النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الأنعام : الآية ١٠٨
يَسُبُّون أو ثانَ الكفارِ، فيَرُدُّون ذلك عليهم، فنهاهم اللَّهُ أن يَسْتَسِبُّوا لربِّهم، فإنهم
قومٌ جهلةٌ لا علم لهم باللّهِ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
قال: لما حضَر أبا طالبِ الموتُ، قالت قريشٌ: انْطَلِقوا بنا، فَلْتَدْخُلْ على هذا
الرجلِ، فَلْنَأْمُرْه أن يَنْهَى عنا ابنَ أخيه، فإنا نَسْتَحْيِى أن نَقْتُلَه بعدَ موتِه، فتقولَ
العربُ: كان يَمْنَعُه، فلما مات قتلوه. فانْطَلَق أبو سفيانَ ، وأبو جهلٍ، والنضرُ بنُ
الحارثِ، وأَميةُ وأبىّ ابنا خَلَفٍ، وعقبةُ بنُ أبى مُعَيْطٍ، وعمرُو بنُ العاصٍ،
والأُسودُ بنُ البَخْتَرِىِّ، /وبعَثوا رجلًا منهم يُقالُ له : المطلبُ. قالوا: اسْتَأَذِنْ على
أبى طالبٍ . فأتَى أبا طالبٍ ، فقال: هؤلاء مَشْيَخةُ قومِك يُرِيدون الدخولَ عليك،
فأذَنْ لهم . فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالبٍ ، أنت كبيرُنا وسيدُنا، وإن محمدًا قد
آذانا وآذَى آلهتنا ، فتُحِبُّ أن تَدْعُوَه فتَنْهاه عن ذكرٍ آلهتِنا، ولْنَدَعْه وإلهَه . فدعاه ،
فجاء نبىُ اللَّهِ بَّهِ، فقال له أبو طالبٍ: هؤلاء قومُك وبنو عمِّك. قال
رسولُ اللَّهِ عَهِ: (( ما تُرِيدون؟)). قالوا: نُرِيدُ أَن تَدَعَنا وآلهتَنَا، ونَدَعَك وإلهَك.
قال له أبو طالبٍ: قد أَنْصَفَك قومُك، فاقْبَلْ منهم. فقال النبىُّ عَلَّهِ: ((أرأَيْتُم إن
أَعْطَيْتُكم هذا، هل أنتم مُعْطِئٍّ كلمةً إن تكَلَّمْتُم بها ملَكْتُم العربَ ، ودانَت لكم بها
العَجَمُ الخراجَ(١)؟)). قال أبو جهلٍ: نعم وأبيك لَنُعْطِيَتَّكَها وعشرَ أمثالِها، فما هى؟
قال: ((قولوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ)). فأبَوْا واشْمَأَزُّوا . قال أبو طالبٍ: يابنَ أخى، قلْ غيرَها،
٣١٠/٧
(١) أى: أن يعرضوه ويجروه - سبحانه- للسب. ينظر النهاية ٣٣٠/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٧/٤ (٧٧٦٣) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة .
(٣) فى م: ((بالخراج))، وفى تفسير ابن أبى حاتم، وتفسير ابن كثير: ((وأدت لك الخراج)). والمثبت موافق
لتفسير ابن كثير - النسخة الخطية، كما فى طبعة دار الشعب ٣٠٨/٣ والدر المنثور ٣٨/٣. فقد عزا الأثر إلى
المصنف وابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٣١/٩ )

٤٨٢
سورة الأنعام : الآية ١٠٨
فإن قومَك قد فزِعوا منها. قال: ((يا عمّ، ما أنا بالذى أَقولُ غيرَها حتى يأتونى(١)
بالشمسِ فَيَضَعوها فى يدىَّ، ولو أَتَوْنى بالشمسِ فوضَعوها فى يدىَّ ما قلتُ غيرَها ))؛
إرادةَ أن يُؤْيِسَهم، فغضِبوا(٢) وقالوا: نَتَكُفِّنَّ عن شتمِك آلهتَنَا، أو لَتَشْتُمَنَّكْ وَلَتَشْتُمَنَّ
مَن يَأْمُك. فذلك قوله: ﴿ فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدُوًّا بِغَيْرِ عِلِّمٍ﴾(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
قال : كان المسلمون يَسُبُّون أصنامَ الكفارِ ، فَيَسُبُّ الكفارُ اللَّهَ عَدْوًا بغيرِ علم ، فَأَنْزَل
اللَّهُ: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدّوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلَمٍ ﴾. قال: إذا سبَبْتَ إِلهَه، سَبَّ إِلهَك، فلا تَسُبُّوا
آلهتهم .
وأُجْمَعَت الحُجَّةُ(٥) مِن قرأةِ الأمصارِ على قراءةِ ذلك: ﴿فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَدْوًّا
بِغَيْرٍ عِلَّمٍ ﴾. بفتح العينِ وتسكين الدالِ، وتَخفيفِ الواوِ مِن قوله: ﴿عَدّوَا﴾.
على أنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ : عدا فلانٌ على فلانٍ ، إذا ظلمَه واعْتَدَى عليه ، يَعْدُو
عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا . والاعتداءُ إنما هو افْتِعالٌ مِن ذلك.
رُوِى عن الحسن البصرىِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (عُدُوًّا). مُشدَّدَةَ الواوِ().
حدَّثنى بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامِ، قال: ثنا حجاجٌ،
(١) فى م: (( يأتوا)).
(٢) سقط من : ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٧/٤ (٧٧٦٢) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢١٥/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٦/٤ (٧٧٦١) - عن معمر به
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ﴿الأمة)).
(٦) هى قراءة يعقوب، النشر ١٩٦/٢.

٤٨٣
سورة الأنعام : الآية ١٠٨
عن هارونَ ، عن عثمانَ بنِ سعدٍ: ( فِيَسُبُوا اللَّهَ عُدُوًّا). مضمومةَ العينِ مُثَقَّلةً(١).
وقد ذُكِر عن بعضِ البَصْرِّين أنه قرَأ ذلك: (فِيَسْبُوا (١٣) اللَّهَ عَدُوًّا)(٣).
يُوَجّهُ(٤) تأويله إلى أنهم جماعةٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيَ إِلَّ رَبَّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]. وكما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
[الممتحنة: ١]. ويَجْعَلُ نصبَ العَدوِّ حينئذٍ على الحالِ مِن ذكرِ المشركين فى قوله :
فَيَسُبُّواْ﴾ .
فيكونُ تأويلُ الكلام : ولا تَسُبُّوا أيُّها المؤمنون الذين [٧٨٥/١ظ] يَدْعُو المشركون
مِن دونِ اللَّهِ فِيَشُبَّ المشركون اللَّهَ أعداءَ اللَّهِ(٥) بغيرِ علم . وإذا كان التأويلُ هكذا،
كان العَدُوُّ مِن صفةِ المشركين ونعتِهم، كأنه قيل: فيَشُبَّ المشركون أعداءَ اللَّهَ بغيرِ
علمٍ . ولكنَّ العَدُوَّ لما خرَج مَخْرَجَ النكرةِ وهو نعتٌ للمعرفةِ، نُصِب على الحالِ .
/ والصوابُ مِن القراءةِ عندى فى ذلك قراءةُ مَن قرَأ بفتح العينِ وتخفيفٍ
الواوِ (٦)؛ لإجماع الحُتَّةِ مِن القَرأةِ على قراءةِ ذلك كذلك، وغيرُ جائزٍ خلافُها فيما
جاءت به(٧) مُجْمِعةٌ عليه .
٣١١/٧
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمٍَّ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم ◌َّرْجِعُهُمْ
.
(١٠٨)
فَيُنَبِّثُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: كما زيَّنا لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ عبادةَ
(١) وذكرها عنه فى الإتحاف ص ١٢٩، وقرأ بها أيضا يعقوب، وهو من العشرة. النشر ١٩٦/٢.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فليسبوا)).
(٣) وهذه القراءة رواية عن ابن كثير المكى. الكشاف ٤٣/٢.
(٤) فى ص: ((ويوجه))، وفى ت١، ت٢، ت ٣: ((وتوجيه))، وفى س: ((وتأول))، وفى ف: (( وتوجه)).
(٥) بعده فى ص، ت٢، س: ((أعداء الله)). وكتب فى س: ((كذا)).
(٦) القراءتان كلتاهما صواب .
(٧) سقط من : م، ف.

٤٨٤
سورة الأنعام : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
الأوثانِ وطاعةً الشيطانِ ، بخِذْلانِنا إياهم عن طاعةِ الرحمنِ، كذلك زيَّنا لكلِّ
جماعةٍ اجْتَمَعَت على عملٍ مِن الأعمالِ مِن طاعةِ اللَّهِ و(معصيةٍ له(٢) ، عملَهم الذى
هم عليه مُجْتَمِعون، ثم مَرْجِعُهم بعدَ ذلك ومَصيرُهم إلى ربِّهم، ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: فيُوقِفُهم ويُخْبِرُهم بأعمالهم التى كانوا يَعْمَلون بها فى
الدنيا ، ثم يُجازِيهم بها، إن كان خيرًا فخيرٌ، وإن كان شرًّا فشرٌّ، أو يَعْفُو بفضلِه ، ما
لم یکنْ شركًا أو كفرًا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمْ لَبِن جَاءَتْهُمْ ءَايَّةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ
◌ِأَ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
١٠٩
يقولُ تعالى ذكره : وحلَف باللّهِ هؤلاء العادِلون باللَّهِ جَهْدَ حَلِفِهم - وذلك
أو كدُ ما قدَروا عليه مِن الأيمانِ وأصعبُها وأشدُّها - ﴿لَبِنِ جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ﴾. يقولُ:
قالوا: نُقْسِمُ باللّهِ لئن جاءَتْنَا آيَةٌ تُصَدِّقُ ما تَقولُ يا محمدُ ، مثلُ الذى جاء مَن قبلَنا
مِن الأمم ، ﴿ لَّيَّوْمِنُنَّ بِهَا﴾ . يقولُ: قالوا: لَنُصَدِّقَنَّ بمجيئِها بك، وأنك للَّهِ رسولٌ
مُؤْسَلٌ، وأن ما جئْتَنا به حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ .
وقيل: ﴿ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾. فأخْرَج الخبرَ عن الآيةِ ، والمعنى المجىءِ الآيةِ .
يقولُ لنبِّه عَّهِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْأَيَثُ عِندَ اللَّهِ﴾ . وهو القادرُ على إتيانِكم بها
دونَ كلِّ أحدٍ مِن خلقِه، ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾. يقولُ: وما يُدْرِيكم، ﴿ أَنَّهَا إِذَا
جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ؟
وذُكِر أن الذين سألوه الآيةَ مِن قومِه هم الذين آيَس اللَّهُ نبيّه مِن إِيمانِھم مِن
مشر کی قومِه .
(١ - ١) فى م: ((معصيته).

٤٨٥
سورة الأنعام : الآية ١٠٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَبِن ◌َاءَتْهُمْ مَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ﴾. إلى قولِه:
يَجْهَلُونَ﴾: سأَلت قريشّ محمدًا عَهِ أَن يَأْتِهم بآيةٍ، واسْتَحْلَفهم لَيُؤْمِنُنَّ
(١)
بها(١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شيلٌ، عن ابنِ أبِى نَجيجٍ، (٢عن
مجاهدٍ): ﴿كَبِن ◌َجَاءَتْهُمْ مَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَاْ﴾. ثم ذكَرِ مثلَه .
حدَّثَنَا هَنَّادٌ ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بكيرٍ ، قال : ثنا أبو مَعْشَرٍ ، عن محمدِ بنِ كعبٍ
القُرظىّ، قال: / كلَّم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ قُرَيْشًا (٣)، فقالوا: يا محمدُ، تُخْبِرُنا أن موسى
كان معه عصًا يَضْرِبُ بها الحجرَ فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا ، وتُخْبِرُنا أن عيسى كان
يُخْيِى الموتى، وتُخْيِرُنا أن ثَمُودَ كانت لهم ناقةٌ، فأُتِنا(٩) مِن الآياتِ حتى نُصَدِّقَك .
فقال رسولُ اللَّهِ عَمِ: ((أىُّ شىءٍ تُحِبُّون أن آتِيَكم به؟)). قالوا: تَجْعَلُ لنا
الصَّفَا ذهبًا. فقال لهم: ((فإن فعَلْتُ تُصَدِّقونى؟)). قالوا: نعم واللَّهِ، لئن
فِعَلْتَ لَنَتَبِعَنَّك أجمعينْ). فقام رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يَدْعُو ، فجاءه جبريلُ عليه السلامُ
٣١٢/٧
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٨/٤ (٧٧٦٧). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٩/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س، ف .
(٣) فى م: (( قريش)).
(٤) بعده فى م: (( بشىء)).
(٥ - ٥) فى م: ((لنتبعك أجمعون)).

٤٨٦
سورة الأنعام : الآية ١٠٩
فقال له(١): ما شئتَ؛ إن شئتَ أصْبَح ذهبًا، ولئن أرسل آيةً فلم يُصَدِّقوا عندَ ذلك
لَتُعَذِّبَنَّهم، وإن شئتَ فَأَتْرُكُهم(٢) حتى يَتوبَ تائبُهم. فقال: ((بل يَتُوبُ تائِيُهم)).
فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ إلى قولِه ﴿ يَجْهَلُونَ﴾(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
١٠٩
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المخاطَبِين بقولِه: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: خُوطِب بقولِه: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾. المشركون
المُقْسِمون باللّهِ؛ لئن جاءتهم آيةٌ ليؤْمِنُنَّ. وانتهى الخبرُ عندَ قوله: ﴿ وَمَا
يُشْعِرَّكُمْ﴾. ثم اسْتُؤْنِف الحكمُ عليهم بأنهم لا يُؤْمنون عندَ مجيئِها استئنافًا مبتدأً .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أیی
تَجَيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾. قال: ما يُدْرِيكم. قال: ثم
أخْبَر عنهم أنهم لا يُؤْمِنون(4) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾: وما يُذْرِيكم، (إنها إذا جاءت). قال: أوْجَب عليهم
أنها إذا جاءت لا يُؤْمِنون .
(١) بعده فى م: (( لك)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، ف: ((فائرحهم)) غير منقوطة، وفى س: ((فاترحهم)). وأثبتها الشيخ شاكر:
فأندحهم. وقال: وهو عندى من قولهم: ندحت الشيء ندحا: إذا أوسعته وأفسحته ... أى: أفسح لهم
وأجعل لهم مندوحة فى هذا الأمر حتى يتوب تائبهم.
(٣) ذكره ابن كثير فى التفسير ٣٠٩/٣ عن المصنف ، ثم قال: وهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٣ إلى المصنف .
(٤) من تمام الأثر المتقدم تخريجه فى الصفحة السابقة. وأخرج هذا الجزء ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٨/٤
(٧٧٦٨، ٧٧٦٩) من طريق ورقاء عن ابن أبى نجيح به .

٤٨٧
سورة الأنعام : الآية ١٠٩
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ(١) يقولُ:
﴿ إِنَّمَا الْأَيَتُ عِندَ اللّهِ﴾. ثم يَسْتَأْنِفُ فيقولُ: (إنها إذا جاءَت لا يُؤْمنون).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ﴾: وما يُدْرِيكم أنكم تُؤْمِنون
إذا جاءت، ثم اسْتَقْبل [٧٨٦/١ و] يُخْبِرُ عنهم فقال: ﴿إِذَا جَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(١).
وعلى هذا التأويلِ قراءةُ مَن قَأْ ذلك بكسرٍ ألفٍ: (إنها)، على أن قوله: (إِنَّها
إذا جاءت لا يُؤْمِنون). خبرٌ مبتدأٌ منقَطِعٌ عن الأولِ .
وثمَّن قرأ ذلك كذلك بعضُ قرأةٍ المكيين والبصريين(٣).
وقال آخَرون منهم(٤): بل ذلك خطابٌ مِن اللَّهِ نبيَّه ◌َبٍِّ وأصحابَه. قالوا :
وذلك أن الذين سألوا رسولَ اللَّهِ مَلِ أن يَأْتِىَ بآيةٍ ، المؤمنون به . قالوا: وإنما كان
سببَ مسألتِهم إياه ذلك أن المشركين حَلَفوا أن الآيةَ إذا جاءت آمَنوا واتَّبَعوا
رسولَ اللَّهِ بِهِ ، فقال أصحابُ رسولِ اللَّهِ عْ لِهِ: سَلْ يا رسولَ اللَّهِ رَبَّك ذلك.
فسأَل، فأنْزَل اللَّهُ فيهم وفى مسألتِهم إياه ذلك، ﴿قُلْ﴾ للمؤمنين بك يا
محمدُ: ﴿ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُّكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون بأن (٥) الآياتِ إِذا
جاءت هؤلاء /المشركين باللّهِ أنهم لا يُؤْمِنون به . ففتحوا الألفَ مِن ((أن)).
٣١٣/٧
وممَّن قرَأ ذلك كذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ(١)، وقالوا: أُدْخِلَت
(١) فى م: ((زيد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٨/٤ (٧٧٧٠) من طريق حجاج به عن عبد الله بن كثير، عن
مجاهد . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٣ إلى أبى الشيخ.
(٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو، وعن أبى بكر الوجهان. الكشف عن وجوه القراءات ٤٤٤/١.
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ٣٥٠/١.
(٥) فى ص، ت١، س، ف: (( بأنه أن )).
(٦) هى قراءة نافع وعاصم فى رواية حفص وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٢٦٥.

٤٨٨
سورة الأنعام : الآية ١٠٩
لا﴾ فى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. صلةٌ(١)، كما أُدْخِلَت فى قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا
تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. وفى قولِه: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَنَّهُمْ لَا
يَرَّجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]. وإنما المعنى: وحَرامٌ عليهم أن يَرْجِعوا، وما منَعَك أن
تَسْجُدَ .
وقد تأوّل قومٌ قَرَءوا ذلك بفتحِ الألفِ مِن: ﴿ أَنَّهَا﴾. بمعنى: لعلَّها .
وذكروا أن ذلك كذلك فى قراءة أبيّ بنِ كعبٍ ".
وقد ذُكِر عن العربِ سماعًا منها : اذْهَبْ إلى السوقِ أنك تَشْتَرِى لى شيئًا .
بمعنى : لعلك تَشْتَرِى .
وقد قيل : إن قولَ عدىٍّ بنِ زيدِ العِبادئٌّ(٣) :
أَعَاذِلَ ما يُدْرِيك أنَّ مَنِيَتَى إلى ساعةٍ فى اليومِ أو فى ضُحَى الغَدِ
بمعنى : لعل منيَّى. وقد أنشَدوا فى" بيتِ دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّةِ :
ذَرِينِى أُطَوِّفْ فى البلادِ لأَنِى أَرَى مَا تَزَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدًا
بمعنى : لعلَّنى. والذى أَنْشَدنى أصحابنا عن الفَرَّاءِ:
* لعلَّنِى أَرَى مَا تَزَيْن *
وقد أُتْشِد أيضًا بيتُ تَوْبةَ بنِ الحُمُيِّ(١):
(١) ينظر تعريف الصلة فى ١/ ١٩١.
(٢) ذكرها الفراء فى الموضع السابق، وانظرها أيضا فى البحر المحيط ٢٠٢/٤، وهى شاذة .
(٣) جمهرة أشعار العرب ٢/ ٥٠٩، الشعر والشعراء ٢٢٦/١، معاهد التنصيص ٣١٦/١.
(٤ - ٤) فى م: (( أنشدونی )).
(٥) الأصمعيات ص١١٣ وروايته هكذا :
ذرينى أطوف فى البلاد لعلني
ألاقى بإثرٍ ثُلَّة من محارب
وينظر ما تقدم فى ٥٦٩/٢ .
(٦) الكتاب ٢٠٠/٢، والنوادر لأبى زيد ص ٧٢ .

٤٨٩
سورة الأنعام : الآية ١٠٩
مُعَذِّبُ لَيْلَى أَن تَرانِى أَزُورُها
لعلَّك يا تَيْسًا نَزَا فِى مَرِيرةٍ (١)
لهَنَّك يا تَيْسًا، بمعنى: لأَنّك. التى فى معنى: لعلَّك. وأُنْشِد بيتُ أبى النَّجْم
العِجلىّ :
قلتُ لِشَيْبانَ ادْنُ مِن لقائِهْ
أنا نُغَدِّى القومَ مِن شِوائِةُ(٢)
بمعنى : لعلَّنَا نُغَدِّى القومَ .
٣١٤/٧
/ وأولى التأويلاتِ فى ذلك بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال : ذلك خطابٌ مِنِ اللَّهِ
للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِه، أعْنى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾. وأن قولَه: ﴿ أَنَّهَا﴾. بمعنى: لعلَّها .
وإنما كان ذلك أولى تأويلاتِه بالصوابِ ؛ لاستفاضةِ القراءةِ فى قرأةِ الأمصارِ
بالياءِ مِن قوله : ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
ولو كان قولُه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾. خطابًا للمشركين، لكانت القراءةُ فى
قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. بالتاءِ ، وذلك وإن كان قد قرأه بعضُ قرأةِ المكيين كذلك ،
فقراءةٌ خارجةٌ عما عليه قرأةُ الأمصارِ، وكفَى بخلافٍ جميعِهم لها دليلاً على
ذَهابِها وشُذوذِها(٣) .
وإنما معنى الكلام: وما يُدْرِيكم أيُّها المؤمنون، لعلَّ الآياتِ إِذا جاءت هؤلاء
المشركين لا يُؤْمِنون، فيُعاجلوا بالنِّقْمةِ والعذابِ عندَ ذلك، ولا يُؤَخَّروا به .
(١) المريرة: الحبل الشديد الفتل. اللسان (م ر ر).
(٢) الكتاب ١١٦/٣، والمعانى الكبير ٣٦٣/١، وفيهما: كما نغدى.
(٣) القراءة بالتاء ليست شاذة ، بل هى متواترة ، وقد قرأ بها ابن عامر وحمزة وهما من السبعة؛ وقد خرج أبو
حيان هذه القراءة فى البحر المحيط ٢٠٢/٤ تخريجا جيدا من حيث المعنى فراجعه .

٤٩٠
سورة الأنعام : الآية ١١٠
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ
ـٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ : اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك : لو أنا جِئْناهم بآيةٍ كما سألوا، ما آمَنوا، كما لم يُؤْمِنوا بما قبلَها أولَ مرةٍ ؛ لأن
اللَّهَ حال بينهم وبينَ ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمَّ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ
مَرَّةٍ﴾ الآية. قال: لما جحَد المشركون ما أَنْزَل اللَّهُ، لم تَنْبُتْ قلوبُهم على شىءٍ،
ورُدَّت عن كلِّ أمٍ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ
أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾. قال: تَمْعُهم مِن ذلك كما فعَلْنا بهم أولَ مرةٍ. وقرَأ :
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾(٢).
حذَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾. قال: نَحولُ بينَهم وبينَ الإِيمانِ ، ولو
جاءَتهم كلُّ آيةٍ فلا يُؤْمِنون، كما حُلْنا بينهم وبينَ الإِيمانِ أولَ مرةٍ(٣).
وقال آخرون : معنى ذلك: ونُقَلِّبُ أفئدتَهم وأبصارَهم لو رُدُّوا مِن الآخرةِ إلى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٩/٤ (٧٧٧١) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٩/٤ (٧٧٧٣) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٦٩/٤ (٧٧٧٢) من طريق ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد .

٤٩١
سورة الأنعام : الآية ١١٠
الدنيا ، فلا يُؤْمنون كما فعَلْنا بهم ذلك فلم يُؤْمِنوا فى الدنيا . قالوا : وذلك نظيرُ
قوله: ﴿وَلَوَ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: ٢٨].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: أخْبَر اللَّهُ سبحانَه ما العبادُ قائلون قبلَ أن
يَقولوه، وعملُهم قبلَ أن يَعْمَلوه. قال: ﴿وَلَا يُنَبِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]،
جة أَوْ
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَ عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَتْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ (
تَقُولَ [٧٨٦/١ظ] لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَينِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى
الْعَذَابَ لَوْ أَرَجَ لِى كَرَّةُ فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ الزمر: ٥٦- ٥٨]. يقولُ: مِن
المهتدين. فأخْبَرِ اللَّهُ سبحانَه، أنهم لورُدُّوا لم يَقْدِروا على الهُدَى، وقال: ﴿ وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. وقال: ﴿ وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. قال: لو رُدُّوا إلى الدنيا لَحِيل بينهم وبينَ الهدى،
كما كُلْنا بينَهم وبينَه أولَ مرةٍ وهم فى الدنيا(٢) .
٣١٥/٧
وأولى التأويلاتِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخْبَر عن
هؤلاء الذين أُقْسَموا باللّهِ جهدَ أَيْمانِهِم: لَئِن جاءَتهم آيةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بها . أنه يُقَلِّبُ
أفئدتَهم وأبصارَهم ويُصَرِّفُها كيف شاء، وأن ذلك بيدِهِ، يُقِيمُه إذا شاء، ويُزِيغُه إذا
أراد ، وأن قولَه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. دليلٌ على محذوفٍ مِن
الكلامِ، وأن قولَه: ﴿ كَمَا﴾. تشبيهُ ما بعدَه بشىءٍ قبلَه .
(١ - ١) سقط من: م، وفى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((على الهدى وقال ولو ردوا)). وفى ف: ((على
الهدى وقالوا ولو ردوا)) والمثبت من نص الأثر، كما سيذكره المصنف فى سورة الزمر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٢/٥ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم، وأخرج آخره ابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٣٦٩/٤ (٧٧٧٥) من طريق أبى صالح به .

٤٩٢
سورة الأنعام : الآيتان ١١٠، ١١١
وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يَكونَ معنى الكلام: ونُقَلِّبُ أفئدتهم
فُزِيغُها عن الإيمانِ ، وأبصارَهم عن رؤيةِ الحقِّ ومعرفةٍ موضعِ الحُتَّةِ ، وإن جاءتهم
الآيةُ التى سأَلوها فلا يُؤْمِنوا باللَّهِ ورسولِه وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ ، كما لم يُؤْمِنوا
بتَقْليِنا إياها قبلَ مجيئها مرَّةً قبلَ ذلك .
وإذا كان ذلك تأويله، كانت الهاءُ مِن قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ=﴾. كنايةً
ذكرِ الثّقْلیبِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : ونَذَرُ هؤلاء المشركين الذين أُقْسَموا باللَّهِ جَهْدَ أيمانِهم ؛
لَئِنْ جاءَتهم آيةٌ ليُؤْمِنُنَّ بها عندَ مجيئِها. فى تمرُّدِهم على اللَّهِ، واعتدائِھم فی
حدودِهِ، يَتَرَدَّدون ، لا يَهْتَدون لحقٍّ، ولا يُصِرون صوابًا، قد غلب عليهم
الخِذْلانُ ، واسْتَخْوذ عليهم الشيطانُ .
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ المَوْنَى وَحَشَرْنَا
عَلَهِمَ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَجْهَلُونَ (49)
١/٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَرِ: يا محمدُ، آيِسْ مِن فلاح هؤلاء العادِلين
بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ ، القائلين لك: لئن جئتنا بآيةٍ لنؤمنَنَّ لك. فإننا لو نزَّلْنا إليهم
الملائكةَ حتى يَرَوْها عِيانًا، وكلَّمهم الموتى بإحيائِنا إياهم حُجَّةً لك، ودلالةٌ على
نبؤَّتِك، وأَخْبَروهم أنك مُحِقٌّ فيما تقولُ، وأن ما جئتَهم به حقٌّ مِن عندِ اللَّهِ،
وحشَوْنا عليهم كلِّ شىءٍ فجعَلْناهم لك قُبُلًا - ما آمنوا، ولا صدَّقوك، ولا اتَّبَعوك،
إلا أن يَشاءَ اللَّهُ ذلك لمن شاء منهم، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. يقولُ: ولكنَّ
أكثرَ هؤلاء المشركين يَجْهَلون أن ذلك كذلك، يَحْسَبون أن الإيمانَ إليهم، والكفرَ

٤٩٣
سورة الأنعام : الآية ١١١
بأيديهم ، متى شاءوا آمنوا، ومتى شاءوا كفَروا، وليس ذلك كذلك ، ذلك بيدى،
لا يُؤْمِنُ منهم إلا مَن هدَيْتُهُ(١) فوقَّقْتُه، ولا يَكْفُرُ إلا مَن خذَلْتُه عن الرشدِ فَأَضْلَلْتُه .
وقيل : إن ذلك نزَل فى المستهزئين برسولِ اللَّهِ عَه وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ مِن
مشر کی قریش .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
نزَلَت فى المستهزئين الذين سألوا النبيَّ ◌َاللهِ الآيةَ(١): ﴿قل﴾ يا محمدُ ﴿إِنَّمَا
اَلْأَيَثُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. ونزَل
فيهم: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ اٌلْمَلَبِكَةَ وَلَّمَّهُمُ الْمَوْقَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ
(٣)
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿َّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾. يُرادُ به أهلُ الشَّقاءِ، وقيل:
﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾، فاسْتَثْنَى ذلك مِن قوله: ﴿ لِيُؤْمِنُواْ﴾، يُرادُ به أهلُ الإِيمانِ
والسعادة .
٢/٨
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُّ صالح، عن
علىٌّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَوْ أَنََّ نَّلْنَآ إِلَهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَلَّمُهُمُ
الْوْقَ وَحَذَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ﴾: وهم أَهلُ الشَّقاءِ، ثم قال:
﴿ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾. وهم أهلُ السعادةِ الذين سبق لهم فى علمِه أن يَدْخُلوا فى
(١) بعده فى م: (( له)).
(٢) بعدد فى م: «فقال)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٣ إلى أبى الشيخ.

٤٩٤
سورة الأنعام : الآية ١١١
(١)
الإيمان
ء
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عمّ بقوله :
﴿َّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ القومَ الذين تقدَّم ذكرُهم فى قولِه: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَئِهِمْ فَيِن جَاءَتَهُمْ ءَايَّةٌ لَّكُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩].
وقد يَجوزُ أن يَكونَ الذين سألوا الآيةَ كانوا هم المستهزئين الذين قال ابنُ
جريج : إنهم عُنُوا بهذه الآيةِ ، ولكن لا دلالةَ فى ظاهرِ التنزيلِ على ذلك ، ولا خبرَ
تَقُومُ به حجةٌ بأن ذلك كذلك ، والخبرُ مِن اللَّهِ خارجٌ مَخْرِجَ العمومِ ، فالقولُ بأن
ذلك مُنِى به أهلُ الشقاءِ منهم أولى ؛ لما وصَفْنا .
واخْتَلَفَتِ القَرأةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا ﴾؛ فقرأَتْه قرأَةٌ
أهلِ المدينةِ : (قِيلًا) بكسرِ القافِ وفتح الباءٍ(٢) ، بمعنى: مُعاينةً، مِن قولِ القائلِ:
لَقِيتُهُ قِبَلًا. أى: مُعاينةً ومُجاهَرةً .
وقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَىْءٍ قُبُلًا ﴾
بضمِّ القافِ والباءِ(٣).
وإذا قُرِئ كذلك كان له مِن التأويلِ ثلاثةُ أوجهٍ : أحدُها ، أَن يَكُونَ القُبُلُ
جمعَ قَبِيلٍ، كما الرُّغَفُ التى هى جمعُ رَغيفٍ ، والقُضُبُ التى هى جمعُ قَضِيبٍ،
ويَكونَ القُبُلُ [٧٨٧/١ و] الضُّمَناءَ والكُفَلاءَ، وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ
الكلامِ: وحشَرْنا عليهم كلَّ شىءٍ كُفَلاءَ يَكْفُلون لهم بأن الذى نَعِدُهم على إيمانهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧١/٤ (٧٧٨٥) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٩/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) هى قراءة نافع وأبى جعفر وأبن عامر. النشر ١٩٦/٢.
(٣) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف . المصدر السابق .

٤٩٥
سورة الأنعام : الآية ١١١
باللّهِ إِن آمِنوا، أو نُوعِدُهم على كفرِهم باللَّهِ إن هلكوا على كفرِهم، ما آمَنوا إلا أن
يَشاءَ اللَّهُ .
والوجهُ الآخرُ: أَن يَكونَ القُبُلُ بمعنى المُقَابَلةِ والمُواجَهةِ، مِن قولِ القائلِ : أتيتُك
قُبُلًا لا دُبُرًا . إذا أتاه مِن قِبلٍ وجهِه .
والوجهُ الثالثُ : أَن يَكونَ معناه : وحشَرْنا عليهم كلَّ شىءٍ قَبِيلةٌ قَبِيلةٌ ، صِنْفًا
صنفًا، وجماعةً جماعةً. فيكونَ القُبُلُ حينئذٍ جمعَ قَبِيلٍ، الذى هو جمعُ قَبِيلةٍ ،
فَيَكونَ القُبُلُ جمعَ الجمعِ .
وبكلِّ ذلك قد قالت جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال: معنى ذلك : مُعاينةٌ
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ : (وحشَرْنا عليهم كلَّ شىءٍ قِبَلًا) يقولُ:
(١)
مُعاينة
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (وحشَرْنا عليهم كلّ
شىءٍ قِبَلًا): حتى يُعاينوا ذلك مُعايَنَةٌ ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾(١).
ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: قَبِيلةً قبيلةً، صنفًا صنفًا
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ: مَن قرأ:
قُبُلًا﴾: معناه: قَبِيلًا قبيلًا(٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٠/٤ (٧٧٨٣) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٣ إلى عبد بن حميد وأنى الشيخ.
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٢٣٩/٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤/ ٢٠٥.

٤٩٦
سورة الأنعام : الآية ١١١
/ حدَّثنا القاسم ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿قُبُلًا﴾: أفواجًا، قبيلًا قبيلًاً (١).
٣/٨
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، عن أبى خَيْثَمَةَ ،
قال : ثنا أبانُ بنُّ تَغْلِبَ، قال: ثنى طلحةُ أن مجاهدًا قرَأَ فى ((الأنعام)): ﴿كُلَّ شَىْءٍ
قُبُلا ﴾. قال : قبائلَ ؛ قَبِيلًا وقبيلًا وقبيلًا .
ذكرُ مَن قال: معناه : مُقابَلةٌ .
حذَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَوْ أَنَنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَئِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْوْقَ وَحَشَرْنَا
عَلَهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا ﴾. يقولُ: لو اسْتَقْبَلَهم ذلك كلُّه لم يُؤْمِنوا إلا أن يَشاءَ اللَّهُ(٢)
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَحَشَرْنَا
عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾. قال: محُشِروا إليهم جميعًا، فقابَلوهم وواجَهوهم .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إِسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ: قرَأ عيسى:
﴿قُبُلًا﴾. ومعناه : عِيانًا .
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قَرَأ: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ
شَىْءٍ قُبُلًا﴾. بضمُّ القافِ والباءِ؛ لِا ذكَرْنا مِن احتمالِ ذلك الأوجه التى بيَّنا مِن
المعانى ، وأن معنى الْقِبَلِ داخلٌ فيه ، وغيرُ داخلٍ فى القِبَلِ معانى القُبُلِ.
وأما قولُه: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فإن معناه: وجمَعْنا عليهم، وسُقْنا إليهم .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٠/٤ (٧٧٨٢) عن محمد بن سعد به .
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٧/ ٦٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤ / ٢٠٥، وابن كثير فى تفسيره ٣١١/٣.

٤٩٧
سورة الأنعام : الآية ١١٢
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَمَطِينَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًَّ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّمِ مُسَلِّيَه بذلك عما لقِى مِن
كفَرةٍ قومِه فى ذاتِ اللَّهِ ، وحثًّا له على الصبرِ على ما ناله فيه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا﴾. يقولُ: وكما ابْتَلَيْناك يا محمدُ بأن جعَلْنا لك مِن مُشْرِكى
قومِك أعداءً؛ شياطينَ يُوحِى بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ؛ لِيَصُدُّوهم
بِمُجَادَلَتِهِم إِيَّاك بذلك عن اتِّاعِك والإيمانِ بك وبما جئتَهم به مِن عندِ ربِّك، كذلك
ابْتَلَيْنا مَن قبلَك مِن الأنبياءِ والرسلِ بأن جعَلْنا لهم أعداءٌ مِن قومِهم يُؤْذُونهم بالجدالِ
والخصوماتِ . يقولُ : فهذا الذى امْتَحَنْتُك به ، لم تُخْصَصْ به مِن بينهم وحدَك،
بل قد عمَمْتُهم بذلك معك ؛ لأَبْتَلِيَهم وأَخْتَبِرَهم ، مع قُدْرتى على منعِ مَن آذاهم مِن
أَذاهم(١) ، فلم أَفْعَلْ ذلك إلا لأعْرِفَ أولى العَزْمِ منهم مِن غيرِهم. يقولُ: فاصْبِرْ أنت
كما صبر أولو العزمٍ مِن الرسلِ.
وأما (( شياطينُ الإنسِ والجنِّ)) فإنهم مَرَدتُهم. وقد بيَّنا الفعلَ الذى منه يُنِى
هذا الاسمُ بما أعْنَى عن إعادتِهُ(١) .
ونُصِبَ ((العدو)) و ((الشياطين)) بقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾.
وأما قولُه: ﴿ يُوَحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ . فإنه يعنى أنه
يُلْقِى الْمُلْقِى منهم القولَ الذى زيَّته وحسَّنه بالباطلِ إلى صاحبِهِ ؛ لِيَغْتَرَّ به مَن سمِعه
فيَضِلَّ عن سبيلِ اللهِ .
◌ُثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿شَيَطِينَ اُلْإِسِ وَالْجِنّ ﴾ ؛ فقال
(١) فى م: ((إيذائهم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٠٩/١، ١١٠.
( تفسير الطبرى ٣٢/٩ )
٤/٨

٤٩٨
ـبـ
سورة الأنعام : الآية ١١٢
بعضُهم : معناه : شياطينُ الإنسِ التى مع الإنسِ ، وشياطينُ الجنّ التى مع الجنِّ،
وليس للإنسِ شياطينُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أشباطُ ، عن
السدىُّ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنِ وَاَلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ﴾ : أما شياطينُ الإنسِ فالشياطينُ
التى تُضِلُّ الإِنسَ، وشياطينُ الجنِّ الذين يُضِلُّون الجنَّ، يَلْتَقِيان فيَقولُ كلُّ واحدٍ
منهما : إنى أَضْلَلْتُ صاحبى بكذا وكذا، وأَضْلَلْتَ أنت صاحبَك بكذا وكذا .
فيُعَلِّمُ بعضُهم بعضًا (١) .
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبو نُعيم ، عن شريك ، عن سعیدِ بنِ مَسْروق ، عن
عكرمةَ: ﴿ شَيَطِينَ الْإِسِ وَالْجِنّ﴾. قال: ليس فى الإنسِ شياطينُ، ولكنَّ
شياطين الجنِّ يُوحُون إلى شياطين الإنسِ، وشياطينَ الإِنسِ يُوحُون إلى شياطينِ
الجنُ(٢).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن السدىِّ، "عن
عكرمةَ " فى قوله: ﴿ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: للإنسانِ
شيطانٌ ، وللجنىٌّ شيطانٌ، فَيَلْقَى شيطانُ الإِنسِ شيطانَ الجنِّ، فيُوحِى بعضُهم إلى
بعضٍ زُخْرِفَ القولِ غُرورًا(٤) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٧٢/٤ عقب الآثر (٧٧٩١) من طريق أسباط به.
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ١٧٩.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٣/٣ عن المصنف .

٤٩٩
سورة الأنعام : الآية ١١٢
قال أبو جعفرٍ: جعَل عكرمةُ والسدىُّ فى تأويلهما هذا الذى ذكَّرْتُ عنهما،
عدوّ الأنبياءِ الذين ذكّرَهم اللَّهُ فى قولِه: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا﴾ أولادَ
إبليسَ دونَ أولادِ آدمَ ، ودونَ الجنِّ، وجعَل الموصوفين بأن بعضَهم يُوحِى إلى بعضٍ
زُخْرِفَ القولِ غُرورًا ولدَ إِبليسَ، وأن مع ابنِ آدمَ مِن ولدِ إِبليسَ مَن يُوحِى إلى مَن مع
الجنَّ مِن ولدِه زُخْرِفَ القولِ غُرورًا .
وليس لهذا التأويل وجة مفهومٌ؛ لأن اللَّهَ جعَل إبليسَ وولدَه أعداءَ ابنِ آدمَ،
فكلُّ ولدِه لكلِّ ولدِه عدوٌ، وقد خصَّ اللَّهُ فى هذه الآيةِ الخبرَ عن الأنبياءِ أنه جعَل لهم
مِن الشياطين أعداءً، فلو كان معنًّا بذلك الشياطينُ الذين ذكرهم السدئُّ، الذین
هم ولدُ إبليسَ، لم يَكُنْ لخصوصِ الأنبياءِ بالخبرِ عنهم أنه جعَل لهم الشياطينَ
أعداءُ، وجةٌ(١)، وقد جعَل مِن(١) ذلك لأُعْدَى أعْدائِه مثلَ الذى جعَل لهم، ولكنَّ
ذلك كالذى قلْنا ، مِن أنه معنىٌّ به أنه جعَل مَرَدةَ الإنسِ والجنِّ لكلُّ نبيِّ عدوًّا يُوحِی
بعضُهم إلى بعضٍ مِن القولِ ما يُؤْذِیهم به .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ عَ لَه .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا حمادٌ، عن مَعْبَدِ بنِ
هلالٍ، قال: ثنى رجلٌ مِن أهلِ دمشقَ، عن عوفٍ بنِ مالكِ، عن أبى ذرٌّ أن
رسولَ اللَّهِ عَظِيمٍ قال: (( يا أباذرٌّ، هل تَعَوَّذْتَ باللّهِ مِن شرٌّ شياطين الإنسِ والجنِّ؟))
قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل للإنسِ مِن شياطينَ؟ قال: ((نعم)).
(١) سقط من: ص، ت ١، س، ف.
(٢) فى النسخ: ((حميد))، والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٤٠/٢٨.
(٣) أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى الإتحاف بذيل المطالب (٥١٢٨) - والحارث فى مسنده
(٤٨ - بغية)، وأبو يعلى فى مسنده - كما فى الإتحاف (٥١٣١) - من طريق حماد به مطولا . وينظر مسند
الطيالسى (٤٨٠).

٥٠٠
سورة الأنعام : الآية ١١٢
٥/٨
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح ، عن / أبى
عبدِ الملكِ (١) محمدِ بنِ أيوبَ وغيرِهِ مِن المَشْيَخةِ ، عن ابنِ عائذٍ، عن أبى ذرٍّ ، أنه قال :
أَتَيْتُ رسولَ اللَّهِ يَّامٍ فى مجلس، قد أطال فيه الجلوسَ، قال: فقال: (( يا أباذرً، هل
صلَّيْتَ؟)) قال: قلتُ: لا، يا رسولَ اللَّهِ. قال: ((قُمْ فَارْكَعْ ركعتَيْن)). قال: ثم
جئتُ فجلَسْتُ إليه، فقال: ((يا أبا ذرٍّ، هل تعَوَّذْتَ باللَّهِ مِن شرِّ شياطين الإنسِ
والجنِّ؟)) قال: قلتُ: يارسولَ اللَّهِ، وهل للإنسِ شياطينُ؟ قال: ((نعم، شرٌّمِن
شياطين الجنِّ))(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ ،
قال: بلَغَنى أن أبا ذرّ قام يومًا يُصَلِّى، فقال له النبىُّ عَ لَه: « تَعَوَّذْ يا أبا ذرٌّ مِن شياطينِ
الإنسِ والجنِّ)). فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أَوَ إِن مِن الإنسِ شياطينَ؟ قال: ((نعم)).
وقال آخرون فى ذلك بنحوِ الذى قلنا مِن أن ذلك إخبارٌ مِن اللَّهِ أن شياطينَ
الإنسِ والجنِّ، يُوحِى بعضُهم إلى بعضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، فى قوله: ﴿ شَيَطِينَ الْإِسِ وَأَلْجِنِّ﴾. قال: مِن الجنِّ شياطينُ، ومِن
الإنسِ شياطينُ يُوحِى بعضُهم إلى بعضٍ. قال قتادةُ: بلَغَنى أن أبا ذرٍّ كان يومًا
يُصَلِّى، فقال النبيُّ عَّ ◌َهِ: ((تَعَوَّذْ يا أبا ذرٍّ مِن شياطينِ الإِنسِ والجنِّ)). فقال:
(١) بعده فى النسخ: ((عن على بن أبى طلحة)) وهو خطأ. وينظر تفسير ابن كثير.
(٢) فى النسخ: ((عبد الله))، والمثبت من تاريخ دمشق ٧/ ٤٤٤، والتاريخ الكبير ٢٩/١، ٣٠.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣١٢/٣ نقلا عن المصنف، وقال: فيه انقطاع. ثم ذكر طرقًا أخرى، وقال:
فهذه طرق لهذا الحديث ، ومجموعها يفيد قوته وصحته .