النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة الأنعام : الآية ٧٠
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ
أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾. قال:
(١)
تُسْلَمَ().
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ أَنْ تُبَسَلَ نَفْسُ﴾. قال: تُسْلَمَ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عَنْبَسةَ ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ أُوْلِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾: أُشْلِموا(٢) .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : تُحْبُس .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ [٧٦٥/١و] الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُّ ثَوْرٍ ، عن مَعْمٍ، عن
قتادةَ : ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ﴾. قال: تُؤْخَذَ فَتُحْبَسَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(٣)
قتادةً مثلَه(٣) .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَن
تُبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أن تُؤْخَذَ نفس بما كسَبَت(٤).
وقال آخرون : معناه : تُفْضَحَ .
(١) تفسیر مجاهد ص ٣٢٤.
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٨/٤ (٧٤٥٤) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢١/٣ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٩/٤ (٧٤٥٩) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد . ..
( تفسير الطبرى ٢١/٩ )

٣٢٢
سورة الأنعام : الآية ٧٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، (قال: حدَّثنى معاويةُ بنُّ صالح )،
عن علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا
كَسَبَتْ﴾. يقولُ: تُفْضَحَ(١).
وقال آخرون : معناه : أن تُجْزَى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُّ واضح، قال : ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، قال :
قال الكلبىّ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ : أن تُجْزَى .
وأصلُ ((الإبسالِ)) التحريمُ، يقالُ منه: أبْسَلْتُ المكانَ. إذا حرَّمْتَه فلم
يُقْرَبْ(٣) . ومنه قولُ الشاعرِ(٤) :
بَكَرَتْ (١) قُلُومُكَ بعدَ وَهٍْ(٦) فِى النَّدَى
بَسْلٌ عليكِ مَلامَتى وعِتابى
أى: حرامٌ عليك ملامتى وعتابى. ومنه قولُهم: أسدٌ باسلٌ) . يُرادُ به : لا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٨/٤ (٧٤٥٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢١/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م: (( تقربه)).
(٤) هو ضمرة بن ضمرة النهشلى كما فى النوادر لأبى زيد ص٢، والأمالى للقالى ٢٧٩/٢ ونسبه فى
الوحشیات ص ٢٥٦ إلى ابنه حَرِّى بن ضمرة .
(٥) بكرت : عجلت. ينظر اللسان (ب كر).
(٦) الوهن : نحو من نصف الليل، أو بعد ساعة منه ، أو هو حين يدبر الليل، أو هو ساعة تمضى من الليل.
التاج (و هـ ن).
(٧ - ٧) فى النسخ: ((ومنه قولهم: وعتابى أسد آسد)). وينظر معانى القرآن للفراء ٣٣٨/١، وتعليق الشيخ
شاكر على هذا الموضع.

٣٢٣
سورة الأنعام : الآية ٧٠
٢٣٣/٧
يَقْرَبُه شىءٍ. فكأنه قد حرَّم نفسَه. ثم يُجْعَلُ ذلك / صفةً لكلِّ شديدٍ يَتَحامَی
لشدّتِه ، ويُقالُ: أَعْطِ الراقِيَ بُسْلَتَهُ(١). يُرادُ بذلك: أُجْرتَه. وشرابٌ بَسِيلٌ. بمعنى:
متروكٌ. وكذلك المُسَلُ بالجريرةِ(٢)، وهو المُرْتَهَنُ بها، قيل له: مُتْسَلٌ. لأنه
مُحَرَّمُ(٢) مِن كلِّ شيءٍ إلا مما رُهِن فيه وأَسْلِم به . ومنه قولُ عوفٍ بنِ الأحوصِ
(٤)
الكِلابِىُّ(٤) :
بِعَوْناهُ(٥) ولا بدَمِ مُراقٍ
وإِبْسَالِى بَنِىَّ بغيرِ جُزْمٍ
وقال الشَّنْفَرَى(١):
هنالِك لا أَرْجُو حياةً تَسُُّنی
سَمِيرَ الليالى مُبْسَلًا بالجَزَائِرِ
فتأويلُ الكلام إذن: وذَكِّرْ بالقرآنِ هؤلاء الذين يَخُوضُون فى آياتِنا ، وغيرهم
◌َمَّن سلَك سبيلَهم مِن المشركين، كيلا تُبْسَلَ نفسٌ بذنوبِها وكفرِها بربِّها، وتُؤْتَهَنَ
فُتُغْلَقَ(٨) بما كسَبَت مِن أجرامِها فى عذابِ اللَّهِ، ﴿لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ﴾.
يقولُ : ليس لها حينَ تُسْلَمُ بذنوبِها ، فتُؤْتَهَنُ بما كسَبَت مِن آثامِها ، أحدٌ يَنْصُرُها ،
فيُنْقِذُها مِن اللَّهِ الذى جازاها بذنوبِها جزاءَها ، ولا شفيعٌ يَشفَعُ لها ، لوسيلةٍ له عندَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤَخَذْ مِنْهَاً
(١) فى م: ((بسيلته)).
(٢) الجريرة : الجناية . الصحاح (ج ر ر).
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ومنه).
(٤) النوادر لأبى زيد ١٥١، ومجاز القرآن ١٩٤/١، والمعانى الكبير ١١١٤/٢.
(٥) بعا الذنب بيعاه وببعوه : اجترمه واكتسبه . اللسان (ب ع و)، والبيت فيه .
(٦) ديوانه الطرائف الأدبية ص ٣٦.
(٧) فى الديوان: ((سجیس)). وسمیر اللیالی وسجيها: أبد اللیالی. اللسان (س م ر، س ج س).
والبيت فيه .
(٨) هو من غلق الرهن، وذلك إذا لم يُفتكّ فى الوقت المشروط، فيستحقه المرتهن. ينظر اللسان (غ ل ق).

٣٢٤
سورة الأنعام : الآية ٧٠
يقولُ تعالى ذكره : وإن تَعْدِلِ النفسُ التى أَبْسِلَت بما كسَبَت، يعنى: ﴿ وَإِن
تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ . يعنى : كلِّ فِداءٍ.
يقالُ منه: عدَل يَعْدِلُ، إذا فَدَى، عَدْلًا. ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿أَوْ
عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. وهو ما عادَله مِن غيرِ نوعِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ :
﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: لو جاءَت بملءِ الأرضِ ذهبًا لم
يُقْبَلْ منها(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى قوله: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهٌَ﴾: فما يَعْدِلُها ، لو
جاءَت بملءٍ (٢) الأرضِ ذهبًا لتَفْتَدِىَ به ما قُبِل منها .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن
تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. قال: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ﴾ : وإن تَفْتَدِ ، يكونُ له
الدنيا وما فيها يَفْتَدِى بها، لا يُؤْخذُ منه، عَدْلًا عن نفسِه، لا يُقْبَلُ منه(٢).
وقد تأَوَّل ذلك بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ(٤) بمعنى: وإن تُقْسِطْ كلَّ قِشْطٍ لا
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٨/٤ (٧٤٥٥) عن الحسن بن یحیی به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص: (( بمثل)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٩/٤ (٧٤٥٦) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به .
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٩٥/١.

٣٢٥
سورة الأنعام : الآية ٧٠
٢٣٤/٧
يُقْبَلْ منها. / وقال: لأنَّمَا ( ١) التوبةُ فى الحياةِ .
وليس لِما قال مِن ذلك معنًى؛ وذلك أن كلَّ تائبٍ فى(٢) الدنيا فإن الله تعالى
ذكرُه يَقْبَلُ توبته .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ
٧٠
حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه : وهؤلاء الذين إن فَدَوْا أنفسَهم مِن عذابِ اللَّهِ يومَ القيامةِ
كلَّ فِداءٍ، لم يُؤْخَذْ منهم، هم ﴿ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾. يقولُ: أُشْلِموا
لعذابِ اللَّهِ ، فرُهِنوا به؛ جَزاءً بما كسَبوا فى الدنيا مِن الآثامِ والأوزارِ ﴿لَهُمْ شَرَابٌ
مِّنْ حَمِيمٍ﴾. والحَميمُ هو الحارُّ فى كلامِ العربِ ، وإنما هو مَحموٌ صُرِف إلى فَعيلٍ،
ومنه قيل للحَمَّامِ: حَمَّامٌ . لإسخانِهِ الجسمَ ، ومنه قولُ مُرَقِّشٍ(٣) :
فيها ◌ِباءٌ(٥) مُعَدٍّ وحَمِيمْ
فى كلِّ تُمْسَى لها مِفْطَرَةٌ(٤)
يعنى بذلك ماءً حارًّا . ومنه قولُ أبى ذُؤَيْبِ الهُذَلىِّ فى صفةٍ فرسٍ (١) :
إلا الحَمِيمَ فإنه يَتَبَضَّعُ(٩)
تَأْتِى بدِرَّتِها(٢) إذا ما اسْتُغْضبت(٨).
(١) فى ص، ت١، س: ((لأنها)). وفى م، ت٢، ت ٣: ((إنها)). والمثبت من مجاز القران.
(٢) سقط من: ص، ت١، س.
(٣) المفضليات ص ٢٤٨.
(٤) المقطرة : المجمرة . اللسان (ق ط ر). والبيت فيه .
(٥) الكباء: ضرب من العود والدخنة . اللسان (ك ب ي).
(٦) ديوان الهذليين ١/ ١٧.
(٧) الدرة: درة العدو، أى: تأبى أن تدّر بما عندها من الجرى إذا استغضبتها. شرح أشعار الهذليين ١/ ٣٥.
(٨) فى ص، ت٢، ت٣، س: ((استصعبت))، وهى رواية، وفى ت ١: ((استعصيت)). ورواية الديوان:
(( استكرهت)).
(٩) يتبضع: يتبزل ويتفجر ويتفتح بالعرق، ويرشح به الجلد على كره. المصدر السابق.

٣٢٦
سورة الأنعام : الآيتان ٧٠ ، ٧١
يعنى بالحَمِيمِ عَرَقَ الفرسِ .
وإنما جعَل تعالى ذكرُه لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم فى هذه الآيةِ شرابًا مِن
حَميم؛ لأن الحارَّ مِن الماءِ لا يَزْوِى مِن عَطَشِ. فأخْبَرَ أنهم إذا عطِشوا فى جهنمَ لم
يُغاثوا بماءٍ يَزْوِيهم، ولكن بما يَزِيدون به (١) عَطَشًا على ما بهم مِن العطشِ. ﴿ وَعَذَابُ
أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم أيضًا مع الشرابٍ مِن (١) الحميم مِن اللَّهِ العذابُ الأليمُ،
والهَوانُ المقيمُ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: بما كان مِن كفرِهم فى الدنيا
باللَّهِ ، وإنكارِهم توحيدَه، وعبادتِهم معه آلهةً دونَه .
/حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أشباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبَسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾. [٧٦٥/١ظ] قال: يقولُ: أَسْلِموا .
٢٣٥/٧
حدَّثْنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ﴾. قال: فُضِحوا (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ
الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾. قال: أُخِذوا بما كسبوا(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُنَا وَلَا
يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَمِنَا اَللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِىِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ
لَهُ أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَا﴾.
-
(١) سقط من ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) سقط من : م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٩/٤ (٧٤٥٨) من طريق عبد الله بن صالح به ، وتقدم أوله فی ص
٣٢٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٩/٤ (٧٤٥٩) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد .

٣٢٧
سورة الأنعام : الآية ٧١
وهذا تَنبيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه عَّهِ على حجَّتِه على مُشْرِكی قومِه مِن
عَبَدةِ الأوثانِ ، يقولُ له تعالى ذكره: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الأوثانَ
والأندادَ ، والآمِرِين لك باتباع دينهم ، وعبادةِ الأصنامِ معهم : أنَدْعُو مِن دونِ اللَّهِ
حجرًا أو خشبًا لا يَقْدِرُ على نفعِنا أو ضَرِّنا، فنُخْلِصَه(١) بالعبادةِ دونَ اللَّهِ، ونَدَعَ
عبادةَ الذى بيدِه الضَّرُّ والنفعُ، والحياةُ والموتُ، إن كنتم تَعْقِلون فتُمَيِّزون بينَ الخيرِ
والشرّ؟ فلا شكَّ أنكم تَعْلَمون أن خدمةَ ما يُوْنَجی نفتُه ويُوهَبُ ضرُه ، أحقُّ وأولی
مِن خدمةٍ مَن لا يُوجَّى نفعُه ولا يُخْشَى ضرُّه .
﴿ وَنُرَدُّ عَ أَعْقَابِنَا﴾. يقولُ: ونُرَدُّ إلى أدبارِنا، فَتَرْجِعُ القَهْقَرَى خلفَنا ، لم
نَظْفَرْ بحاجتِنا .
وقد بيَّنا معنى ((الردِّ على العَقِبِ))، وأن العربَ تقولُ لكلِّ طالبٍ حاجةٍ لم
يَظْفَرْ بها: رُدَّ على عِقِبَيْه. فيما مضى، بما أغْنَى عن إعادتِهِ فى هذا الموضعِ.
وإنما يُرادُ به فى هذا الموضع: ونُرَدُّ مِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَنَنَا
اللَّهُ﴾ فوفَّقَنا له ، فيَكونُ مَثَلُنا فى ذلك مثلَ الرجلِ الذى اسْتَتْبَعَه الشيطانُ يَهْوِی فی
الأرضِ حَيْرانَ .
وقولُه: ﴿ اُسْتَهْوَتَهُ﴾. اسْتَفْعَلَتْه، مِن قولِ القائلِ: هَوَى فلانٌ إلى كذا،
يَهْوِى إليه. و(٢) مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ
إِلَيِهِمْ ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. بمعنى: تَنْزِعُ إليهم وتُرِيدُهم .
وأما ﴿ حَيْرَانَ﴾ فإنه فَعلانُ ، مِن قولِ القائلِ : قد حار فلانٌ فى الطريقِ ، فهو
(١) فى م: ((فنخصه))، وفى ت ٢: ((لنخلصه))، وفى س: ((فيخلصه)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٤٦/٢.
(٣) سقط من ص، ت١، ت٢، ت٣، س.

٣٢٨
سورة الأنعام : الآية ٧١
يَحارُ فيه حَيْرةً وحَيَرانًا وحَيرُورةً. وذلك إذا ضَلَّ فلم يَهْتَدِ للمَحَجَّةِ .
﴿لَهُمْ أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. يقولُ : لهذا الحَيَرانِ الذى قد اسْتَهْوَتْه
الشياطينُ فى الأرضِ، أصحابٌ على المحَجَّةِ واستقامةٍ من ١ السبيلِ، يَدْعُونه إلى
المحجةِ؛ "لطريقِ الهدى) الذى هم(٣) عليه، يقولون له (٤): اثمينا.
وتُرِك إجراءُ ﴿ حَيْرَانَ﴾؛ لأنه فَعلانُ، وكلُّ اسم كان على فَقْلانَ مما أُتْتاه
فَعْلى ، فإنه لا يُجْرَى فى كلامِ العربِ فى معرفةٍ ولا نكرةٍ .
٢٣٦/٧
وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه لمن كفَر باللّهِ بعدَ إيمانِهِ، فَاتَّبَع الشياطينَ مِن
أهلِ الشركِ باللَّهِ ، وأصحابُه الذين كانوا أصحابَه فى حالٍ إسلامِه، المُقِيمون على
الدينِ الحقِّ، يَدْعُونه إلى الهُدَى الذى هم عليه / مُقِيمون، والصوابِ الذى هم به
مُتَمَسِّكون، وهو له مُغارِقٌ ، وعنه زائلٌ، يقولون له : اثْنِنا، فَكُنْ معنا على استقامةٍ
وهدّى. وهو يَأْتَى ذلك، ويَتَّبِعُ دواعىَ الشيطانِ، ويَعْبُدُ الآلهةَ والأوثانَ .
وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وخالَف فى ذلك
جماعةٌ .
ذكرُ مَن قال فى(٥) ذلك مثلَ ما قلنا
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أُسْباطُ ، عن
(١) سقط من : م.
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الطريق ولا الهدى))، ولعل صواب ما فى هذه النسخ أن يكون
هكذا : المحجة - طريق- وإلى الهدى .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((هو)).
(٤) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أيضا)).
(٥) سقط من : م.

٣٢٩
سورة الأنعام : الآية ٧١
السدىِّ: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اُللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ
هَدَمَنَا اَللَّهُ كَلَّذِى اُسْتَهْوَتَهُ الشَّيَطِينُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبُ يَدْعُونَهُ: إِلَى
اُلْهُدَى أَثْتِنَأُ﴾. قال: قال المشركون للمؤمنين: اتَّبِعوا سبيلَنا واتْرُكوا دينَ
محمدٍ (١). فقال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُنَا وَلَا
يَضُّنَا﴾: فهذه الآلهةُ، ﴿ وَنُرَدُّ عَلَّ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ ﴾ فَيَكونُ مَثَلُنا كمثلٍ
الذى ﴿ أُسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ ﴾. يقولُ: مَثَلُكُم إن كفَرْتُم بعدَ الإِيمانِ
كمثلٍ رجلٍ كان مع قومٍ على الطريقِ ، فضلٌّ الطريقَ ، فحيَّرَتْه الشياطينُ ، واسْتَهْوَتْه
فى الأرضِ ، وأصحابُه على الطريقِ، فجعَلوا يَدْعُونه إليهم ، يقولون: اثْنا فإنا على
الطريقِ . فَأَتَى أن يَأْتِيَهم، فذلك مَثَلُ مَن يَبِعُكم بعدَ المعرفةِ بمحمدٍ ، ومحمدٌ الذى
يَدْعُو إلى الطريقِ ، والطريقُ هو الإسلامُ(٢).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةَ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَ
أَعْقَابِنَا﴾. قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ للآلهةِ ومَن يَدْعو إليها، وللدعاةِ الذين يَدْعُون
إلى اللَّهِ، كَمَثَلِ رجلٍ ضَلَّ عن الطريقِ ( تائهًا ضالّا٢ً) ، إذ ناداه منادٍ : يا فلانُ بَ فلانٍ ،
هلمّ إلى الطريقِ . وله أصحابٌ يَدْعونه: يا فلانُ، هلمَّ إلى الطريقِ. فإن اتَّبَع الداعِىَ
الأُولَ ، انْطَلَق به حتى يُلْقِيَه فى الهَلَكَةِ، وإن أجاب مَن يَدْعُوه إلى الهُدَى اهْتَدَى إِلى
الطريقِ، وهذه الداعيةُ التى تَدْعُو فى البَرِّيَّةِ مِن الغِيلانِ، يقولُ : مَثَلُ مَن يَعْبُدُ هؤلاء
(١) بعده فى النسخ، وتفسير ابن أبى حاتم: ((صلى الله عليه وسلم)). ولا يقوله المشركون، وينظر فى تفسير
ابن كثير ٢٧٤/٣ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٠/٤ - ١٣٢٢ (٧٤٦٦، ٧٤٦٨، ٧٤٧٢، ٧٤٧٤) من طريق
أحمد بن المفضل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣ - ٣) سقط من : م.

٣٣٠
سورة الأنعام : الآية ٧١
الآلهةَ مِن دونِ اللَّهِ ، فإنه يَرَى أنه فى شىءٍ ، حتى يأتِيَه الموتُ فيستقبِلَ الهلكةَ والنَّدامةَ .
وقولُهُ : ﴿كَلَّذِى أُسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ﴾. وهم الغِيلانُ، يَدْعُونه
باسمِه واسم أبيه واسم جدِّه، فيَبِعُها، فيَرَى أنه فى شىءٍ، فَيُصْبِحُ(١) وقد ألْقَتْه فى
الهَلَكَةِ ، وربما أكَلَتْه، أو تُلْقِيه فى مَضَلَّةٍ مِن الأرضِ، يَهلِكُ فيها عطشًا، فهذا مَثَلُ(١)
مَن أجاب الآلهةَ التى تُعْبَدُ مِن دونِ اللَّهِ عز وجل(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، قال: ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ الْأَرْضِ﴾. قال: أَضَلَّته فى الأرضِ خَيْرانَ(٤).
حدَّثْنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبى
نَجِيحِ، عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. قال: الأوثانُ(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفةً ، قال : ثنا شِئْلٌ ، عن ابنٍ أَبِى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولٍ
اللَّهِ تعالى: ﴿أَسْتَهْوَتَّهُ الشَّيَاطِينُ فِىِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾. قال: رجلٌ خَيْرَانُ يَدْعُوه
أصحابُه إلى الطريقِ، فذلك(١) مَثَلُ مَن يَضِلُ بعدَ إذ هُدِى(٥).
(١) سقط من: ت٢، وفى ص، ت ١، ت ٣، س: ((فيصير)).
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢١/٤ (٧٤٦٩، ٧٤٧٣) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢١/٣ إلى ابن المنذر.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢١٢/١ عن معمر به .
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٢٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٠/٤، ١٣٢١ (٧٤٦٧،
٧٤٧١)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى
الشيخ .
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((كذلك)). والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور، وفى تفسير
مجاهد: (( ذلك)). وهو صواب أيضا .

٣٣١
سورة الأنعام : الآية ٧١
٢٣٧/٧
/حدّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، قال : ثنا
رجلٌ، عن مجاهدٍ قال: ﴿ حَيْرَانَ﴾: هذا مَثَلّ ضرَبه اللَّهُ للكافرِ، يقولُ : الكافر
خَيرانُ، يَدْعوه المسلمُ إلى الهُدَى فلا يُجِيبُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾. حتى بلَغ: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
(٢)
علَّمها اللَّهُ محمدًا وأصحابَه، يُخاصِمون بها أهلَ الضَّلالةِ(٢) .
وقال آخَرون فى تأويلِ ذلك بما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى،
قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَالَّذِى اُسْتَهْوَتُهُ
الشَّيَطِينُ فِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ، أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى﴾: فهو الرجلُ الذى لا
يَسْتَجِيبُ لهُدى اللَّهِ ، وهو رجلٌ أطاع الشيطانَ، وعمِل فى الأرضِ بالمعصيةِ، وحار
عن الحقِّ، وضلَّ عنه ، وله أصحابٌ يَدْعونه إلى الهُدى، ويَزْعُمون أن الذى يَأْمُرُونه
هُدِّى، يقولُ اللَّهُ ذلك لأوليائِهم مِن الإنسِ، يقولُ(٤): إن الهُدى هُدى اللَّهِ،
والضلالةَ ما تَدْعو إليه الجُ(٥) .
فكأن ابنَ عباسٍ على هذه الروايةِ كان يَرَى أن أصحابَ هذا الحيرانِ الذين
يَدْعونه، إنما يَدْعونه إلى الضلالِ، ويَزْعُمون أن ذلك هدّى، وأن اللَّهَ أكْذَبَهم
بقولِه: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ﴾. لا ما يَدْعُوه إليه أصحابُه .
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٢/١ عن معمر ورجل ، عن مجاهد .
(٢) بعده فى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور: (( خصومة)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٢/٤ (٧٤٧٦) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) سقط من : م.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٢٢/٤ (٧٤٧٥) عن محمد بن سعد به .

٣٣٢
سورة الأنعام : الآية ٧١
وهذا تأويلٌ له وجة لو (١) لم يَكُنِ اللَّهُ سمَّى الذى دعا الحيرانَ إليه أصحابُه
هُدًى، وكان الخبرُ بذلك عن أصحابِه الدُّعاةِ له إلى ما دعَوْه إليه ، أنهم هم الذين
سمَّوْه ، ولكنَّ اللَّهَ سمَّاه هدّى، وأخْبَر عن أصحابِ الحيرانِ أنهم يَدُْونه إليه ، وغیرُ
جائزٍ أن يُسَمِّىَ اللَّهُ الضلالَ هدّى؛ لأن ذلك كذِبٌ، وغيرُ جائزٍ وصفُ اللَّهِ
بالكذب ؛ لأن ذلك وصفُه بما ليس مِن صفتِه، وإنما كان يَجوزُ توجيهُ ذلك إلى
الصوابِ، لو كان ذلك خبرًا مِن اللَّهِ عن الداعى الحيرانَ أنهم قالوا له : تعالَ إلى
الهدَى. فأما وهو قائلٌ: ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾. فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك وهم
كانوا يَدْعُونه إلى الضلالِ .
وأما قولُه : ﴿أَثْتِنَأْ ﴾. فإن معناه: يقولُون: اثْتِنا، هَلُمَّ إِلينا. فحذَف القولَ
لدلالةِ الكلامِ عليه .
وذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يَقْرَأَ ذلك: (يَدْعُونِه إلى الهُدَى بَيِّنًا ).
حدَّثنا بذلك ابنُ وكيع، قال: ثناغُنْدَرٌ، عن شعبةَ ، عن أبى إسحاقَ ، قال : فى
قراءةِ عبدِ اللهِ: (يَدْعُونِه إلى الهُدَى بَيِّنًا)(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ تُرَيْجٍ، قال :
أَخْبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (له
أصحابٌ يَدْعُونِه إلى الهُدَى بَيِّنًا). قال: الهُدى الطريقُ، أنه بَيِّنٌ(١).
وإذا قُرِئ ذلك كذلك، كان ((الْبَيِّنُ)) مِن صفةِ ((الهدى))، ويكونُ نصبُ
((البَيِّنِ)) على القطع مِن ((الهُدى))، كأنه قيل: يَدْعُونه إلى الهُدى البَيِّنِ. ثم نُصِب
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/٣ إلى المصنف وابن الأنبارى، وينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٤.
(٣) وأخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٧١ عن حجاج به دون آخره، وعزاه السيوطى فى الدر ٢٢/٣
إلى أبى الشيخ .

٣٣٣
سورة الأنعام : الآيتان ٧١، ٧٢
((البَيِّنُ)) لَّ حُذِفَت الألفُ واللامُ، وصار نكرةٌ مِن صفةِ المعرفةِ.
وهذه القراءةُ التى ذكّرْناها عن ابنٍ مسعودٍ تُؤَيِّدُ قولَ مَن قال : الهُدى فى هذا
الموضع هو الهُدى على الحقيقةِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
اُلْعَلَمِينَ
VI
٢٣٨/٧
/يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لَّه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم
الأوثانَ ، القائلين لأصحابِك: اتَِّعُوا سبيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطايا كم فإنا علی هُدًى : ليس
الأمرُ كما زعَمْتُم، ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ﴾. يقولُ: إن طريقَ اللَّهِ الذى بيَّته
لنا وأوْضَحه، وسبيلَه الذى أَمَرَنا بلزومِه، ودينَه الذى شرَعه لنا فبيَّنه، هو الهدى
والاستقامةُ التى لا شكَّ فيها، لا عبادةُ الأوثانِ والأصنام التى لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فلا
نَتْرِكُ الحقَّ ونَبِعُ الباطلَ، ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: وَأَمَرَنا ربُّنا
وربُّ كلِّ شيءٍ تعالى وجهُه، لنُسْلِمَ له؛ لتَخْضَعَ له بالذّلةِ والطاعةِ والعُبوديةِ ،
فنُخْلِصَ ذلك له ، دونَ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ .
وقد بيَّنا معنى ((الإِسلام)) بشَواهدِه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما أُعْنَى عن إعادتِهُ".
وقيل: ﴿ وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ﴾. بمعنى(٢): وَأُمِرْنا كى تُعْلِمَ، وَأُمِرْنا(٣) أنْ تُسْلِمَ
لربِّ العالمين؛ لأن العربَ تَضَعُ ((كى)) و((اللامَ)) التى بمعنى ((كى))، مكانَ
((أن))، و((أن)) مكانَها.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَثَّقُوهُ وَهُوَ اُلَّذِىّ إِلَيْهِ
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٣٢/٢.
(٢) فى ص، س: ((يعنى).
(٣) سقط من : م.

٣٣٤
سورة الأنعام : الآية ٧٢
تُحْشَرُونَ
يقولُ تعالى ذكره: وأُمِونا أن أَقِيموا الصلاةَ .
وإنما قيل: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ﴾ فَعطَف بـ﴿أَنْ﴾ على اللامِ مِن
لِنُسْلِمَ﴾؛ لأن قولَه: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. معناه: أن(١) نُسْلِمَ. فردَّ قولَه: ﴿وَأَنْ
أَقِيمُواْ﴾. على معنى ﴿لِنُسْلِمَ﴾. إذ كانت اللامُ التى فى قوله: ﴿لِنُسْلِمَ﴾.
لامَّا لا تَصْحَبُ إِلا المستقبلَ مِن الأفعالِ، وكانت(٢) ((أنْ)) مِن الحروفِ التى تَدُلُّ
على الاستقبالِ دَلالةَ اللامِ التى فى: ﴿لِنُسْلِمَ﴾. فعطَف [٧٦٦/١ظ] بها عليها؛
لاتفاقٍ معنيَيْهما فيما ذكَوْتُ، فـ ((أنْ)) فى موضع نصبٍ بالردِّ على اللامِ" .
وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: إما أن يَكونَ ذلك: ﴿ أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ
وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ ﴾. يقولُ: أُمِرْنا كى نُسْلِمَ. كما
لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
قال: "﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِينَ﴾ (١) [الزمر: ١٢]. أْ: إنما أُمِرْتُ لذلك، ثم
قال: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأَثَّقُوهُ﴾. أْ: أُمِرْنا أن أُقِيموا الصلاةَ. أو يَكونَ
أَوْصَل الفعلَ باللام. والمعنى: أُمِرْتُ أن أَكونَ. كما أَوْصَل(٥) الفعلَ باللامِ
فى " قوله: ﴿هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
فتأويلُ الكلامِ: وأُمِرنا بإقامةِ الصلاةِ، وذلك أداؤُها بحدودِها التى فُرِضَت
--
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وأن)).
(٢) فى ص، ت ١، ت٢، ت٣، س: ((فكانت)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الأمر))، وينظر معانى القرآن للفراء ٣٣٩/١.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((وأمرت لأن أكون من المؤمنين)). وصواب ما فى هذه النسخ: ﴿وأمرت أن أكون من
المؤمنين﴾ [يونس ١٠٤]. والمثبت هو صواب الاستشهاد فى هذا الموضع، وينظر الكتاب ١٦١/٣.
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( أفعل)).
(٦ - ٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قولهم)).

٣٣٥
سورة الأنعام : الآيتان ٧٢، ٧٣
علينا، ﴿ وَأَتَّقُوهُ﴾. يقولُ: وَاتَّقُوا رَبَّ العالمين الذى أُمِرْنا أن نُسْلِمَ له ، فخافوه،
واخْذَروا سَخَطَه بأداءِ الصلاةِ المفروضةِ عليكم ، والإذعانِ له بالطاعةِ ، وإخلاصٍ
العبادةِ له، ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وربُّكم ربُّ العالمين هو الذى
إليه تُحْشَرون ، فتُجْمَعون يومَ القيامةِ ، فيُجازِى كلّ عاملٍ منكم بعملِه ، وتُوَفَّى كلُّ
نفسٍ ما كسَبَت .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ
وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الضُورِّ عَالِمُ
٧٣
اُلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةٍ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
/ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم ٢٣٩/٧
و
الأندادَ، الداعيك إلى عبادة الأوثانِ: أَمِرْنا لِنُسْلِمَ لربِّ العالمين، الذى خلَق
السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ، لا مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿يِالْحَقٌّ (٢)؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك: وهو الذى خلق السماواتِ والأرضَ حقًّا وصوابًا ، لا باطلًا وخطأً، كما قال
تعالى ذكرُه: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ﴾ [ص: ٢٧]. قالوا :
وأُدْخِلَت فيه الباءُ والألفُ واللامُ كما تَفْعَلُ العربُ فى نظائرِ ذلك، فتقولُ : فلانٌ
يقولُ بالحقِّ. بمعنى: أنه يقولُ الحقَّ . قالوا: ولا شىءَ فى قولِه بالحقِّ غيرَ إصابته
الصوابَ فيه، " لا أن" الحقَّ معنّى غيرُ القولِ، وإنما هو صفةٌ للقولٍ، إذا كان بها القولُ
كان القائلُ موصوفًا بالقولِ بالحقِّ، وبقولِ الحقِّ. قالوا: فكذلك خلقُ السماواتِ
والأرضِ، حكمةٌ مِن حكم اللَّهِ ، فاللَّهُ موصوفٌ بالحكمةِ فى خلقِهما، وخلقٍ ما
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قوله الحق)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لأن)).

٣٣٦
سورة الأنعام : الآية ٧٣
سواهما مِن سائرِ خلقِه ، لا أن ذلك حقٌّ(١) " سوى خَلْقِهما خلَقهما" به .
وقال آخَرون: معنى ذلك: خلق السماواتِ والأرضَ بكلامِه وقولِه لهما :
ائْتِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرْهَا ﴾ [ فصلت: ١١]. قالوا: فالحقُّ فى هذا الموضع معنىٌّ به
كلامُه. واسْتَشْهَدوا لقيلهم ذلك بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ قَوْلُهُ ٣)
اَلْحَقُّ﴾: الحقُّ هو قولُه وكلامُه. قالوا: واللَّهُ خَلَق الأشياءَ بكلامِه وقيلِه، فما(4)
خَلَق به الأشياءَ، فغيرُ الأشياءِ المخلوقةِ . قالوا : فإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن
يَكونَ كلامُ اللَّهِ الذى خلَق به الخلقَ غيرَ مخلوقٍ .
وأما قولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ﴾. فإن أهلَ العربيةِ اخْتَلَفوا فى
العاملِ فى ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ . وفى معنى ذلك؛ فقال بعضُ نحوِّى البصرةِ : اليومُ
مضافٌ إلى ﴿يَقُولُ() كُن فَيَكُونُ﴾. قال: وهو نصبٌ، وليس له خبرٌ
ظاهرٌ، واللّهُ أعلمُ ، وهو على ما فشَوْتُ لك. كأنه يعنى بذلك أن نصْبَه على: واذْكُرْ
يومَ يقولُ: كُنْ فيكونُ. قال: وكذلك ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الصُّورِ﴾. قال: وقال
بعضُهم: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ عَلِيمٌ ﴾ .
وقال بعضُهم(٧): ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَحِكُونٌ﴾. للصُّورِ خاصةً .
فمعنى الكلام على تأويلهم: يومَ يَقولُ للصُّورِ: كُنْ. فِيَكونُ. قولُه الحقُّ يومَ
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((حقا)).
(٢ - ٢) فى م: ((سوَى خلقهما به)). وينظر التبيان ٤/ ١٧٢.
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: (( قوله ويوم يقول كن فيكون قوله)).
(٤) فى م: (( كما)).
(٥) فى ص، ت ١، ت٢، ت٣، س: ((بغير))، وفى م: ((غير))، والمثبت هو الصواب.
(٦) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قوله)).
(٧) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٣٤٠.
٠

٣٣٧
سورة الأنعام : الآية ٧٣
يُنْفَخُ فيه، عالمُ الغيبِ والشهادةِ. فَيَكونُ القولُ حينئذٍ (١) مرفوعًا، بالحقِّ، والحقُّ
بالقولٍ، وقولُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، و﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِ الصُّورِّ﴾
صلةُ الحقِّ .
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. معنىٌ به كلُّ ما كان اللَّهُ
مُعِيدَه فى الآخرةِ بعدَ إِفنائِه، ومُنْشِئَه بعدَ إِعْدامِه . فالكلامُ على مذهبٍ هؤلاء مُتَناهٍ
عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾. وقولُه: ﴿قَوْلُهُ الْحَقٌ﴾ . خبرٌ مبتدأٌ .
وتأويلُه : وهو الذى خلق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ويومَ يقولُ للأشياءِ: كنْ
فيكونُ . خلَقَهما بالحقِّ بعدَ فنائِهما ، ثم ابْتَدَأُ الخبرَ عن قولِه ووعدِه خلقَه أنه مُعِيدُهما
بعدَ فنائِهما، عن أنه حقٌّ ، فقال: قولُه / هذا الحقُّ الذى لا شكَّ فيه. وأَخْبَر أن له ٢٤٠/٧
الْمُلْكَ يومَ يُنْفَخُ فى الصُّورِ، فـ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ يَكونُ على هذا التأويلِ مِن
صلةِ المُلْكِ .
وقد يجوزُ على هذا التأويلِ أن يكونَ قولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾. مِن
صلةِ الحقِّ .
وقال آخرون : بل معنى الكلام: ويومَ يقولُ لِمَا فِى: كُنْ. فَيَكونُ، قولُه
الحقُّ. فجعَل القولَ مرفوعًا بقولِه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وجعَل قولَه:
عبا
﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾. للقولِ مَحَلَّا، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِ الصُّورِ﴾. مِن صلةِ
الحقِّ، كأنه وجَّه تأويلَ ذلك إلى: ويومئذٍ قولُه الحقُّ، يومَ يُنْفَحُ فى الصُّورِ. وإن
مُجُعِل على هذا التأويلِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ بيانًا عن اليومِ الأُولِ ، كان وجهًا
صحيحًا، ولو بجعِل قولُه: ﴿قَوْلُهُ اُلْحَقّ﴾. مرفوعًا بقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِى
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يومئذ)).
( تفسير الطبرى ٢٢/٩ )

٣٣٨
سورة الأنعام : الآية ٧٣
الصُّورِّ﴾، وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾. مَحَلَّا، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن
فَيَكُونُ﴾ . مِن صلتِه، كان جائزًا .
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِن اللَّهَ تعالى ذكرُه أُخْبَر أنه
المنفردُ بخلقِ السماواتِ والأرضِ دونَ كلِّ ما سِواه، مُعَرِّفًا مَن أَشْرَكَ به مِن [٥٧٦٧/١]
خلقِه جهلَه فى عبادتِه (١) الأوثانَ والأصنامَ، وخطأً ما هم عليه مُقِيمون مِن عبادةِ ما لا
يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ولا يَقْدِرُ على اجْتلابِ نفع إلى نفسِه، ولا دفعِ ضَرَّ عنها، ومُحْتَجًا
عليهم فى إنكارِهم البعثَ بعدَ المماتِ ، والثواب والعقابَ ، بقدرته على ابتداعٍ ذلك
ابتداءً، وأن الذى ابْتَدَع ذلك غيرُ مُتَعَذِّرٍ عليه إفناؤُه، ثم إعادتُه بعدَ إفنائِه، فقال:
﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ﴾ أيها العادِلون بربِّهم مَن لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ على
شىءٍ، ﴿ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ حجةً على خلقِه؛ ليعْرِفوا بها صانعها ،
ولِيَسْتَدِلُّوا بها على عظيم قدرتِه وسلطانِه، فيُخْلِصوا له العبادةَ، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن
فَيَكُونُ﴾. يقولُ: ويومَ يقولُ حينَ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ
كذلك: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. كما شاء تعالى ذكرُه، فَتَكونُ الأَرضُ غيرَ
الأرضِ. " ويكونُ) الكلامُ(٣) عندَ قولِه: ﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾. مُتَنَاهِيًّا .
وإذا كان كذلك معناه، وجَب أن يَكونَ فى الكلام محذوفٌ يَدُلُّ عليه
الظاهرُ، ويكونَ معنى الكلام: ويومَ يقولُ كذلك(٤): ﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾.
تَبَدُّلُهُ(٥) غيرَ السماواتِ والأرضِ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ
(١) فى م: ((عبادة)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) سقط من النسخ ، والمثبت يقتضيه السياق .
(٤) فى م: (( لذلك)).
(٥) فى م: (( تبدل)).

٣٣٩
سورة الأنعام : الآية ٧٣
السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، ثم ابْتَدَأُ الخبرَ عن القولِ فقال: ﴿ قَوْلُهُ اُلْحَقُّ﴾.
ج
بمعنى: وعدُه هذا) الذى وعَدَ تعالى ذكرُه، مِن تبديلِه السماواتِ والأرضَ غيرَ
الأرضِ والسماواتِ، الحقُّ الذى لا شكَّ فيه، ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ
الضُّورِ﴾. فيكونُ قولُه: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ﴾ . مِن صلةِ المُلْكِ ، ويَكونُ معنى
الكلام : وللَّهِ الملكُ يومَئذٍ؛ لأن النفخةَ الثانيةَ فى الصورِ حالَ تبديل اللَّهِ السماواتِ
والأرضَ غيرَهما (٣).
وجائزٌ أن يكونَ القولُ، أَعْنِى: ﴿قَوْلُهُ اُلْحَقُّ﴾. مرفوعًا بقولِه: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ
كُنْ فَيَكُونٌ﴾. ويكونَ قولُه: ﴿كُنْ فَيَكُونٌ﴾. محلًّا للقولِ مُرافعًا.
فيكونُ تأويلُ الكلام: وهو الذى خلق السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ، ويومَ
يُبَدِّلُها غيرَ السماواتِ والأرضِ فيقولُ لذلك: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اُلْحَقُّ﴾ .
٢٤١/٧
/وأما قولُه: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ اُلُّورِ﴾ . فإنه خُصَّ بالخبرِ عن
ملكِه يومَئذٍ ، وإن كان الملكُ له خالصًا فى كلِّ وقتٍ فى الدنيا والآخرةِ ؛ لأنه عنَى
تعالى ذكرُه أنه لا مُنازِعَ له فيه يومَئذٍ ، ولا مُدَّعِىَ له، وأنه المنفردُ به دونَ كلِّ مَن كان
يُنازِعُه فيه فى الدنيا مِن الجبابرةِ ، فَأَذْعَن جميعُهم يومَئذٍ له به، وعلموا أنهم كانوا مِن
دعواهم فى الدنیا فی باطلٍ .
واخْتُلِف فى معنى ((الصورِ)) فى هذا الموضع ؛ فقال بعضُهم: هو قرنٌ يُنْفَخُ فيه
نَفْختان؛ إحداهما لفناءٍ مَن كان حيًّا على الأرضِ ، والثانيةُ لنشرِ كلِّ مَيتٍ . واغْتُلُّوا
لقولِهم ذلك بقوله (١: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((هو)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وغيرهما)).
(٣) سقط من : ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
٠

٣٤٠
سورة الأنعام : الآية ٧٣
مَنْ شَآءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وبالخبرِ الذى رُوِى
عن رسولِ اللهِ عَ لَه، أنه قال إذ سُئِل عن الصورِ: ((هو قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه))(١).
وقال آخرون : الصورُ فى هذا الموضعِ جمعُ صُورةٍ، يُنْفَخُ فيها رُوحُها فتَحْيا ،
كقولهم : شُورٌ. لسورِ المدينةِ، وهو جمعُ سُورةٍ، كما قال جريرٌ() :
* شُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ *
والعربُ تقولُ: نُفِخ فى الصورِ، ونُفِخ الصورُ. ومِن قولهم: نُفِخ الصورُ.
قولُ الشاعر (٤):
لولا ابنُ جَعْدةَ لم تُفْتَعْ قُهُنْدُزُكُمْ(٥) ولا خُراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ صَ الِ
أنه قال: ((إن إِسْرافيلَ قد الْتَقَم الصُّورَ وحنَى جَبْهَتَه، يَنْتَظِرُ متى يُؤْمَرُ فِيَنْفُخَ)). وأنه
قال: ((الصُّورُ قرِنٌ يُنْفَخُ فيه)) .
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ فى قوله: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِ اُلُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ﴾. يعنى: أن عالمَ الغيبِ والشهادةِ " هو الذى يَنْفُخُ فى الصورِ.
(١) ينظر ما سيأتي تخريجه فى تفسير الآية ٩٩ من سورة الكهف، والآية ٨٧ من سورة النمل، والآية ١٨ من
سورة النبأ.
(٢) فى النسخ: ((لقولهم)). والمثبت هو الصواب.
(٣) تقدم تخريج البيت بتمامه فى ٦٢٣/١.
(٤) البيت فى نسب قريش ص ٣٤٥، ومعانى القرآن للفراء ٣٤٠/١ والمعرب للجواليقى ص ٣١٥، واللسان
(ن ف خ، ص و ر).
(٥) القهندز: اسم جنس لكل حصن فى وسط المدينة العظمى، وقلّ ما يخلو بلد من خراسان وما وراء النهر
من قهندز. المشترك وضعا ص ٣٦٣.
(٦ - ٦) سقط من: ص، ت١، ت٣، س.