النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
سورة الأنعام : الآية ٧٣
حدَّثنى به المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنا معاويةُ ، عن علىٍّ بنِ أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾. يعنى: أن عالمَ
الغيب والشهادةِ هو الذى يَنْفُخُ فى الصورِ (١) .
فكأن ابنَ عباسٍ تأوَّل فى ذلك أن قوله: ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ ﴾ . اسمُ
الفاعلِ الذى لم يُسَمَّ فى قوله: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِ﴾. وأن معنى الكلامِ : يومَ
يَنْفُخُ اللَّهُ فى الصورِ عالمُ الغيبِ والشهادةِ . كما تقولُ العربُ: أَكِل طعامُك عبدُ
اللَّهِ . فَتُظْهِرُ اسمَ الآكلِ بعدَ أن قد جرَى الخبرُ بما لم يُسَمَّ آكِلُه. وذلك وإن / كان
وجهًا غيرَ مدفوع، فإن أحسنَ مِن ذلك أن يكونَ قولُه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ﴾. مرفوعًا على أنه نعتٌ ل﴿ الَّذِى﴾، فى قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ .
ورُوِى عنه أيضًا أنه كان يقولُ: الصُّورُ فى هذا الموضعِ النَّفْخةُ الأُولى .
٢٤٢/٧
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾: يعنى
بالصُّورِ النفخةَ الأولى، ألم تَسْمَعْ أنه يقولُ: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ يعنى الثانيةَ، ﴿فَإِذَا
هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
ويعنى بقوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾: عالمُ ما تُعايِنون أيُّها الناسُ
فتُشاهِدُونِه، (٣وما٢) يَغِيبُ عن حَواسِّكم وأبصارٍكم فلا تُحِشُونه ولا تُبْصِرونه،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٤/٤ (٧٤٨٥) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٣/٤ (٧٤٨٤) عن محمد بن سعد به .
(٣ - ٣) فى ص: ((مما)).
٣٤٢
سورة الأنعام : الآيتان ٧٣ ، ٧٤
﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ فى تدبيرِه وتصريفِه خلقَه مِن حالِ الوجودِ إلى العدمِ ، ثم مِن
حالِ العدمِ والفناءِ إلى الوجودٍ، ثم فى مُجازاتهم بما يُجازِيهم به، مِن ثوابٍ أو
عقابٍ، ﴿اُلْخَبِيرُ﴾ بكلِّ ما يَعْمَلونه ويَكْسِبونه مِن حسنٍ وسبىٍّ، حافظٌ ذلك
عليهم ، ليُجازِيَهم على كلِّ ذلك . يقولُ تعالى ذكره : فاحْذَروا أيها العادِلون بربِّكم
عقابه؛ فإنه عليم بكلِ ما تَأْتُون وتَذَرُون، وهو لكم مِن وراءِ الجَزَاءِ على ما تَعْمَلون .
"القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾.
یقولُ تعالی ذ کژه لنبِّه محمدٍ لہ : واذْكُرْ یا محمدُ حجاجك الذی تُحامُ به
قومَك، وخُصومتِك إياهم فى آلهتهم ، وما تُراجِعُهم فيها ، مما نُلْقِيه إليك، ونُعْلِمُكه
مِن البرهانِ والدلالةِ على باطلِ ما عليه قومُك مُقِيمون ، وصحةٍ ما أنت عليه مُقيمٌ مِن
الدين، وحقيقةٍ (١) ما أنت ١ عليهم مُخْتَبٌ - حِجاجَ إبراهيمَ خليلی قومَه، ومُراجَعتَه
إياهم فى باطلِ ما كانوا عليه مُقِيمين مِن عبادة الأوثانِ ، وانقطاعَه إلى اللَّهِ ، والرضا به
واليًا وناصرًا دونَ الأصنام، فاتَّخِذْه إمامًا ، واقْتَدِ به، واجْعَلْ سيرتَه فى قومِه لنفسِك
مثالًا، إذ قال لأبيه مُفارٍقًا لدينِه، وعائِبًا(١) عليه (٤) عبادتَه الأصنامَ دونَ بارئِه وخالقِه:
يا آزرٌ.
ثم اخْتَلَف أهلُ العلم فى المعنىِّ بـ ﴿ءَزَرَ﴾، وما هو، اسمٌ هو (١) أم صفةٌ؟ وإن
كان اسمًا فمَن المُسَمَّى به؟ فقال بعضُهم: هو اسمُ أبيه .
من هنا تبدأ نسخة مركز الملك فيصل، وسنشير إليها بالرمز ((ف)).
٠
(١) فى م: ((حقية)).
(٢) فى ص، ت٢، ت٣، س: ((أنعم)) وفى ف: ((أنهم)).
(٣) فى ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((عاتبا)).
(٤) سقط من : م.
٣٤٣
سورة الأنعام : الآية ٧٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾. قال: اسم أبيه آزرُ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال: آزرُ أبو إبراهيمَ، وكان فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - رجلًا مِن أهلِ كُونَی، مِن
قريةٍ بالسَّوادِ ، سَوادِ الكوفةِ(٢) .
٢٤٣/٧
/حدَّثنى ابنُ البَرْقِيّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ
عبدِ العزيزِ يَذْكُرُ قال: هو آزَرُ، وهو تارَعُ، مثلُ إِسرائيلَ ويعقوبَ .
("وقال آخرون: إنه ليس أبا إبراهيمَ ) .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا محمدُ بنُ حمیدٍ وسفیانُ بنُ و کیع، قالا : ثنا جريرٌ، عن لیثٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال: ليس آزرُ أبا إبراهيمَ ).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنى عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثورىُّ، قال : أَخْبرَنى رجلٌ،
عن ابنِ أبِى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيهُ لِأَبِهِ ءَازَرَ﴾. (قال: آزرْ لم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٤/٤ (٧٤٩٠) من طريق أحمد بن مفضل به، بزيادة تأتى فى
الصفحة القادمة .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٣/١ عن ابن حميد به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٥/٤
(٧٤٩٤) من طريق سلمة به .
(٣ - ٣) سقط من ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٢٥ (٧٤٩٢) من طريق جرير به، وضعفه الحافظ فى
الفتح ٤٩٩/٨، وقال: ((وهو شاذ)).
(٥ - ٥) سقط من ت١، ت٢، ت٣، س، ف .
٣٤٤
سورة الأنعام : الآية ٧٤
يَكُنْ بأبيه، إنما هو صنمٌ(١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مُجاهدٍ ، قال : آزرُ اسمُ صنمٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾. قال: اسم أبيه. ويقالُ: لا ، بل
اسمُه تارَخُ(١، واسمُ الصنم آزَرُ، يقولُ: أَشَّخِذُ آزَرَ(٢) أَصْنامًا آلهةً(٤).
وقال آخرون: هو سبّ وعيبٌ بكلامِهم، ومعناه مُعْوَتٌ. كأنه تأوَّل أنه عابه
بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ .
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إَِرَاهِيمُ
لِأَبِيهِ ءَزَرَ ﴾. يفتح آزرَ على إتباعِه الأبَ فى الخفضِ، ولكنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا
فتحُوه، إذ لم يُجْزُوه، وإن كان فى موضعٍ خفضٍ .
وذُكِر عن أبى يزيدَ الْمَدِينِيِّ والحسنِ البصرىِّ أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (آزَرُ).
بالرفعِ على النداءِ، بمعنى : يا آزرُ (٥).
فأما الذى ذُكِر عن السدىِّ مِن (١) حكايتِه أن آزرَ اسمُ صنم ، وإنما نصْبُه بمعنى:
أَتَّخِذُ آزرَ أصنامًا آلهةً . فقولٌ مِن الصوابِ مِن جهةِ العربيةِ بعيدٌ ؛ وذلك أن العربَ لا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ت١، ف: ((تارخ))، وهو قول فيه. ينظر اللسان (أ زر).
(٣) زيادة من: م، وهو موافق لما سيأتى فى كلام المصنف فى رد قول السدى .
(٤) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٥) ينظر النشر ١٩٥/٢، وإتحاف فضلاء البشر ص١٢٧، وفيهما أن الذى قرأ برفع الراء هو يعقوب
الحضرمى، وأن قراءة أبى جعفر يزيد بن القعقاع - وهما من العشرة- بفتح الراء.
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عن)).
٣٤٥
سورة الأنعام : الآية ٧٤
تَنْصِبُ اسمًا بفعلِ بعدَ حرفِ الاستفهام، لا تقولُ: أخاك أكَلَّمْتَ؟ وهى تُرِيدُ :
أكَلَّمْتَ أخاك ؟
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قَرَأْ بفتح الراءِ مِن ﴿مَازَرَ﴾(١)،
على إتباعِه إعرابَ الأبِ، وأنه فى موضعٍ خفضٍ ، ففتح إذ لم يَكُنْ جاريًا؛ لأنه اسمٌ
أعجمىٌّ. وإنما اخْتَوْتُ (١) قراءةَ ذلك كذلك؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه .
وإذ كان ذلك هو الصوابَ مِن القراءةِ ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ منصوبًا
بالفعلِ الذى بعدَ حرفِ الاستفهامِ، صحَّ لك فتحُهُ مِن أحدٍ وجهين ؛ إما أن يَكونَ
اسمًا لأبى إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه وعلى جميعِ أنبيائه ورسلِه، فيكونَ فى موضعِ
خفضٍ ردًّا على الأبِ، ولكنه فُتِح لِما ذكَوْتُ مِن أنه لمّا كان اسمًا أعجميًّا تُرِك
إِجْراؤُه، فقُتِح كما تَفْعَلُ(١) العربُ فى أسماءِ العجم. أو يَكونَ نعتًا له، فيَكونَ أيضًا
خفضًا، بمعنى تَكريرِ اللام(٤) عليه، ولكنه لمّ خرَجَ مَخْرَجَ أحمرَ وأسودَ ، تُرِك
إجراؤُه، وفُعِل به كما يُفْعَلُ بأشكالِه. / فيكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ: وإذ قال ٢٤٤/٧
إبراهيمُ لأبيه الزائغ (٥) : أَتَتَّخِذُ أصنامًا آلهةٌ ؟
وإن لم يَكُنْ له وجةُ (١) فى الصوابِ إلا أحدُ هذين الوجهين، فأولى القولين
منهما(٧) بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: هو اسمُ أبيه. لأن اللَّه تعالى ذكرُهُ أُخْبَر أنه أبوه،
وهو القولُ المحفوظُ مِن قولِ أهلِ العلمِ، دونَ القولِ الآخرِ الذى زعَم قائلُه أنه نعتٌ .
(١) القراءتان كلتاهما صواب .
(٢) فى م: ((أجيزت)).
(٣) فى م: (( فتح)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((الأمر)).
(٥) فى النسخ: ((آزر)) وهو لفظ الآية لا تأويلها، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.
(٦) فى ص، م: ((وجهة)).
(٧) سقط من : م.
ا
٣٤٦
سورة الأنعام : الآية ٧٤
فإن قال قائلٌ: فإن أهلَ الأنسابِ إنما يَنْسِبون إبراهيمَ إلى تارَعَ ، فكيف
يَكونُ آزرُ اسمًا له، والمعروفُ به مِن الاسم تارَحُ(١)؟
قيل له : غیرُ مُحالٍ أن یکونَ کان(٢) له اسمان ، کما لکثیرٍ مِن الناسِ فی دهْرِنا
هذا، وكان ذلك فيما مضى لكثيرٍ منهم ، وجائزٌ أَن يَكونَ كان(٢) لَقَبًا ( " يُلَقَّبُ به ٣) .
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿أَنَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِنَّ أَرَبِكَ وَقَوْمَكَ فِىِ ضَلَلٍ
VE
مُبِينٍ
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قِيلِ إبراهيمَ لأبيه آزرَ أنه قال: أَشَّخِذُ أصْنامًا
آلهةً تَعْبُدُها وتَتَّخِذُها ربًّا دونَ اللَّهِ الذى خلَقَك فسؤَّاك ورزَقَك ؟
والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ [٧٦٨/١ و] التمثالُ مِن حجرٍ أو خشبٍ أو مِن
غيرِ ذلك، فى صورةٍ إنسانٍ، وهو الوَثَنُ، وقد يقالُ للصورةِ المُصَوَّرةِ على صورةٍ
الإنسانِ فى الحائطِ وغيرِه : صَنَمٌ ووَثَنِّ .
﴿ إِنَّ أَرَكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: إنى أَرَاك يا آزرُ وقومَك الذين
يَعْبُدون معك الأصنامَ، ويَتَّخِذُونها آلهةً، ﴿فِ ضَلَلٍ﴾. يقولُ: فی زَوالٍ عن
مَحَجَّةِ الحقِّ ، وعدولٍ عن سبيلِ الصوابِ، ﴿قُبِينٍ﴾. يقولُ: يَّكَّنُ لمَن أَبْصَره أنه
جَوْرٌ عن قصدِ السبيلِ، وزوالٌ عن مَحَجَّةِ الطريقِ القَويم . يعنى بذلك: أنه قد ضلّ
هو وهم عن توحيدِ اللَّهِ وعبادتِه، الذى اسْتَوْجَب عليهم إخلاصَ العبادةِ له بآلائِه
*
. "
(١) فى ت ١، ف: (( تارخ)).
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى م، ف: ((والله تعالى أعلم)).
وللعلامة أحمد شاكر، رحمه الله، تحقيق جيد فى إثبات اسم أبى إبراهيم، عليه السلام، وأن اسمه آزر،
وقد ألحق هذا التحقيق فى آخر تحقيقه للمعرب للجواليقى ، فانظره من ص ٤٠٧ - ٤١٣.
٣٤٧
سورة الأنعام : الآيتان ٧٤ ، ٧٥
عندَهم ، دونَ غيرِهِ مِن الآلهةِ والأوثانٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَكَذَلِكَ ذُرِىٌ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ الشَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
٧٥
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ﴾: وكما أُرَيْناه البصيرةَ فى دينِهِ ، والحقَّ
فى خلافِه (١) ما(٢) كانوا عليه مِن الضَّلالِ، نُرِيه مَلَكوتَ السماواتِ والأرضِ. يعنى
ملكه(٣) .
وزِيدَت فيه التاءُ كما زِيدَت فى(٤) الجبروتِ مِن الجَبْرِ، وكما قيل: رَهَبُوتٌ
خيرٌ مِن رَحَمُوتٍ . بمعنى : رَهْبةٌ خيرٌ مِن رحمةٍ. ومحكِى عن العربِ سَماعًا: له
مَلَكوتُ اليمنِ والعراقِ . بمعنى : له ملكُ ذلك .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ذُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: نُرِيه خلق السماواتِ والأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾. يقولُ(٥): خلْقَ السماواتِ والأرضِ(١).
(١) فى م: ((خلاف))، وبعدها فى ص، س بياض بقدر كلمة، وكتب مقابله فى ص: (( ط)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( بما)).
(٣) فی ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( ملكوت)) . وبعده فی ص، س بياض بمقدار كلمتين، وكتب
مقابله أيضا فى ص، ف: (( ط )) .
(٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف .
(٥) فى م: ((أى)).
(٦) ذكره البغوى فى تفسيره ١٥٨/٣.
٣٤٨
سورة الأنعام : الآية ٧٥
/حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَلِكَ
نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾: أىْ خلْقَ السماواتِ والأرضِ،
﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾ .
٢٤٥/٧
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه،
عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِنْرَهِيمَ مَلَكُوتَ اُلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: ( يعنى بـ
﴿ مَلَكُوْتَ الشَمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾٢ خلقَ السماواتِ والأرضِ(١).
وقال آخرون : معنى الملكوتِ المُلْكُ. بنحوِ التأويلِ الذى تأوَّلْناه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُّ أبى زائدةَ ، قال:
سمِعْتُ عكرمةَ، وسأله رجلٌ عن قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾. قال: ( هو المُلْك٣ُ)، غيرَ أنه (٤) بكلامِ النَّبْطِ مَلَكونا (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن ابنٍ أبى زائدةً، عن عكرمةَ، قال: هى
بالنَّبَطيةِ مَلَكونا(١) .
(١ - ١) فى ص: ((يعنى ملكوت السماوات والأرض قال))، وفى ت١، ت٢، ت٣، س: ((قال)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٦/٤ (٧٤٩٩) عن محمد بن سعد به .
(٣ - ٣) سقط من ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أنها)).
(٥) فى ص، ت٢، ت٣، س، ف، وتفسير ابن أبى حاتم (( ملكوتا))، والمثبت من ت١، والدر المنثور، وهو
الصواب ، فقد نص ابن خالويه فى مختصره ص ٤٤، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤ / ١٦٥، أن عكرمة قرأها
بالثاء المثلثة ، إلا أن أبا حيان قال : وقال: ملكونا باليونانية أو القبطية .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٦/٤ (٧٥٠٠) من طريق عمر بن أبى زائدة به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) فى ص، م، ت٢، ت٣، ف: (( ملكوتا)).
٣٤٩
سورة الأنعام : الآية ٧٥
وقال آخَرون : معنى ذلك : آيات السماواتِ والأرضِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: آياتِ السماواتِ
والأرضِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى
تَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ
اُلسَمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: آياتٍ(١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مُجاهدٍ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: تَفَرَّجَت
لإبراهيمَ السماواتُ السبعُ حتى العرشِ، فنظَر فيهن، وتفرّجَت له الأرضُون)
السبعُ فنظَر فيهن() .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِنْرَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ
اُلْمُوقِنِينَ﴾. قال: أَقِيم على صخرةٍ، وفُتِحَت له السماواتُ، فنظَر إلى مُلْكِ اللَّهِ
فيها ، حتى نظَر إلى مكانِه فى الجنةِ ، وفُتِحَت له الأرضون ، حتى نظَر إلى أسفلٍ
(١) تفسير مجاهد ص٣٢٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٧/٤ (٧٥٠٣)، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (٦١٣).
(٢ - ٢) فى ص: ((الأرضين)). وفى ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((الأرض)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٦/٤ (٧٥٠١) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٤/٣ إلى آدم بن أبى إياس وابن المنذر وأبى الشيخ.
٣٥٠
سورة الأنعام : الآية ٧٥
الأرضِ، فذلك قوله: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]. يقولُ:
آتَيْناه مكانه فى الجنةِ. ويقالُ: أجرُه الثناءُ الحسنُ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
القاسم بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِنْرَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾. قال: فُرِجَت له السماواتُ، فنظَر إلى ما فيهن، حتى انْتَهی بصره إلى
العرشِ، وفُرِجَت له الأَرَضُون السبعُ، فنظَر ما فيهن.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ
٢٤٦/٧ جبير: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ / إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: كُشِف له
عن أَدِيمِ السماواتِ والأرضِ، حتى نظَر إليهن على صخرةٍ ، والصخرةُ على حُوتٍ ،
والحوثُ على(١٢) خاتَمِ ربِّ العِزَّةِ، لا إلهَ إلا اللَّهُ.
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وَكيع، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصم ، عن أبى عثمانَ ، عن
سلمانَ ، قال: لمَّا أَرِى(٢) إبراهيمُ مَلكوتَ السماواتِ والأرضِ رأى عبدًا على فاحشةٍ ،
فدعا عليه فهلَك، ثم رأى آخرَ على فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، ثم رأى آخرَ على
فاحشةٍ، فدعا عليه فهلَك، فقال : أَنْزِلوا عبدى لا يُهْلِكْ عبادى(٤) .
حدَّثنا هنادٌ ، قال : ثنا قَبِيصةُ ، عن سفيانَ ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٦/٤ (٧٥٠٢) من طريق أحمد بن مفضل به ، وأخرجه سعيد بن
منصور فى سننه (٨٨٣ - تفسير) عن الحكم بن ظهير، عن السدى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٣ إلى
ابن المنذر .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( فى )).
(٣) فى م: ((رأى)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٨٠/١٣ عن أبى معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٨٤ - تفسير)
من طريق شهر بن حوشب عن سلمان بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٣ إلى ابن المنذر وأبى
الشيخ .
٣٥١
سورة الأنعام : الآية ٧٥
قال: لمََّ رفَع اللَّهُ إبراهيمَ فى الملكوتِ فى السماواتِ، أَشْرَف فرأى عبدًا يَزْنى، فدعا
عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأُشْرَف فرأَى عبدًا يَزْنِى، فدعا عليه فهلَك، ثم رُفِع، فأُشْرَف
فرأَى عبدًا يَزْنى، فدعا عليه، فتُودِى: على رِسْلِك يا إبراهيمُ ، فإنك عبدٌ مُسْتَجابٌ
لك، وإنى مِن عبدى على ثلاثٍ؛ إما أن يَتوبَ إلىَّ فَأَتُوبَ عليه، وإما أن أَخْرِجَ منه
ذريةً طيبةً ، وإما أن يَتَمادَى فيما هو فيه، فأنا مِن ورائِه(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبِى عَدِىٌّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوَهَّابِ ، عن
عوفٍ، عن قسامةً (١)، أن إبراهيم خليلَ الرحمنِ حدَّث نفسه أنه أرحمُ الخلقِ ، وأن اللَّهَ
رفَعَه حتى أُشْرَف على أهلِ الأرضِ فَأَبْصَر أعمالَهم، فلمَّا رآهم يَعْمَلون بالمَعَاصِى ،
قال : اللهم دمِّرْ عليهم . فقال له ربُّه: أنا أَرْحمُ بعبادى منك، اهْبِطْ فلعلَّهم أن يَتُوبوا
إلىَّ ويُراجِعوا(٣) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك ما أُخْبَر تعالى أنه أراه مِن النُّجومِ والقمرِ
والشمس .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ :
﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ والقمرَ
والنجومَ .
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
(١) أخرجه البيهقى فى الشعب (٦٦٩٩) من طريق سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٣ إلى عبد
ابن حميد وأبى الشيخ .
(٢) فى م: (( أسامة))، وينظر تهذيب الكمال ٦٠٢/٢٣.
(٣) فى م: ((يرجعوا)).
٣٥٢
سورة الأنعام : الآية ٧٥
مجاهدٍ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. قال: الشمسَ
والقمرَ .
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى مُعاويةُ ، عن علىِّ بنِ أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ﴾: يعنى به (١) الشمسَ والقمر والنجومَ ).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً ،
قال: خُبِّئُ(٢) إبراهيمُ عليه السلامُ مِن جبارٍ مِن الجبابرةِ، فجُعِل له رزقٌ فى أصابعِهِ ،
فإذا مصَّ أصبعًا مِن أصابِعه وجَد فيها رزقًا، فلمَّا خرَج أراه اللَّهُ ملكوتَ السماواتِ
والأرضِ، فكان ملكوتُ السماواتِ الشمسَ والقمر والنجومَ، وملكوتُ الأرضِ
الجبالَ والشجرَ والبحارَ(٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن
نبىَّ اللَّهِ إبراهيمَ عليه السلامُ فُوَّبه مِنْ جِبَّارٍ مُتْرَفٍ، فَجُعِل فى سَرَبٍ ، وُجُعِل
٢٤٧/٧ رزقُه فى أطرافِه، فجعَل لا يَمُصُّ أصبعًا مِن أصابعِه إلا وجَد فيها / رزقًا، فلمَّا خرَج مِن
ذلك الشّرَبِ أراه اللَّهُ ملكوت السماواتِ، فأراه شمسًا وقمرًا ونجومًا وسَحابًا ، وخلقًا
(١) بعده فى م: ((نريه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٦/٤ (٧٤٩٨)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦١٢) من طريق
أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) فی تاریخ دمشق: ( خشی )) .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٧/٤ (٧٥٠٥) مختصراً، وبلفظه
ابن عساكر فى تاريخه ٦/ ١٧٢.
(٥ - ٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((قربه)).
(٦) السرب: بيت تحت الأرض. التاج (س ر ب).
٣٥٣
سورة الأنعام : الآية ٧٥
عظيمًا، وأراه ملكوتَ الأرضِ، فأراه جبالاً وبحورًا وأنهارًا وشجرًا، ومِن كلِّ
الدوابٌ، وخلقًا عظيمًا (١).
وأولى الأقوالِ فى تأويلٍ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه
بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىٌّ ◌ِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾. أنه أراه ملكَ
السماواتِ والأرضِ، وذلك ما خلَق فيهما مِن الشمسِ والقمرِ والنجوم والجبالِ)
والشجرِ والدوابٌ، وغيرِ ذلك مِن عظيم سُلْطانِهِ فيهما، وجلَّى له بَواطنَ الأمورِ
وظَواهرَها؛ لِمَا ذكَْنا قبلُ مِن معنى الملكوتِ فى كلامِ العربِ، فيما مضَى قبلُ .
وأما قولُه: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. فإنه يعنى أنه أراه مَلَكوتَ السماواتِ
والأرضِ لِيَكونَ مَمَّن يَتَوَخَّدُ بتوحيدِ اللَّهِ ، ويَعْلَمُ حقيقةً(٢) ما هداه له وبصَّرَه إياه مِن
معرفةٍ وَحْدانيتِهِ ، وما عليه قومُه مِن الضَّلالةِ مِن عبادتِهم الأصنامَ ، واتخاذِهم إياها
آلهةً دونَ اللَّهِ تعالى ذكرهُ.
و کان ابنُ عباسٍ یقولُ فی تأويل ذلك ما حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی
أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ
اُلْمُوقِنِينَ﴾: إنه جلَّى له الأمرَ؛ سِرَّه وعَلانيتَه، فلم يَخْفَ عليه شىءٌ مِن أعمالٍ
الخَلَائقِ، فلمَّا جعَل يَلْعَنُ أصحابَ الذنوبِ، قال اللَّهُ: إنك لا تَسْتَطِيعُ هذا. فردَّه
اللَّهُ كما كان قبلَ ذلك (٤) .
فتأويلُ ذلك على هذا التأويل: أَرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ مَمَّن
يُوقِنُ علمَ كلِّ شىءٍ حِسًّا لا خبرًا .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) فى م: (( حقية)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٧/٤ (٧٥٠٧) عن محمد بن سعد به .
( تفسير الطبرى ٢٣/٩ )
٣٥٤
سورة الأنعام : الآيتان ٧٥ ، ٧٦
حدَّثنى العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أَخْبَرَنى أبى، قال: ثنا ابنُ جابرٍ، قال:
وحدَّثنا الأوزاعىُّ أيضًا، قال: ثنى خالدُ بنُ اللَّجْلاج، قال: سمِعْتُ عبد الرحمنِ
ابنَ عائشٍ(٢) الحضرميُّ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللَّهِ صَغِ ذاتَ غَداةٍ ، فقال له
قائلٌ: ما (رأيتك أسفر وجهًا) منك الغداةَ. قال: ((ومالی وقد تبدیلی) ربی فی
أحسنٍ صُورةٍ، فقال: فيمَ(١) يَخْتَصِمُ الَلأُّ الأعلى يا محمدُ؟ قلتُ: أنت أعلمُ يا
ربِّ(٢). فوضَع يدَه بينَ كَتِفِئَّ، ("فوجدتُ بردَها بين ثديىٌ، فعلِئْتُ ما فى
السماواتِ والأرضِ)). ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوْتَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (١).
[٧٦٩/١ و] القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّتْلُ رَءَا كَوَّكَبٌ قَالَ هَذَا رَبِّ
فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآّ أُحِبُّ الْأَّفِلِينَ
(٧٦
يقولُ تعالى ذكره: فلمَّا واراه الليلُ وغيِّيه (١٠).
يقالُ منه: جنَّ عليه الليلُ، وجَنَّه الليلُ، وأَجَنَّه، وأُجَنَّ عليه. وإذا أُلْقِيَت .
(١) فى النسخ ((أبو)) والمثبت من مصادر التخريج. وتهذيب الكمال ٥/١٨.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((الحلاج)). والمثبت من مصادر التخريج، وتهذيب الكمال ١٦٠/٨.
(٣) فى النسخ: ((عياش)). والمثبت من مصادر التخريج، وانظر تهذيب الكمال ١٧/ ٢٠٢.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((رأيت أسعد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٥ - ٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س ((سانى) كذا غير منقوطة، وفى م: ((أتانى))، وفى ف: ((هيانى)).
والمثبت من مصادر التخريج .
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((فقم))، وفى م: ((ففيم)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٧ - ٧) سقط من النسخ ، والمثبت من مصادر التخريج.
(٨ - ٨) سقط من: م، وفى ص: ((ثدى))، وفى ت ١، ت٢، ت٣، س، ف: ((يدى)). والمثبت من مصادر
التخريج .
(٩) أخرجه المصنف فى المنتخب من ذيل المذيل ص٥٨٤، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٤٤) من طريق
العباس بن الوليد به .
(١٠) فى م: ( جنه)).
٣٥٥
سورة الأنعام : الآية ٧٦
((على))، كان الكلامُ بالألفِ أَفْصَحَ منه بغيرِ الألفِ: أجَنَّه الليلُ، أَفْصَحُ مِن : أَجَنَّ
عليه، و: جَنَّ عليه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: جَنَّه. وكلُّ ذلك مقولٌ(١) مسموعٌ مِن
العربِ. وجَنَّه الليلُ فى أَسَدٍ، وأجَتَّه وجَّه فى تَميم . والمصدرُ مِن: جَنَّ عليه، جَنَّا
ومجُنُونًا وجَنَانًا. ومِن: أجَنَّ، إِجْنانًا. ويقالُ: أَتَى(٢) فلانٌ فى جِنِّ / الليلِ. والجِنُّ
مِن ذلك؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا عن أعينِ بنى آدمَ فلا يُرَوْن، وكلَّ ما تَوارَى عن أبصارٍ
الناسِ فإن العربَ تقولُ فيه(٣) : قد جَنَّ. ومنه قولُ الهُذَليّ(٤) :
٢٤٨/٧
وماءٍ وَرَدْتُ "قُبَيْلَ الكَرَىْ) وقد جَنَّه الشَّدَقُ(٦) الأَذْهَمُ(٧)
وقال عَبِيدٌ(٨):
وَخَرْقٍ(١٩) تَصِيحُ البُومُ(١٠) فيه مع الصَّدَى(١١)
مَخُوفٍ إِذا ما جَّه الليلُ مَرْهوبٍ
ومنه: أَجْنَنْتُ الميتَ، إذا وارَيْتَه فى اللَّحْدِ، وجنَثْتُه . وهو نظيرُ مُنونِ الليلِ،
فى معنى: غطّيْتُه. ومنه قيل للتّرْسِ: مِجَنٍّ. لأنه يُجِنُّ مَن اسْتَجَنَّ به فيُغَطِيه
ويُوارِیه .
(١) فى م: (( مقبول)).
(٢) فى ص: ((أتانا))، وفى ت ١: (( أتانى)).
(٣) سقط من : ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف.
(٤) هو البُرَيق ، عياض بن خويلد الخناعى ، والبيت فى ديوان الهذليين ٣/ ٥٦.
(٥ - ٥) فى ديوان الهذليين: ((على خيفة)).
(٦) السدف هنا : الليل. اللسان (س د ف) والبيت فيه .
(٧) الأدهم : الأسود . اللسان (د هـ م).
(٨) دیوانه ص ٢٦.
(٩) الخرق: الأرض الواسعة تتخرق فيها الرياح. الصحاح (خ ر ق).
(١٠) فى الديوان: ((الهام)).
(١١) الصدی: ذکر البوم. اللسان (ص د ي).
٣٥٦
سورة الأنعام : الآية ٧٦
وقولُه: ﴿رَءَا كَوَّكَبًا﴾. يقولُ: أَبْصَر كوكبًا حينَ طَلَع، ﴿قَالَ هَذَا
رَدٌ﴾.
فروى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنى به (١) المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال:
ثنى معاويةُ بنُّ صالح، عن عليّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ
إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾: يعنى به الشمسَ
والقمرَ والنجومَ، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّتْلُ رَءَا كَوَكَبًا قَالَ هَذَارَبِّ ﴾ فعبده حتى غاب ،
فلمَّا غاب قال: ﴿لَآَ أُحِبُّ الْآَخِلِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِ﴾
فعبده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَيْنِ لَّمْ يَهْدِنِِ رَبِّ لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ
الضَّالِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةٌ قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَا أَكْبَرُ ﴾ فعبَدها حتى
ـط
غابَت، فلمَّا غابت قال: ﴿ يَقَوْمِ إِنِى بَرِىٌّ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ
رَءَا كَوَّكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَفِينَ﴾ : علِم أن ربَّه دائمٌ لا
يَزولُ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿عَذَا رَبِي هَذَا أَكْبَرٌ﴾: "فرأى خلقًا" هو أكبر مِن
الخلقَيْن الأوَّلَيْن وأنورُ(٤) .
وكان سببَ قِيلِ إبراهيمَ ذلك ما حدَّثنى به محمدُ بنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ
ابنُ الفضلِ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: فيما ذُكِر لنا - واللَّهُ أعلم - أن آزرَ كان
رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، مِن قريةٍ بالسَّوادِ ، سوادِ الكوفةِ ، وكان إذ ذاك مُلْكُ المشرقِ
(١) زيادة من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٨/٤، ١٣٢٩ (٧٥١١، ٧٥١٧، ٧٥٢٠)، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٦١٢) من طريق أبى صالح به. وتقدم أوله فى ص ٣٥٢.
(٣ - ٣) فى ص: ((وأى خلقا))، وفى م: ((وأى خلق)) وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((أى خلقا)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٩/٤ (٧٥١٥، ٧٥٢٢) شطره الأول من طريق يزيد به .
٣٥٧
سورة الأنعام : الآية ٧٦
لنُمْرُودَ(١)، فلمَّا أراد اللَّهُ أن يَبْعَثَ إبراهيمَ حُجّةً علی قومِه ، ورسولًا إلى عباده، ولم
يَكُنْ فيما بينَ نوح وإبراهيمَ نبيِّ إلا هودٌ وصالحٌ، فلمَّا تَقَارَب زمانُ إبراهيمَ الذى
أراد اللَّهُ ما أراد ، أتَى أصحابُ النجومِ ثُمْرودَ، فقالوا له: تَعَلَّمْ أنا ◌َجِدُ فى عِلْمِنا أن
غلامًا يُولَدُ فی قریتك هذه، يقالُ له : إبراهيمُ . ◌ُفارِقُ دينكم، ويَكْسِئُ(١) أوثانكم،
فى شهرِ كذا وكذا، مِن سنةٍ كذا وكذا. فلمَّا دخَلَت السنةُ التى وصَف أصحابُ
النجومِ لتُمْرودَ، بعَث ◌ُمْرُودُ إلى كلِّ امرأةٍ حُبْلَى بقريته، فحبَسَها عندَه - إلا ما
كان / مِن أمّ إبراهيمَ امرأةٍ آزرَ، فإنه لم يُعْلَمْ بحبَلِها، وذلك أنها كانت امرأةٌ حَدَثَةً (٣)
فيما يُذْكَرُ، لم يُعْرَفِ (٤) الحبَلُ فى بطنِها، ولما أراد اللَّهُ أَن يَتْلُغَ بولِدِها - يُريدُ(*) أن
يَقْتُلَ كلَّ غلامٍ وُلِد فى ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ ، حَذَرًا على مُلْكِه، فجعَل لا تَلِدُ
امرأةٌ غلامًا فى ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ إِلا أَمَر به فذُبِح، فلمَّا وَجَدَت أمُّ إبراهيمَ
الطَّلْقَ، خَرَجَت ليلًا إلى مَغارةٍ كانت قريبًا منها، فولَدَت فيها إبراهيمَ، وأَضْلَحَت
مِن شأنِهِ ما يُصْنَعُ بالمولودِ (١)، ثم سَدَّت عليه المغارةَ، ثم رجَعَت إلى بيتها ، ثم كانت
تُطالِعُه فى المغارةِ، فتَنْظُرُ ما فَعَل، فَتَجِدُه حيًّا يَمُصُّ إبهامَه، يَزْعُمون - واللَّهُ أَعلمُ -
أن اللَّهَ جعَل رزقَ إبراهيمَ فيها، (وما ) يجِيتُهُ(٨) مِن مصِّه، وكان آزرُ فيما يَزْعُمون،
سأل أمّ إبراهيمَ عن حملِها: ما فعَل؟ فقالت: ولَدْتُ غلامًا فمات . فصدَّقَها ،
٢٤٩/٧
(١) بعده فى م: ((بن كنعان))، والذى فى تاريخ المصنف: ((لنمرود الخاطئ)).
(٢) بعده فى ت١، ت٢، ت٣، س، ف: (( أصنامكم)).
(٣) فى م: ((حدبة)). وامرأة حدثة: صغيرة السن شابة. التاج (ح د ث).
(٤) فى ص: (( تعرف)).
(٥) فى م: ((أراد )).
(٦) فى م: ((مع المولود)).
(٧ - ٧) فى تاريخ المصنف: ((ما)).
(٨) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((يحييه)).
٣٫٥٨
سورة الأنعام : الآية ٧٦
فسكَت عنها، وكان اليومُ، فيما يَذْكُرون، على إبراهيمَ فى الشَّبابِ كالشهرِ ،
والشهرُ كالسنةِ ، فلم يَلْبَتْ إبراهيمُ فى المغارةِ إلا خمسةَ عشَرَ شهرًا ، حتى قال
لأَمِّه: أَخْرِ چِينِى أَنْظُرْ. فأخرَجَته ◌ِشاءً، فنظَر وتفَكّر فى خلقِ السماواتِ والأرضِ،
وقال : إن الذى خلَقَنى ورزَقَنِى وَأَطْعَمَنى وسقانى لَربى، ما لى إلهٌ غيرُه. ثم نظَر فى
السماءِ فرأَى كوكبًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّ﴾. ثم اتَّبَعه يَنْظُرُ إليه ببصرِه (٣) حتى
غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الْآَّفِلِينَ﴾، ثم أطْلَعُ(٢) القمرُ فرآه بازغًا ، قال:
﴿هَذَا رَبِّ﴾. ثم أتْبَعَه بصرَه حتى غاب، ﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيِنِ لَّمْ يَهْدِنِ رَقِی
لَأَكُونَ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِينَ﴾ فلمَّا دخَل عليه النهارُ وطلَعَت الشمسُ، أعظَمَ
الشمسَ، ورأَى شيئًا هو أعظمَ نورًا مِن كلِّ شيءٍ رآه قبلَ ذلك، فقال:
﴿هَذَا رَبِي هَذَآ أَكْبَرٌ﴾ فلما أفلت قال: ﴿يَقَوْمِ إِّ بَرِىّ ◌ٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
VA
إِى وَجَهْتُ [٧٦٩/١ظ] وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾. ثم رجَع إبراهيمُ إلى أبيه آزرَ وقد اسْتَقامت وِجْهُّه، وعرَف ربّه،
وبرِئٍ مِن دينٍ قومِه، إلا أنه لم يُبادِهم(٤) بذلك، وأخبرَه(٥) أنه ابنُه، وأُخْبَرَته أمّ
إبراهيمَ أنه ابنُه، وأُخْبَرَته بما كانت صنَعَت فى (١) شأنِه، فسُرَّ بذلك آزرُ وفرح فرحًا
شديدًا، وكان آزرُ يَصْنَعُ أصنامَ قومِه التى يَعْبُدونها، ثم يُعْطِيها إبراهيمَ يَبِيعُها ،
فِيَذْهَبُ بها إبراهيمُ فيما يَذْكُرون، فيقولُ: مَن يَشْتَرِى ما يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه؟ فلا
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((خمس عشرة)).
(٢) فى ص: ((يبصره)).
(٣) فى م: ((طلع)).
(٤) فى م: (( يبادئهم)). وبادى فلان بالعداوة: جاهر بها . اللسان (ب د ي).
(٥) فى م: (( أخبر)).
(٦) فى م: ((من)).
٣٥٩
سورة الأنعام : الآية ٧٦
يَشْتَرِيها منه أحدٌ، وإذا بارَتُ(١) عليه، ذهَب بها إلى نهرٍ، فصوَّب (١) فيه رءوسَها ،
وقال : اشْرَبى . اسْتِهزاءً بقومِه، وما هم عليه مِن الضلالةِ، حتى فشا عيبُه إياها
واستهزاؤُه بها فى قومِه وأهلٍ قريته، مِن غيرِ أن يَكونَ ذلك بلَغْ تُمْرُودَ الملكَ(٣).
وأنْكَر قومٌ مِن غيرِ أهلِ الرّوايةِ هذا القولَ الذى رُوِى عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن
رُوِى عنه، مِن أن إبراهيمَ قال للكوكبِ أو للقمرِ : ﴿ هَذَارَبِ ﴾ . وقالوا : غير جائزٍ
أن يكونَ للَّهِ نِبٌّ ابْتَعَته بالرسالةِ، أَتَّى عليه وقتٌّ مِن الأوقاتِ وهو بالغّ، إلا وهو للَّهِ
مُؤَخِّدٌ ، وبه عارفٌ ، ومِن كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه بَرِىءٌ. قالوا: ولو جاز أن يكونَ قد
أتَى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يَخْتَصَّه بالرسالةِ؛ لأنه لا معنى فيه
إلا وفى غيرِهِ مِن أهلِ الكفرِ به مثلُه، وليس بينَ اللَّهِ وبينَ أحدٍ مِن خلقِهِ مُناسبةٌ
فيُحابِيَه باخْتِصاصِه بالكرامةِ . قالوا: وإنما أَكْرَم مَن أَكْرَم منهم لفضلِه فى نفسِه ،
فأثابه لاسْتِحقاقِهِ الثوابَ بما أثابه مِن الكرامةِ . وزعَموا أن خبرَ اللَّهِ عن قيلِ إبراهيمَ
عندَ رؤيته الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشمسَ: ﴿هَذَا رَبِّ﴾. لم يَكُنْ لجهله بأن
ذلك غيرُ جائزٍ أن يَكونَ ربَّه، وإنما قال ذلك على وجهِ الإنكارِ منه أن يكونَ ذلك
ربّه، وعلى العيبِ لقومِه / فى عبادتهم الأصنامَ ، إذ كان الكوكبُ والقمر والشمسُ
أضْوَأَ وأحسنَ وأبهجَ مِن الأصنامِ، ولم تكنْ مع ذلك معبودةً(٤)، وكانت آفِلةً زائلةً
غيرَ دائمةٍ ، والأصنامُ التى دونَها فى الحسنِ، وأصغرُ منها فى الجسمِ، أحقُ(٥) ألا
٢٥٠/٧
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((بات)).
(٢) فى النسخ: ((فضرب)). والمثبت من تاريخ المصنف، وصوب رءوسها: نكسها. التاج (ص و ب).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٣٤/١ - ٢٣٦ .
وقال ابن كثير فى البداية والنهاية ٣٣١/١ وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ، ولاسيما إذا خالفت
الحق. وتقدم أوله فى ص ٣٤٣ .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((معبوداً)).
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وأحق)).
٣٦٠
سورة الأنعام : الآية ٧٦
تَكونَ معبودةً ولا آلهةً. قالوا: وإنما قال ذلك لهم مُعارَضةً، كما يقولُ أحدٌ
المُتناظِرَيْن لصاحبِهِ، مُعارِضًا له فى قولٍ باطلٍ قال به بباطلٍ مِن القولِ، على وجهِ
مُطالَبَتِهِ إِياه بالفُرْقانِ بينَ القولين الفاسدين عندَه، اللذين يُصَحِّحُ خَصْمُه أحدَهما
ويَدَّعِى فسادَ الآخرِ .
وقال آخَرون منهم: بل ذلك كان منه فى حالٍ طُفُولتِه ، وقبلَ قيامِ الحُتّةِ علیه،
وتلك حالٌ لا يكونُ فيها كفرٌ ولا إيمانٌ .
وقال آخرون منهم: إنما معنى الكلام: أهذا ربِّى؟ على وجهِ الإنكارِ والتّوبيخ؛
أى(١) : ليس هذا ربِّى. وقالوا: قد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فَتَحْذِفُ الألفَ التى تَدُلُّ
على معنى الاستفهامٍ. وزعَموا أن مِن ذلك قولَ الشاعرِ(١):
رفَوْنِى(١) وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا(4) تُرَغْ.
فقلتُ وأَنْكَوْتُ الوُجوهَ هُمُ هُمْ؟
يعنى : أهم هم؟ قالوا : ومِن ذلك قولُ أوسٍ(٥) :
لِعَمْرُكُ مَا أَذْرِى ( وإن كنتُ دَارِيّاً) شُعَيْثُ (٨) ابْنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ (٣) ابنُ مِثْقَرٍ؟
بمعنى: أَشُعَيْثُ(٨) بنُ سهم؟ فحذَف الألفَ . ونظائر ذلك. وأما تذكيرُ
﴿هَذَا﴾ فى قوله: ﴿فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبٍِ﴾. فإنما هو على
(١) فى ص، ت ١: (( أن )).
(٢) هو أبو خراش الهذلى ، والبيت فى ديوان الهذليين ١٤٤/٢.
(٣) رفونى: سكّنونى. وكان أصلها: رفضونى فترك الهمز. ينظر شرح أشعار الهذليين ١٢١٧/٣.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((لم)).
(٥) ديوانه ص ٤٩. ونسبه سيبويه فى الكتاب ١٧٥/٣ إلى الأسود بن يعفر، ونسبه المبرد فى الكامل
٢٤٥/٢، ١٧٨/٣ إلى اللعين المنقرى التميمي.
(٦ - ٦) وفى الديوان: (( أمن حزن محجن)).
(٧) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((شعيب))، وفى الموضع الثانى من الديوان: ((لحزن)).
(٨) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((أشعيب)).
(٩) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، ف: ((هم)).