النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
سورة الأنعام : الآية ١٣٠
وقال آخرون: لم يُرْسَلْ منهم إليهم رسولٌ ، ولم يكنْ له مِن الجنّ قطُّ رسولٌ
مُؤْسَلٌ ، وإنما الرسلُ مِن الإنسِ خاصةً ، فأمّا مِن الجنِّ فالنُّذُرُ. قالوا: وإنما قال اللَّهُ:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾. والرسلُ مِن أحدِ الفريقين، كما قال: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرِيّنِ
يَلْنَفِيَانِ﴾. ثم قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُقُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٢]. وإنما
يَخْرُجُ اللؤلؤُ والَرْجانُ مِن المِلْحِ دونَ العَذْبِ منهما، وإنما معنى ذلك: يَخْرُجُ مِن
بعضِهما أو مِن أحدِهما. قال: وذلك كقول القائل لجماعةِ أُدْؤُرٍ: إن فى هذه الدُّورِ
لشَرًّا . وإن كان الشرُ فى واحدةٍ منهن، فيُخْرِجُ الخبرَ عن جميعِهن والمرادُ به الخبرُ عن
بعضِهن، وكما يقالُ: أكَلْتُ خبزًا ولبنًا . إذا اخْتَلَطا، ولو قيل: أكَلْتُ لبنًا . كان
الكلامُ خطأً؛ لأن اللبنَ يُشْرَبُ ولا يُؤْكَلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج قولَه :
يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾. قال: جمعَهم كما جمَع قولَه:
وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَنَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] . ولا
يَخْرُجُ مِن الأنهارِ حِلْيَةٌ. قال ابنُ مُجريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: هم الجنُّ الذين لَقُوا
قومهم ، وهم رسلٌ إلی قومهم.
فعلى قولِ ابنِ عباسٍ هذا إن مِن الجنِّ رسلًا للإنسِ إلى قومهم.
فتأويلُ الآيةِ على هذا التأويلِ الذى تأوَّله ابنُ عباسٍ : ألم يَأْتِكم أيُّها الجرّ
والإنسُ رسلٌ منكم؟ فأمَّا رسلُ الإنسِ، فرسلٌ مِن اللَّهِ إليهم، وأما رسلُ الجنِّ،
فرسلُ رسلِ اللَّهِ مِن بنى آدمَ ، وهم الذين إذا سمعوا القرآنَ ولُوا إلى قومِهم مُنْذِرِين.
وأما الذين قالوا بقولِ الضحاكِ ، فإنهم قالوا: إن اللَّه تعالى ذكرُه أخْبَر أن مِن
الجنّ رسلًا أَزْسِلوا إليهم، كما أخبر أن مِن الإنس رسلًا أَزْسِلوا إليهم . قالوا: ولو جاز
( تفسير الطبرى ٣٦/٩ )

٥٦٢
سورة الأنعام : الآيتان ١٣٠، ١٣١
أن يَكونَ خبرُه عن رسلِ الجنِّ، بمعنى أنهم رسلُ الإنس، جاز أن يَكونَ خبرُه عن
رسلِ الإِنسِ، بمعنى أنهم رسلُ الجنِّ. قالوا: وفى فسادٍ هذا المعنى ما يَدُلُّ على أن
الخبرين جميعًا بمعنى الخبرِ عنهم أنهم رسلُ اللَّهِ ؛ لأن ذلك هو المعروفُ فى الخطابِ
دونَ غيرِه .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَ أَنفُسِنَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ
عَلَّ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِينَ
٣٧/٨
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن قولٍ مُشْركى الجنِّ والإنسِ عندَ تَقْرِيعِه
إياهم بقولِه لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنذِرُونَكُمْ
لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. أنهم يقولون: ﴿ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّ﴾ بأن رسلَك قد أتَتْنا
بآياتِك، وأَنْذَرَتْنا لقاءَ يومِنا هذا، فكذَّبْناها وجحَدْنا رسالتَها ، ولم نَشَّعْ آياتِك ولم
نُؤْمِنْ بها .
قال اللَّهُ خبرًا مُجْتَدَأَ: وغرّت هؤلاء العادلين باللّهِ الأوثانَ والأصنامَ وأولياءَهم
مِن الجِنِّ - ﴿المَوَةُ الدُّنْيَا﴾. يعنى: زينةُ الحياةِ الدنيا، وطلبُ الرِّياسةِ فيها،
والمنافسةُ عليها، أن يُسْلِموا لأمرِ اللَّهِ، فيُطِيعوا فيها رسلَه ، فاسْتَكْبَروا وكانوا قومًا
عالِين . فاكْتفى بذكرِ الحياةِ الدنيا مِن ذكرِ المعانى التى غرَّتْهم وخدَعَتهم فيها ، إذ
كان فى ذكرِها مُكَتَفَّى عن ذكرٍ غيرِها ؛ لدلالةِ الكلامِ على ما تُرِك ذكرُه . يقولُ اللَّهُ
تعالى ذكرُه: ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى هؤلاء العادلين به يومَ القيامةِ، ﴿ أَنَّهُمْ
كَانُواْ﴾ فى الدنيا ﴿كَفِرِينَ﴾ به وبرسلِه؛ لتَتِمَّ حَجَّةُ اللّهِ عليهم ، بإقرارِهم على
أنفسِهم بما يُوجِبُ عليهم عقوبتَه، وأليمَ عذابِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
غَافِلُونَ
١٣

٥٦٣
سورة الأنعام : الآية ١٣١
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: إِنما
أَرْسَلْنا الرسلَ يا محمدُ إلى مَن وصَفْتُ أَمرَه، وأَعْلَمْتُك خبرَه، مِن مشركى الإنسِ
والجنِّ يَقُصُّون عليهم آياتى، ويُنْذِرونهم لقاءَ يومٍ(١) مَعادِهم إلىَّ، مِن أَجْلِ أن ربَّك
لم يكنْ مُهْلِكَ القُرَى بظلمٍ .
وقد يَتَّجِهُ مِن التأويلِ فى قوله: ﴿بِظَلّمٍ﴾. وجهان: أحدُهما:
﴿ ذَلِكَ [١/ ٧٩٦ظ] أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ اُلْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. أىْ: بشركِ مَن
أَشْرَك، وكفرٍ مَن كفَر مِن أهلِها، كما قال لُقْمانُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ﴿وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾. يقولُ: لم يكنْ يُعاجِلُهم بالعقويةِ
حتى يَتْعَثَ إليهم رسلاً تُنَبِّهُهم على حجج اللَّهِ عليهم، وتُنْذِرُهم عذابَ اللَّهِ
يومَ مَعادِهم إليه، ولم يكنْ بالذى يَأْخُذُهم غَفْلةً فيقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ
ولا نذيرٍ .
والآخرُ: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. يقولُ: لم يكُنْ
لِيُهْلِكَهم دونَ التنبيهِ والتذكيرِ بالرسلِ والآياتِ والعبرِ، فَيَظْلِمَهم بذلك، واللَّهُ غيرُ
ظلَّامٍ لعبيدِه .
وأولى القولين بالصوابِ عندى القولُ الأولُ؛ أن يكونَ معناه: أن لم يكنْ
لِيُهْلِكَهم بشركِهم دونَ إرسالِ الرسلِ إليهم والإغْذارِ بينَه وبينَهم. وذلك أن
قولَه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ ﴾. عقيبُ قولِه: ﴿أَلَمّـ
يَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْهِكُمْ ءَايَتِ﴾ . فكان فى ذلك الدليلُ الواضحُ على
أن نَصَّ قوله: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾. إنما هو: إِنما(٢) فعَلْنا
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٣، س، ف، وفى ت ٢: (( يومكم)).
(٢) بعده فى ص، ت !، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((معناه)).

٥٦٤
سورة الأنعام : الآيات ١٣١ - ١٣٣
ذلك مِن أجل أنَّا لا نُهْلِكُ القُرَى بغيرِ تذكيرِ وَ تنبيهٍ .
وأما قوله: ﴿ذَلِكَ﴾. فإنه يَجوزُ أن يَكونَ نصبًا، بمعنى:/ فعَلْنا ذلك.
ويجوزُ أن يكونَ رفعًا بمعنى الائتِداءِ، كأنه قال : ذلك كذلك(٢).
٣٨/٨
وأما ﴿ أَنْ﴾ فإنها فى موضع نصبٍ، بمعنى: فعَلْنا ذلك مِن أجلِ أن لم يكنْ
ربُّك مُهْلِكَ القرى. فإذا حُذِف ما كان يَخْفِضُها ، تَعَلَّق بها الفعلُ فِنُصِب .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِكُلّ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ
ج
عَمَّا يَعْمَلُونَ
(٣)
يقولُ تعالى ذكرُه : ولكلِّ عاملٍ فى طاعةِ اللَّهِ أو معصيتِه ، منازلُ ومَراتبُ مِن
عملِهِ، يُلِّغُه اللَّهُ إياها ويُتِيبُه بها، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، ﴿ وَمَا رَبُّكَ
يِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: وكلُّ ذلك مِن عملِهم يا محمدُ بعلم مِن
ربِّك، يُخْصِيها ويُثْبِتُها لهم عندَه ؛ ليُجازِيَهم عليها عندَ لقائهم إياه ومَعادِهم إليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم ◌َّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِيَّةِ قَوْمٍ
ءَآخَرِينَ
(١٣٣
يقولُ جلَّ ثناؤه : وربُّك يا محمدُ الذى أمَر عبادَه بما أمَرَهم به، ونهاهم عما
نهاهم عنه، وأثابهم على الطاعةِ ، وعاقَبَهم على المعصيةِ ، الغنىُّ عن عبادِه ، الذين
أمرهم بما أمر ، ونهاهم عما نھی ، وعن أعمالهم وعبادتهم إياه، وهم المحتاجون إليه ؛
(١) بعده فى ف: (( لا)).
(٢) سقط من: ف، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذلك)).
(٣) فى س، ف: ((تعملون)) بالتاء، وقرأ بها ابن عامر وحده، والباقون بالياء كالمثبت . ينظر السبعة لابن
مجاهد ص ٢٦٩.

٥٦٥
سورة الأنعام : الآية ١٣٣
لأَنَّ(١) بيدِه حياتَهم ومماتَهم وأرزَاقَهم وأقواتَهم، ونفعَهم وضَرَّهم، يقولُ عَزَّ ذكرُه :
فلمْ أَخْلُقْهم يا محمدُ ، ولم آمُرْهم بما أمَرْتُهم به، وأَنْهَهم عما نهَيْتُهم عنه ، حاجةٍلى
إليهم، ولا إلى أعمالهم، ولكن ◌ِأَنَفَضَّلَ عليهم برحمتى، وأُتِيتَهم على إخْسانِهم إن
أَحْسَنوا، فإنى ذو الرَّأَفةِ والرحمةِ .
وأما قولُه: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ﴾ . فإنه
يقولُ : إِن يَشَأْ رَبُّك يا محمدُ الذى خلق خلقَه لغيرِ حاجةٍ منه إليهم ، وإلى طاعتهم
إياه، ﴿ يُذْهِبْكُمْ﴾. يقولُ: يُهْلِكْ خلقَه هؤلاء الذين خلَقَهم مِن ولدِ آدمَ،
﴿ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ﴾. يقولُ: ويَأْتِ بخلقٍ غيرِ كم ، وأمم سِواكم
يخلُفونکم فى الأرض، ﴿ مِنْ بعدِكُم ﴾ . یعنی : مِن بعدِ فَائِکم وهلا کِکم ،
كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َآخَرِينَ﴾: كما أحدثكم والتَدعكم مِن بعد
خلقٍ آخرين كانوا قبلكم .
ومعنى ﴿مِنْ﴾ فى هذا الموضع الثَّعْقيبُ، كما يقالُ فى الكلام: أعْطَيْتُك مِن
دينارِك ثوبًا . بمعنى: مكانَ الدينارِ ثوبًا . لا أن الثوبَ مِن الدينارِ بعضٌ، كذلك الذين
خُوطِبوا بقولِه: ﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ﴾. لم يُرِدْ بإخبارِهم هذا الخبرَ أنهم أَنْشِئوا مِن
أصلابٍ قومٍ آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكَرْنا مِن أنهم أَنْشِئوا مكانَ خَلْقٍ خَلَفَ
و
قومٍ آخرين قد هلكوا قبلَهم .
والذريةُ الفُعْلِيَّةُ(١) ، مِن قولِ القائل: ذَرَأْ اللَّهُ الخلقَ، بمعنى: خَلَقَهم، فهو
يَذْرَؤُهم. ثم ترَك الهمزةَ، فقيل: ذرَا اللَّهُ. ثم أخْرج الفُعليَةَ(٢) منه(٣) بغيرِ همزٍ على
مثالِ العُلِّةِ .
(١) فى م: ((لأنه)).
(٢) فى م: ((الفعيلة)).
٣/قط .. " ى فى وقت لت ٢، ت ٣) م: ( فيه ).

٥٦٦
سورة الأنعام : الآيتان ١٣٣ ، ١٣٤
وقد رُوِى عن بعضٍ المتقدِّمين أنه كان يَقْرَأُ : ( مِن ذِرِّيَّةِ(١) قومٍ آخَرِين). على
مثالٍ فِعِيلةٍ(٢) .
٣٩/٨
/ وعن آخرَ أنه كان يقْرَؤُه: (مِن ذَرِيَّةٍ). على مثالٍ عَلِيَّةُ(٣).
والقراءةُ التى عليها القرأةُ فى الأمصارِ: ﴿ ذُرِّيَّةٍ﴾. بضمِّ الذالِ وتشديد
الياءِ على مثالٍ عُلِّة .
وقد بينا اشتقاقَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أَعْنَى عن إعادتِه ههنا(1).
وأصلُ الإنشاءِ الإِحْداثُ ، يقالُ: قد أَنْشَأُ فلانٌ يُحَدِّثُ القومَ . بمعنى: ابْتَدَأ
وأخذ فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتٍّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ
١٣٤
يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به: أيُّها العادِلون باللّهِ الأوثانَ والأصنامَ ، إن
الذى يُوعِدُكم به ربُّكم مِن عقابِه على إصرارِ كم على كفرِكم واقعٌ بكم، ﴿ وَمَّ
أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾. يقولُ: لن تُعْجِزوا ربَّكم هربًا منه فى الأرضِ فتَقُوتوه؛ لأنكم
حيثُ كنتم فى قبضتِه، وهو عليكم وعلى عقوبتكم بمعصيتكم إياه قادرٌ. يقولُ:
فاحْذَرُوه وأَنِيوا إلى طاعتِه قبلَ نزولِ البلاءِ بكم .
(١) فى م: (( ذريئة)).
(٢) فى ت ١، ت ٣، ف: (فعلية)) وبكسر الذال قرأ زيد بن ثابت وأبو وجزة السعدى كما فى مختصر
الشواذ لابن خالويه ص ٤٦، ونص أبو حيان فى البحر المحيط ٢٢٥/٤ على أن قراءة زيد بن ثابت بفتح الذال ،
وهو مخالف لما نص عليه هو قبل ذلك فى ٢/ ٤٣٥، فقد نص على أن قراءة زيد - وكذا الضحاك - بكسر
الذال. وقراءة زيد بن ثابت أخرجها سعيد بن منصور فى سننه ( ٩٢٠ - تفسير) وهى فيه من غير ضبط .
(٣) هى قراءة أبان بن عثمان، كما نص عليه أبو حيان فى البحر المحيط ٤/ ٢٢٥، وذكر ابن خالويه فى
مختصره ص٤٦ أنها قراءة بعض أهل المدينة، وهى مضبوطة فيه بفتح الذال وسكون الراء، ضبط قلم،
والضبط كما نص عليه أبو حيان .
(٤) بنظ ما تقدم ف ٥/ ٣٦٢
) ينظر ما تقـ

٥٦٧
سورة الأنعام : الآية ١٣٥
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِ عَامِلٌ فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ ﴾ .
يقولُ تعالى [٧٩٧/١و] ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿قُلّ﴾ يا محمدُ لقومِك مِن
قريشٍ، الذين يَجْعَلون مع اللَّهِ إِلهَا آخرَ: ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَتِكُمْ﴾. يقولُ:
اعملوا على حِیالِكم وناحيتكم .
كما حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٌّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَ
مَكَانَتِكُمْ ﴾ . يعنى: على ناحیتِكُمْ(١).
يقالُ منه: هو يَعْمَلُ على مكانتِه ومَكِينِه .
وقرَأ ذلك بعضُ الكوفيين: (على مَكَانَاتِكم)(٢). على جمعِ المكانةِ.
والذى عليه قرأةُ الأمصارِ: ﴿ عَ مَكَانَتِكُمْ﴾. على التوحيدِ .
﴿إِنِ عَامِلٌ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه: قلْ لهم: اعْمَلوا ما أنتم عامِلون،
فإنى عاملٌ ما أنا عاملُه مما أَمَرَنى به ربِّى، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ : فسوف
تَعْلَمون عندَ نزول نِقْمةِ اللَّهِ بكم ، أيُّنا كان المحقَّ فی عملِه، والمصیبَ سبيل الرشادِ ،
أنا أم أنتم ؟
وقولُه تعالى ذكرُه لنبيِّه: قلْ لقومِك: ﴿يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. أمرٌ
منه له بوَعيدِهم وتهديدِهم، لا إطلاقٌ لهم فى عملٍ ما أرادوا مِن معاصِى اللَّهِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٠/٤ (٧٩٠٩) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٧/٣ إلى ابن المنذر .
(٢) هى قراءة عاصم وحده فى رواية أبى بكر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٩.

٥٦٨
سورة الأنعام : الآيتان ١٣٥ ، ١٣٦
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ
١٣٥)
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ تَكُوُثُ لَهُ عَلِقِبَةُ الدَّارِ﴾: فسوف تَعْلَمون
أيُّها الكفرةُ باللَّهِ عندَ مُعاينتِكم العذابَ ، مَن الذى تَكونُ له عاقبةُ الدارِ منا ومنكم .
يقولُ: مَن الذى تُثْقِبُه(١) دنياه ما هو خيرٌ له منها(٢) أو شرٌّ منها(٢) ، بما قدَّم فيها مِن
صالحِ أعمالِهِ أو سيِّئِها .
ثم ابْتَدَأُ الخبرَ جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. / يقولُ: إنه لا
يُنْجِحُ ولا يَفوزُ بحاجتِهِ عندَ اللَّهِ مَن عمِل بخلافٍ ما أمَرَه اللَّهُ به مِن العملِ فى الدنيا .
وذلك معنى ظلمِ الظالمٍ فى هذا الموضعِ .
٤٠/٨
وفى ﴿مَنْ﴾ التى فى قوله: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾. وجهانِ مِن الإعرابِ ؛
الرفعُ على الابتداءِ، والنصبُ بقولِه: ﴿ تَعْلَمُونَ﴾. لإعمالِ العلمِ فيه .
والرفعُ فيه أجودُ ؛ لأن معناه : فسوف تَعْلَمون أَيُّنا له عاقبةُ الدارِ ؟ فالابتداءُ فى
﴿مَنْ﴾ أصحُ وأفصحُ مِن إعمالِ العلمِ فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ
نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيِنَا فَمَا كَانَ لِشُّرَكَبِهِمْ
فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَ شُرَكَابِهِذَّ سَآءَ مَا
يَحْكُمُونَ
١٣٦
يقولُ تعالى ذكره : وجعَل هؤلاء العادلون بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ لربِّهم مما ذَرَأْ
(١) فى م: ((يعقب))، وفى س: ((يعقبه)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فيها)).
(٣) فى ص: ((فيها)).

٥٦٩
سورة الأنعام : الآية ١٣٦
خالقُهم . يعنى: مما خلَق مِن الحرثِ والأنعام . يقالُ منه: ذرَا اللَّهُ الخلقَ يَذْرَؤُهم ذَرْءًا
وذَرْوًا، إذا خَلَقهم. ﴿نَصِيبًا﴾. يعنى: قِسمًا وجزءًا .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ النصيبِ الذى جعَلوا للَّهِ ، والذى جعَلوه
لشركائِهم مِن الأوثانِ والشيطانِ ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك جزءًا مِن حُروثِهم
وأنعامِهم، يُفْرِزونه(١) لهذا، وجزءًا آخرَ لهذا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبیبٍ بنِ الشهیدِ ، قال : ثنا عَتَّابُ بنُ بشیرٍ ، عن
خُصَيفٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ
إِلَىَ اللهِ﴾ الآية. قال: كانوا إذا أدْخَلوا الطعامَ فجعَلوه حُزَمًا، جعَلوا منها للَّهِ
سهمًا، وسهمًا لآلهتهم، وكان إذا هبَّت الربحُ مِن نحوِ الذى جعَلوه لآلهتهم إلى
الذى جعَلوه للَّهِ، ردُّوه إلى الذى جعلوه لآلهتهم، وإذا هبّت الريحُ مِن نحوِ الذى
جعَلوه للَّهِ إلى الذى جعَلوه لآلهتهم، أَقَرُّوه ولم يَرُدُّوه، فذلك قوله: ﴿سَآءَ مَا
يَحْكُمُونَ ﴾ .
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال ثنی معاویةُ بنُ صالح، عن على بنِ أبی
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ
نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَِّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآَبِنَا﴾. قال: جعَلوا للَّهِ مِن
ثمَراتِهم ومالِهم نصيبًا، وللشيطانِ والأُوثانِ نصيبًا، فإن سقَط مِن ثمرةِ ما جعَلوا اللَّهِ
فى نصيبٍ الشيطانِ ترَكُوه، وإن سقط مما جعَلوه للشيطانِ فى نصيبِ اللَّهِ التقَطُوه
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((يقررونه))، وفى ص: ((يفررون))، والمثبت هو الصواب،
يقال: فرزت الشىء وأفرزته: إذا قسمته، والفِرز: النصيب المفروز لصاحبه، واحدا كان أو اثنين.
اللسان (ف رز).

٥٧٠
سورة الأنعام : الآية ١٣٦
وحفِظُوه، وردُّوه إلى نصيبِ الشيطانِ، وإن انْفَجَر مِن سِقْي(١) ما جعَلوه للَّهِ فى
نصيبٍ الشيطانِ ترَكوه ، وإن انْفَجَر مِن سِقْي ماجعَلوه للشيطانِ فى نصيبِ اللَّهِ سدُّوه ،
فهذا ما جعَلوا مِن الحروثِ وسِفْىِ الماءِ، وأمَّا ما جعَلوا للشيطانِ مِن الأنعام ، فهو قولُ
اللَّهِ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى عن
٤١/٨ أبيه، عن ابنِ عباس / قولَه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ
نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية: وذلك أن أعداءَ اللَّهِ كانوا إذا اخْتَرِثُوا
حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ ، جعَلوا للَّهِ منها جزءًا ، وللوَثَنِ جزءًا ، فما كان مِن حرثٍ
أو ثمرةٍ أو شىءٍ مِن نصيبِ الأوثانِ حفِظوه وأخْصَوْه، فإن سقط منه شىءٌ فيما سُمِّی
للَّهِ ردُّوه إلى ما جعَلوا للوثَنِ، وإن سبَقَهم الماءُ إلى الذى جعَلوه للوثَنِ فسقَى شيئًا
جعَلوه للَّهِ ، جعَلوا ذلك للوثَنِ، وإن سقَط شىءٌ مِن الحَرْثِ والثمرةِ التى جعَلوا اللَّهِ
فاخْتَلَط بالذى جعَلوا) للوثَنِ، قالوا: هذا فقيرٌ. ولم يَرُدُّوه إلى ما جعَلوا للَّهِ، وإن
سبَقَهم الماءُ الذى جعَلوا للَّهِ فسقَى ما سُمِّى للوثَنِ، ترَكُوه للوثَنِ، وكانوا يُحَرِّمون مِن
أنعامِهم البَحيرةَ والسائبةَ والوَصيلةَ والحامَ، فَيَجْعَلونه للأوثانِ، [٧٩٧/١ظ] وَيَزْعُمون
أنهم يُحَرِّمونه للَّهِ، فقال اللَّهُ فى ذلك: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ
وَاْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ الآية(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ
(١) السّقى؛ الشِّرب: وهو مورد الماء. اللسان (س ق ی، ش ر ب).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٩٠، ١٣٩١ (٧٩١١، ٧٩١٢)، والبيهقى ١٠/١٠ من طريق
أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٣ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.

٥٧١
سورة الأنعام : الآية ١٣٦
نَصِيبًا﴾. قال: يُسَمُون للَّهِ جزءًا مِن الحرثِ، ولشركائهم وأوثانِهم جزءًا ، فما
ذهَبَُ به الريحُ مما سمَّوْا للَّهِ إلى جزءٍ أوثانِهم ترَكوه، وما ذهَب مِن جزءٍ أوثانِهم إلى
جزءِ اللَّهِ ردُوه، وقالوا: اللَّهُ عن هذا غنىٌ. والأنعامُ السائبةُ والبحيرةُ التى سَمَّوْا(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيجٍ، عن
مجاهدٍ نحوَه .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ
مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ الآية: عمَد ناسٌ مِن أهلِ الضَّلالةِ
فجزَّءوا مِن حروثِهم ومَواشِيهم جزءًا للَّهِ وجزءًا لشُركائِهم، وكانوا إذا خالَط شىءٌ
مما جزَّء واللَّهِ فيما جزَّءوا لشركائِهِم خلَّوْه، فإذا خالَط شىءٍ مما جزَّءوالشر كائِهم فيما
جزَّءوا للَّهِ ردُّوه على شركائِهم، وكانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ اسْتَعانوا بما جزَّءوا للَّهِ،
وأقَرُوا ما جزَّءوا لشركائِهم، قال اللَّهُ: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَاُلْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾. قال: كانوا
يُجَزِّئون مِن أموالهم شيئًا فيقولون: هذا للَّهِ ، وهذا للأصنام التى يَعْبُدون . فإِن ذهَب
بعيرٌ مما جعلوا لشركائِهِم فخالَط ما جعَلوا للَّهِ ردُّوه، وإن ذهَب مما جعلوه للَّهِ فخالَط
شيئًا مما جعَلوه لشركائهم ترَكوه، وإن أصابتْهم سَنَةٌ أُكَلوا ما جعَلوا للَّهِ، وتركوا ما
جعَلوا لشركائِهِم، فقال اللّهُ: (سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(٤).
(١) فى م: ((ذهبت)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩١/٤ (٧٩١٤). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٧/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) سقط من م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((لغير))، والمثبت من تفسير عبد الرزاق.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢١٨/١.

٥٧٢
سورة الأنعام : الآية ١٣٦
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدئِّ: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ إلى:
﴿ يَحْكُمُونَ﴾. قال: كانوا يَقْسِمون مِن أموالِهِم قِسْمًا فيَجْعَلونه للَّهِ، ويَزْرَعون
زَرْعًا فِيَجْعَلونه للَّهِ ، ويَجْعَلون لآلهتهم مثلَ ذلك، فما خرَج للآلهةِ أَنْفَقُوه عليها(١)،
وما خرّج للَّهِ تصَدَّقوا به ، فإذا هلَك الذى يَصْنَعون لشركائهم وكثُر الذى للَّهِ ، قالوا:
ليس بّدٌّ لآلهتنا مِن نفقةٍ. وأخَذوا الذى للَّهِ فَأَنْفَقوه على آلهتهم، وإذا أُجْدَب الذى للَّهِ
٤٢/٨ وكثُر الذى لآلهتهم، قالوا: لو شاء / أزْكَى الذى له . فلا يَؤُدُّون عليه شيئًا مما للآلهةِ .
قال اللَّهُ: لو كانوا صادقين فيما قسموا، لَبئْسَ إذن ما حكَموا أن يَأْخُذوا مِنِّى ولا
يُعْطُونى. فذلك حينَ يقولُ: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(١).
وقال آخرون : النصيبُ الذى كانوا يَجْعَلونه للَّهِ فكان يَصِلُ منه(٣) إلى
شركائهم، أنهم كانوا لا يَأْكُلون ما ذَحوا للَّهِ حتى يُسَمُّوا الآلهةَ()، وكانوا ما ذبحوه
للآلهةِ يَأْكُلونه، ولا يُسَئُون اللَّهَ عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی یونُسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ فی
قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَاً مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ حتى بلَغ:
﴿ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَبِهِنَّ﴾. قال: كلُّ شيءٍ جعَلوه للَّهِ
مِن ذِبْح يَذْبَحونه، لا يَأْكُلونه أبدًا حتى يَذْكُروا معه أسماءَ الآلهةِ ، وما كان للآلهةِ لم
يَذْكُرُوا اسمَ اللَّهِ معه. وقرَأ الآيةَ حتى بلَغ: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(٥).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((عليهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٢/٤ (٧٩١٥) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((منهم)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((للآلهة)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٢/٤ (٧٩١٦) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد .

٥٧٣
سورة الأنعام : الآيتان ١٣٦، ١٣٧
وأولى التأويلين بالآيةِ ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بمثلِ قولِه فى ذلك؛ لأن اللَّهَ
جلَّ ثناؤه أخْبَر أنهم جعَلوا للَّهِ مِن حرثِهم وأنْعامِهم قِسْمًا مُقَدَّرًا، فقالوا: ﴿هَذَا
لِلِّ﴾. وجعَلوا مثلَه لشركائِهم، وهم أوثانُهم، بإجماعٍ مِن أهلِ التأويلِ عليه،
فقالوا: ﴿ هَذَا لِشُرَّكَآِنَا﴾. وأن نَصيبَ شركائهم لا يَصِلُ منه إلى اللَّهِ ، بمعنى:
لا يَصِلُ إلى نصيبِ اللَّهِ ، وما كان للَّهِ وصَل إلى نصيبٍ شركائهم. فلو كان وصولُ
ذلك بالتسميةِ وتركِ التسميةِ، كان أعيانُ ما أُخْبَرِ اللَّهُ عنه أنه لم يَصِلْ، جائزًا أن
تكونَ قد وصَلَت ، وما أُخْبَر عنه أنه قد وصَل ، لم يَصِلْ ، وذلك خلافُ ما دلَّ عليه
ظاهرُ الكلام؛ لأن الذَّبيحتَيْن تُذْبَحُ إحداهما للَّهِ والأخرى للآلهةِ، جائزٌ أَن تَكونَ
لحومُهما قد اخْتَلَطَت وخلَطوهما(١)، إذ كان المكروهُ كان(٢) عندَهم تسميةَ اللَّهِ على
ما كان مذبوحًا للآلهةِ ، دونَ اختلاطِ الأُعیانِ واتصالٍ بعضِها ببعضٍ .
وأما قولُه: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. فإنه خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عن فعلِ
هؤلاء المشركين الذين وصَف صفتَهم . يقولُ جلَّ ثناؤه : قد أساءوا فى حكمهم ، إذ
أخَذوا مِن نصيبى لشركائهم، ولم يُعْطُونى مِن نصيبٍ شركائهم . وإنما عنَى بذلك
تعالى ذكرُه الخبرَ عن جهلِهم وضلالتهم، وذهابِهم عن سبيلِ الحقِّ، بأنهم لم تَرْضَوْا
أن عدَلُوا بَمَن خلَقَهم وغذَاهم وأنْعَم عليهم بالنعمِ التى لا تُحْصَى ، ما لا يَضُرُّهم ولا
يَنْفَعُهم، حتى فضَّلوه فى أقسامِهم عند أنفسِهم بالقَسْمِ عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَدِ هِمْ شُرَكَآ ؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ [٧٩٨/١ و] دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
١٣٧١
مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَّرُونَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((خلطوها)) ._
(٢) سقط من: م.

٥٧٤
سورة الأنعام : الآية ١٣٧
٤٣/٨
يقولُ تعالى ذكره: وكما زيَّن شركاءُ هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ
لهم ما زُيِّن لهم؛ مِن تَصْييرِهم لربِّهم مِن أموالهم قَسْمًا بزعمِهم، وتزكهم ما
وصَل مِن القَسْمِ الذى جعَلوه للَّهِ إلى قَسْم شركائهم فى قَسمِهم، وردِّهم ما وصَل
مِن القَسم الذی جعلوه لشر کائِھم إلی قَسم نصیبِ اللهِ ، إلى قسم شر کائِهم،
/﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ ﴾ مِن
الشياطين، فحسّنوا(١) لهم وأُدَ البناتِ؛ ﴿لِبُّرْدُوهُمْ﴾. يقولُ: لِيُهْلِكوهم،
﴿ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيَّهِمْ دِينَهُمْ﴾: فَعَلوا ذلك بهم ليَخْلِطوا عليهم دينَهم فيَلْتَبِسَ،
فيَضِلُوا ويَهْلِكُوا بفعِلهم ما حرَّم اللَّهُ عليهم، ولو شاء اللَّهُ أَلا يَفْعَلوا ما كانوا يَفْعَلون
مِن قتلِهم لم يَفْعَلوه، بأن كان يَهْدِيهم للحقِّ، ويُوَفِّقُهم للسّدادِ، فكانوا لا
يَقْتُلُونهم، ولكنَّ اللَّهَ خذَلَهم عن الرَّشادِ ، فقتلوا أولادَهم، وأطاعوا الشياطينَ التى
أُغْوَتھم .
يقولُ اللَّهُ لنبيّه مُتَوَعّدًا لهم على عظیم فِزْيتهم على ربِّهم فيما كانوا يقولون فى
الأنْصِباءِ التى يَقْسِمونها: هذا للَّهِ وهذا لشركائهم. وفى قتلهم أولادهم: ذَرْهم
يا محمدُ، ﴿وَمَا يَفْتَّرُونَ﴾: وما يَتَقَوَّلون علىٍّ مِن الكذبِ والزُّورِ؛ فإنی لهم
بالمرصادِ، ومِن وراءِ العذابِ والعقابِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بنِ أبى طلحةً،
عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
(١) فى م: ((زينوا)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((فحسن)).

٥٧٥
سورة الأنعام : الآية ١٣٧
أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُّرْدُوهُمْ﴾: زيَّنوا لهم مِن قتلِ أولادِهم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبى
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآ ؤُهُمْ﴾: شياطينُهم
يَأْمُرونهم أن يَدوا أولادَهم خِيفةَ العَيْلةِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ نحوه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ﴾ الآية . قال:
شركاؤُهم زيَّنوا لهم ذلك، ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
يَفْتَرُونَ ﴾().
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرِنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ .
قال : شياطينُهم التى عبَدوها زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ
شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾: أمَرَتْهم الشياطينُ أن يَقْتُلوا البناتِ، وأمّا :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٢/٤ (٧٩١٧) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٧/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) العيلة : الفاقة . اللسان (ع ى ل ).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٣٢٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٣/٤ (٧٩١٩)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٣ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأنى الشيخ.

٥٧٦
سورة الأنعام: الآية ١٣٧
لِيُرْدُوهُمْ﴾: فيُهْلِكوهم، وأمَّا: ﴿لِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: فيَخْلِطوا
عليهم دينهم(١) .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك، فقرَأَتَه قرأةُ الحجازِ والعراقِ: ﴿وَكَذَالِكَ
زَّنَ﴾ بفتح الزاي من ﴿ زَّنَ﴾، ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَادِهِمْ﴾. بنصبِ ((القتلِ))، ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾. بالرفع، بمعنى أن شركاءَ هؤلاء
المشركين الذين زيَّنوا لهم قتلَ أولادِهم، فيَرْفَعون ((الشركاءَ)) بفعلِهم، ويَنْصِبون
((القتلَ)) لأنه مفعولٌ به .
وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهلِ الشام: ( و کذلك زُيِّن) بضمِ الزاي (لكثير من
المشركين قتلُ) بالرفعِ (أولادَهم) بالنصبٍ، (شركائِهم) بالخفضِ() ، بمعنى:
وكذلك زُيِّن لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ شركائهم / أولادَهم. ففرَّقوا بينَ الخافضِ
والمخفوضِ بما عمِل فيه مِن(٣) الاسمِ.
٤٤/٨
وذلك فى كلامِ العربِ قبيحٌ غيرُ فَصيحٍ . وقد رُوِى عن بعضِ أهلِ الحجازِ بيتٌ
مِن الشعرِ يُؤْيِّدُ قراءةً مَن قَرَأْ بما ذكَرْتُ مِن قراءةِ أهلِ الشامِ ، رأيتُ رُواةَ الشعرِ وأهلَ
العلمِ بالعربيةِ مِن أهلِ العراقِ يُنْكِرونه، وذلك قولُ قائلِهم(٤) :
فزججتُهُ(٥) مُتَمَكِّنَا زَبَّ القَلُوصَ(٩) أبِى مَزَادَةْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٣/٤ (٧٩٢٠، ٧٩٢١) من طريق أحمد بن المفضل.
(٢) وهى قراءة ابن عامر من السبعة، والباقون كالقراءة الأولى. التيسير ص ٨٨.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( فى)).
(٤) معانى القرآن للفراء ٣٥٨/١، ومجالس ثعلب ١٥٢/١، والخزانة ٤١٥/٤.
(٥) زجه: إذا طعنه بالزُّج - وهو الحديدة فى أسفل الرمح - ورماه به. ينظر اللسان (زج ج).
(٦) القلوص : الفتية من الإبل. اللسان (ق ل ص ).

٥٧٧
سورة الأنعام : الآيتان ١٣٧، ١٣٨
والقراءةُ التى لا أُسْتَجِيزُ غيرَها: ﴿ وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾. بفتح الزايِ مِن ﴿زَّنَ﴾، ونصبٍ
((القتلِ)) بوقوع ﴿زَيَّنَ﴾ عليه، وخفضٍ ﴿أَوْلَدِهِمْ﴾ بإضافةِ ((القتلِ))
إليهم، ورفعِ ((شركاءَ)) بفعلِهم؛ لأنهم هم الذين زيَّنوا للمشركين قتلَ أولادِهم،
على ما ذكرْتُ مِن التأويلِ .
وإنما قلتُ : لا أَسْتَجيزُ القراءةَ بغيرِها؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه، وأن
تأويلَ أهلِ التأويلِ بذلك ورَد، ففى ذلك أوضحُ البيانِ على فسادٍ ما خالَفَها مِن
(١)
القراءةٍ().
ولولا أن تأويلَ جميع أهلِ التأويلِ بذلك ورَد ، ثم قرَأْ قارئٌ: (وكذلك زُيِّن
لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ أولادِهم شركائِهم). بضمِّ الزايِ مِن ((زُيِّن)»، ورفعٍ
((القتلِ)) وخفضِ ((الأولادِ)) و ((الشركاءٍ))، على أن ((الشركاءَ)) مَخْفوضون بالردِّ
على ((الأولادِ))، بأن الأولادَ شركاءُ آبائِهم فى النَّسبِ والميراثِ - كان جائزًا .
ولو قرَأَه كذلك قارئٌ، غيرَ أنه رفَع ((الشركاءَ)) وخفَض ((الأولادَ))، كما
يقالُ: ضُرِب عبدُ اللَّهِ أخوك. فيَظْهَرُ الفاعلُ بعدَ أن جرَى الخبرُ بما لم يُسَمَّ فاعلُه -
کان ذلك صحیحًا فی العربية جائزًا .
[٧٩٨/١ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا
يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعِْهِمْ﴾ .
(١) والقراءة التى حكم عليها المصنف بالفساد متواترة، فقد قرأ بها ابن عامر، وهو من كبار التابعين الذين
أخذوا عن الصحابة كعثمان وأبى الدرداء، وهو مع ذلك عربى صريح من صميم العرب ، وقال ابن الجزرى :
وأول من نعلمه أنكر هذه القراءة وغيرها من القراءة الصحيحة وركب هذا المحذور ابن جرير الطبرى بعد
الثلاثمائة ، وقد عد ذلك من سقطات ابن جرير. وقد أطال العلماء فى الانتصار لهذه القراءة ، وينظر فى ذلك
البحر المحيط ٢٢٩/٤، ٢٣٠، والنشر ١٩٨/٢، ١٩٩.
( تفسير الطبرى ٣٧/٩ )

٥٧٨
سورة الأنعام : الآية ١٣٨
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاء الجَهَلةِ مِن المشركين أنهم كانوا
يُحَرِّمون ويُحَلِّلون مِن قِبَلِ أنفسِهم، مِن غيرِ أن يَكونَ اللَّهُ أذِن لهم بشىءٍ مِن ذلك.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء العادلون بربِّهم مِن المشركين جهلاً منهم ،
لأنعامٍ لهم وحَرْثٍ : هذه أنعام وهذا حَرْثٌ حِجْرٌ. يعنى بالأنعام والحرثِ ما كانوا
جعَلوه للَّهِ ولآلهتهم التى قد مضى ذكرُها فى الآيةِ قبلَ هذه.
وقيل : إن الأنعامَ ؛ السائبةُ والوَصيلةُ والبَحيرةُ التى سمَّوْا .
حدَّثنی بذلك محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: / الأنعامُ ؛ السائبةُ والبحيرةُ التى سمَّوْا(١).
٤٥/٨
والحِجُْ(١) فى كلام العربِ الحرامُ(٢) ، يقالُ: حَجَرْتُ على فلانٍ كذا . أىْ:
حرَّمْتُ عليه، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿ وَيَقُولُونَ حِجْرًاً ◌َّحْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: ٢٢]. ومنه
قولُ المُلَمْسِ(٤):
حِجْرٌ حَرامٌ ألا ثَمَّ الدَّهارِيسُ(٥)
وقولُ رُؤْبةَ(٦) :
حنَّت إلى النخلةِ القُصْوَی فقلتُ لها
وجارَةُ البيتِ لها حُجْرِىُّ
يعنى المُحَرَّمَ. ومنه قولُ الآخر(٧):
(١) جزء من الآثر المتقدم فى ص ٥٧٠ ، ٥٧١.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((الحجة)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، ف.
(٤) دیوانه ص ٨٥.
(٥) الدهاريس : الدواهى. اللسان (دهرس).
(٦) البيت للعجاج أبى رؤبة، وهو فى ديوانه ص ٣١٦.
(٧) هو أعشی باهلة، كذا نسبه ابن برى فى اللسان (رف ق ).

٥٧٩
سورة الأنعام : الآية ١٣٨
كأنَّ نومى علىَّ الليلَ مَحْجورُ
فبِتُّ مُرْتَفِقًا والعينُ ساهرةٌ
أى : حرامٌ .
يُقالُ: حِجْرٌ وحُجْرٌ. بكسر الحاءِ وضمِّها، وبضمِّها كان يَقْرَأَ، فيما ذُكِر؛
الحسنُ(١) وقتادةٌ .
حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ، قال: ثنى أبى (١)، قال: ثنى أبى، عن
الحسين، عن قتادةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وحَرْثٌ محجْرٌ). يقولُ: حرامٌ. مضمومة
(٣)
الحاءٍ.
وأما القرأةُ مِن الحجازِ والعراقِ والشامِ بعدُ (١) فعلى كسرِها ، وهى القراءةُ التى
لا أَسْتَجِيزُ خلافَها؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القَرأةِ عليها، وأنها اللغةُ الجُودَى(٥) مِن لغاتٍ
العرب .
ورُِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها : (وحَرْثٌ حِزْيٌ). بالراءِ قبل الجيمِ() .
حدَّثنى بذلك الحارثُ ، قال : ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عُيينةً، عن عمرٍو،
عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَفْرَؤُها كذلك(٧).
وهى لغةٌ ثالثةٌ معناها ومعنى الحِجْرِ واحدٌ، وهذا كما قالوا: جذَب وجبَد ،
(١) فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س، ف: ((الحسين)). وقراءة الحسن هذه أخرجها ابن الأنبارى، كما فى الدر
المنثور ٤٨/٣، وذكرها ابن خالويه فى مختصره ص ٤٦.
(٢) بعده فى النسخ: ((قال حدثنى عمى)). وينظر ما تقدم فى ص ٥٤٦ .
(٣) ذكر هذه القراءة عن قتادة أبو حيان فى البحر المحيط ٢٣١/٤، وهى شاذة .
(٤) سقط من : م .
(٥) الجودى : تأنيث الأجود .
(٦) على القلب المكانى ، وهى قراءة شاذة .
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٣ إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن المنذر.

٥٨٠
سورة الأنعام : الآية ١٣٨
وناءَ ونأَى .
ففى ((الحِجْرِ )) إذن لغاتٌ ثلاثٌ؛ حِجْرٌ بكسرِ الحاءِ، والجيمُ قبلَ الراءِ، وحُجْرٌ
بضمِّ الحاءِ، والجيمُ قبلَ الراءِ، وحِرِجٌ بكسر الحاءِ، والراءُ قبلَ الجيم .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ((الحِجْرِ)) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنى عِمْرانُ بنُ موسى القَزَّزُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، عن حميدٍ، عن
مجاهدٍ وأبى عمرٍو: ﴿وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾. يقولُ: حرامٌ .
٤٦/٨
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن على بن أبى
طلحةَ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾: فالحجرُ ما حرَّموا مِن الوَصيلةِ،
وتحريمُ ما حرَّمواً).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾. قال: حرامٌ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذِهِةٍ أَنْعَمٌ
وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ الآية: تحريمٌ كان عليهم مِن الشياطين فى أموالهم، وتغليظٌ
وتشديدٌ ، وكان ذلك مِن الشياطينِ ولم يَكُنْ مِن اللَّهِ(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٣/٤ (٧٩٢٣) من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٧/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢١٩/١ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٣ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٩٤/٤ (٧٩٢٩) من طريق يزيد به، فى تفسير قوله تعالى: ﴿ وأنعام
حرمت ظهورها ﴾ .