النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة الأنعام : الآيات ٤٠ - ٤٢
إن جاءكم أيُّها القومُ، عذابُ اللَّهِ كالذى جاء مَن قبلَكم مِن الأمم الذين(١) هلَك
بعضُهم بالرّجْفةِ، وبعضُهم بالصاعقةِ، أو جاءَتْكم الساعةُ التى تُنْشَرُون فيها مِن
قبورِ كم، وتُتْعَثُون لموقفِ القيامةِ، أغيرَ اللَّهِ هناك تَدْعُون لكشفٍ ما نزَل بكم مِن
البلاءِ، أو إلى غيرِهِ مِن آلهتكم تَفْزَعون؛ ليُتَجِّيَّكم مما نزَل بكم مِن عظيمِ البلاءِ؟ ﴿ إِن
كُمْ صَدِقِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُحِقِّين فى دَعْواكم وزعمِكم أن آلهتكم التى
تَدْعُونها مِن دونِ اللَّهِ تَنْفَعُ أو تَضُرُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ
مَا تُشْرِكُونَ
٤١
يقولُ تعالى ذكرُه مُكَذِّبًا لهؤلاء العادِلِين به الأوثانَ: ما أنتم أيُّها المشركون باللّهِ
الآلهةَ والأندادَ ، إن أتاكم عذابُ اللَّهِ ، أو أتَتْكم الساعةُ - بُسْتَجِيرِين بشىءٍ غيرِ اللَّهِ
فى حالٍ شدةِ الهَوْلِ النازلِ بكم ، مِن آلهةٍ وَثَنٍ وصنمٍ ، بل تَدْعُون هناك ربّكم الذى
خَلَقَكم، وبه تَشْتَغِيثون ، وإليه تَفْزَعون دونَ كلِّ شىءٍ غيرِه، ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فيُفَرَّجُ عنكم عندَ اسْتِغاثتِكم به، وتَضَرُّعِكم إليه عظيمَ البلاءِ النازل
بكم ، إن شاء أن يُفَرِّجَ ذلك عنكم؛ لأنه القادرُ على كلِّ شىءٍ، ومالكُ كلِّ شىءٍ،
دونَ ما تَدْعُونَه إلهًا مِن الأوثانِ والأصنامِ. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. يقولُ:
وتَتَّسَوْن حينَ يَأْتِيكم عذابُ اللَّهِ ، أو تَأْتِيكم الساعةُ بأهوالها ، ما تُشْرِ کونه مع اللَّهِ فی
عبادتكم إياه ، فَتَجْعَلونه له ندًّا، [٧٥٤/١ظ] مِن وَثَنِ وصَنَم، وغيرِ ذلك مما تَعْبُدونه
مِن دونِه وتَدْعُونه إلهًا .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُمِ ◌ِالْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّهِ لَعَلَّهُمْ بَّعُونَ
٤٢
١٩٢/٧
(١) فى ص، ت١، ت ٢: ((الذى))، وفى ت ٣: ((التى)).
( تفسير الطبرى ١٦/٩ )

٢٤٢
سورة الأنعام : الآية ٤٢
يقولُ تعالى ذكرُه مُتَوَعّدًا لهؤلاء العادِلِين به الأصنامَ، ومحذِّرَهم أن يَسْلُكَ
بهم إن هم تمادَوْا فى ضَلالِهم ، سبيلَ مَن سَلَك سبيلَهم مِن الأمم قبلَهم ، فى تعجيلٍ
اللَّهِ عقوبتَه لهم فى الدنيا، ومخبرًا نبيّه عن سنتِه فى الذين خَلَوْا قبلَهم مِن الأمم على
مِنْهاجِهم مِن تكذيبِ الرسلِ: ﴿ لَقَدْ أَرَّسَلْنَآَ ﴾ يا محمدُ ﴿ إِلَى أُمَرٍ﴾. يعنى:
إلى جماعاتٍ وقُرونٍ ﴿مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذّنَهُم بِالْبَأْسَاِ﴾. يقولُ: فأمَرْناهم ونهَيْناهم ،
فكذَّبوا رسلَنا، وخالَفوا أمرَنا ونهيَنا، فامْتَحَنَّهم بالابتلاءِ، ﴿ بِاَلْبَأْسَلِ﴾. وهى
شدةُ الفقرِ، والضيقُ فى المعيشةِ، ﴿ وَالضَّرَّاءِ﴾. وهى الأسقامُ والعللُ العارضةُ فى
الأجسامِ .
وقد بيّنا ذلك بشواهدِهِ ووجوهٍ إعرابِه فى سورةِ ((البقرةِ))، بما أُغْنَى عن إعادته
فى هذا الموضعِ(١).
وقولُه: ﴿ لَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ﴾. يقولُ: فَعَلْنا ذلك بهم ليَتَضَرَّعوا إلىَّ، ويُخْلِصوا
لىَ العبادةَ ، ويُفْرِدُوا رغبتَهم إلىَّ دونَ غيرِى، بالتذللِ منهم لى بالطاعةِ ، والاسْتِكانةِ
منهم إلىَّ بالإنابةِ .
وفى الكلام محذوفٌ قد اسْتُغْنِى بما دلَّ عليه الظاهرُ عن (٢) إظهارِهِ دون(٣)
قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَرٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُمْ﴾. وإنما كان سببُ أخذِه إياهم
تكذيبَهم الرسلَ، وخلافَهم أمرَه، لا إرسالَ الرسلِ إليهم . وإذ كان ذلك كذلك،
فمعلومٌ أن معنى الكلام: ولقد أرْسَلْنا إلى أُم من قبلكِ رسلًا فكذَّبوهم، فأخَذْناهم
بالبأساءِ .
والتضرُّ هو التَّفَعُلُ مِن الضَّراعةِ، وهى الذِّلةُ والاسْتِكانةُ .
(١) ينظر ما تقدم فى ٨٦/٣ - ٩١.
(٢) فى ص، ت٢، ت٣، س: (( من)).
(٣) فى م: ((من)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((الفعل)).

٢٤٣
سورة الأنعام : الآية ٤٣
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ
٤٣
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطِنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وهذا أيضًا مِن الكلام الذى فيه متروكٌ اسْتُعْنِى بدلالةِ الظاهرِ عن ذكرِ ما تُرِك،
وذلك أنه تعالى ذكرُه أخبَرَ عن الأمم التى كذَّبَت رسلَها أنه أخَذَهم بالبأساءِ والضَّراءِ
ليَتَضَرَّعوا. ثم قال: ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾. ولم يُخْبِرْ عما كان
منهم مِن الفعلِ عندَ أخذِه إياهم بالبأساءِ والضراءِ .
ومعنى الكلامِ: ولقد أرْسَلْنا إلى أُمم من قبلك فأخذناهم بالبأساءِ والضراءِ
لعلهم يتضرَّعون، فلم يَتَضَرَّعوا، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا .
ومعنى ﴿ فَلَوْلَا﴾ فى هذا الموضع: فهلًا، والعربُ إذا أُوْلَتْ ((لولا)) اسمًا
مرفوعًا، جعَلَت ما بعدَها خبرًا، وتلقَّتْها(٢) بالأمرِ، فقالت: لولا أخوك لَزُرْتُك،
ولولا أبوك لضرَبْتُك. وإذا أَوْلَتْها فعلًا، أو لم تُولِها اسمًا، جعَلوها استفهامًا،
فقالوا: لولا جثْتَنا فتُكْرِمَك؟ ولولا زُرْتَ أخاك فتَزُورَك. بمعنى: هلّ. كما قال
تعالى ذكرُه: ﴿ لَوْلاَ أَخْرَّتَنِيِّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ فَأْصَّدَّفَ ﴾ [المنافقون: ١٠]. وكذلك
تَفْعَلُ بـ ((لوما)). مثلَ فعلِها بـ ((لولا)).
فتأويلُ الكلام إذن : فهلًا إذ جاء بأسنا(٢) هؤلاء الأمم المكذِّبَةَ رسلَها الذين لم
يَتَضَرَّعوا عندَ أخْذِناهم / بالبأساءِ والضَّرَّاءِ ، تضرَّعوا فاسْتَكانوا لربِّهم، وخضَعوا
لطاعتِهِ، فَيَصْرِفَ ربُّهم عنهم بأسَه، وهو عذابُه .
١٩٣/٧
وقد بيَّنَّا معنى (( البأسِ)) فى غيرِ هذا الموضع بما أُغْنَى عن إعادتِه فى
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (به).
(٢) فى م: (( تلتها)).
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
:

٢٤٤
سورة الأنعام : الآيتان ٤٣، ٤٤
هذا الموضع (١).
﴿ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. يقولُ: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلَهم،
وَأَصَرُّوا على ذلك، واسْتَكْبَروا عن أمرِ ربِّهم؛ اسْتِهانةً بعقابِ اللَّهِ، واسْتِخْفافًا
بعذابِهِ، وقَساوةَ قلبٍ منهم، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
يقولُ: وحسّن لهم الشيطانُ ما كانوا يَعْمَلون مِن الأعمالِ التى يَكْرَهُها اللَّهُ
ويَسْخَطُها منهم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَلِمَا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ
شَىْءٍ حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْفَهُمْ بَغْتَةٌ فَإِذَا هُم ◌ُبْلِسُونَ
٤٤
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلِمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾: فلما تركوا العملَ
بما أمرناهم به على ألسنِ رسلِنا .
كالذى حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلِمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا
پهِ ﴾. یعنی: ترَکوا ما ذُكِّروا به(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه:
◌ْ فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾. قال: ما دعاهم اللَّهُ إليه ورسلُه أبَوْه وردُّوه عليهم (١).
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: بدَّلْنا مكانَ البأساءِ الرخاءَ
والسَّعَةً فى العيشِ، ومكانَ الضراءِ الصحةَ والسلامةَ فى الأبدانِ والأجْسامِ ؛
اسْتِدْراجًا منَّا لهم.
(١) ينظر ما تقدم فى ٩٠/٣، ٩١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٠/٤ (٧٢٨٢) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١١/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى المصنف وابن المنذر.

٢٤٥
سورة الأنعام : الآية ٤٤
كالذى حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى،
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجيحٍ، عن مُجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾. قال: رَخاءَ الدنيا ويُشْرَها
على القرون الأولى (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ . قال: يعنى الرخاءَ وسَعَةً
(٢)
الرزقِ (٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾. يقولُ: مِن الرزقِ(٣).
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ . وقد
علِمْتَ أن بابَ الرحمةِ وبابَ التوبةِ لم يُفْتَح لهم، و(٤) أبوابٌ أُخَرُ غيرُه كثيرةٌ ؟
[٧٥٥/١و] قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ظنَنْتَ مِن معناه، وإنما
معنى ذلك : فتَحْنا عليهم ؛ اسْتِدْراجًا منا لهم، أبوابَ، كلٌّ ما كنا سدَدْنا عليهم بابَه،
عندَ أُخْذِنا إياهم بالبأساءِ والضراءِ؛ لِيَتَضَرَّعوا، إذ لم يَتَضَرَّعوا وترَكوا أمْرَ اللَّهِ تعالى
ذكرُه . لأن آخرَ هذا الكلام مردودٌ على أولِه ، وذلك كما قال تعالى ذكرُه فى موضعٍ
آخرَ مِن كتابِهِ: ﴿ وَمَآَ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلََّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرّآءِ
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠/٤ (٧٢٨٥)، وأخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٢٩٠/٤ (٧٢٨٤) من طريق شبل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى ابن أبى شيبة
وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٠/٤ (٧٢٨٦) عن الحسن بن يحيى به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩١/٤ (٧٢٩٠) من طريق أحمد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١/٣ إلى أبى الشيخ .
(٤) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.

٢٤٦
سورة الأنعام : الآية ٤٤
١٩٤/٧
لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(١)
٥٠٠م ر(١)
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ /ٍقَدْ مَشَ
٩٤
ءَبَنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّةُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ﴾ [ الأعراف: ٩٤، ٩٥]. ففتْحُ
اللَّهِ على القوم الذين ذكَر فى هذه الآيةِ ذِكْرَهم بقولِه: ﴿فَلِمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ،
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ - هو تبديلُه لهم مكانَ السيئة التى كانوا فيها
فى حالِ امتحانِه إياهم مِن ضيقِ العيشِ إلى الرخاءِ والسَّعَةِ ، ومِن الضُّرِّ فى الأجسام
إلى الصحة والعافيةِ، وهو فتح أبوابٍ كلِّ شيءٍ كان أَغْلَق بابَه عليهم ، مما ( ١) جرَى
ذكرُه قبلَ قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾. فردَّ قولَه: ﴿فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ عليه .
ويعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ . يقولُ: حتى إذا فرِح
هؤلاء المكذِّبون رسلَهم بفتحِنا عليهم أبوابَ السَّعَةِ فى المعيشةِ، والصحةِ فى
الأجسامِ .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال : ثنا
أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوْنُواْ﴾: مِن الرزقِ(١) .
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ
مَهْدىٍّ، يُحَدِّثُ عن حمادِ بنِ زيدٍ ، قال: كان رجلٌ يقولُ: رحِم اللَّهُ رجلًا تلا هذه
الآيَةَ. ثم فكّر فيها ماذا أُرِيد بها: ﴿حََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً ﴾ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا ابنُ أبى رَجاءٍ، رجلٌ مِن أهلِ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، س: ((يتضرعون)).
(٢) فى ص، ت١، س: ((ما)).
(٣) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٤) سقط من : م .

٢٤٧
سورة الأنعام : الآية ٤٤
الثغرِ (١)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المباركِ، عن محمدِ بنِ النَّضْرِ الحارثيِّ فى قوله: ﴿أَخَذْنَهُم
ـ(٢)
بَغْتَةً﴾. قال : أَمْهِلوا عشرين سنةٌ
ويعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾: أتَيْناهم بالعذابِ فجأةً ، وهم
غارُون ، لا يَشْعُرون أن ذلك كائنٌ ، ولا هو بهم حالٌّ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيْجٍ :
حَتَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾. قال: أعْجَبَ ما كانت إليهم،
وأغرِّها (٣) لهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً﴾. يقولُ: أَخَذَهم العذابُ بَغْتَةً(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿ أَخَذْنَهُم بَغْتَةً ﴾. قال: فجأةٌ آمِنِينَ (٥).
وأما قولُه: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾. فإنه هالكون، مُنْقَطِعَةٌ حُجَجُهم، نادِمون
على ما سلَف منهم مِن تكذيبِهم رسلَهم .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا
أَشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾. قال: فإذا هم مُهْلَكون، مُتَغَيّر
(١) فى ص، ت١، س: ((الشعر)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٢/٤ (٧٢٩٦) وأبو نعيم فى حلية الأولياء ٢٢٠/٨ من طريق ابن
المبارك به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أعزها ) .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩١/٤ (٧٢٩٢) من طريق أحمد به .
(٥) تفسیر مجاهد ص ٣٢١.

٢٤٨
سورة الأنعام : الآية ٤٤
هـ (١)
حالُهم (١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا شيخٌ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا هُم
◌ُبْلِسُونَ﴾. قال: الاكتئابُ(٢) .
١٩٥/٧
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَإِذَا هُم
تُبْلِسُونَ﴾. / قال: المُلِسُ: الذى قد نزَل به الشر الذى لا يَدْفَعُه، والمُلِسُ أشدُّ مِن
المُسْتَكِينِ. وقرَأ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ [ المؤمنون: ٧٦]. وكان أولَ
مرةٍ فيه مُعاتَبَةٌ وبَقِيَّةٌ(١٢) . وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ
فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا
٤٢
كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. ثم جاء أمرٌ ليس فيه بَفيَّةٌ، وقرَأَ: ﴿حَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ
أَخَذْتَهُمْ بَغْتَةُ فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾، فجاء أمرٌ ليس فيه بَقِيَةٌ(٤)، وكان الأولُ، لو أنهم
تَضَرَّعُوا كُشِف عنهم(٤).
حدَّثنى سعيدُ بنُ عمرو السَّكونىُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن أبى شُرَيْح
ضُبَارةَ بنِ مالكِ، عن أبى الصَّلْتِ، عن حَرْمَةً أبى عبدِ الرحمنِ، عن عقبةً بنٍ
مسلمٍ، عن عقبةَ بنِ عامٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مْ لِهِ: ((إذا رأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِى عبدَه
فى دنياه، إنما هو اسْتِدراجٌ)). ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَمَا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ،﴾ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٢/٤ (٧٣٠٠) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) فى م: ((فإذا هم هالكون))
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لقية))، وفى م: (( تقية)).
والبقية الاسم من الإبقاء. اللسان (ب ق ي).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٢/٤ (٧٣٠١) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .

٢٤٩
سورة الأنعام : الآية ٤٤
إلى قوله: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(١).
وحدَّث بهذا الحديثِ عن محمدِ بنِ حربٍ، عن ابنٍ لَهيعةَ، عن عقبةً بنِ
مسلمٍ، عن عقبةَ بنِ عامٍ، أن النبيَّ ◌َهِ، قال: ((إذا رأيْتَ اللَّه تعالى يُعْطِى العبادَ ما
يَسْأَلُون على مَعاصِيهم إياه ، فإنما ذلك اسْتِدراجٌ منه لهم)). ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْمَا
ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية(١).
وأصْلُ الإِبَلاسِ فى كلامِ العربِ عندَ بعضِهم الحزنُ على الشىءِ والندمُ عليه .
وعندَ بعضِهم انقطاعُ الحُبَّةِ، والسكوتُ عندَ انقطاع الحجةِ. وعندَ بعضِهم
الخشوعُ، وقالوا: هو المخذولُ المتروكُ، ومنه قولُ العَتَّاجِ(٣):
يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسا
قال نَعَمْ أَعْرِفُه وأَقْلَسَا
فتأويلُ قولِه: وأبْلَسا. عندَ(٤) الذين زعموا أن الإبلاسَ انْقِطاعُ الحُجَّةِ
والسكوتُ عندَه، بمعنى أنه لم يُحِرْ جوابًا .
وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع، وتَركِ أهلِهِ إِيَّاه مُقيمًا بمكانِه. والآخرون: بمعنى
الحزنِ والندم ، يقالُ منه: أبْلَس الرجلُ إبلاسًا. ومنه قيل لإبليسَ : إبليسُ.
(١) أخرجه أحمد ٥٤٧/٢٨ (١٧٣١١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٠/٤ (٧٢٨٨)، والطبرانى ٣٣٠/١٧
(٩١٣)، وفى الأوسط (٩٢٧٢)، والبيهقى فى الشعب (٤٥٤٠)، والأسماء والصفات (١٠٢١) من طريق
حرملة بن عمران به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٠/٤ (٧٢٨٨)، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص٢٩٣ ،
والطبرانى ٣٣١/١٧ (٩١٤) من طريق ابن لهيعة به .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٤٣/١.
(٤) سقط من: ص، ت١، س.

٢٥٠
سورة الأنعام : الآية ٤٥
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَقُطِعَ دَائِرُ اُلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اُلْعَلَمِينَ
٤٥
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾: فاسْتُؤْصِل القومُ
ج
الذين [٧٥٥/١ظ] عَتَوْا على ربِّهم، وكذَّبوا رسلَه، وخالَفوا أَمْرَه، عن آخرِهم، فلم
يُتْرَكْ منهم أحدٌ إلا أُهْلِك بَعْتَةٌ إذ جاءهم عذابُ اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أَهلِ التأويلِ .
١٩٦/٧
/ذكرُ مَن قال ذلك
حذَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أشْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَمُواْ﴾. يقولُ: فَقُطِع أصلُ الذين ظلموا(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَقُطِعَ
دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾. قال: اسْتُؤْصِلوا(٣).
ودابرُ القومِ الذى يَدْبُرُهم، وهو الذى يَكونُ فى أَذبارِهم وآخرِهم ، يقالُ فى
الكلام : قد دَبَر القومَ فلانٌ يَدْبُرُهم ذَبْرًا ودُبورًا. إذا كان آخرَهم، ومنه قولُ أميةً(٣):
فما اسْتَطاعوا له صَرْفًا ولا انْتَصَروا
فَأُهْلِكوا بعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم (١)
﴿ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: والثناءُ الكاملُ والشكرُ التام للَّهِ ربِّ
العالمين على إنعامِه على رسلِه وأهلِ طاعتِه، بإظهارِ حُجَجِهم على مَن خالَفَهم مِن
أهلِ الكفرِ، وتحقيقِ عِدَاتِهم(٥) ما وعَدَهم على كفرِهم باللّهِ، وتكذيبِهم رسلَه، مِن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٣/٤ (٧٣٠٢) من طريق أحمد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٣/٤ (٧٣٠٣) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٣) ديوانه ص ٦٣ .
(٤) ((حص دابرهم)): أذهبهم، وأصل الحص: إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض. ينظر التاج (حص ص).
(٥) فى م، ت٢، ت ٣: ((عدتهم)). وعداتهم جمع عِدَة .

٢٥١
سورة الأنعام : الآيتان ٤٥، ٤٦
نِقَمِ اللَّهِ وعاجلٍ عذابِهِ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَّكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ عَلَى قُلُوبِكُم
(٤٦
مَّنّ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بِىَ الأوثانَ
والأصنامَ ، المكذّبين بك: أرأَيْتُم أيُّها المشركون باللّهِ غيرَه إن أَصَمَّكم اللَّهُ فذهَب
بأسماعِكم ، وأعْماكم فذهبَ بأبصارٍ كم ، وختَم على قلوبِكم ، فطبَع عليها حتى لا
تَفْقَهوا قولًا ، ولا تُبْصِروا حُجَّةً، ولا تَفْهَموا مفهومًا ، أُّ إليهٍ غيرُ اللَّهِ الذى له عبادةٌ
كلِّ عابدٍ ﴿ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾. يقولُ: يَرُدُّ عليكم ما ذهَب اللَّهُ به منكم مِن الأسْماع
والأنصارِ والأفهام، فَتَعْبُدوه أو تُشْرِكوه فى عبادةِ ربِّكم الذى يَقْدِرُ على ذَهابِه
بذلك" منكم، وعلى ردِّه عليكم إذا شاء؟
وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه تَعْلِيمُ( ١) نبيّه الحجةَ على المشركين به ، يقولُ له : قلْ
لهم : إِن الذين تَعْبُدُونهم مِن دونِ اللَّهِ لا يَمْلِكون لكم ضَرًّا ولا نفعًا، وإنما يَسْتَحِقُ
العبادةَ عليكم مَن كان بيدِه الضرّ والنفعُ، والقبضُ والبَشْطُ ، القادرُ على كلِّ ما
أراد ، لا العاجزُ الذى لا يَقْدِرُ على شىءٍ .
ثم قال تعالى لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْأَبَتِ ﴾.
يقولُ: انْظُرْ كيف نُتابِعُ عليهم الحُجَجَ، ونَضْرِبُ لهم الأمثالَ والعِبَرَ؛ لِيَعْتَبِروا
ويَذكروا فيُنيبوا. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. يقولُ: ثم هم مع مُتَابَعتِنا عليهم الحججَ،
وتَنْبِيهِنا إياهم بالعِبَرِ، عن الادِّكارِ والاعْتبارِ يُعْرِضون .
(١ - ١) فى ص، ت١، س: ((ذهاب ذلك به)).
(٢) فى ص، س: ((تعلم))، وفى ت ١: (( يعلم)).

٢٥٢
سورة الأنعام : الآية ٤٦
يقالُ منه: صدَف فلانٌ عنى بوجهِه، فهو يَصْدِفُ صُدوفًا وصَدْفًا. أى:
عدَل وأغْرَض . ومنه قولُ ابنِ الرَّقَاعِ(١) :
.
وهُنَّ عن كلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ(٢)
/ إذا ذكَوْنَ حديثًا قُلْنَ أَحْسَنَه
١٩٧/٧
وقال لبيدٌ(٣):
أشباهَ جِنٍّ عليها الرَّيْطُ (٥) والأُزُرُ
نُزْوِى قَوامِحَ(٢) قبلَ الليلِ صادِفَةً
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ مَّنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾. فوحَّد الهاءَ،
وقد مضَى الذكرُ قبلُ بالجمع، فقال: ﴿أَرَ يْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ وَخَمَ
عَى قُلُوبِكُمْ﴾؟
قيل: جائزٌ أن تَكونَ الهاءُ عائدةً على ((السمع))، فتكونَ مُوَحَّدةً لتوحيد
((السمعِ))، وجائزٌ أن تَكونَ مَغنيًّا بها: مَن إلهٌ غيرُ اللَّهِ تَأْتِيكم بما أخَذ منكم ؛ مِن
السمع والأبصارِ والأفئدةِ؟ فتكونَ مُوَحَّدةً لتوحيدِ (ما). والعربُ تَفْعَلُ ذلك إذا
كنَتْ عن الأفعالِ وحَّدَتِ الكِنايةَ، وإن كثُر ما يُكْنَى بها عنه مِن الأفاعيلِ،
كقولهم : إقبالُك وإدبارُك يُعْجِبُنى.
وقد قيل : إن الهاءَ التى فى ﴿بِهِ﴾ كنايةٌ عن الهُدَى .
وبنحوِ ما قلنا فى تأويل قوله: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
(١) تفسير القرطبى ٦/ ٤٢٨ ..
(٢) صدف ، جمع صدوف ، وهى المرأة تَعرِض وجهها عليك ثم تصدف. تاج العروس (ص د ف).
(٣) شرح دیوان لبید ص٦٦.
(٤) قوامح ، جمع قامح، وهو التارك للشرب. ينظر التاج (ق م ح).
(٥) الريط ، جمع ريطة ، وهى كل ملاءة غير ذات لفقين، أى لم يضم بعضه ببعض بخيط أو نحوه. التاج
(رى ط ) .

٢٥٣
سورة الأنعام : الآيتان ٤٦، ٤٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿يَصْدِفُونَ﴾. قال: يُغْرِضون(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محُذَيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَصْدِفُونَ﴾. قال: يَعْدِلون(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبِرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ نُصَرِّفُ أَلَيَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. قال: يُغْرِضون عنها (٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. قال: يَصُدُّون(4) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَنْكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلّ
٠ ٠
EV
يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ الَّالِمُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين
بربّهم الأوثان ، المکذِّبِین / بأنك لی رسولٌ إلیھم : اخپِرُونی إن أتا کم عذابُ وعقابُه
[٧٥٦/١ و] على ما تُشْرِكون به ما تشركون مِن الأوثانِ والأندادِ، وتَكْذِیبِكم إیایَ،
بعدَ الذى قد عايَنْتُم مِن البُرْهانِ على حقيقةٍ قولى، ﴿ بَغْتَةٌ﴾. يقولُ: فجأةً على
١٩٨/٧
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٤/٤ (٧٣١١).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٤/٤ (٧٣١٠) من طريق أبى صالح به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/٢، ٢٠٧.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٤/٤ (٣٧١٢) من طريق أحمد به .

٢٥٤
سورة الأنعام : الآيتان ٤٧، ٤٨
غِرَّةٍ لا تَشْعُرون، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾. يقولُ: أو أتاكم عذابُ اللَّهِ وأنتم تُعاينونه
وتَنْظُرُون إليه، ﴿ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّ اُلْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴾. يقولُ: هل يُهْلِكُ اللَّهُ منا
ومنكم إلا مَن كان يَعْبُدُ غيرَ مَن يَسْتَحِقُّ علينا العبادةَ، وترَك عبادةَ مَن يَسْتَحِقُّ
علينا العبادةَ ؟
وقد بيَّنَّا معنى ((الجَهْرةِ)) فى غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادته، وأنها مِن
الإجهارِ، وهو إظهارُ الشىءٍ للعينِ(١).
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى تَجِيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿جَهْرَةٌ﴾. قال: وهم يَنْظُرون .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾: فَجْأَةٌ آمِنِين، ﴿أَوْ
جَهْرَةً﴾: وهم يَنْظُرون(٢).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِرِينَ وَهُنذِرِينٌ فَمَنْ ءَامَنَ
٤٨
وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ
يقولُ تعالى ذكره: وما نُؤْسِلُ رسلَنا إلا ببشارةِ أهلِ الطاعةِ لنا بالجنةِ والفوزِ
المبينِ يومَ القيامةِ ؛ جزاءً منا لهم على طاعتِنا، وبإنذارِ مَن عصانا وخالَف أَمْرَنا،
عقوبتنا إِيَّه على معصيتِنا يومَ القيامةِ ؛ جزاءً منا على معصيتِنا، لنُعْذِرَ إليه فيَهْلِكَ إِن
هَلَك عن بِيِّنةٍ ، ﴿ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ ﴾. يقولُ: فمَن صدَّق من أرْسَلْنا إليه مِن رشلِنا
إنذارَهم إياه، وقبِلُ منهم ما جاءوه به مِن عندِ اللَّهِ ، وعمِل صالحاً فى الدنيا ، ﴿ فَلَا
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٨٧/١ وما بعدها .
(٢) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٤/٤ (٧٣١٣، ٧٣١٤).
(٣) فى م: ((قيل)) .

٢٥٥
سورة الأنعام : الآيات ٤٨ - ٥٠
خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ عندَ قدومِهم على ربِّهم، مِن عقابِهِ وعذابِه الذى أعَدَّه اللَّهُ
لأعدائِه وأهلِ مَعاصِيه، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عندَ ذلك، على ما خلّفوا وراءَهم فى
الدنيا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ
٤٩
يَفْسُقُونَ
يقول تعالى ذكره: وأما الذين كذَّبوا بمَن أَرْسَلْنا إليه مِن رسلِنا، وخالَفوا أَمْرَنا
ونهيَنا، ودافعوا حُجَّتَنا ، فإنهم يُباشِرُهم عذابُنا وعقابُنا على تكذيِهم ما كذّبوا به
مِن حُجَجِنا، ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾. يقولُ: بما كانوا يُكَذِّبون .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: كلُّ فِشْقٍ فى القرآنِ فمعناه الكَذِبُ .
حدَّثنى بذلك يونُّسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابُ وهبٍ عنه(١).
/ القول فى تأويل قوله: ﴿قُل لََّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَرَائِنُ اللَّهِ وَلَآَ أَعْلَمُ اٌلْغَيْبَ
وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلََّ مَا يُوحَى إِلَّ قُلُ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ أَفَلاَ
تَنَّفَكَّرُونَ
١٩٩/٧
يقولُ تعالى ذكره : قُلْ لهؤلاء المُكرين نبؤَّتَك: لستُ أقولُ لكم : إنى الربُّ
الذى له خزائنُ السماواتِ والأرضِ، وأعلمُ غيوبَ الأشياءِ الخفيةِ التى لا يعلمُها إلا
الربُّ الذى لا يَخْفَى عليه شيءٌ، فتُكذِّبونى فيما أقولُ مِن ذلك؛ لأنه لا ينبغى أن
يكونَ ربَّا إلا مَن له مُلْكُ كلِّ شيءٍ، وبيدِه كلُّ شىءٍ، ومَن لا يَخْفَى عليه خافيةٌ .
وذلك هو اللَّهُ الذى لا إِلهَ غيرُه، ﴿ وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ﴾؛ لأنه لا ينبغى لمَلَكِ أن
(١) تقدم تخريجه ص ١٠٧، كما عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٣ إلى المصنف.

٢٥٦
سورة الأنعام : الآية ٥٠
يكونَ ظاهرًا بصورتِه(١) الأبصارِ البشرِ فى الدنيا، فتَجْحدوا ما أقولُ لكم مِن ذلك،
﴿ إِنَّ أَتَِّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾. يقولُ: قل لهم: ما أَتَّبِعُ فيما أقولُ لكم وأدعو كم إليه
إلا وحىَ اللَّهِ الذى يُوحِيه إلىّ، وتنزيلَه الذى يُنَزِلُه علىَّ، فأمْضِى لوحيِهِ وأَنَّمِرُ(٢)
لأمرِهِ، وقد أتيتُكم بالحُجج القاطعةِ مِن اللَّهِ عذرَ كم على صحةٍ قولى فى ذلك ،
وليس الذى أقولُ مِن ذلك بمُنكَرٍ فى عقولِكم ، ولا مستحيلٍ كونُه، بل ذلك مع
وجودِ البرهانِ على حقيقتِه هو الحكمةُ البالغةُ، فما وجهُ إنكارٍ كم ذلك ؟
وذلك تنبيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه عَ لَّه على موضع محجتِه على منكرى نبوَّتِه
مِن مشر کی قومِه .
﴿قُلّ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ
لهم : هل يَشْتوِى الأعمى عن الحقِّ والبصيرُ به؟ والأعمى هو الكافر الذى قد عَمِی
عن حُجج اللَّهِ فلا يَتَبَيَّنُها فيتَبَعَها، والبصيرُ المؤمنُ الذى قد أبصَر آياتِ اللَّهِ
وحُجِجَه، فاقْتَدَى(٢) بها واستضاء بضيائِها، ﴿ أَفَلاَ تَنَفَّكَّرُونَ﴾. يقولُ لهؤلاء
الذين كذَّبوا بآياتِ اللَّهِ: أفلا تتفكرون فيما أَحْتَجُ عليكم به أيُّها القومُ مِن هذه
الحجج ، فتعلَموا صحةً ما أقولُ وأدعُو كم إليه ، مِن فسادٍ ما أنتم عليه مقيمون ؛ مِن
إشراكِ الأوثانِ والأندادِ باللّهِ ربِّكم، وتكذيِكم إياىَ، مع ظهورٍ حُججٍ صدقِى
لأعينِكم، فتدَعوا ما أنتم عليه مِن الكفرِ مقيمون ، إلى ما أدْعُوكم إليه مِن الإيمانِ
الذی به تفوزون ؟
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
(١) فى ص، ت١، س: ((بعبودته)).
(٢) فى م: ((أمرٌ)).
(٣) فى ص، ت١،: (( ما يقتدى)).

٢٥٧
سورة الأنعام : الآيتان ٥٠، ٥١
ذکرُ مِن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.
ج
قال: الضالُ والمُهتدِى(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثُنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ قُلّ هَلْ
يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الآية. قال: الأعمى: الكافرُ الذى قد عَمِى عن حقِّ
اللَّهِ وأمرِهِ ونِعَمِه عليه، والبصيرُ: العبدُ المؤمنُ الذى أبصَر بصرًا نافعًا، فوحّد اللَّهَ
وحدَه، وعمِل بطاعةِ ربِّه، وانْتَفع بما آتاه اللَّهُ(٢) .
/ القول فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ
٢٠٠/٧
٥١
لَهُم مِّن دُونِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّ اله: وأَنْذِرْ [٧٥٦/١ظ] يا محمدُ بالقرآنِ الذى
أنزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يُحْشَروا إلى ربِّهم، علمًا منهم بأن ذلك كائنٌ،
فهم مُصَدِّقون بوعدِ اللَّهِ ووعيدِه، عاملون بما يُرضِى اللَّهَ، دائبون(١) فى السعي فيما
يُنْقِذُهم فى معادِهم مِن عذابِ اللَّهِ حينَ(٤) ليس لهم مِن عذابِ اللَّهِ إِن عذَّبهم، ولوّ
يَنْصُرُهُمْ فِيَسْتَنْقِذُهم منه، ولا شفيعٌ يَشْفَعُ لهم عندَ اللَّهِ تعالى فيُخَلِّصُهم مِن عقابِهِ،
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٦/٤ (٧٣٢٢، ٧٣٢٤).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٦/٤ (٧٣٢٥) من طریق یزید به .
(٣) فى م، ت ٢: (( دائمون )).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: (( ليس لهم من دونه ولى أى)).
.هـ
( تفسير الطبرى ١٧/٩ )

٢٥٨
سورة الأنعام : الآيتان ٥١، ٥٢
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: أَنذِرْهم كى يَتَّقُوا اللَّهَ فى أنفسِهم، فيُطيعوا ربَّهم،
ويَعْمَلُوا لَمَعَادِهم، ويَحْذَروا سخَطَه باجتنابٍ معاصيه .
وقيل: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ﴾ ومعناه: يَعْلَمون أنهم
يُحْشَرون. فوُضِعت (المخافةُ)) موضعَ ((العلم))؛ لأن خوفَهم كان مِن أجلٍ علمِهم
بوقوعِ ذلك ووجودِهِ مِن غيرِ شكُ منهم فى ذلك .
وهذا أمرٌّ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيّه محمدًا عَ لَه بتعليم أصحابِهِ ما أنزل اللَّهُ إليه
مِن وحيه، وتذكيرِهم، والإقبالِ عليهم بالإنذارِ، وصدَّ عنه المشركون١) به بعدَ
الإعذارِ إليهم، وبعدَ إِقامةِ الحجةِ عليهم، حتى يكونَ اللَّهُ هو الحاكمَ فى أمرِهم بما
يَشاءُ مِن الحكمِ فيهم.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ
٥٢
فَتَكُونَ مِنَ اُلَّالِمِينَ
ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ صَ لَّهِ فى سببٍ جماعةٍ مِن ضعفاءٍ
المسلمين، قال المشركون له: لو طرَدتَ هؤلاء عنك لغَشَيناك وحضَرنا مجلسَك.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ، قال: ثنا أبو زُبيدٍ(٢) ، عن أشعثَ، عن كُردوسٍ الثعلبىِّ،
عن ابنٍ مسعودٍ ، قال: مرَّ الملأَّ مِن قريشٍ بالنبيِّ عَّهِ وعندَه صُهيبٌ وعمارٌ وبلالٌ
وخبَّابٌ، ونحوُهم مِن ضعفاءِ المسلمين، فقالوا: يا محمدُ، رضِيتَ بهؤلاء مِن
قومِك، أهؤلاء الذين منَّ اللَّهُ عليهم مِن بيننا؟ أنحن نكونُ تَبَعًا لهؤلاء؟ اْرُدْهم
(١ - ١) فى م، ت ٢: ((وصده عن المشركين)).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((زيد)).

٢٥٩
سورة الأنعام : الآية ٥٢
عنك ، فلعلك إِن طَرَدتَهم أن نَتَّبِعَك. فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلَا تَظَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهٌَ﴾ - ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إِلى
(١)
آخرِ الآيةِ(١).
حدَّثنا جريرٌ(٢)، عن أشعثَ، عن كُردوسِ الثعلبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: مرّ الملءُ
مِن قريشٍ على رسولِ اللهِ عَّهِ. ثم ذكر نحوَه(٣).
/ حدَّثنى أبو السائبٍ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ غياثٍ، عن أشْعَثَ، عن كُودُوس، ٢٠١/٧
عن ابنِ عباسٍ، قال: مَرَّ على رسولِ اللَّهِ عَّهِ ملأٌ مِن قريشٍ. ثم ذَكَر نحوَهُ(٤).
حدَّثنى الحسينُ بنُ عمرو بنِ محمدِ العَنْقَزِىُّ ، قال : ثنا أبى، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ، عن أبى سعيدٍ (*) الأزْدِىِّ - وكان قارئَ الأَزْدِ - عن أبى الكَنُودِ، عن
خَّابٍ فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهٌَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ
التَّمِيمِىُّ وعُيَينةُ بنُ حِصْنِ الفَزَارِىُّ، فَوَجَدوا النبيَّ عَ لِّ قاعدًا مع بلالٍ وصُهَيبٍ
وعَمَّارٍ وخَبَّابٍ، فى أناسٍ مِن الضعفاءِ من المؤمنين، فلما رَأَوهم حولَه
حَقَروهم، فأَتَوه فقالوا : إنَّا نُحِبُ أن تَجْعُلَ لنا منك مَجْلِسًا تَعْرِفُ لنا العربُ به
(١) أخرجه أحمد ٩٢/٧ (٣٩٨٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٩/٤ (٧٣٤٢)، والطبرانى
(١٠٥٢٠)، والواحدى فى أسباب النزول ص١٦٢، ١٦٣ من طريق أشعث به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٢/٣ إلى أبى الشيخ وابن مردويه .
(٢) كذا فى النسخ، وسقط منها شيخ المصنف، وشيخ المصنف فى مثل هذا الإسناد إما أن يكون محمد بن
حميد، وإما أن يكون سفيان بن وكيع، وقد يكونان هما معا، ينظر ٤٠/٥، ٥٣٢/٧، ٥٥٠، ٥٠٩/١١)
٥١٨، ٥٢٢، ٦٠٩/١٢.
(٣) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٤٦/١ من طريق جرير به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٦/٤ (٧٣٢٦) من طريق أشعث به .
(٥) فى ص، س: ((سعد)). وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٣/ ٣٤٤.
(٦ - ٦) فى م، ت٢، ت ٣: ((ضعفاء).

٢٦٠
سورة الأنعام : الآية ٥٢
فَضْلَنا، فإن وفودَ العربِ تأتيك فتَسْتَحْيِى أَن تَرانا العربُ مع هؤلاءِ الأَعْبُدِ ، فإذا
نحن جِئْناك فأقِمْهم عنا، فإذا نحن فَرَغْنا فاقعُدْ معهم إن شِئْتَ. قال: ((نعم)).
قالوا : فاكتُبْ لنا عليك بذلك كتابًا . قال: فَدَعا بالصحيفةِ، ودَعا عليًّا لِيَكتُبَ ،
قال: ونحن قعودٌ فى ناحيةٍ ، إِذْ نَزَلَ جبريلُ بهذه الآيةِ: ﴿ وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ
عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ اُلِّمِينَ﴾. ثم قال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا
بَعْضَهُم بِبَعْضِ لِيَقُولُوَأْ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنُ بَيْنِنَأُ أَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ
◌ِالشَّاكِرِينَ﴾. ثم قال: ﴿ وَإِذَا جَمَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِشَايَقِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ فَألْقَى رسولُ اللَّهِ عَمِ الصحيفةَ مِن يدِه، ثم
دَعانا، فَأَيناه وهو يقولُ: ((﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ )).
فَكُنَّا نَقْعُدُ معه، فإذا أرادَ أن يقومَ قامَ وتَرَكَنا، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكره:
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌّ وَلَا
تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيًا﴾ [الكهف: ٢٨]. قال: فكان رسولُ
اللَّهِ عَمِ يَفْعُدُ مَعنا بعدُ، فإذا بَلَغَ الساعةَ التى يقومُ فيها، قُمْنا وتَرَكْناه حتى يقومَ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا
أسباطُ، عن السدىِّ، عن أبى سعيدِ الأَزْدِىِّ، عن أبى الگنُودِ ، عن خَّابٍ بنِ
الأَرَتِّ بنحوِ حديثِ الحسين بن عمرٍو، إلا أنه قال فى حديثه: فلمَّا رَأوهم
حولَه نَفَّرُوهم، فَأَتَوِه فَخَلَوا به. وقال أيضًا: ﴿فَتَكُونَ مِنَ اُلَّالِمِينَ﴾ . ثم
(١) أخرجه البزار (٢١٢٩)، وأبو يعلى - كما فى المطالب العالية (٣٩٧٧) - عن الحسين بن عمرو به ،
وأخرجه ابن ماجه (٤١٢٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٩٧/٤، ١٣٠٠ (٧٣٣١، ٧٣٤٦) من طريق
عمرو بن محمد العنقزى به، وأخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ١٦٢، والبيهقى فى الدلائل ١/ ٣٥٢،
٣٥٣ من طریق السدی به مختصرا، وعزاه الزيلعی فی تخريج الكشاف ٤٣٩/١ إلی ابن راهويه فى مسنده،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.