : الآية ١١
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو سعدِ المدنىُ، قال: سمِعتُ
مجاهدًا فى قولِه: ﴿ وَلَقَدْ خَلَفْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ . قال: فى ظهرِ آدمَ ، لما
تصِيرون إليه مِن الثوابٍ فى الآخرةِ .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ﴾ فى بُطُونِ أمهاتِكم، ﴿ ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ ﴾ فيها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عمن
ذكّره، قال: ﴿خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾. قال : خلَق اللَّهُ الإنسانَ فى الرحم ، ثم
صَوَّره، فَشَقَّ سمعَه وبصرَه وأصابعَه(١).
قال أبو جعفر: وأولى هذه(٢) الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُه: ﴿ وَلَقَدْ
خَلَقْتَكُمْ﴾: ولقد خلقنا آدمَ، ﴿ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾: بتصويرِنا آدمَ . كما قد بيَّنا فيما
مضى قبلُ(١) مِن خطابِ العربِ الرجلَ بالأفعالِ تضيفُها إليه، والمعنَى فى ذلك
السَلَفِه(٢) . وكما قال جلّ ثناؤه لَمن بينَ أظهُرِ المؤمنين مِن اليهودِ على عهدٍ رسولٍ
اللّهِ عَهِ: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا [٤/١٩و] مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُْوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ
بِقُوَّةٍ ﴾. [البقرة: ٦٣، ٩٣]. وما أشبه ذلك مِن الخطابِ الموجَّهِ إلى الحىِّ الموجودِ،
والمرادُ به السلفُ المعدومُ، فكذلك ذلك فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ﴾. إنما معناه: ولقد خلقنا أباكم آدمَ ثم صَوَّرناه .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٥/١ عن معمر، عن الكلبى من قوله . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٢/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف .
(٣) تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣.

٨٠
سورة الأعراف : الآية ١١
١٢٨/٨
وإنما قلنا : هذا القولُ أولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ؛ لأن الذى يتلُو ذلك
قولُه: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِدَمَ﴾. ومعلومٌ أن اللَّهَ قد أمَر الملائكةَ بالسجودِ
لَآدَمَ قبلَ أن يصوِّرَ ذرِّيتَه / فى بطون أمهاتِهم ، بل قبلَ أن يخلُقَ أمهاتهم. و ((ثم )) فى
كلامِ العربِ لا تأتى إلا بإيذانِ انقطاع ما بعدَها عما قبلها ، وذلك كقول القائلِ:
قمتُ ثم قعدتُ. لا يكونُ القعودُ إِذا عُطِف به بـ ((ثمّ)) على قولِه: قمتُ . إلا بعدَ
القيامِ ، وكذلك ذلك فى جميع الكلامِ ، ولو كان العطفُ فى ذلك بالواوٍ ، جازَ أن
يكونَ الذى بعدَها قد كان قبلَ الذى قبلَها ، وذلك كقولِ القائلِ : قمتُ وقعدتُ .
فجائزٌ أن يكونَ القعودُ فى هذا الكلامِ قد كان قبلَ القيامِ؛ لأن الواوَ تدخُلُ فى الكلام
إذا كانت عطفًا لتُوجِبَ للذى بعدَها مِن المعنى ما وَجَبَ للذى قبلَها ، مِن غيرِ دلالةٍ
منها بنفسِها على أن ذلك كان فى وقتٍ واحدٍ أو وقتَين مختلفين، أو إن كانا فى
وقتَين، أيُّهما المتقدِّمُ وأيُّهما المتأخرُ. فلِما وصفْنا قلنا: إن قوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ
ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾. لا يصحّ تأويلُه إلا على ما ذكرناه .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن العربَ [٤/١٩ظ] إذ كانت رَّمَا نَطَقَت بـ ((ثمَّ)) فى موضعِ الواوِ
فى ضرورةٍ شعرٍ، كما قال بعضُهم (١) :
أبّا ثم أًُا فقالت لِّهَ
سألتُ ربيعةً مَن خيرُها
بمعنى: أبًا وأمَّا . فإن ذلك جائزٌ أن يكونَ نظيرَه - فإن ذلك بخلافٍ ما ظنَّ؛
وذلك أن كتابَ اللَّهِ جلّ ثناؤُه نَزَلَ بأفصح لغاتِ العربِ ، وغيرُ جائزٍ توجيهُ شىءٍ منه
إلى الشاذٌّ مِن لغاتِها، وله فى الأفصح الأشهرِ معنًى مفهومٌ ووجة معروفٌ .
وقد وجَّه بعضُ مَن ضَعُفَت معرفته بكلامِ العربِ مَغْنى(٢) ذلك إلى أنه مِن
(١) التبيان ٣٥٧/٤.
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف .