النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ سورة الأنعام : الآية ١٤٢ ويقالُ : الحَمولةُ مِن البقرِ والإبلِ، والفَرْشُ الغنمُ . وقال آخرون : الحمولةُ: ما حُمِل عليه مِن الإبلِ والخيلِ والبِغالِ وغيرِ ذلك ، والفَرْشُ الغنمُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنی معاویةُ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَآَ﴾ : فأما الحَمولةُ فالإبلُ والخيلُ والبِغالُ والحميرُ وكلُّ شىءٍ يُحْمَلُ عليه، وأما الفَرْشُ (١) فالغنمُ(١). حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع بنٍ أنسٍ: الحَمولةُ مِن الإبلِ والبقرِ، ﴿وَفَرْشَا﴾ المعزُ والضأنُ(٢). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ اُلْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَا﴾. قال: أما الحَمولةُ فالإبلُ والبقرُ. قال: وأما الفَرْشُ (٣) فالغنمُ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : كان غيرُ الحسن يقولُ: الحَمولةُ الإِبلُ والبقرُ، والفَرْشُ الغنمُ(). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٠، ١٤٠١ (٧٩٧٢، ٧٩٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به مفرقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٣ إلى ابن المنذر. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠١/٥ عقب الأثر (٧٩٧٦) من طريق أبى جعفر به، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤. (٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣٤٤/٣ . (٤) تفسير عبد الرزاق ٢٢٠/١. ٦٢٢ سورة الأنعام : الآية ١٤٢ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، [٨٠٣/١ظ] قال: ثنا أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ /حَمُوْلَةُ وَفَرْشَآ﴾: أما الحَمولةُ فالإِبلُ ، وأما الفَرْشُ فالفُصْلانُ والعَجَاجيلُ والغنمُ، وما حُمِل عليه فهو حمولةٌ(١) . ٦٤/٨ حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿حَمُوْلَةٌ وَفَرْشَآٌ﴾: الحَمولةُ الإبلُ، والفَرْشُ الغنمُ(٣) . حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى بكرٍ الهُذَلىِّ، عن الحسنِ: ﴿وَفَرْشَا﴾. قال: الفَرْشُ الغنمُ(). حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : حَمُولَةٌ وَفَرْشَآَ﴾. قال: الحمولةُ ما تَوْكَبون، والفَرْشُ ما تَأْكُلون وتَحْلُبُون، شأةٌ لا تَحْمِلُ، تَأْكُلون لحمَها، وتَتَّخِذون مِن أَصوافِها لِحَافًا وفَوْشًا(٢) . والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن الحَمولةَ هى ما حمَل مِن الأنعام؛ لأن ذلك مِن صفتِها إذا حمَلَت ، لا أنه اسمٌ لها كالإبلِ والخيلِ والبغالِ، فإذا كانت إِنما سُمِّيَت حَمولةً لأنها تَحْمِلُ، فالواجبُ أن يكونَ كلَّ ما حمَل على ظهرِهِ مِن الأنعامِ فحمولةٌ ، وهى جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، كالرَّكوبةِ والجزُّورةِ ، وكذلك الفَرْشُ إنما هو صفةٌ لما لطُّف فقرُب مِن الأرضِ جسمُه، ويقالُ له : الفَرْشُ. وَأَحْسَبُها سُمِّيَت بذلك تمثيلاً لها فى استواءٍ أسنانِها ولُطْفِها بالفَرْشِ مِن الأرضِ، (١) عجاجيل جمع عجّوْل، وهو العجل. اللسان (ع ج ل ). (٢) ينظر تفسير ابن كثير ٣٤٤/٣. (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠١/٥ عقب الأثر (٧٩٧٦) معلقا بتفسير الفرش، وينظر تفسير ابن كثير ٣/ ٣٤٤. (٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠١/٥ عقب الأثر (٧٩٧٦) معلقا . ٦٢٣ سورة الأنعام : الآيتان ١٤٢، ١٤٣ وهى الأرضُ المستويةُ التى يَتَوَطَّؤُها الناسُ. فأما ((الحُمولةُ)) بضمّ الحاءِ فإنها الأحمالُ، وهى الحُمولُ أيضًا بضمّ الحاءِ . القولُ فى تأويل قوله: ﴿كُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُِّينٌ ٤٢ يقولُ جلَّ ثناؤه: كلُوا مما رزَقكم اللَّهُ أَيُّها المؤمنون، فأَحَلّ لكم ثَمَراتِ حُروثِكم وغُروسِكم ولحومَ أنعامِكم، إذ حرَّم بعضَ ذلك على أنفسِهم المشركون باللَّهِ ، فجعَلرا للَّهِ مما ذرَأْ مِن الحرثِ والأنعام نصيبًا، وللشيطانِ مثلَه، فقالوا: هذا للَّهِ بزعمِهم، وهذا لشُرَكائِنا، ولا تتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ كما اتَّبَعها باحرُو البَحيرةِ ، ومُسَيِّو السَّوائبِ، فَتُحَرِّموا على أنفسِكم مِن طيبٍ رزقِ اللَّهِ الذى رزقكم ما حرَّموه، فتُطِيعوا بذلك الشيطانَ، وتَعْصُوا به الرحمنَ . كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾: لا تَتَّبِعوا طاعتَه، هى ذنوبٌ لكم، وهى طاعةٌ (١) للخَبِيثِ (١). إن الشيطانَ لكم عدوٌ يَتْغِى هلاكَكم، وصدَّكم عن سبيلِ ربِّكم ﴿ شُينٌ﴾: قد أبان لكم عُدوانَه بُناصَيتِه أباكم بالعداوةِ ، حتى أُخْرَجه مِن الجنةِ بكيدِه، وخذَعِه ؛ حسدًا(٢) منه له وبغيًا عليه . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضََّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْرِ اثْنَيْنِ قُلٌّ ◌َالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْذَيَيْنِّ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ٤٣ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٢/٥ (٧٩٨٤) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد . (٢) فى م، ت ٢، ت ٣، س، ف: (( وحسدا)). ٦٢٤ سورة الأنعام : الآية ١٤٣ ٦٥/٨ / وهذا تقريعٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه العادِلين به الأوثانَ مِن عبَدةِ الأصنامِ الذين بحَروا البَحائرَ، وسيّوا الشَّوائبَ، ووصَلوا الوَصائلَ، وتعليمٌ منه نبيَّه ◌ِ له والمؤمنين به الحجةَ عليهم فى تحريمهم ما حرّموا من ذلك، فقال للمؤمنين به وبرسوله: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَاتٍ ﴾. ومِن الأنعامِ أَنْشَأْ حَمولةٌ وفَوْشًا . ثم بيئَن جلَّ ثناؤُه الحَمولةَ والفَرْشَ، فقال: ﴿ثَمَلِيَةَ أَزْوَجْ﴾. وإِنما نصَب ((الثمانيةَ))؛ لأنها ترجمةٌ عن ((الحمولةِ)) و((الفَرْشِ))، وبدل منها، كأنَّ معنى الكلام: ومِن الأنعامِ أنشَأ ثمانيةَ أزواج. فلمَّا قدَّم قبلَ ((الثمانيةِ)) ((الحَمولةَ)) و((الفَرْشَ))، بين ذلك بعدُ. فقال: ﴿ثَمَنِيَةً أَزْوَجْ﴾ على ذلك المعنى . ﴿مِّنََ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنُّ﴾ فذلك أربعةٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ مِن الاثنين مِن الضأنِ زوجٌ، فالأنثى منه زوجُ الذكرِ، والذكرُ منه زوج الأنثى، وكذلك ذلك مِن المَعَزِ، ومِن سائرِ الحيوانِ، فلذلك قال جلَّ ثناؤه: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجَ﴾. كما قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنٍ﴾ [الذاريات: ٤٩]. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأُنثى زوجُ الذكرٍ ، فَهُما وإن كانا اثنين فهما زَوْجان؛ كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَّ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وكما قال: ﴿ أَسِْكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وكما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُوبِيرٍ، عن الضحاكِ : ﴿مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى، ﴿ وَمِنَ اٌلْبَقَرِ أَثْنَيْنِ﴾ ذكرٍ وأنثى، ﴿ وَ مِنَ اُلْإِبِلِ أَثْنَيْنِ﴾: ذكرٍ وأنثى. ويقالُ للاثنين: هما زوجٌ. كما قال لَبيدٌ (١): (١) شرح ديوان لبيد ص ٣٠٠ . ٦٢٥ سورة الأنعام : الآية ١٤٣ مِن كلِّ مَخْفوفٍ(١) يُظِلُّ عِصِيَّهُ زوجُ عليه ◌ِلَّةٌ(٢) وقِرَامُها(٣) ثم قال لهم: كُلُوا مما رزقكم اللَّهُ مِن هذه الثمارِ واللحومِ، وارْكَبوا هذه الحَمولةَ أيُّها المؤمنون ، فلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشيطانِ فى تحريم ما حرَّم هؤلاءِ الجَهَلةُ بغيرِ أمرى إياهم بذلك. قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين حرَّموا [٨٠٤/١ و] ما حرَّموا مِن الحرثِ والأنعام؛ اتِّباعًا للشيطانِ مِن عَبَدةِ الأوثانِ والأصنام الذين زعموا أن اللَّهَ حرَّم عليهم / ما هم مُحرِّمون من ذلك: ﴿َالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ ربُّكم أيُّها الكذَبةُ على اللَّهِ مِن ٦٦/٨ الضأنِ والمَغَزِ؟ فإنهم إن اذَّعَوْا ذلك وأقَرُوا به، كذّبوا أنفسَهم، وأبانوا جهلَهم ؛ لأنهم إذا قالوا: يُحَرِّمُ الذكرَيْن مِن ذلك. أوْجَبوا تحريمَ كلِّ ذكرَيْن مِن ولدِ الضأْنِ والمَغْزِ، وهم يَسْتَمْتِعون بلحومٍ بعضٍ(٤) الذُّْرانِ منها وظُهورِها. وفى ذلك فسادُ دَعْواهم، وتكذيبُ قولِهِم - ﴿أَمِ آلْأُنََّيْنِ ﴾. فإنهم إن قالوا: حرَّم ربُّنا الأَنْثَيَيْن. أوْجَبوا تحريمَ لحوم كلِّ أنثى مِن ولدِ الضأَنِ والمَغَزِ على أنفسِهم وظهورِها، وفى ذلك أيضًا تكذيبٌ لهم، ودَخْضُ دَغْواهم أن ربَّهم حرَّم ذلك عليهم ، إذ كانوا يَسْتَمْتِعون بلُحومٍ بعضٍ ذلك وظهورِهِ - ﴿ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾. يقولُ: أم حرَّم ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. يعنى: أرحامُ أُنثى الضأنِ وأنثى المَغَزِ، فلذلك قال: ﴿ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾. وفى ذلك أيضًا لو أقَرُّوا به . فقالوا : حرَّم علينا ما اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين. بُطُولُ قولِهم ، وبيانُ كذِيِهم؛ لأنهم كانوا يُقِرُّون بإقرارِهم بذلك أن اللَّهَ حرَّم عليهم ذكورَ الضّأْنِ والمَعَزِ وإناثَها ، أن يَأْكُلُوا لحومَها، أو يَرْكَبوا ظهورَها، وقد كانوا يَسْتَمْتِعون ببعضٍ ذكورِها وإناثِها . و ((ما)) التى فى قوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَزْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾. نصْبٌ (١) يريد بالمحفوف هنا الهودج . (٢) الكلة : الستر الرقيق يخاط كالبيت . اللسان ( ك ل ل ) . (٣) القرام : ستر فيه رقم ونقوش . اللسان (ر ق م). الوط٢: ٤٠/٩) د ٦٢٦ سورة الأنعام : الآية ١٤٣ عطفًا بها على ((الأُنثِين)) . نَّعُونِي بِعِلْمٍ ﴾ يقولُ: قلْ لهم: خبِّرونى بعلم ذلك على صحتِه، أىَّ ذلك حرَّم ربّكم عليكم، وكيف حرَّم؟ ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ فيما تَنْحَلُونه ربَّكم مِن دَعْواكم، وتُضِيفُونه إليه (١) مِن تحريمِكم . وإنما هذا إعلامٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيّه أن كلَّ ما قاله هؤلاء المشركون فى ذلك ، وأضافوه إلى اللَّهِ، (فهو كَذِبٌ على اللّهِ)، وأنه لم يُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك، وأنهم إنما أَتَّبَعوا فى ذلك خُطُواتِ الشيطانِ وخَالَفوا أمرَه (١). وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ثَمَكِنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنٍ ﴾ الآية: إن(٤) كلَّ هذا لم أَحَرّمْ منه قليلًا ولا كثيرًا، ذكَرًا ولا أُنثى . حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً : ﴿مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنُّ﴾. قال: سَلْهِمْ) ﴿َالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثََّيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ﴾؟ أى: لم أُحَرِّمْ مِن هذا شيئًا ◌ْ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. فذكَر مِن الإبلِ والبقرِ نحوَ ذلك(٦). (١) فى ص: ((إلیکم)). (٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف. (٣) فى ص، ت ١، س، ف: ((أمرهم)). (٤) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((أى)). كما فى الأثر بعده . (٥) فى ص: ((سألهم))، وفى ف: ((سألتم)). (٦) تفسير عبد الرزاق ٢٢٠/١ - ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٣/٥، ١٤٠٤ (٧٩٩٥، ٧٩٩٧) عن معمر به . ٦٢٧ سورة الأنعام : الآية ١٤٣ حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾: فى شأنٍ ما نهَى اللَّهُ عنه مِن (١) البَحيرةِ . حذَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ﴾. قال: هذا فى شأنٍ ما نهَى اللَّهُ عنه مِن البَحائِ والشّيَّبِ . قال ابنُ جريج: يقولُ: مِن أين حرَّمْتُ هذا؟ مِن قِبَلِ الذكرَيْن أم مِن قَبَلِ الأنثيين، أمّا اشْتَمَلت عليه أرحامُ الأنثيين؟ وإنها لا تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أنثى، فمِن أين جاء التّحريم؟ فأجابوا هم: وجَدْنا آباءَنا كذلك يَفْعَلون . / حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن ٦٧/٨ السدىِّ: ﴿ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجُ مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنِ﴾ - ﴿ وَمِنَ اُلْبَفَرِ أَثْنَيْنِ﴾ - ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ﴾. يقولُ: أَنْزَلْتُ لكم ثمانيةَ أزْواج مِن هذا الذى عدَدْتُ ، ذكرٍ وأنثى، فالذكرَيْن حرَّمْتُ عليكم أم الأنثيين ، أمَّا اشْتَمَلَت عليه أرحامُ الأنثيين؟ (أى: ما اشْتَمَلت عليه أرحام الأنثيين"، ما تَشْتَمِلُ إلا على ذكرٍ أو أُنثى ، فما حرَّمْتُ عليكم ذكرًا ولا أُنثى مِن الثمانيةِ. إنما ذكَر هذا مِن أجلِ ما حرّموا مِن (٣) الأنعام(١) . حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةً، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ : ﴿أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ﴾ قال: ما حمَلَتِ الرَّحِمُ . (١) تفسير مجاهد ص ٣٣٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٢/٥ (٧٩٨٩)، وعندهما: البحيرة والسائبة، عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣/ ٥٠، إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ. (٢ - ٢) سقط من: ص ، ت ١، س ، ف . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥/ ١٤٠٢، ١٤٠٣، ١٤٠٤ (٧٩٨٨، ٧٩٩٢، ٧٩٩٩) من طريق أحمد بن مفضل به، وينظر الدر المنثور ٣/ ٥٠. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٣/٥ (٧٩٩٤) من طريق ابن علية به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٣ إلى أبى الشيخ . ٦٢٨ .- · سورة الأنعام : الآية ١٤٣ حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ قُلْ ءَالَذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ﴾. قال: هذا لقولهم: ﴿ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ اُلْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]. قال : وقال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثَمَيْنِيَةَ أَزْوَجْ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾. قال: الأنعامُ هى الإِبلُ والبقرُ والضأنُ والمَغَزُ، هذه الأنعامُ التى قال اللَّهُ: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾. قال: وقال فى قوله: ﴿هَذِهِ، أَنْعَهٌ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾: نَحْتَجِرُها على مَن نُرِيدُ وعمَّن نُرِيدُ . وقوله: ﴿ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾. قال: لا يَرْكبُها أحدٌ ، وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ [٨٠٤/١ ظ] أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨]. فقال: ﴿ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَبْنِ﴾: أيَّ هذيْن حرَّم على هؤلاء؟ أى: أن تكونَ لهؤلاء حِلًّا وعلى هؤلاء حرامًا (١)؟ حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ اٌلْمَعْزِ أَثْنَيْنُ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَّيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ اُلْأُنْتَبَيْنِ﴾. يعنى: هل تَشْتَمِلُ الرحمُ إلا على ذكرٍ أو أنثى؟ فهل(١) يُحَرِّمون بعضًا ويُحِلُّون بعضًا(٣) ؟ حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ مِنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ أَثْنَيْنُ﴾: فهذه أربعةُ أَزْواج، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَغَرِ أَثْنَيْنُ قُلْ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٤/٥ (٧٩٩٨) من طريق أصبغ عن ابن زيد ، وفيه زيادة . (٢) فى م: ((فهم)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٣/٥ (٧٩٩٣) من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٣ إلى ابن المنذر . ٦٢٩ سورة الأنعام : الآيتان ١٤٣، ١٤٤ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَبَيْنِ﴾. يقولُ: لم أُحَرِّمْ شيئًا مِن ذلك. ﴿ نَبِّئُونِ بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ: كلُّه حلالٌ(١). و ((الضأنُ)) جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِهِ، وقد يُجْمَعُ ((الضأنُ)) ((الضَّئِينَ)) و ((الضِّئِين))، مثلُ ((الشَّعِيرِ)) و((الشِّعيرِ))، كما يُجْمَعُ ((العبدُ)) على ((عَبيدٍ)) و ((عِيدٍ)). وأما الواحدُ مِن ذكورِهِ فـ ((ضائنٌ))، والأنثى ((ضائنةٌ))، وجمعُ ((الضائنةِ)) ((ضَوائنُ)). وكذلك ((المَغْزُ)) جمعٌ على غيرٍ واحدٍ، وكذلك ((الْمِعْزَى))، وأما ((الماعِزُ))، فجمعُه « مَواعِزُ))(٢) . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ اٌلْبَقَرِ أَثْنَيْنِ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ اٌلْأُنْشَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ / أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ ٦٨/٨ وَضَّنِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَىْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرٍ عِلَيْ ٢١٤٤ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وتأويلُ قولِه: ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ أَثْنَيْنُ قُلْ ءَ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ اَلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأَنْثَيَيْنِ﴾. نحوُ تأويل قوله: ﴿مِّنَ الضَّأْنِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِّ ﴾. وهذه أربعةُ أزواجِ، على نحوٍ ما بيكنّا مِن الأزواج الأربعةِ قبلُ مِن الضأنِ والمَعَزِ ، فذلك ثمانيةُ أزواجِ كما وصَف جلَّ ثناؤه . وأما قولُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَضَّئُكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمَّ﴾. فإنه أمرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٣/٥ (٧٩٩١، ٧٩٩٦) عن محمد بن سعد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٣ إلى ابن المنذر . (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((مواعیز)). ٦٣٠ سورة الأنعام : الآية ١٤٤ نبيَّه عَّلَّمِ أن يقولَ لهؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين الذين قصَّ قِصَصَهم فى هذه الآياتِ التى مضَت ، يقولُ له عزَّ ذكرُه: قلْ لهم يا محمدُ : أىَّ هذه سأَلْتُكم عن تحريمه حرَّم ربّكم عليكم مِن هذه الأزواج الثمانية؟ فإن أجابوك عن شىءٍ مما سأَلْتَهم عنه مِن ذلك، فقلْ لهم: أَخَبرًا قلتم: إن اللَّهَ حرَّم هذا عليكم. أُخْبَرَكم به رسولٌ عن(١) ربِّكم، أم شهِدْتُم ربَّكم فرأيتُموه فوصًّاكم بهذا الذى تقولون وتُزَوِّرون(١) على اللَّهِ؟ فإن هذا الذى تقولون مِن إخبارٍ كم عن اللَّهِ أنه حرامٌ بما تَزْعُمون على ما تَزْعُمون ، لا ◌ُغْلَمُ إلا بوحي من عنده ، مع رسول يُزِلُه إلى خلقه ، أو () بسماع منه، فبأىِّ هذين الوجهين علِئْتُم أن اللَّهَ حرَّم ذلك كذلك، برسولٍ أرْسَله إليكم، فأنْبِئُونى بعلمٍ إن كنتم صادقين؟ أم شهِدْتُم ربّكم فأوصاكم بذلك وقال لكم : حرَّمْتُ ذلك عليكم . فسمِعْتُم تحريمَه منه وعهدَه إليكم بذلك؟ فإنه لم يَكُنْ واحدٌ مِن هذين الأمرين، يقولُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولُ: فمَن أشدُ ظلمًا لنفسِه، وأبعدُ عن الحقِّ مَمَّن تخَرَّص على اللَّهِ قيلَ الكذبِ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ، وتحليلَ ما لم يُحَلِّلْ؛ ﴿لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍّ﴾. يقولُ: لِيَصُدَّهم عن سبيله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقولُ: لا يُوَفِّقُ اللَّهُ للمؤُشْدِ مَن افْتَرَى على اللَّهِ وقال عليه الزُّورَ والكذبَ، وأضاف إليه تحريمَ ما لم يُحَرِّمْ؛ كفرًا باللّهِ، ومجحودًا لنبوةٍ نبيّه محمدٍ عٍَّ . كالذى حدَّثنی یونُسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّنِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: الذى تقولون(٤). (١) فى ص، س، ف: ((من)). (٢) فى ت ١: ((يدوون)) وفى ف: ((ترون)) وفى م، ت ٢، ت ٣: (( وتردون)). (٣) فى ص، ت ١، ف: ((أم)). (٤) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٦٢٨ . ٦٣١ سورة الأنعام : الآيتان ١٤٤، ١٤٥ حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أشباطُ ، عن السدىُّ، قال: كانوا يقولون - يعنى الذين كانوا يَتَّخِذون البَحائرَ والسَّوائبَ - : إن اللَّهَ أَمَر بهذا. فقال اللَّهُ: ﴿ فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلََّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوَ دَمًا / مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَ ٦٩/٨ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيُّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين جعلوا للَّهِ ممَّا ذَرَأ مِن الحرثِ والأنعامِ نَصيبًا، ولشركائهم مِن الآلهةِ والأُنْدادِ مثلَه، والقائلين: هذه أنعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بزعْمِهم. والمحرِّمين مِن أنعامِ أَخَرَ ظُهورَها ، والتاركين ذكرَ اسم اللَّهِ على أَخَرَ منها ، والمحرِّمين بعضَ ما فى بطونِ بعضٍ أنعامِهم على إناثِهم وأزواجِهم، ومُحلِّيه الذكورِهم، المحرِّمين ما رزَقهم اللَّهُ اقْتِراءُ على اللَّهِ ، وإضافةً منهم ما يُحَرِّمون مِن ذلك إلى أن اللَّهَ هو [٨٠٥/١و] الذى حرَّمه عليهم : أجاءكم مِن اللَّهِ رسولٌ بتحريمِه ذلك عليكم، فأنْبِئونا به، أم وصَّاكم اللَّهُ بتحريمِهِ مُشاهدَةً منكم له ، فسمِعْتُم منه تحريمَه ذلك عليكم، فحرَّ مْتُموه؟ فإنكم کذبةٌ إِن ادعیثُم ذلك ، ولا يُکنکم دعواه ؛ لأنکم إذا ادعَیْتُموه علم الناسُ كذبكم ، فإِنى لا أَجِدُ فيما أُوحِى إلىَّ مِن كتابِهِ وَآي تنزيله شيئًا محرَّمًا على آكل يَأْكُلُه، مما تَذْكُرون أنه حرَّمه مِن هذه الأنعام ، التى تَصِفون تحريمَ ما حَرَّم عليكم منها بزعمِكم ﴿ إِلََّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً﴾ قد ماتت بغيرٍ تَذْكِيةٍ ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ وهو المُتُّصَبُّ، أو إلا أن يكونَ لحمَ خِنزيرٍ، ﴿ فَإِنَّهُ رِجُسُ أَوْ فِسْقًا﴾. يقولُ: أو إلا أن (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٤/٥ (٧٩٩٩) من طريق أحمد بن المفضل به . ٦٣٢ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ يكونَ فسقًا. يعنى بذلك: أو إلا أن يكونَ مذبوحًا ذبحه ذابخٌ مِن المشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ لصنمِه وآلهتِه، فذكَر عليه اسمَ وَثَنِهِ ، فإِنَّ ذلك الذبحَ فِسْقٌ نهَى اللهُ عنه وحرَّمه، ونهَى مَن آمَن به عن أكلِ ما ذُبح كذلك؛ لأنه مَيْئَةٌ . وهذا إعلامٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه للمشر کین الذین جادلوا نبيَّ اللّهِ وأصحابَه فی تحريم الميتةِ بما جادَلوهم به، أن الذى جادَلوهم فيه مِن ذلك هو الحرامُ الذى حرَّمه اللَّهُ، وأن الذى زعموا أن اللَّهَ حرَّمه حلالٌ قد أحَلَّه اللَّهُ، وأنهم كذَبَةٌ فى إضافتهم تحريمَه إلى اللَّهِ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه فى قوله : ﴿قُل لَّّ أَجِدُ فِ مَآ أُوْحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون أشياءَ ويُحِلُّون أشياءَ، فقال: قلْ: لا أَجِدُ فيما (١) كنتم تُحَمون وتَسْتَحِلُون إلا هذا؛ ﴿إِلََّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِ "﴾(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أُخْبرَنا ابنُ المباركِ ، عن معمرٍ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه فى قولِه: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية . قال : كان أهلُ الجاهليةِ يَسْتَحِلُون أشياءَ ويُحَرِّمون أشياءَ، فقال اللَّهُ لنبيّه: قلْ: لا أَجِدُ فيما أَوحِى إلىّ محرمًا مما كنتم تَشْتَحِلُون إلا هذا. وكانت أشياءً يُحَرِّمونها ، فھی حرام الآن . (١) فى م، ت ٢، ت٣: ((مما)). (٢) تفسير عبد الرزاق فى تفسيره ٢٢٠/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٥/٥ (٨٠٠١) - عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٣ إلى عبد بن حميد. ٦٣٣ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ حدَّثْنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج، عن ابنٍ جريج، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: / ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾. ٧٠/٨ قال : ما يُؤْكَلُ. قلتُ : فى الجاهليةِ؟ قال: نعم. وكذلك كان يقولُ: ﴿إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا تَسْفُوحًا ﴾ . قال ابنُ جريج: وأَخْبَرنى إبراهيمُ بنُ أبى بكرٍ ، عن مجاهدٍ: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾. قال: مما كانَ فى الجاهليةِ يأكلونَ، لا أجدُ محرَّمًا من ذلك على طاعم يطعمُه إلا أن يكونَ ميتةً أو دمًا مسفوحًا . وأما قولُه: ﴿أَقَ دَمًا مَسْفُومًا﴾. فإِنَّ معناه: أو دمًا مُسَالًا مهَرَاقًا، يقالُ منه: سفَحْتُ دمَه ، إذا أرَقْتَه، أَسْفَحُه سَفْحًا، فهو دمٌ مَشْفوحٌ، كما قال طَرَفَةُ بنُ (١) العَبْدِ(١) : أنْصابٍ يُسْفَحُ فوقَهن دمُ إنی وجَدِك ما هجَوْتُك والـ وكما قال عَبِيدُ بنُ الأبرصِ(٢) : إذا ما عادَه منها(٣) نساء سفَحْن الدَّمْعَ مِن بعدِ الرَّنينِ يعنى : صبَبْنَ وأَسَلْنَ الدمعَ . وفى اشْتِراطِه جلَّ ثناؤه فى الدم عندَ إِعلامِه عبادَه تحريمَه إياه ، المَسْفوحَ منه دونَ غيرِهِ - الدليلُ الواضحُ أنَّ ما لم يَكُنْ منه مسفوحًا فحلالٌ غيرُ تَجِسٍ . وذلك كالذى حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ : ﴿ أَوْ دَمًّا مَسْفُوحًا﴾. قال: لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون مِن العُروقِ ما تَتَبَّعَتِ اليهودُ . (١) ديوانه ص ١٤٧. (٢) ديوانه ص ١٣٤. (٣) فى النسخ: ((منا)). والمثبت من الديوان، والضمير فيه يرجع إلى طعنة برمح كان قد تكلم عنها فى الأبيات قبله . ٦٣٤ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عيينةً، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمةَ بنحوِه، إلا أنه قال: لاتَّبَع المسلمون (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أُخْبرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرٍو بنٍ دينارٍ، عن عكرمةً بنحوِه . حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: أخبرنا وكيعٌ، عن عِمرانَ بنِ حدَيْرٍ، عن أبى مِجْلَزِ ، فى القِدْرٍ يَعْلُوها الحُمْرةُ مِن الدم ، قال: إنما حرَّمَ اللَّهُ الدمَ المسفوحَ . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن عِمْرانَ بنِ حُديرٍ، عن أبى مِجْلٍَ، / قال: سأَلْتُه عن الدم وما يَتَلَطَّخُ بالمَذْبَح مِن الرأسِ، وعن القِدْرِ يُرَى فيها الحُمْرةُ؟ قال: إِنما نهَى اللَّهُ عن الدمِ المسفوحِ(١) . ٧١/٨ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ : ﴿أَوْ دَمَّا مَسْفُوحًا﴾. قال: حُرِّم الدمُ ما كان مسفوحًا، وأما لحمّ خالَطه دمّ فلا (٣) بأسَ به(٢) . حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلََّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا﴾: يعنى مُهَراقًا(٤). (١) تفسير عبد الرزاق ٢٢٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٧/٥ (٨٠١٤) عن الحسن بن يحيى به ، وسعید بن منصور فى سننه (٩٣٣ - تفسير) عن ابن عيينة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٦/٣ عن حماد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ . (٣) تفسير عبد الرزاق ٢٢١/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٧/٥ (٨٠١٣) - عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥١/٣ إلى عبد بن حميد. (5) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٦/٥ (٨٠٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به . ٦٣٥ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن مجاهدٍ ، و(١)أخبرَنى ابنُ دينارٍ، عن عكرمةَ: [٨٠٥/١ظ] ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ . قالا(٢) : لولا هذه الآيةُ لَتَتَبَّع المسلمون تُروقَ اللحم، كما تَتَبَّعَها اليهودُ . حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا الحجاج بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن يحيى بنٍ سعيدٍ ، عن القاسم بنِ محمدٍ ، عن عائشةً أنها كانت لا تَرَى بلُحومِ السِّباع بأسًا ، والحمرةِ والدمٍ يكونان على القِدْرِ بأسًا، وقرَأَت هذه الآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ الآية(١). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، قال : ثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، عن عائشةَ قالت، وذكَّرَت هذه الآيةَ: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾. قلتُ : وإن البُزْمَةَ لَيْرَى فى(٤) مائِها الصَّفْرةُ. وقد بيًَّّا معنى ((الرِّجْسِ)) فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه النَّجش والنَّتْنُ وما يُعْصَى اللَّهُ به، بشَواهِدِه فأعْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ(٥). وكذلك القولُ فى معنى الفِشْقِ(٢)، وفى قولِه: ﴿أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ"﴾﴾(٢). قد مضَى ذلك كلُّه بشَواهدِه الكافيةِ ، لمَن(٨) ؤُفِّق لفهمِه ، عن تَكرارِه وإعادتِه . (١) سقط من النسخ، وهما إسنادان ، وينظر تهذيب الكمال ٥/٢٢ . (٢) فى النسخ: (( قال )). (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٦/٣ عن المصنف، وقال: صحيح غريب. وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٩/٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٠٧/٥ (٨٠١١) من طريق يحيى بن سعيد بمعناه . (٤) فى ص، ف: ((ما فى)). (٥) ينظر ما تقدم فى ٦٥٧/٨ . (٦) ينظر ما تقدم فى ٤٣٤/١ . (٧) ينظر ما تقدم فى ٥٥/٣ - ٨٨ . (٨) فى ص، ف: ((ومن))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((من). ٦٣٦ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿إِلََّ أَنْ يَكُونَ﴾ بالياءِ، ﴿ مَيْنَةً﴾ مُخَفَّفةَ الياءِ منصوبةٌ (١)، على أن فى ﴿يَكُونَ﴾ مجهولًا(١)، و((الميتةُ)) فعلٌ(٢) له، فنُصِبَت على أنها فعلُ ﴿يَكُونَ﴾، وذكَّروا ﴿يَكُونَ﴾ لتذكيرِ المُضْمَرِ فى يَكُونَ ﴾ . وقرَأَ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ مكةَ والكوفةِ: (إلا أن تكونَ) بالتاءِ ، (مَيْتَةً) بتخفيفِ الياءِ مِن ((الميتةِ)) ونصِها(١)، وكأن معنى نصبِهم ((الميتةَ)) معنى الأوَّلين، وأَنَّثوا (تكونَ) التأنيثِ ((الميتةِ))، كما يقالُ: إنها قائمةٌ جارِيتُك، وإنه قائمٌ جارِيتُك. فيُذَكَّرُ المجهولُ مرةً، ويُؤَنَّثُ أُخرى؛ لتأنيثِ الاسمِ الذى بعده . وقرَأَ ذلك بعضُ المدَنِيِّين: (إلا أن تَكونَ مَيِّتةٌ) بالتاءِ فى (تكونَ)، وتشديد الياءِ مِن (ميَّةٌ) ورفعِها (٥). فجعَل ((الميَّةَ)) اسمَ (تكونَ)، وأَنَّث (تكونَ) لتأنيثِ ((الميَّةِ))، وجعَل (تكونَ) مُكْتَفِيةً بالاسم دونَ الفعلِ؛ لأن قولَه : ( إلا أن تَكونَ مَيَِّةٌ) استثناءٌ، والعربُ تَكْتَفِى فى (١) الاستثناءِ بالأسماءِ عن الأفعالِ ، فيقولون: قام الناسُ إلا أن يكونَ أخاك، وإلا أن يكونَ أخوك. فلا تَأْتى لـ (١) هى قراءة نافع وأبى عمرو وعاصم. حجة القراءات ص ٢٧٦ . (٢) يقصد بالمجهول الضمير . مصطلحات النحو الكوفى ص ٦٦ . (٣) يقصد بالفعل هنا الخبر . مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٣ . (٤) هى قراءة ابن كثير وحمزة . حجة القراءات ص ٢٧٦ . (٥) هى قراءة أبى جعفر، وهو من العشرة. النشر ٢٠٠/٢. وفى الآية قراءة أخرى متواترة، فقد قرأ ابن عامر بالتاء، ورفع ((الميتة)) مخففة . ينظر المصدران السابقان . (٦) فى ص، ت ٢، س، ف: (( بالاسم دون الفعل)). ٦٣٧ سورة الأنعام : الآية ١٤٥ (( يكون)) بفعلٍ، وتَّجْعُلُها(١) مُسْتَغْنِيةً بالاسم، كما يقالُ: قام القومُ إلا أخاك وإلا أخوك . فلا تَعْتَدُّ الاسمَ الذى بعدَ حرفِ الاستثناءِ نفلًا . / والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى: ﴿إِلََّ أَن يَكُونَ﴾ بالياءِ، ٧٢/٨ مَيْنَةً ﴾ بتخفيفِ الياءِ ونصبِ ((الميتةِ))؛ لأن الذى فى ﴿يَكُونَ﴾ مِن المَكْنِىِّ مِن ذكرِ المذَكَّرِ، وإنما هو: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلََّ أَن يَكُونَ ﴾ ذلك ﴿ مَيْتَةً أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا﴾. فأما قراءةُ ( ميتةٌ ) بالرفع، فإنه وإن كان فى العربيةِ غيرَ خطاً ، فإنه فى القراءةِ فى هذا الموضع غيرُ صوابٍ (١)؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿أَوَ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، فلا خلافَ بينَ الجميعِ فى قراءةِ ((الدمٍ)) بالنصبِ ، وكذلك هو فى مصاحفِ المسلمين، وهو عطفٌ على ((الميتةِ))، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن ((الميتةَ)) لو كانت مرفوعةً لَكان ((الدمُ)) وقولُه: ﴿أَوَ فِسْقًا﴾ مرفوعَيْن. ولكنَّها منصوبةٌ ، فيُعْطَفُ بهما عليها(٣) بالنصبٍ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطَُّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٤٥ وقد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ والصوابَ مِن القول فيه عندَنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا فى سورةِ ((البقرةِ))، بما أغْنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضع(٤)، وأن معناه: فمَن اضْطُرَّ إلى أكلٍ ما حرَّم اللَّهُ (١) فى ص، س، ف: ((لتجعلها)). (٢) القراءة برفع (( الميتة)) متواترة ، فلا تدفع صحتها . (٣) فى س، ف: ((عليه)). (٤) ينظر ما تقدم فى ٥٨/٣ وما بعدها . ٦٣٨ سورة الأنعام : الآيتان ١٤٥، ١٤٦ مِن أكلِ الميتةِ أو (١) الدمِ المسفوحِ أو لحم الخنزيرِ أو ما أُهِلَّ لغيرِ اللَّهِ به، غيرَ باغ فى أكلِه إياه تلَذُّذًا ، لا لضرورةٍ حالَّةٍ مِن الجوع، ولا عادٍ فى أكلِه بتجاوزِهِ ما حدَّه اللَّهُ وأباحه له مِن أكلِه، وذلك أن يَأْكُلَ منه ما يَدْفَعُ عنه الخوفَ على نفسِه بتركِ أکلِهِ مِن الهلاكِ ، لم يَتَجاوَزْ ذلك إلى أكثرَ منه، فلا حرج عليه فى أكلِه ما أكَل مِن ذلك ، فإنَّ اللَّهَ غفورٌ فيما فعَل مِن ذلك ، فسأترٌ عليه بتركِه عقوبتَه عليه ، ولو شاء عاقَبه عليه ، رحيمٌ(١) بإباحتِه إياه أكلَ ذلك عندَ حاجتِه إليه ، ولو شاء حرَّمه عليه ومنَعه منه . القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفٍُّ﴾ . يقولُ تعالى ذكره: وحرَّمْنا على اليهودِ كلَّ ذى ظُفُرٍ، وهو مِن البهائمِ والطيرِ ما لم يَكُنْ مَشْقوقَ الأصابعِ، كالإِبلِ والنَّعَامِ (٣) والإِوَزِّ والبَطِّ. وبما(٤) قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وعلىُّ بنُ داودَ ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى نُفُرٍ﴾: وهو البعيرُ والتَّعَامَةُ(٥). ٧٣/٨ /حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾. قال: (١) فى م: ((و)). (٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف . (٣) فى م: ((الأنعام)) . (٤) فى م: ((بنحو ما)). (٥) أخرجه البيهقى ٨/١٠ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى ابن المنذر . ٦٣٩ سورة الأنعام : الآية ١٤٦ البعيرَ والنَّعَامَةَ ونحوَ ذلك مِن الدَّوابِّ . حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكِ، عن عَطاءٍ، عن سعيدٍ : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ [٨٠٦/١و] قال: هو الذى ليس بِمُنْفَرِجِ الأصابعِ() . حدَّثنى علىُّ بنُ الحسينِ(١) الأزْدىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ ، عن شَريك ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى تُفِّرٍ﴾. قال: كلَّ شىءٍ مُتَفَرَّقِ الأصابعِ، ومنه الدِّيكُ(٣) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى تَجيح، عن مجاهدٍ، قال: ﴿كُلَّ ذِى ظُفْرٍ﴾: النَّعَامَةَ والبعيرَ(٤). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح مثلَه . حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ◌ُفٍُّ ﴾: فكان يقالُ: البعيرُ والتَّعامةُ ، وأشباهُه مِن الطيرِ والحيتانِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلَّ ذِى ◌ُفُرٍ ﴾. قال: الإِبلُ والنَّعَامُ، ظُفُرِ يدِ البعيرِ ورِجْلِه، والشَّعامُ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ (٨٠٣٣) من طريق يحيى بن آدم به من قول ابن عباس، وفيه زيادة . (٢) فى ص: ((الحسن)). (٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ عقب الأثر السابق معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى أبى الشيخ مقتصراعلى قوله : الديك منه . (٤) تفسير مجاهد ص ٣٣٠. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى عبد بن حميد، ولفظه: فى أشياء بدلا من: وأشباهه. وينظر هو والأثر بعده فى تفسير ابن کثیر ٣/ ٣٤٨. ٦٤٠ سورة الأنعام : الآية ١٤٦ أيضًا كذلك، وحرَّم عليهم أيضًا مِن الطيرِ البَطَّ وشِبْهَه، وكلُّ شىءٍ ليس بِمَشْقوقِ الأصابع(١) . (١) حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: أما ﴿كُلَّ ذِى تُفٍُّ ﴾ فالإبلَ والنعامَ(٢) . حدَّثنى الحارثُ قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ فى قولِه : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا ككُلَّ ذِى خُفٍُّ﴾. قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا . قال : قلتُ : ما شَقًّا شَقًّا؟ قال: كلُّ ما لم تُفْرَجْ قَوائمُه لم تَأْكُلْه اليهودُ : البعيرُ والتَّعامةُ ، والدَّجائجُ والعَصافيرُ تَأْكُلُها اليهودُ؛ لأنها قد فُرِجَتْ . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ لجريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كُلَّ ذِى ◌ُفٍُّ﴾ . قال: النَّعامةُ والبعيرُ، شَقًّا شَقًّا. قلتُ للقاسمِ بنِ أَبِى بَزَّةَ وحدَّثَنِيه (٢): ما شقًّا شقًّا؟ قال: كلُّ شيءٍ لم يُفْرَجْ مِن قَوائم البهائم . قال : وما انْفَرَج أكَلَتْه اليهودُ . قال: انْفَرَجَت قوائمُ الدَّجاجِ والعَصافيرِ، فيهودُ تَأْكُلُها . قال: ولم تَتْفَرِجْ قائمةُ البعيرِ ؛ خُقُّه، ولا خُفُّ النَّعامةِ ، ولا قائمةُ الوَزِّينَةِ(٤) ، فلا تَأْكُلُ(٥) اليهودُ الإبلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِّينَ، ولا كلَّ شىءٍ لم تَنْفَرِجْ قائمتُه، كذلك ولا تَأْكُلُ حمارَ وَحْشٍ () . وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنی به یونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، (١) تفسير عبد الرزاق ٢٢١/١ عن معمر به. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١٠/٥ عقب الأثر (٨٠٣٣) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به . (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: (( حدثته)). (٤) فى م، ف: ((الوزين)). والوزينة والجمع الوزين: الإوَزَّة. ينظر التاج (وزز). (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، ف: ((يأكلها))، وفى س: ((تأكلها)). (٦ - ٦) فى م: ((وكذلك)). (٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٣ إلى أبى الشيخ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٤٩/٣ عن ابن جريج عن مجاهد .