النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
سورة الأنعام : الآية ٦٥
علىٍّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: يُسَلِّطُ
بعضكم على بعضٍ بالقتلِ والعذابِ (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ ، قال: عذابُ هذه الأمَّةِ أهلِ الإقرارِ بالسيفِ ، ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ
بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. وعذابُ أهلِ التكذيبِ الصَّيْحةُ والزلْزلةُ(٢) .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: ◌ُنِى بها
المسلمون مِن أمة محمدٍ عَلَّهِ، وفيهم نزَلَت .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانُ، قال: أخبرنا ابنُّ المباركِ ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ، عن أبى العاليةِ فى قولِهِ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾
الآية. قال: فهن أربعٌ، وكلُّهن عذابٌ، فجاء (" مستقَرُ اثنتين٢) بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ
عَّهِ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ فلُبِسوا شِيعًا، وأَذِيق بعضُهم بأسَ بعضٍ، ويقِيَت
اثنتان ، فهما لابدَّ واقِعتانٍ. يعنى الخَشْفَ والَسْخَ ،
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: لأمةِ محمدٍ
عَلَه، وأغْفاكم منه، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ
والاختلافِ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٢/٤ (٧٤١٦) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣ - ٣) فى م: ((منهن اثنتين)).
(٤) تفسير مجاهد ص٣٢٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣١٠، ١٣١١ (٧٤٠٤، ٧٤١٣).
٣٠٢
سورة الأنعام : الآية ٦٥
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلّ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية: ذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ عَمِ صلَّى ذاتَ يوم الصبحَ
فأطالها ، فقال له بعضُ أهلِه: يا نبيَّ اللَّهِ ، لقد صَّيْتَ صلاةٌ ما كنتَ تُصَلِّيها ! قال :
((إنها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ ، وإنى سأَلْتُ ربى فيها ثلاثًا؛ سأَلْتُه ألّا يُسَلِّطَ على أُمَّتِى
عدوًّا مِن غيرِهم فيُهْلِكَهم، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألّا يُسَلِّطَ على أمتى السَّنَةَ،
فأعْطانِيها، وسأَلْتُه ألّا يَلْبِسَهم شِيَعًا ولا يُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنَعَنيها))(١).
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ◌َلِ كان يقولُ: «لاتَزالُ طائفةٌ مِن أمَّتى يُقاتِلون على الحقِّ
ظاهرِين، لا يَضُرُّهم مَن خذَلهم حتى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ))(٢) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القرشىُّ وسعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ، قالا : ثنا سفيانُ بنُ عيينةً،
عن عمرٍو، سمِع جابرًا يقولُ: لَّ أَنْزَل اللَّهُ تعالى على النبيِّ ◌َّهِ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ / عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: ((أَعوذُ بوجهِك)). ﴿أَوْ
◌َلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُرْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: ((هاتان أَيْسَرُ، أو أَهْوَنُ))(٢).
٢٢٣/٧
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ عُيَينةً، عن عمرٍو، عن جابرٍ، قال: لَّ نزَلَت
(١) أخرجه أحمد ٤٦٨/١٩ (١٢٤٨٦) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه مسلم (٢٨٨٩) من حديث
ثوبان بنحوه .
(٢) أخرجه البخارى (٧٤٦٠) من حديث معاوية .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢١١/٢، والحميدى (١٢٥٩)، ونعيم بن حماد فى الفتن (١٧٣٠)، وأحمد
٢١٨/٢٢ (١٤٣١٦)، والبخارى (٧٣١٣)، والترمذى (٣٠٦٥)، وأبو يعلى (١٩٦٧)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ١٣١١/٤ (٧٤١٠)، وابن حبان (٧٢٢٠)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٤٦) من طريق سفيان
به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٦٥،١١١٦٤)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٤٧) من طريق
عمرو به، وزاد عزوه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
٣٠٣
سورة الأنعام : الآية ٦٥
﴿ قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ . قال:
(«نَعوذُ بك، نَعوذُ بك)). ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ((هو أَهْوَنُ)).
حدَّثنى زيادُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ المرّىُّ(١) ، قال: ثنا مَزْوانُ بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، قال : ثنا
أبو مالك، قال: ثنى نافعُ بنُ خالدِ الخُراعىُّ، عن أبيه، أن النبيَّ عَّمِ صلَّى
صلاةٌ [٧٦٢/١] خفيفةٌ تامَّةً الركوع والسجودِ، فقال: ((قد كانت صلاةَ رَغْبةٍ
ورَهْبةٍ ، فسأَلْتُ اللَّهَ فيها ثلاثًا، فأعْطانى اثنتين وبقِى واحدةٌ ؛ سأَلْتُ اللَّهَ ألا يُصِيبَكم
بعذابٍ أصاب به مَن قبلَكم ، فأعطانيها ، وسأَلْتُ اللَّهَ ألّا يُسَلِّطَ عليكم عدوًّا يَستبيح
بَيْضِتَكم، فأعطانيها، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَكم شِيَعًا وَيُذِيقَ بعضَكم بأسَ بعضٍ،
فمنَعَنيها))(١) . قال أبو مالكٍ: فقلتُ له: أبوك سمِع هذا مِن رسولِ اللَّهِ مَّمٍ؟ فقال:
نعم، سمِعْتُه يُحَدِّثُ بها القومَ أنه سمِعها مِن فِى رسولِ اللهِ عٍَّ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ،
عن أبى قلابةَ ، عن أبى الأشعثِ ، عن أبى أسماءَ الرَّحَبِىِّ، عن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ ، يَرْفَعُه
إلى النبيِّ عَّهِ، أنه قال: ((إن اللَّهَ زَوَى لىَ الأَرضَ حتى رأيْتُ مَشارقَها ومَغاربَها ،
وإن مُلْكَ أمتى سيَتْلُغُ ما زُوِى لى منها، وإنى أَعْطِيتُ الكنزَيْنِ الأحمر والأبيضَ،
وإنى سأَلْتُ ربى ألّا يُهْلِكَ قومى بسَنَةٍ عامَّةٍ ، وألا يَلْبِسَهم شِيَعًا، ولا يُذِيقَ بعضَهم
بأسَ بعضٍ، فقال: يا محمدُ ، إنى إذا قضَيْتُ قَضاءً فإنه لا يُرَدُّ، وإنى أَعْطَيْتُك
لِأَتِك ألَّا أُهْلِكَهِم بِسَنَةٍ بعامَّةٍ(٤) ، ولا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا ثَمَّن سِواهم فَيُهْلِكوهم()
(١) فى النسخ: ((المزنى)). وتقدم على الصواب فى ٢٧٢/٦ .
(٢) فى ص، ت ١: ((فمنعتها)).
(٣) أخرجه الطيرانى (٤١١٢، ٤١١٤) من طريق مروان بن معاوية به ، وأخرجه البخارى فى تاريخه
١٣٨/٣، والطبرانى (٤١١٢ - ٤١١٤) وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٢٦٨/٣ - من طريق
أیی مالك الأشجعی به .
(٤) فى م: ((عامة)).
(٥) فى م، ت٢، ت ٣: ((فيهلكهم)).
٣٠٤
سورة الأنعام : الآية ٦٥
بعامَّةٍ، حتى يَكونَ بعضُهم يُهْلِكُ بعضًا، وبعضُهم يَقْتُلُ بعضًا، وبعضُهم يَسْبِى
بعضًا)). فقال النبىّ ◌َّهِ: ((إنى أَخافُ على أمَّتى الأئمةَ المُضِلِّين، فإذا وُضِع السيفُ
فى أمَّتى لم يُزْفَعْ عنهم إلى يومِ القيامةِ )) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبرَنا مَعْمرٌ، قال :
أَخْبَرَنى أيوبُ، عن أبى قلابةَ، عن أبى الأشعثِ ، عن أبى أسماءَ الرَّحَبيِّ، عن شَدَّادِ
ابنِ أوسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَلِ. فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: وقال
النبىُّ عَِّ: ((إنى لا أَخافُ على أُمَّتى إلا الأئمةَ المُضِلِّين))(١).
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، قال : ثنا معمرٌ ، عن
الزهرىِّ عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَتّابٍ ، قال : راقَب خبَّابُ بنُ
الأَرَتِّ، وكان بدريًّا ، النبىَّ عَلَّهِ وهو يُصَلّى، حتى إذا فرغ، وكان فى الصبح، قال له :
يا رسولَ اللَّهِ، لقد رأَيُك تُصَلِّى صلاةً ما رأيتُك صلَّيْتَ مثلَها ! قال: (( أَجَلَ، إِنها صلاةٌ
رَغَبِ ورَهَبٍ ، سأَلْتُ ربى ثلاثَ خِصالٍ، فَأَعْطانى اثنتين ومنَعَنى واحدةً ؛ سأَلْتُه ألا
يُهْلِكَنا بما أَهْلَك به الأَمَمَ، فَأَعْطانى، وسأَلْتُه ألا يُسَلِّطَ علينا عدوًّا، فأعطانى، وسأَلْتُه ألا
يَلْبِسَنا شِيَعًا، فمنَعَنی)) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا مَعْمٌ، عن
الزهرىِّ " عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَتّابٍ " فى قوله : ﴿أَوَ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: راقَب ختَابُ بنُ الأَرَتِّ، وكان بدريًّا، رسولَ اللَّهِ عَلَه .
فذكر نحوه، إلا أنه قال: ((ثلاثَ خَصَلاتٍ))(٢).
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١٠/١، ومن طريقه أخرجه أحمد ٣٣٩/٢٨ (١٧١١٥) والبزار (٣٤٨٧).
(٢ - ٢) سقط من النسخ ، والمثبت من مصادر التخريج .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢١٠/١، ومن طريقه الطبرانى (٣٦٢٤)، وأخرجه أحمد ١٠٨/٥، ١٠٩ (اليمنية)،
والترمذى (٢١٧٥)، والنسائى (١٦٣٧)، والطيرانى (٣٦٢١ - ٣٦٢٣) وابن حبان (٧٢٣٦)، من طرق
عن الزهرى به .
٣٠٥
سورة الأنعام : الآية ٦٥
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
عمرو بن دينارٍ، قال: سمِعْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: لَمَّ نزَلَت على النبىّ ◌ِلَّه:
﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ﴾. قال النبىُّ عَلَّهِ: ((أَعُوذُ
بوجهِك)). ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال النبيُّ عَله: ((أعوذُ بوجهِك)). ﴿أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: ((هذه أهونُ))(١) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ ، أن
النبيَّ عَّمِ قال: ((سأَلْتُ ربى أربعًا(٢)، فأُعْطِيتُ ثلاثًا، ومُنِعْتُ واحدةً ؛ سأَلْتُه ألا
يُسَلِّطَ على أمتى عدوًّا مِن غيرِهم يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهم، ولا يُسَلِّطَ عليهم مُجُوعًا، ولا
يَجْمَعَهم على ضَلالةٍ، فَأَعْطِيتُهن، وسأَلْتُه ألا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بعضَهم بأَسَ
بعضٍ ، فمُنِعْتُ )) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ لَّهِ: ((إنى سأَلْتُ ربى خِصالا، فأعطانى ثلاثًا
ومنَعَنى واحدةً ؛ سأَلْتُه ألا تَكْفُرَ أمتى صَفْقَةً واحدةً، فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يُظْهِرَ
عليهم عدوًّا مِن غيرِهم ، فأعطانيها، وسأَلْتُه ألَّ يُعَذِّبَهم بما عذَّب به الأُمَمَ مِن قبلِهم ،
فأعْطانيها، وسأَلْتُه ألا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنيها)).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن
الحسنِ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ؛ قولُه: ﴿ وَيُذِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال
الحسنُ: ثم قال لمحمدٍ عَّمِ وهو يُشْهِدُه عليهم: ﴿اَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ﴾. فقام رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ، فَتَوَضَّأ، فسأَل ربَّه ألا يُؤْسِلَ عليهم عذابًا مِن
(١) تفسير عبد الرزاق ٢١١/١، وتقدم فى ص ٣٠٢ .
(٢) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ٢٠/٩ )
٣٠٦
سورة الأنعام : الآية ٦٥
٢٢٥/٧
فوقِهم، أو مِن تحتِ أرجلِهم ، ولا يَلْبِسَ أمتَه شِيَعًا ، ويُذِيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ، كما
أذاق بنى إسرائيلَ ، فهبَط إليه جبريلُ عليه السلامُ، فقال: يا محمدُ ، إنك سأَلْتَ
ربَّك أربعًا، فأعطاك اثنتين ومنَعَك اثنتين؛ لن يَأْتِيَهم عذابٌ مِن فوقِهم ولا مِن تحتٍ
أرجلِهِم يَسْتَأْصِلُهم ، فإنهما عذابان لكلِّ أمةٍ اسْتَجْمعت(١) على تكذيبٍ نبيِّها وردّ
كتابٍ [٧٦٣/١و] ربِّها، ولكنهم يَلْبِسُهم شِيَعًا وَيُذِيقُ بعضَهم بأسَ بعضٍ، وهذان
عذابان لأَهلِ الإقرارِ بالكتبِ والتصديقِ بالأنبياءِ، ولكن يُعَذَّبون بذنوبِهم، وأُؤْحَى
إليه : ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم تُمْنَفِمُونَ﴾. يقولُ: مِن أمتِك ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى
وَعَدْنَهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]. مِن / العذابِ وأنت حىٍّ؛ ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ﴾
[الزخرف: ٤١، ٤٢]. فقام نبىُّ اللّهِ مِله، فراجَع ربَّه، فقال: ((أىُّ مُصيبةٍ أشدُّ مِن أن
أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ
أَرَى أمتى يُعَذِّبُ بعضُها بعضًا)). وأَوْحَى إليه: ﴿ الَّمَ
وَلَقَدْ فَتَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣]. فَأَعْلَمِه أَن أَمَّتَه لم تُخَصَّ دونَ الأمم
بالفتنِ، وأنها ستُتَلَى كما ابْتُلِيَتِ الأمُ، ثم أَنْزَل عليه: ﴿ قُل رَّبٍّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤].
يُوعَدُونَ (٩٣
فتعَوَّذ نبىُ اللَّهِ فأعاده اللَّهُ ، لم يَرَمِن أمتِه إلا الجماعةَ والأَلْفةَ والطاعةَ ، ثم أَنْزَل عليه آيةً
حذَّر فيها أصحابَه الفتنةَ، فأخْبَرَه أنه إنما يُخَصُّ بها ناسٌ منهم دونَ ناسٍ، فقال :
﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اَلْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]. فخَصَّ بها أقوامًا مِن أصحابٍ محمدٍ ◌َّالِ بعدَه، وعصَم
(٢)
بها أقوامًا(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج ، عن أبى جعفرٍ ، عن الربيعِ
(١) فى م: ((اجتمعت)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٣ إلى المصنف.
٣٠٧
سورة الأنعام : الآية ٦٥
ابنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ، قال: لمََّ جاء جبريلُ إلى النبيِّ ◌ِلّهِ، فَأُخْبَرَه بما يَكونُ فى
أمتِهِ مِن الفُرْقةِ والاخْتِلافِ، فشقَّ ذلك عليه، ثم دعا، فقال: ((اللهم أَظْهِرْ عليهم
=(١)
أفضلَهم بَقِيَّةً(١))).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو الأسودِ ، قال: أَخْبِرَنا ابنُ لهيعةً، عن خالدِ بنِ
يزيدَ، عن أبى الزُبيرِ، قال: لَّ نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللَّهِ عَ لَهِ: ((أَعُوذُ باللَّهِ مِن ذلك)). قال: ﴿أَوْ مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: ((أَعُوذُ باللَّهِ مِن ذلك)). قال: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال:
((هذه أَيْسرُ)). ولو اسْتَعاذه لأَعاذَه(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا المُؤمَّلُ البصرىُّ، قال: أَخْبرَنا
يعقوبُ بنُ إسماعيلَ بنِ يَسارِ المَدِينُ، قال: ثنازيدُ بنُّ أسلمَ، قال: لمََّ نزَلَت: ﴿قُلّ
هُوَ اَلْقَادِرُ عَ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوَ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِقَ
بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال رسولُ اللَّهِ عَه: (( لا تَرْجِعوا بعدى كفارًا يَضْرِبُ بعضُكم
رقابَ بعضٍ بالسيوفِ)). فقالوا: ونحن نَشْهَدُ ألا إلهَ إلا اللّهُ، وأنك رسولُ اللَّهِ!
قال: ((نعم)). فقال بعضُ الناس: لا يَكونُ هذا أبدًا. فأنّزَل اللَّهُ: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ
نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَّهُونَ
وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيَّكُمْ
٦٥
لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥-٦٧].
(٦٦
پِکیلٍ
وقال آخرون : عُنِى ببعضِها أهلُ الشركِ، وببعضِها أهلُ الإسلامِ .
(١) فى م: ((تقية)). وبقية: يقال: قوم لهم بقية، إذا كانت بهم مُشكة وفيهم خير. ينظر اللسان
(ب ق ی).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١١/٤ (٧٤١١) من طريق أبى الأسود موصولًا عن أبى الزبير، عن
جابر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٢/٤ (٧٤١٨) من طريق المؤمل به .
٣٠٨
سورة الأنعام : الآية ٦٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابنُ المباركِ ، عن هارونَ بنِ
موسى، عن حفصٍ بنٍ سليمانَ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: هذا للمشركين. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ
شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال: هذا للمسلمين(١) .
والصوابُ مِن القولِ عندى أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه توَعَّد بهذه الآيةِ أهلَ
٢٢٦/٧ الشركِ به مِن عَبَدةِ الأوثانِ، / وإياهم خاطَبَ بها؛ لأنها بينَ إِخْبارٍ عنهم وخطابٍ
لهم، وذلك أنها تَتْلُو قوله: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُمْ تَضَرُّعًا
قُلِ اللَّهُ يُنَبِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِّ
وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا(٢) مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّنْكِينَ
كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. ويَتْلُوها قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ اَلْحَقٌّ﴾ . وغیرُ
جائزٍ أَن يَكونَ المؤمنون كانوا به مُكَذِّبِين، فإذا كان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ ذلك كذلك،
وكانت هذه الآيةُ بينَ هاتين الآيتين، كان بيِّنًا أن ذلك وَعيدٌ لَمَن تقَدَّم وصفُ اللَّهِ إِياه
بالشركِ، وتأَخَّر الخبرُ عنه بالتكذيبِ ، لا لمن لم يَجْرِ له ذكرٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان
كذلك، فإنه قد عَمَّ وعيدُه بذلك كلّ مَن سلَك سبيلَهم مِن أهلِ الخلافِ على اللَّهِ
وعلى رسولِه، والتكذيبِ بآياتِ اللَّهِ مِن هذه وغيرِها .
وأما الأخبارُ التى رُوِيَت عن رسولِ اللَّهِ عَ لِ أنه قال: ((سأَلْتُ ربى ثلاثًا ،
فأَعْطانى اثنتَيْنْ ومنَعَنى واحدةً)). فجائزٌ(١) أن هذه الآيةَ نزَلَت فى ذلك الوقتِ وعيدًا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٠/٤ (٧٤٠٥) من طريق هارون به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أنجيتنا)). وهى قراءة، وينظر الكلام عليها فى ص ٢٩٤.
(٣) فی ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( و)).
:
٣٠٩
سورة الأنعام : الآية ٦٥
لمَن ذكَرْتُ مِن المشركين ومَن كان على مِنْهاجِهم مِن المخالِفِين ربَّهم ، فسأَل رسولُ
اللَّهِ عَمِ ربَّه أن يُعِيذَ أَمتَه مما ابْتُلِى به الأممُ الذين اسْتَوْجَبوا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه
بمعصيتهم إياه هذه العقوباتِ، فأعاذَهم بدعائِه إياه ورغبته إليه مِن المعاصى التى
يَسْتَحِقُّون بها مِن هذه الخلال الأربع مِن العقوباتِ اثْتين (١)، ولم يُعِذْهم مِن ذلك
[٧٦٣/١ظ] ما يَسْتَحِقُون به اثنتين منها .
وأما الذين تأَوَّلوا أنه عنَى بجميع ما فى هذه الآيةِ هذه الأمةَ، فإنى أراهم
تأوَّلُوا أن فى هذه الأمةِ مَن سيَأْتِى مِن مَعاصِى اللَّهِ وركوبٍ ما يُشْخِطُ اللَّهَ،
نحوَ الذى ركِب مَن قبلَهم مِن الأمم السالفةِ، مِن خلافِه والكفرِ به، فيَحِلَّ
بهم مثلُ الذى حَلَّ بَن قبلَهم مِن المثَلاتِ والنّقَماتِ، وكذلك قال أبو العاليةِ
ومَن قال بقولِه: جاء "مستقَرُ اثنتين٢) بعدَ رسولِ اللَّهِ عَلّهِ بخمسٍ وعشرين
سنةً، وبقِيَت اثنتان؛ الخَشْفُ والمَسْخُ. وذلك أنه رُوِى عن رسولِ اللَّهِ مَّم أنه قال:
((سيَكُونُ فى هذه الأمةِ حَسْفٌ ومَسْخُ وقَذْفٌ))(٢) . وأن قومًا مِن أمتِه سيبیتون على
لهوٍ ولعبٍ، ثم يُصْبِحون قِرَدةً وخَنازيرَ(٤). وذلك إذا كان، فلا شكَّ أنه نظيرُ الذى
كان فى الأمم الذين عَتَوْا على ربِّهم فى التكذيبِ وجحَدوا آياتِه .
وقد رُوِى نحوُ الذى رُوِى ، عن أبى العاليةِ ، عن أَبيِّ .
حدّثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا وَ کیڤٌ ، وحدثنا سفيان ، قال : أخبرنا أیی ، عن أبى جعفرٍ
الرازىِّ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ، عن أبيّ بنِ كعبٍ: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ
(١) فى م: ((أغلظها )).
(٢ - ٢) فى م: ((منهن اثنتان)).
(٣) أخرجه الترمذى (٢١٨٥).
(٤) أخرجه البخارى (٥٥٩٠) معلقا من حديث أبى عامر أو أبى مالك الأشعرى، ووصله البيهقى ١٠/ ٢٢١،
والحافظ فى التغليق ١٧/٥.
٣١٠
سورة الأنعام : الآيات ٦٥ - ٦٧
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ آَوْ يَلِسَكُمْ شِيعًا ﴾ . قال : هنَّ أربعُ خِلالٍ ،
وكلّهن عذابٌ ، وكلُّهن واقعٌ قبلَ يوم القيامةِ ، فمضَت اثنتان بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ
عَِّ بخمسٍ وعشرين سنةً؛ أُلْبِسوا(١) شِيعًا، وأُذِيقَ بعضُهم بأسَ بعضٍ، وثنتان
واقِعتان لا مَحالةَ؛ الخسفُ والرجمُ (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
•
٦٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلَّهِ: انْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك إلى تَرْدِيدِنا
حُجَجَنا على هؤلاء المكذُّبِين بربِّهم، الجاحِدِين نِعَمَه، وتَصْرِيفِناها فيهم ﴿ لَعَلَّهُمْ
٢٢٧/٧ يَفْقَهُونَ﴾. يقولُ: ليتفقّهوا(٢) ذلك / ويَعْتَبِروه ، فَيَذَّكَّروا ويَزْدَجِروا عما هم عليه
مُقِيمون ، مما يَسْخَطُه اللَّهُ منهم مِن عبادة الأوثانِ والأصنامِ ، والتكذيبِ بكتابِ اللَّهِ
تعالی ذکژه ورسوله ێهِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٦٧
يقولُ تعالى ذكرُه: وكذَّب يا محمدُ قومُك بما تَقولُ وتُخْبِرُ وتُوعِدُ مِن
الوَعيدِ، ﴿ وَهُوَ الْحَقٌّ﴾. يقولُ: والوعيدُ الذى أُوْعَدْناهم على مُقَامِهم على
شركِهم، مِن بعثِ العذابِ مِن فوقِهم، أو مِن تحتِ أرجلِهم، أو لَتْسِهم شِيَعًا ،
-
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( ثم لبسوا)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥/ ١٨٠، وأحمد فى مسنده ١٣٤/٥، ١٣٥ (الميمنية)، وأبو نعيم فى
الحلية ٢٥٣/١ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٩/٤ (٣٧٩٨) من طريق
أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن
مردويه .
(٣) فى م: ((ليفقهوا)).
٣١١
سورة الأنعام : الآيتان ٦٧،٦٦
وإذاقةِ بعضِهم بأسَ بعضِ - الحُّ الذى لاشكَّ فيه أنه واقعٌ، إن هم لم يَتُوبوا
ويُنِيبُوا مما هم عليه مُقِيمون مِن معصيةِ اللَّهِ والشركِ به ، إلى طاعةِ اللَّهِ والإيمانِ
به . ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: قلْ لهم يا محمدُ: لستُ عليكم بحفيظٍ
ولا رَقِيبٍ، وإنما أنا رسولٌ أَبَلِّغُكم ما أَرْسِلْتُ به إليكم، ﴿لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
يقولُ: لكلِّ خبرٍ ﴿ مُسْتَقَرٌ﴾. يعنى: قَرَارٌ يَسْتَقِرُ عندَه، ونهايةٌ يَنْتَهِى إليها ، فِيَتَبَيَّنَ
حقُّه وصدقُه مِن كذبِهِ وباطلِه. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وسوف تَعْلَمون
أيُّها المُكَذِّبون بصحةٍ ما أَخْبِرُكم به مِن وعيدِ اللَّهِ إياكم أيُّها المشركون، وحقيقته (١)
عند حلول عذابه بکم، فرأوا ذلك وعاینوه، فقتلهم يومئذٍ بأيدِی أولیائِه مِن
المؤمنين .
وبنحوِ الذى قلنا مِن التأويل فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: كذَّبَت قريشٌ بالقرآنِ وهو
الحقُّ. وأما الوكيلُ فالحفيظُ. وأما ﴿لِكُلِّ نَاٍ مُسْتَقَرٌ﴾، فكان نبأُ القرآنِ اسْتَقَّرَ يومَ
بدرٍ ، بما كان يَعِدُهم مِن العذابِ(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ نَبَارِ مُسْتَقَرٌ﴾: لكلِّ نبأً حقيقةٌ، إما فى الدنيا وإما فى الآخرةِ ،
(١) فى م: ((حقيته)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٣/٤ (٧٤٢٠، ٧٤٢١، ٧٤٢٤) من طريق أحمد بن مفضل به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣ إلى أبى الشيخ.
٣١٢
سورة الأنعام : الآيتان ٦٧، ٦٨
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما كان فى الدنيا فسوف تَرَوْنه، وما كان فى الآخرةِ يَبْدُو
(١)
لكم(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُاللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح ،عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لِكُلِّ نَبَلٍ مُسْتَقَرٌ﴾. يقولُ: حقيقةٌ (٢)
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقٌَّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فعلٌ
وحقيقةٌ، ما كان منه فى الدنيا، وما كان منه فى الآخرةِ(١) .
وكان الحسنُ يَتَأَوَّلُ فى ذلك أنه الفتنةُ التى كانت بينَ أصحابٍ
رسولِ اللَّهِ ت لتهِ .
٢٢٨/٧
/ حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ ، عن جعفرِ بنِ
حَيَّانَ، عن الحسنِ أنه قرَأ: ﴿لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ﴾ . قال: حُبِست عقوبتُها ، حتى
إذا(٤) مُمِل ذنبُها أُرْسِلَت عقوبتُها(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اُلْقَوْمِ
الظَّلِمِينَ
٦٨
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٣/٤ (٧٤٢٥) من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٣/٤ (٧٤٢٢) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣ إلى المصنف.
(٤) سقط من النسخ والدر المنثور، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٣/٤ (٧٤٢٣) من طريق جعفر بن حيان به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
٣١٣
سورة الأنعام : الآية ٦٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّالِ: وإذا رأيتَ يا محمدُ المشركين الذين
يَخُوضُون فى آياتِنا التى أَنْزَلناها [٧٦٤/١ظ] إليك، ووحْيِنا الذى أَوْحَيْناه إليك.
وخوضُهم فيها كان استهزاءَهم بها ، وسَبَّهم مَن أَنْزَلها وتكَلَّم بها ، وتَكْذيتهم بها .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: فصُدَّ عنهم بوجهِك، وقُمْ عنهم، ولا تَجلِسْ معهم
﴿ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾. يقولُ: حتى يَأْخُذوا فى حديثٍ غيرِ الاستهزاءِ
بآياتِ اللَّهِ، مِن حديثِهِم بينَهم. ﴿ فَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: وإن أنْساك
الشيطانُ نَهْيَنا إياك عن الجلوسِ معهم، والإعراضَ عنهم، فى حالٍ خوضِهم فى
آياتِنا، ثم ذكَرْتَ ذلك، فقُمْ عنهم، ولا تَفْعُدْ بعدَ ذكْرِك ذلك مع القوم الظالمين
الذين خاضُوا فى غيرِ الذى لهم الخوضُ فيه، بما خاضُوا به فيه . وذلك هو معنى
ظلمِهم فى هذا الموضعِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ
غيرهٍ﴾. قال: نهاه اللَّهُ أن يَجْلِسَ مع الذين يَخُوضُون فى آياتِ اللَّهِ يُكَذِّبون بها ،
فإن نسِى فلا يَقْعُدْ بعدَ الذكرى (١) مع القوم الظالمين (١).
حدّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، قال : أخبرنا معمر ، عن
قتادةَ بنحوِه .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن أبى مالكِ
(١) فى ص، ت ١: (( الذكر)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢١٢/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣ إلى عبد بن حميد.
-ے
٣١٤
سورة الأنعام : الآية ٦٨
وسعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا﴾. قال: الذين
يُكَذِّبون بآيَاتِنا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيِّ،
وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾. قال: كان
المشركون إذا جالَسوا المؤمنين وَقَعوا فى النبيّ مَّله والقرآن، فسُّوه واسْتَهْزَءوا به ،
فأمَرَهم اللَّهُ ألا يَقْعُدُوا معهم حتى يَخُوضُوا فى حديثٍ غيرِهِ(٢) .
وأما قولُه: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَتَّكَ الشَّيْطَانُ﴾. يقولُ: نَهْيَنا(١) ، فتَقْعُدُ معهم، فإذا
ذكرتَ نقُمْ .
٢٢٩/٧
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ: ﴿ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون بآيَاتِنَا(٤).
حدّثنی یحیی بنُ طلحةً الیرْبُوعُّ ، قال : ثنا فُضیلُ بنُ عِیاضٍ ، عن ليث ، عن
أبى جعفرٍ، قال: لا تُجالِسوا أهلَ الخصوماتِ ، فإنهم الذين يَخوضُون فى آياتِ
(٥)
اللَّهِ(٥).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىّ بنِ
(١) سيأتي تخريجه فى ص ٣١٦ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٤/٤ (٧٤٣٠) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) فى م: (( نسيت)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٣٢٣.
(٥) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٨٤/٣ من طريق ليث ، عن الحكم، عن أبى جعفر، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠/٣ إلی عبد بن حميد .
٣١٥
سورة الأنعام : الآية ٦٨
أبي طلحةً، عن ابنِ عباس قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَئِنَا﴾. وقولَه:
﴿ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ
ج
تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِنَتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقوله: ﴿ أَنَّ أَقِيمُواْ
الدِّينَ وَلَّا نَشَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا فى القرآنِ. قال: أمَر اللَّهُ المؤمنين
بالجماعةِ، ونهاهم عن الاختلافِ والفُرْقةِ، وأخْبَرَهم أنه إنما هلك (١) مَن كان قبلَهم
بالميراءِ والخصوماتِ فى دينِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، عن
مُجاهدٍ قولَه: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَئِنَا﴾. قال: يَسْتَهْزِئُون بها. قال:
نُهِى رسولُ اللَّهِ مَِّ أن يَقْعُدَ معهم إلا أن يَنْسَى، فإذا ذكَر فلْيَقُمْ، فذلك قوله:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا
يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾.
قال ابنُ نجريج: كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ ◌َّهِ يُحِبُّون أن يَسْمَعوا
منه ، فإذا سمِعوا اسْتَهْزَءوا، فَنزَلَت: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَلِنَا فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ﴾ الآية (٣) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَئِنَا﴾. قال: يُكَذِّبون .
(١) فى ص، ت ١: ((أهلك)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٤/٤ (٧٤٢٦) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٣. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٥/٤ (٧٤٣٣) من طريق يحيى ، عن
مجاهد، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، وسيأتى قول ابن
جريج بتمامه فى ص ٣١٧ .
٣١٦
سورة الأنعام : الآيتان ٦٨ ، ٦٩
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا عُبيدُ(١) اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عن أبى
مالكِ قولَه: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ
غَيْهٍ﴾. يعنى المشركين، ﴿ وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُّ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ
اُلَّلِينَ﴾: إن نسِيتَ فذكَوْتَ فلا تَجْلِسْ معهم(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ
٦٩٦
وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ(
يقولُ تعالى ذكره : ومَنِ اتَّقَى اللَّهَ فخافَه، فأطاعه فيما أَمَرَه به ، واجْتَنَب ما
نهاه عنه، فليس عليه بتركِ الإعراض عن هؤلاء الخائِضِین فی آیاتِ اللَّهِ فی حالٍ
خوضِهم فى آياتِ اللَّهِ - شىءٌ مِن تَبِعةٍ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ ، إذا لم يَكُنْ تركُه
الإعراضَ عنهم رِضًا بما هم فيه، وكان للَّهِ بحقوقِهِ مُتَّقِيًّا، ولا عليه مِن إثمِهم بذلك
حَرَجُ، ولكن لِيُغْرِضوا عنهم حينَئِذٍ ذِكْرَى لأمرِ اللَّهِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾. يقولُ:
لیَتَّقُوا .
٢٣٠/٧
ومعنى (( الذكرى)) / الذكرُ، والذكرُ والذكرى بمعنّى.
وقد يجوز أن یکونَ ﴿نرى﴾ فی موضع نصبٍ ورفع ؛ فأما النصبُ فعلی
ما وصَفْتُ مِن تأويلٍ: ولكن لِيُعْرِضوا عنهم ذكرى. وأما الرفعُ فعلى تأويلٍ: وما
على الذين يَتَّقُون مِن حسابِهِم شىءٌ ١ بتركِ الإغراضِ، ولكن إِغْراضُهم ذكرى
(١) فى النسخ: (( عبد الله )) وتقدم مرارًا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٤/٤، ١٣١٥ (٧٤٢٩، ٧٤٣٥) من طريق عبيد الله بن
موسى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر وأبى
الشيخ .
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) بعده فى: ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بمعنى)).
٣١٧
سورة الأنعام : الآية ٦٩
لأمرِ اللَّهِ ، لعلهم يَتَّقُون .
وقد ذُكِر أن النبىّ عَ لّه إنما أُمِر بالقيام عن المشركين إذا خاضُوا [٧٦٤/١ظ] فى
آياتِ اللَّهِ؛ لأن قيامَه عنهم كان ممّا(١) يكرهونه، فقال اللَّهُ له: إذا خاضُوا فى آياتٍ
اللّهِ ، فقُمْ عنهم ؛ ليتَّقوا الخوضَ فيها ويَتْرُكوا ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْج، قال :
كان المشركون يَجْلِسون إلى النبيِّ عَلَّهِ يُحِبُّون أن يَسْمَعوا منه، فإذا سمِعوا
اسْتَهْزءوا، فَنزَلَت: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى
حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ الآية. قال: فجعَلُ(١) إذا اسْتَهْزَءوا قام، فحذِروا وقالوا: لا تَسْتَهْزِئوا
فيقومَ. فذلك قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أن يَخوضوا فيقومَ، ونزَل: ﴿ وَمَا عَلَى
اُلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ إِن تَقْعُدْ(١) معهم، ولكن لا تَقْعُدْ(٤)، ثم
نسخ ذلك قولُه بالمدينةِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَّرُ
بِهَ وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَّةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾
[النساء: ١٤٠] فتُسِخ قولُه: ﴿وَمَا عَلَ اُلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾
الآية(٥) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾. يقولُ: مِن
(١) فى ص، ت١، س: ((فيما)).
(٢) فى ص، س، والدر: ((فجعلوا)).
(٣) فى ص، س، ت ١: ((قعد))، وفى م، ت٢، ت ٣: ((قعدوا))، والمثبت من الدر المنثور.
(٤) فى م: (( تقعدوا)) .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٣، ٢١ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.
٣١٨
سورة الأنعام : الآيتان ٦٩، ٧٠
حسابِ الكفارِ مِنِ شىءٍ، ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾. يقولُ: إذا ذكرتَ فقمْ، ﴿لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ﴾ مَساءتَكم، إذا رأَؤكم لا تُجالِسونهم اسْتَخْيَوْا منكم فكفُّوا عنكم، ثم
نسَخّها اللَّهُ بعدُ، فنهاهم أن يَجْلِسوا معهم أبدًا، قال: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى
اَلْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ﴾ الآيةُ [النساء: ١٤٠].
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبی
نجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾: إن
قعَدوا، ولكن لا تَقْعُدْ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عن أبى
مالكِ: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى﴾.
٠
قال: وما عليك أن يَخوضُوا فى آياتِ اللَّهِ إِذا فِعَلْتَ ذلك(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوًا وَغَرَّتْهُمُ
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ/ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ
وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ .
٢٣١/٧
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: ذَرْ هؤلاء الذين اتخذوا دينَ اللَّهِ
وطاعتَهم إياه لعبًا ولهوًا، فجعلوا محظوظَهم مِن طاعتهم إياه اللعبَ بآياتِه ، واللهوَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٦/٤، ١٣١٧ (٧٤٤١، ٧٤٤٤) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٦/٤ (٧٤٣٩) من طريق عبيد الله بن موسى به، وتقدم أوله فى
ص ٣١٤، ٣١٦.
٣١٩
سورة الأنعام : الآية ٧٠
والاستِهزاءَ بها إذا سمِعوها وتُلِيَت عليهم ، فأغْرِضْ عنهم ، فإنى لهم بالمرصادِ ، وإنى
لهم مِن وراءِ الانتقام منهم، والعقوبةِ لهم على ما يَفْعَلون، وعلى اغترارِهم بزينةٍ
الحياةِ الدنيا، ونسيانِهم المَعادَ إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه، والمصيرَ إليه بعدَ المماتِ.
کالذی حدّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن
ابنِ أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًّا
وَلَهَوَا﴾. قال: كقوله: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١].
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وقد نسخ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ بقولِه: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وكذلك قال عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُّ المِنْهالِ ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى، عن
قتادةَ: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا﴾: ثم أَنْزَل فى سورةِ ((براءة)) ،
فأمَر بقتالِهم(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عَبدةُ بنُ سليمانَ ، قال : قَرَأْتُ على ابنٍ أَبِى عَروبةَ،
فقال: هكذا سمِعْتُه مِن قتادةَ: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا﴾: ثم
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢٤. ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٧/٤ (٧٤٤٧).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص٣٢٦ من طريق همام به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٢١٢-
ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٧/٤ (٧٤٤٨)، والنحاس فى الناسخ ص٤١٨ - عن معمر عن
قتادة بلفظ آخر ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١/٣ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر .
٣٢٠
سورة الأنعام : الآية ٧٠
أَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه ((براءة))، وأمَر بقتالِهِم، فقال: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ ﴾ .
وأما قولُه: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلْ بِمَا كَسَبَتْ﴾. فإنه يعنى به :
وذكِّرْيا محمدُ بهذا القرآنِ هؤلاء المُؤَلِّين عنك وعنه، ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلٌ﴾. بمعنى:
أَلَّا تُبِسَلَ، كما قال: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦]. بمعنى: ألّا
تَضِلُّوا. وإِنما معنى الكلام: وذَكُرْهم ١ به ليُؤْمِنوا ويَّبِعوا ما جاءَهم مِن عندِ اللَّهِ مِن
الحقِّ، فلا تُبْسَلَ أنفسُهم بما كسَبَت مِن الأَوْزارِ. ولكن محذِفَت ((لا)) لدلالةِ الكلام
عليها .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُرٌ﴾؛ فقال بعضُهم:
معنى ذلك : أن تُسْلَمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
يزيدَ النَّحْوىِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿أَنْ تُبَسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ﴾. قال:
(٢)
تُسْلَمَ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن
الحسنِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلُ﴾. قال: أن تُسْلَمَ .
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحنى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
.(٢)
الحسنِ مثلَه (٢) .
٢٣٢/٧
(١) فى م: ((ذكر)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٨/٤ عقب الأثر (٧٤٥٢) معلقا .