النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة الأنعام : الآية ٥٨
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى
٥٨٦
وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَ لَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم الآلهةَ
والأوثانَ ، المُكَذِّبِيك فيما جثْتَهم به، السائِلِيك أن تَأْتِيَهم بآيةٍ ؛ اسْتِعْجالا منهم
بالعذابِ : لو أن بيدى ما تَسْتَعْجِلون به مِن العذابِ ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ
وَبَيْنَكُمْ﴾ ففُصِل ذلك أسرعَ الفَصْلِ بتَعْجِيلى لكم ما تَسْأَلونى من ذلك
وتَسْتَعْجِلونه ، ولكنَّ ذلك بيدِ اللَّهِ ، الذى هو أعلمُ بوقتٍ إرسالِه على الظالمين، الذين
يَضَعُون عبادتَهم التى لا تَنْبَغِى أن تَكونَ إلا للَّهِ فى غيرِ موضعِها، فيَعْبُدُون مِن دونِه
الآلهةَ والأصنامَ، وهو أعلمُ بوقتِ الانتقامِ منهم ، وحالِ القضاءِ بينى وبينَهم.
وقد قيل: معنى قوله: ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيِّنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ : الذبحُ للموتِ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن ابنِ جُرَيْج، قال: بلَغَنى فى
قوله: ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾. قال: ذبحُ الموتِ(١) .
وَأَحْسَبُ أن قائلَ هذا النوعِ نزَع لقولِه: ﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرِّ
وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]. فإنه رُوِى عن النبيِّ ◌َّهِ فى ذلك قصةٌ تَدُلَّ على معنى ما
قاله هذا القائلُ فى قضاءِ الأمرِ(٢). وليس قولُه: ﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ رَبَيْنَكُمْ﴾
مِن ذلك فى شىءٍ، وإنما هذا أمرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا عَّهِ أَن يَقولَ لمن
اسْتَعْجَله فصْلَ القضاءِ بينَه وبينَهم مِن قولِه بآيةٍ يَأْتِيهم بها : لو أن العذابَ والآياتِ
بيدى وعندى، لعاجَلْتُكم بالذى تَشْأَلُونی مِن ذلك، ولكنه بيدِ مَن هو أعلمُ بما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٣/٤ (٧٣٦٥) من طريق أبى خالد الأحمر به.
(٢) يشير إلى ما رواه البخارى (٤٧٣٠) ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله
مَاقِ: (( يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار)). ثم ذكر ذبحه .
٢٨٢
سورة الأنعام : الآيتان ٥٨، ٥٩
يُصْلِحُ خلقَه منى ومِن جمیعٍ خلقِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى
أَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ﴾ .
يقولُ: وَعِنْدَ اللَّهِ مفائحُ الغيبِ. والمَفَاتحُ: جمعُ مِفْتَحِ، يقالُ فيه: مِفْتَحٌ
ومِفْتَاحٌ. فمَن قال: مِفْتَعٌ. جمَعه مَفاتحَ، ومَن قال: مِفْتاحٌ. جمَعه مفاتيحَ .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ : خزائنُ الغيبِ.
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال : ثنا
أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اٌلْغَيْبِ﴾. قال: يقولُ: خَزائنُ
(١)
الغيبِ() .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن مِشْعَرٍ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
٦
سلِمةً، عن ابنِ مسعودٍ، قال: أُعْطِى نيُكم(١) كلَّ شىءٍ إِلا مَفاتح الغيبِ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْج، عن عطاءٍ
٢١٣/٧ الخراسانيّ، عن / ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. قال: هن خمسٌ :
﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إِلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيٌ﴾(٥
[ لقمان : ٣٤] .
فتأويلُ الكلام إذن : واللَّهُ أَعلمُ بالظالمينِ مِن خلقِهِ، وما هم مُسْتَحِقُّوه، وما هو
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٤/٤ (٧٣٦٨) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) بعده فى ص: (( علم)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٦/٧ (٤٢٥٣) عن وكيع به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٧٧/١١ من طريق مسعر به ،
وأخرجه الطيالسى (٣٨٥)، وأحمد ١٧٢/٦، ٢٣٢/٧ (٣٦٥٩، ٤١٦٧) من طريق عمرو بن مرة به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
٢٨٣
سورة الأنعام : الآية ٥٩
بهم صانعٌ، فإن عنده علم ما غاب علمُه عن خلقِه ، فلم يَطلِعُوا علیه ولم يُدْرِ كوه ولم
يَعْلَموه، ولن(١) يُدْرِكوه، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ﴾. يقولُ: وعندَه علمُ ما نم
يَغِبْ أيضًا عنكم؛ لأن ما فى البرِّ والبحرِ مما هو ظاهرٌ للعينِ يَعْلَمُه العبادُ.
فكأن معنى الكلام: وعندَ اللَّهِ علمُ ما غاب عنكم أيُّها الناسُ مما لا تَعْلَمونه ولن
تَعْلَموه مما اسْتَأَثْرَ بعلْمِه نفسَه، ويَعْلَمُ أيضًا مع ذلك جميعَ ما يَعْلَمُه جميعُكم ، لا
يَخْفَى عليه شىءٌ؛ لأنه لا شىءَ إلا ما يَخْفَى عن الناسِ، أو ما لا يَخْفَى عليهم ، فأخْتَر
تعالى ذكرُه أن عندَه علمَ كلِّ شيءٍ كان ويَكونُ ، وما هو كائنٌ مما لم يَكُنْ بعدُ ،
وذلك هو الغيبُ .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى
◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِئَبٍ مُبِينٍ
٥٩
يقولُ تعالى ذكره : ولا تَسْقُطُ ورقةٌ فى الصَّحارِى والبَرارِىِّ، ولا فى الأمصارِ
والقُرَى ، إلا اللَّهُ يَعْلَمُها، ﴿ وَلَ حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَّا يَابِسٍ إِلَّا فِى
كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: ولا شىءٌ أيضًا مما هو موجودٌ، أو مما سيُوجَدُ ولم يُوجَدْ بعدُ،
إلا وهو مُثْبَتٌ فى اللَّوْحِ المحفوظِ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عددُه ومَبْلَغُه ،
والوقتُ الذى يُوجَدُ فيه، والحالُ التى يَفْتَى فيها .
ویعنی بقوله : ﴿ ◌ُيڼٍ ﴾ . أنه يُبینُ عن صحة ما هو فيه بوجودِ ما ژُسِم فیه علی
ما رُسِم .
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إثباتِه فى اللوح المحفوظِ والكتابِ المبينِ ما لا يَخْفَى
عليه ، وهو بجميعِه عالمٌ لا يَخافُ نسيانَه ؟
(١) فى ص، ت!، ت٢، ت٣، س: ((لا)).
٢٨٤
سورة الأنعام : الآيتان ٥٩، ٦٠
قيل له : للَّهِ تعالى فعلُ ما شاء، وجائزٌ أَن يَكونَ كان ذلك [٧٦٠/١و] منه امتحانًا
منه لحفَظَتِهِ، واختبارًا للمُوَكّلِين بكتابةِ أعمالِهم، فإنهم فيما ذُكِر مَأْمورون بكتابةِ
أعمالِ العبادِ، ثم بعرضِها على ما أثْبْتَه اللَّهُ مِن ذلك فى اللوح المحفوظِ، حتى أَثْبَت فيه
ما أَثْبَت كلَّ يوم. وقيل: إن ذلك معنى قوله: ﴿إِنَّا كُنَا نَسْتَنِسِخُ مَا كُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك لغيرِ ذلك، مما هو أعلمُ به، إما بحُجةٍ
يَحْتَجُ بها على بعضٍ ملائكتِهِ، وإما على بنى آدمَ، وغيرِ ذلك .
وقد حدَّثنى زيادُ بنُ يحيى (١) الحَشَانِىُّ أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ،
قال : ثنا الأعمشُ، عن يزيدَ بنِ أبى زِيادٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ ، قال: ما فى
الأرضِ مِن شجرةٍ ولا كمَغْرِزِ إبرةٍ ، إلا عليها ملكٌ مُؤَكَّلٌ بها ، يَأْتِى اللَّهَ بعلمِها(٢)؛
يُيْسِها إذا تَبِسَت، ورُطويتِها إذا رَطِبَت(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم
بِالنَّهَارِ ﴾ .
٢١٤/٧
/ يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه عَّله: وقلْ لهم يا محمدُ: واللَّهُ أعلمُ بالظالمين، واللَّهُ
هو الذى يَتَوَنَّى أَزْواحَكم بالليل، فيَقِضُها مِن أجسادِ كم، ﴿ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم
بِالنَّهَارِ﴾. يقولُ: ويَعْلَمُ ما كسَبْتُم مِن الأعمالِ بالنهارِ .
ومعنى (( التَّوَفِّى)) فى كلام العربِ اسْتِيفاءُ العددِ، كما قال الشاعرُ":
(١) فى ص، ت١، س: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢٣/٩، والأنساب ٢١٧/٢.
(٢) فى م: (( يعلمه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٤/٤ (٧٣٧١) من طريق مالك به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٩/١٤، وأبو
الشيخ فى العظمة (٣٢٨) من طريق الأعمش به .
(٤) هو منظور الوبرى، والرجز فى تهذيب اللغة ٥٨٥/١٥، واللسان (وف ی).
٢٨٥
سورة الأنعام : الآية ٦٠
إن بنى الأَدْرمِ(١) ليسوا مِن أَحَدْ
ولا تَوَفَّاهم قُريشٌ فى العَدَدْ
بمعنى : لم تُدْخِلْهم قريشٌ فى العددِ .
وأما الاخْتِراحُ عندَ العربِ فهو عملُ الرجلِ بيدِه أو رجلِه أو فمِه ، وهى الجوارح
عندَهم، جوارحُ البدنِ فيما ذُكِر عنهم، ثم يُقالُ لكلِّ مُكْتَسِبٍ عملًا: جارت؛
لاستعمالِ العربِ ذلك فى هذه الجوارحِ، ثم كثُر ذلك فى الكلامِ ، حتى قيل لكلِّ
مُكْتَسِبٍ كَشْبًا، بأىِّ أعضاء جسمِهِ اكْتَسَب: مُجْتَرِعٌ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنََّارِ﴾: أما
﴿ يَتَوَقَّكُمْ بِلَّيْلِ﴾ ففى النومِ، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنَّهَارِ﴾. فيقولُ: ما
اكْتَسَبْتُمْ مِن الإثمِ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا
جَرَحْتُم بِلنَّهَارِ﴾: يعنى: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإثم .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الأدم))، وفى م، واللسان: ((الأدرد)) والصواب ما أثبتناه من تهذيب
اللغة. وبنو الأدرم حی من قريش. اللسان (د ر م).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٥/٤ (٧٣٧٦) من طريق عبد الله بن صالح به .
٢٨٦
سورة الأنعام : الآية ٦٠
قتادةَ: ﴿ مَا جَرَحْتُمْ بِلنَّهَارِ﴾. قال: ما عمِلْتم بالنهارِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً مثلَهُ(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَهُوَ أَلَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَيْلِ﴾: يعنى بذلك نومَهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم
بِالنَّهَارِ ﴾، أى: ما عمِلْتم مِن ذنبٍ فهو يَعْلَمُه، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن ذلك.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِأَلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِاَلنََّارِ﴾. قال: أما وفاتُه
إياهم بالليلِ فمنامُهم، وأما ﴿ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ فيقولُ: ما اكْتَسَبْتُم بالنهارِ (١).
وهذا الكلامُ وإن كان خبرًا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قدرتِهِ وعلمِه، فإن فيه
احتجاجًا على المشركين به الذين كانوا ◌ُتْكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتِھم ،
وبعثِهم بعدَ فنائِهم، فقال تعالى ذكرُهِ مُحْتَجًا عليهم: ﴿وَهُوَ الَّذِى / يَتَوَنَّكُم ٢١٥/٧
يَلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِلَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّىٌ﴾. يقولُ:
فالذى يَقْبِضُ أرواحَكم بالليلِ، ويَتْعَثُكم فى النهارِ لتَبْلُغوا أجلًا مُسَمَّى، وأنتم تَرَوْن
ذلك وتغلَمون صحته، غیرُ مُنگرٍ له القدرةُ علی قبض أزواحِکم وإفنائِکم ، ثم ردِّها
إلی أجساد کم وإنشائِکم بعدَ مَماتِکم ، فإن ذلك نظير ما تُعاینون وتُشاهدون ، وغیرُ
مُنْكَرٍ لمن قدَر على ما تُعايِنون مِن ذلك ، القدرةُ على ما لم تُعايِوه ، وإن الذى لم تَرَوْه
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٧٧) عن الحسن بن يحيى
به مختصرًا، وذكر باقيه معلقًا عقب الأثر (٧٣٧٦، ٧٣٧٨). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٣ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٥/٤ (٧٣٧٥) من طريق أبي حذيفة به ، دون آخره ، فقد علقه
عقب الأثر (٧٣٧٦) .
٢٨٧
سورة الأنعام : الآيتان ٦٠،٥٩
ولم تُعاينوه مِن ذلك ، شبيهُ ما رأيتُم وعايَنْتُم .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ
مَرْجِعُكُمْ ثُمَ يُنَبِئُكُمْ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾: يُثِيرُكم ويُوقِظُكم مِن مَنامِكم،
﴿فِيهِ﴾. يعنى: فى النهارِ. والهاءُ التى فى" ﴿فِيهِ﴾ راجعةٌ على النهارِ.
﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمَّىٌ﴾. يقولُ: لِيَقْضِىَ اللَّهُ الأجلَ الذى سماه لحياتِكم، وذلك
الموتُ، فيَتْلُغُ مدتَه ونهايته، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾. يقولُ: ثم إلى اللَّهِ مَعادُكم
ومَصيرُكم، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ثم يُخْبِرُكم بما كنتم
تَعْمَلون فى حياتِكم الدنيا ، ثم يُجازِيكم بذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: فى النهارِ(٤) .
[٧٦٠/١ظ] حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال : ثنا
معمرٌ، عن قتادةً: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: فى النهارِ، والبعثُ اليَقَظةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(٣)
قتادةَ مثلَه(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) زيادة يقتضيها السياق .
(٢) تفسیر مجاهد ص ٣٢٣.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٧٧) عن الحسن بن يحيى به.
٢٨٨
سورة الأنعام : الآيتان ٦١،٦٠
السدىِّ: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: " فى النهارِ().
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج، قال : قال
عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿ُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يَتْعَثُكم فى المنامِ .
﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَتَّىٌ﴾: وذلك الموتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَنَّىٌ﴾: وهو الموتُ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَنَّى﴾. قال: هو أجلُ الحياةِ إلى الموتِ .
حدَّثْنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج، قال : قال
عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَتَّىٌ﴾. قال: مدَّتُهم(١).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِهُ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتََّ
٢١٦/٧
١١
إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: واللَّهُ الغالبُ خلقَه، العالى عليهم
بقدرته، لا المقهورُ مِن أوثانِهم وأصنامِهم، المذلَّلُ المَعْلؤُ(٤) عليه لذَّتِه.
(١ - ١) فى ص، ت٢، ت٣، س: ((بالنهار)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ عقب الأثر (٧٣٧٨) من طريق عمرو بن حماد ، عن
أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٧٩) من طريق أبي حذيفة به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٨٠) من طريق الحجاج به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) ق. م، ت ٢، ت ٣، س: ((المغلوب)).
٢٨٩
سورة الأنعام : الآية ٦١
﴿ وَيُّرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. وهى ملائكتُه الذين يَتَعاقَبونكم ليلاً ونهارًا،
يَحْفَظون أعمالَكم ويُخْصُونها، ولا يُفَرِّطون فى حفظِ ذلك وإحصائِه ولا
يُضَيِّعون .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾. قال: هى المُعَقِّبَاتُ مِن الملائكةِ،
يَحْفَظونه ويَحْفَظون عملَه(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُّرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ
رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. يقولُ: حَفَظّةٌ يا بن آدمَ يَحْفَظون عليك عملَك ورزقَك
وأجلَك ، إذا توَفَّيْتَ ذلك قُبِضْتَ إلى ربِّك(٢) .
حَتَّىَ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه: إن ربَّكم يَحْفَظُكم برسلٍ يُعَقِّبُ بينَها ، يُؤْسِلُهم إليكم بحفظِكم وبحفظِ
أعمالِكم، إلى أن يَحْضُرَكم الموتُ ويَنْزِلَ بكم أمرُ اللَّهِ، فإذا جاء ذلك أحدكم،
توَفَّاه أملاكُنا الموَّلون بقبضٍ الأرواحِ، ورسلُنا المُرْسَلون به، وهم لا يُفَرّطون فى
ذلك فيُضَيِّعونه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٦/٤ (٧٣٨٤) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
( تفسير الطبرى ١٩/٩ )
١٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
٢٩٠
سورة الأنعام : الآية ٦١
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس الذى يَقْبِضُ الأزواعَ مَلَكُ الموتِ ، فكيف قيل:
﴿ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾. والرسلُ جملةٌ وهو واحدٌ؟ أو ليس قد قال: ﴿قُلْ يَنَوَقَّكُم مَّلَكُ
اَلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
قيل: جائزٌ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أعان مَلكَ الموتِ بأعوانٍ مِن عندِه،
فيَتَوَلَّوْن ذلك بأمرِ ملَكِ الموتِ ، فيكونُ التَّوَفِّى مضافًا - وإن كان ذلك مِن فعلِ أعوانٍ
ملكِ الموتِ - إلى ملكِ الموتِ ، إذ كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك بأمرِهِ، كما يُضافُ
قتلُ مَن قتَل أعوانُ السلطانِ وجلدُ مَن جلَدوه بأمرِ السلطانِ ، إلى السلطانِ ، وإن لم
يَكْنِ السلطانُ باشَر ذلك بنفسِه ولا ولِيَه بيدِه .
وقد تأوَّل ذلك كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، عن
إبراهيمَ فى قوله: ﴿ حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ .
قال : كان ابنُ عباسٍ يقولُ: لِلَكِ الموتِ أعوانٌ مِن الملائكةٍ(١).
/حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ فى قولِه :
﴿ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ . قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عنها، فقال: إن لملكِ
الموتِ أعوانًا مِن الملائكةِ .
٢١٧/٧
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الحسنِ بنِ
عُبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ فى قوله: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾. قال : أعوانُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٧/٤ (٧٣٨٧)، وأبو الشيخ فى العظمة (٤٥٨) من طريق الحسن
بن عبيد الله به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٢ إلى ابن المنذر.
٢٩١
سورة الأنعام : الآية ٦١
ملكِ الموتِ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
إبراهيمَ: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾. قال: الرسلُ تَوَفَّى الأنفسَ، ويَذْهَبُ
بها ملكُ الموتِ (٢) .
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا حفصٌ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ().
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن
إبراهيمَ: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾. قال: هم الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، قال: ثنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ . قال: إن ملكَ الموتِ له رُسلٌ ، فَيُرْسَلُ ويُْفَعُ ذلك إليه،
وقال الكلبىُّ: إن ملكَ الموتِ هو يَلِى ذلك، فيَدْفَعُه إن كان مؤمنًا إلى ملائكةٍ
الرحمةِ ، وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذابِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبِرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلْنَا﴾. قال: يَلِى قبضَها الرسلُ، ثم يَدْفَعونها إلى ملكِ
(٥)
الموتِ(٥).
(١) بعده فى م: ((حدثنا هناد، قال: ثنا حفص، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن ابن عباس:
﴿توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾. قال: الرسل توفى الأنفس، ويذهب بها ملك الموت.
والأثر فى تفسير سفيان ص ١٠٨، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٠٩/١، وأبو الشيخ فى العظمة (٤٥٧).
(٢) تفسير سفيان ص١٠٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٧/٤ (٧٣٨٦)، وأبو الشيخ فى
العظمة (٤٥٦).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٢/١٣ عن حفص به .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢٠٩/١، ومن طريقه أبو الشيخ فى العظمة ص ١٦٤ (٤٥٥).
٢٩٢
سورة الأنعام : الآية ٦١
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوریُّ، عن
منصورٍ، عن إبراهيمَ [٧٦١/١ و] فى قوله: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ . قال : يَتَوَفَّاه الرسلُ ، ثم
يَقْبِضُ منهم ملكُ الموتِ الأنفسَ(١).
قال الثورىُّ: وأخبرَنى الحسنُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ، قال: هم أعوانٌ
لملكِ الموتِ(١).
قال الثورىُّ: وأَخْبرَنى رجلٌ، عن مجاهدٍ، قال: بجعِلَت الأرضُ لملكِ الموتِ
مثلَ الطَّسْتِ يَناوَلُ مِن حيث شاء، وجُعِلَت له أعوانٌ يَتَوَفَّون الأنفسَ ثم يَقْبِضُها
(١)
منهم
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ ، عن إبراهيمَ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾. قال: أعوانُ ملكِ الموتِ مِن الملائكةِ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن
إبراهيمَ، قال : الملائكةُ أعوانُ ملكِ الموتِ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ :
﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾. قال: يَتَوَفَّوْنه ثم يَدْفَعونه إلى ملكِ الموتِ.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه،
٢١٨/٧ قال: سأَلتُ الربيعَ بنَ / أنسٍ عن ملكِ الموتِ، أهو وحده الذى يَقْبِضُ الأزواعَ؟
قال: هو الذى يَلى أمرَ الأرواح، وله أعوانٌ على ذلك، ألا تَسْمَعُ إلى قولِ اللَّهِ
تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَاءَتُهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٧]. وقال: ﴿ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا
وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. غيرَ أن ملكَ الموتِ هو " الرئيسُ، وكلَّ خطوةٍ منه مِن المشرقِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٩/١.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((الذى يسير)). والمثبت من مصدرى التخريج.
٢٩٣
سورة الأنعام : الآيتان ٦١، ٦٢
إلى المغربِ. قلتُ : أين تَكونُ أرواح المؤمنين؟ قال: عندَ السّدْرةِ فى الجنةِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبرَنا محمدُ بنُ
مسلم، عن إبراهيمَ بنِ مَيْسَرةَ ، عن مجاهدٍ ، قال: ما مِن أهلِ بيتٍ شَعَرٍ ولا مَدَرٍ إلا
وملكُ الموتِ يُطِيفُ بهم كلَّ يومٍ مرتين(٣) .
وقد بيّنا أن معنى ((التّفْريطِ)) التَّضْبِيعُ فيما مضَى قبلُ(٢)، وكذلك تأوَّله
المتأوّلون فى هذا الموضعِ .
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحِ،
عن علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُفَرُِّونَ﴾. يقولُ: لا
(٤)
يُضَيِّعون(4).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾. قال: لا يُضَيِّعون(٥) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ
اْخَسِينَ
٦٢
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم رُدَّت الملائكةُ الذين تَوَفَّوْهم، فقبَضوا نفوسَهم
وأرواحهم إلى اللَّهِ سيدِهم الحقِّ. ﴿أَلَا لَهُ الْحَكْمُ﴾ يقولُ: ألا له الحكمُ والقضاءُ
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٤٣٣) من طريق عبد الله به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢١٠، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٤٦٩) من طريق محمد بن مسلم به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٢٣٤.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٧/٤ (٧٣٨٨) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٧/٤ عقب الأثر (٧٣٨٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به .
٢٩٤
سورة الأنعام : الآيتان ٦٣،٦٢
دونَ مَن سواه من جميع خلقِه، ﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِينَ﴾. يقولُ: وهو أسرعُ مَن
حسَب عدَدَكم وأعمالَكم وآجالَكم وغيرَ ذلك مِن أمورٍ كم أيُّها الناسُ ، وأخْصاها
وعرَف مقاديرَها ومَبالغَها؛ لأنه لا يَحْسُبُ بعَقْدِ يدٍ ، ولكنه يَعْلَمُ ذلك ، ولا يَخْفَى
عليه منه خافيةٌ ، ولا يَغْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذرةٍ فى السماواتِ ولا فى الأرضِ ، ولا أصغرُ
مِن ذلك ولا أكبرُ إلا فى كتابٍ مُبِينٍ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً
٦٣
وَخُفْيَةٌ لَّبِنْ أَنْجَنَا (١) مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه عَّهِ: قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم ، الداعِين لك
إلى عبادةٍ أوثانِهم: مَن الذى يُتَجِّيكم من ظلماتِ البرِّ إذا ضَلْتُم فيه فتحَيَّرْتُ، فَأَظْلَم
عليكم الهُدَى والمحجّةُ، ومِن ظلماتِ البحرِ إذا ركِتُموه فأخْطَأْ تُم فيه المحَجَّةَ ، فَأَظْلَم
عليكم فيه السبيلُ، "فلم تَهْتَدوا٢ له - غيرُ اللَّهِ الذى إليه (٤) مَفْزَعُكم حينئذٍ
بالدعاءِ، تَضَرُّعًا منكم إليه واسْتِكانةً، جهرًا ﴿ وَخُفْيَةٌ﴾. يقولُ: وإخفاءً للدعاءِ
أحيانًا ، وإعلانًا وإظهارًا، تقولون: ( لئن أنْجَيْتَنا مِن هذه ) ياربِّ، أى: مِن هذه
٢١٩/٧ الظلماتِ التى نحن فيها، ﴿ لَتَكُونَنَّ مِنَ / الشََّكِينَ﴾. يقولُ: لَنَكُونَنَّ مَمَّن يُؤَخِّدُك
بالشكرِ، ويُخْلِصُ لك العبادةَ، دونَ مَن كنا نُشْرِكُه معك فى عبادتِك .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) تضمين للآية (٣) من سورة ((سبأ)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أنجيتنا)). وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر، والمثبت
قراءة الكوفيين ينظر حجة القرآات ص ٢٥٥.
(٣ - ٣) فى م: ((فلا تهتدون)).
(٤) سقط من : م.
٢٩٥
سورة الأنعام : الآيتان ٦٣، ٦٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةً﴾. يقولُ: إذا أَضَلَّ الرجلُ الطريقَ دعا اللَّهُ: (لئن أَنْجَتَنَا مِن هذه لَنَكُونَنَّ مِن
الشاكرين)(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَن
يُتَجِّيَكُم مِّنِ ظُتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. يقولُ: مِن كَوْبِ البرِّ والبحرِ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَبِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ
تُشْرِكُنَ
(٦٤
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَلَّهِ : قل يا محمدُ لهؤلاء العادِلين بربِّهم
سواه مِن الآلهةِ إذا أنت اسْتَفْهَمْتَهم عمَّن به يَسْتَعِينون عندَ نزول الكْبِ بهم
فى البرّ والبحرِ: اللَّهُ القادرُ على فَرَجِكم عندَ حلولِ الكربِ بكم، يُنَجِّيكم
مِن عظيمِ النازلِ بكم فى البرِّ والبحرِ، مِن هَمِّ الصَّلالِ، وخوفِ الهلاكِ،
ومِن كلِّ کربٍ سوى [٧٦١/١ظ] ذلك وهَمِّ، لا آلهتُكم التى تُشْرِكون
بها فى عبادتِه، ولا أوثانُكم التى تَعْبُدُونها مِن دونِه التى لا تَقْدِرُ لكم على
نفعٍ ولا ضَرّ، ثم أنتم بعدَ تفضُّلِه عليكم بكشفِ النازل بكم مِن الكربِ
ودفعِ الحالِّ بكم مِن جَسيمِ الهَمّ تَعْدِلون به آلهتكم وأصنامَكم، فتُشْرِكونها
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٨/٤ (٧٣٩٤) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣٠٨/٤ (٧٣٩١) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣ - ٣) فى م: ((کرب كل)).
٢٩٦
سورة الأنعام : الآيتان ٦٤، ٦٥
فى عبادتكم إياه، وذلك منكم جهلٌ بواجبٍ حقِّه عليكم، وكفرٌ لأيادِيه
عندَ كم، وتعرُّضٌ منكم لإنزالِ عقويتِه عاجلًا بكم .
٠
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَلِ: قلْ لهؤلاء العادِلِين بربِّهم(١) الأصنامَ
والأوثان یا محمدُ : إن الذى يُنگیکم مِن ظلماتِ البر والبحرِ ، ومِن كلِّ کزپٍ ، ثم
تَعُودون للإشراكِ به، هو القادرُ على أن يُؤْسِلَ عليكم عذابًا مِن فوقِكم أو مِن تحتٍ
أرجلكم؛ لشركِكم به ، وادِّعائِكم معه إلهًا آخرَ غيرَه، وكفرانِكم نعمَه ، مع إِسْباغِه
عليكم آلاءَه ومِنَنَه .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ((العذابِ)) الذى توَعَّد اللَّهُ به هؤلاء القومَ أن
يَتْعَثَّه عليهم مِن فوقِهم أو مِن تحتِ أرجلهم؛ فقال بعضُهم: أما العذابُ الذى
توَعَّدَهم به أن يَبْعثَه عليهم مِن فوقِهم فالرجمُ . وأما الذى توَعَّدهم أن يبعثَه عليهم
مِن تحتهم فالخشفُ .
٢٢٠/٧
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ،
عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ: ﴿عَذَابًا مِن فَوْقَّكُمْ﴾ (" قال: الرجم٢). ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ﴾. قال: الخَشْفُ(٣).
(١) بعده فى م: ( غيره من)).
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت موافق لما فى مصادر التخريج.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣١٠، ١٣١١ (٧٤٠٢، ٧٤٠٩) من طريق عبد الرحمن بن
مهدى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
٢٩٧
سورة الأنعام : الآية ٦٥
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن الأشْجَعيِّ، عن سفيانَ، عن
السدىِّ، عن أبى مالكِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شِئْلٍ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مُجاهدٍ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾.
ء (١)
قال : الخَشْفُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾: فعذابُ السماءِ،
﴿ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فَيَخْسِفُ بكم الأرضَ(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿قُلْ هُوَ
اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرَجُلِكُمْ﴾. قال: كان ابنُ
مسعودٍ يَصِيحُ وهو فى المجلسِ - أو على المنبرِ -: ألا أيُّها الناسُ، إنه نزَل بكم ؛ إن
اللَّهَ يقولُ: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ لو جاءَكم عذابٌ
مِن السماءِ لم يُثْقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسَف بكم الأرضَ
أهْلَكَكم ولم يُتَقِ منكم أحدًا، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزَل
بكم أسوأُ الثلاثِ(٢).
وقال آخرون : عُنِى بالعذابِ من فوقِهم أئمةُ السَّوْءِ، أو من تَحتِ أرجلِهم،
الخَدَمُ وسَفِلةُ الناسِ .
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٢٧٠/٣.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧٠/٣ نقلا عن المصنف .
٢٩٨
سورة الأنعام : الآية ٦٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبِرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ خَلَّادًا يقولُ: سمِعْتُ
عامرَ بنَ عبدِ الرحمنِ يقولُ: إن ابنَ عباسٍ كان يقولُ فى هذه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَ
أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: فأما العذابُ مِن فوقِكم فأئمةُ
السَّوْءِ، وأما العذابُ مِن تحتِ أرجلكم فخَدَمُ السَّوْءِ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن
فَوْقِكُمْ﴾. يعنى: مِن أمرائِكم، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ : يعنى: سَفِلتِكم ٢).
وأولى التأويلين فى ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: عُنى بالعذابِ مِن
فوقِهِم الرجمُ أو الطُّوفانُ، وما أشْبَهَ ذلك مما ينْزِلُ عليهم مِن فوقٍ رءوسِهم، ومِن
تحتٍ أرجلهم الخَشْفُ وما أَشْبَهَه. وذلك أن المعروفَ فى كلامِ العربِ مِن معنى
٢٢١/٧ ((فوق)) و ((تحت)) الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن کان لما رُوِی عن ابنِ / عباسٍ
فى ذلك وجةٌ صحيحٌ، غيرَ أن الكلامَ إذا تُنُوزِع فى تأويله، فحملُه على الأغلبِ
الأشهرِ مِن معناه أحقُّ وأوْلَى مِن غيرِهِ ، ما لم تأتِ حُجّةٌ مانعةٌ مِن ذلك يَجِبُ التسليمُ
لها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أو يَخْلِطَكم ﴿شِيَعًا﴾ ؛ فِرَقًا، واحدتُها شِيعةٌ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٣٠٩، ١٣١٠ (٧٤٠٠، ٧٤٠٧) عن يونس بن عبد الأعلى به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١١/٤ (٧٤٠٨) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦/٣ إلى أبى الشيخ .
٢٩٩
سورة الأنعام : الآية ٦٥
وأما قوله: ﴿يَلْسَكُمْ﴾ فهو مِن قولك: لبَسْتُ عليه الأمرَ ، إذا خلَطْتَ ، فأنا
ألْبِسُه . وإنما قلتُ : إن ذلك كذلك؛ لأنه لاخلافَ بينَ القرأةِ فى ذلك بكسرِ الباءِ،
ففى ذلك دليلٌ بَيِّنٌ على أنه مِن: لبَس يَلْبِسُ. وذلك هو معنى الخلطِ. وإنما عنَى
بذلك: أو يَخْلِطَكم أهواءً مختلفةٌ ، وأحزابًا مفترقةً .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواءُ المفترقةُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: يُفَرِّقُ بينَكم(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نَجِيح، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوَ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. [٧٦٢/١ و] قال: ما كان فيكم مِن الفتنِ
والاختلاف(٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الذى فيه الناسُ اليومَ مِن الاختلافِ والأهواءِ وسفكِ دماءٍ
بعضهم بعضًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾. قال: الأهواءُ والاختلافُ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٢/٤ (٧٤١٤) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٢٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١١/٤ (٧٤١٣).
٣٠٠
سورة الأنعام : الآية ٦٥
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: يعنى بالشِّيَعِ الأهواءَ
2(١)
المختلفةَ(١).
وأما قولُه: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍُ﴾ . فإنه يعنى : يُقْتَلُ بعضُكم بيدِ بعضٍ.
والعربُ تقولُ للرجلِ يَتالُ الرجلَ بسلاح، فيَقْتُلُه به : قد أذاق فلانٌ فلانًا
الموتَ ، وأذاقه بأسَه . وأصلُ ذلك مِن ذَوْقِ الطعامِ، وهو يَطْعَمُه، ثم اسْتُعْمِل ذلك
فى كلِّ ما وصَل إلى الرجلِ مِن لذةِ وحَلاوةٍ ، أو مَرارةٍ ومكروهٍ وألمٍ .
وقد بيَّنْتُ معنى البأسِ فى كلامِ العربِ فيما مضى، بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(٢)
الموضع .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُّ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾: بالسيوفِ .
٢٢٢/٧
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارِمٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن أبى هارونَ
العَبْدِىِّ، عن نَوْفِ البِكاليِّ أنه قال فى قوله: ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾. قال :
هى واللَّهِ الرجالُ فى أيديهم الحِرابُ، يَطْعُنون فى خواصِرٍكم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١١/٤ (٧٤١٢) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦/٣ إلى ابن المنذر .
(٢) تقدم فى ٩٠/٣، ٢٦٧/٧.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٣١٢/٤ (٧٤١٧) من طريق حماد بن أبى سليمان به .