النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة الأنعام: الآية ٣٣
قد کان فیھم من هذه صفتُه .
وقد ذهَب إلى كلِّ واحدٍ مِن هذين التأويلين جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذکر مَن قال : معنى ذلك : فإنهم لا يُگذبونك، ولکنھم یَجْحَدون الحقَّ
على علمٍ منهم بأنك نبيِّ للَّهِ صادقٌ .
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ،
فى قوله : ( قد نَعْلَمُ إنه لَيَحْزُنُك الذى يقولون فإنهم لا يُكَذِبونك). قال : جاء
جبريلُ إلى النبيِّ ◌َّمِ ذاتَ يومٍ وهو جالسٌ حزينٌ، فقال له: ما يَحْزُنُك؟ فقال:
(( كذَّبَنِى هؤلاء)). قال: فقال له جبريلُ: إنهم لا يُكْذِبونك، هم يَعْلَمون أنك
صادقٌ ، ولكن الظالمين بآياتِ اللَّهِ يجحدون .
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبى صالحٍ، قال :
جاء جبريلُ إلى النبيِّ عَّمِ وهو جالسٌ حَزِينٌ، فقال له: ما يَحْزُنُك؟ فقال:
((كذَّبَنى هؤلاء)). فقال له جبريلُ: إنهم لا يُكْذِبونك، إنهم لَيَعْلَمون أنك صادقٌ،
ولكنَّ الظالمين بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمر، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِئَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. قال: يَعْلَمون أنك
رسولُ اللَّهِ وَيَجْحَدون(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٧/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٣/٤ (٧٢٤١) عن الحسن بن يحيى
به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى ابن المنذر.
٢٢٢
سورة الأنعام : الآية ٣٣
السدىِّ فى قوله: (قد نَعْلَمُ إنه لَيَحْزُنُك الذى يَقُولون فإنهم لا يُكْذِبونك ولكن
١٨٢/٧ الظالمين بآياتِ اللَّهِ / يَجْحَدون): لمّ كان يومُ بدرٍ قال الأُخْتَسُ بنُ شَرِيقٍ لبنى زُهْرةَ:
يا بنى زُهْرةَ ، إن محمدًا ابنُ أختِكم، فأنتم أحقُّ مَن كَفَّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم
تُقاتِلوه (١) اليومَ وإن كان كاذبًا كنتم أحقَّ مَن كَفَّ عن ابنِ أختِهُ ، قِفوا هلهنا حتى
أَلْقَى أبا الحكم، فإن غُلِب محمدٌ رجَعْتُم سالمين، وإن غَلَب محمدٌ ، فإن قومكم لا
يَصْنَعون بكم شيئًا . فيومَئذٍ سُمِّى الأُخْتَسَ، وكان اسمّه أبيٍّ، فَالْتَّقَى الأخنسُ وأبو
جهلٍ ، فخلا الأخنسُ بأبى جهلٍ، فقال: يا أبا الحكم، أُخْبِرْنى عن محمدٍ ، أصادقٌ
هو أم كاذبٌ؟ فإنه ليس هلهنا مِن قريشٍ أحدٌ غيرى وغيرُك يَسْمَعُ كلامَنا. فقال أبو
جهلٍ: وَيْحَك، واللَّهِ إِن محمدًا لَصادقٌ، وما كذَب محمدٌ قطُّ ، ولكن إذا ذهَب بنو
قُصَيِّ باللواءِ والحِجابةِ والسّقايةِ والنبوةِ، فماذا يَكونُ لسائرٍ قريش؟ فذلك قوله :
(فإنهم لا يُكْذِبوك ولكن الظالمين بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون). فآياتُ اللَّهِ محمدٌ عَهَ (١).
حدَّثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالم
الأَقْطَسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: (فإِنَّهم لا يُكَذِبونك). قال: ليس يُكَّذِبون
محمدًا ، ولكنهم بآياتِ اللَّهِ يَجْحَدون .
ذكرُ مَن قال : ذلك بمعنى :
فإنهم لا يُگذِّبونك ولکنھم یُكَذِّبون ما جئتَ به.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٌّ، قال: [٧٥٢/١و] ثنا
سفيانُ، عن أبى إسحاق، عن ناجيةَ، قال: قال أبو جهلٍ للنبىِّ ◌ٍَّ: ما نَتَّهِمُك،
(١) فى م: (( تقاتلونه )).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أخيه)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٦/٣، ٢٤٧ عن المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٣/٤
(٢٨٤٠) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرا على آخره دون ذكر القصة .
٢٢٣
سورة الأنعام : الآيتان ٣٣، ٣٤
ولكن نَتَّهِمُ الذى جئتَ به. فأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَِّنَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
ناجيةَ بنِ كعبٍ ، أن أبا جهلٍ قال للنبيِّ عَ لَه: إنا لا نُكَذِّبُك، ولكن نُكَذِّبُ الذى
جئتَ به . فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإَِهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِعَايَتِ اَللَّهِ
يَجْحَدُونَ﴾ .
وقال آخرون: معنى ذلك : فإنهم لا يُتْطِلون ما جئتَهم به .
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ
كعبٍ: ﴿فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾. قال: لا يُتطِلون ما فى يديك(٢).
وأما قولُه: ﴿وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ الَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. فإنه يقولُ: ولكنَّ
المشركين باللّهِ ، بحُجَج اللَّهِ وآيٍ كتابِه ورسولِه يَجْحَدون، فيُنْكِرون صحةَ ذلك
کلّه .
وكان السدىُّ يقولُ: الآياتُ فى هذا الموضع معنىٌّ بها محمدٌ عَالِ . وقد
ذكَرْنا الروايةَ بذلك عنه قبلُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ
وَأُوْذُواْ حَتَّىَ أَنَنْهُمْ نَصْرُنَا وَلَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نََّإِنى
٠٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٢/٤ (٧٢٣٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدى به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٢/٤ (٧٢٣٧) من طريق أبى يحيى الرازى إسحاق بن سليمان به.
وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٧٦ - تفسير) من طريق أبى معشر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
٢٢٤
سورة الأنعام : الآية ٣٤
(٣٤
الْمُرْسَلِينَ
/وهذا تسليةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَظَلَّهِ ، وتعزيةٌ له عما ناله مِن
المَساءَةِ بتكذيبٍ قومِه إياه على ما جاءهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللَّهِ .
١٨٣/٧
يقولُ تعالى ذكره : إن يُكَذِّبْك يا محمدُ هؤلاء المشركون مِن قومِك،
فيَجْحَدوا نبوتَك، ويُنْكِروا آياتِ اللَّهِ أنها مِن عنده ، فلا يَخُنْك ذلك ، واصْبِرْ على
تكذيبهم إياك، وما تَلْقَى منهم مِن المكروهِ فى ذاتِ اللَّهِ، حتى يَأْتِىَ(١) نصرُ اللَّهِ، فقد
كُذِّبَت رسلٌ مِن قبلِك ، أرْسَلْتُهم إلى أيمهم ، فنالُوهم بمكروهٍ ، فصبروا على تكذیبٍ
قومهم إياهم، ولم يُثْنِهم ذلك مِن المُضِىِّ لأمرِ اللَّهِ الذى أمَرَهم به مِن دعاءٍ قومِهم
إليه، حتى حكَم اللَّهُ بينَهم وبينَهم، ﴿وَلَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللهِ﴾. يقولُ(٢) : ولا
مُغَيِّرَ لكلماتِ اللَّهِ. وكلماتُه تعالى ما أَنْزَل اللَّهُ إلى نبيّه محمدٍ عَلّ مِن وعدِه إياه
النصرَ على مَن خالَفَه وضائَّه، والظُّفَرَ على مَن توَلَّى عنه وأدبَر.
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: ولقد جاءك يا محمدُ مِن خبرٍ
مَن كان قبلَك مِن الرسلِ، وخبرٍ أمِهم، وما صنَعْتُ بهم حينَ جحَدوا آياتى،
وتَمَادَوْا فِى غَيِّهم وضلالِهم أنباءٌ. وترك ذكرَ ((أنباءٍ)) لدلالةِ ((مِن)) عليها. يقولُ
تعالى ذكرُه : فانْتَظِرْ أنت أيضًا مِنِ النَّصْرِ والظَّفَرِ مثلَ الذى كان منى فى مَن كان
قبلَك مِن الرسلِ، إذ كذَّبهم قومُهم(١)، واقْتَدِ بهم فى صبرِهم على ما لَقُوا مِن
قومهم .
وبنحوِ ذلك تأوَّل مَن تأوَّل هذه الآيةَ مِن أهلِ التأويلِ .
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أتاهم)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((قومك)).
٢٢٥
سورة الأنعام : الآيتان ٣٤، ٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ﴾: يُعَزِّى نبيَّه عَِّ كما
تَشْمَعون، ويُخْبِرُه أن الرسلَ قد كُذِّبَت قبلَه ، فصبروا على ما كُذِّبوا حتى حكَم
اللَّهُ، وهو خيرُ الحاكِمِينَ(١) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن مجُوَثِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾. قال: يُعَزِّى نبيَّهِ عَهٍ(١).
حدثّنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج :
(٣)
﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية. قال: يُعَزِّى نبيَّه عََّ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ
نَفَقًّا فِىِ الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم ◌ِثَابَةٌ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره: وإن كان عَظُم عليك يا محمدُ إعراضُ هؤلاء المشركين
عنك ، وانصرافُهم عن تصديقك فيما جئتَهم به مِن الحقِّ الذى بعَثْتُك به ، فشَقَّ ذلك
عليك، ولم تَصْبِرْ لمكروهِ ما يَنالُك منهم، ﴿فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى
اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ: فإن استَطَعْتَ أن تَتَّخِذَ سَرَبًا فى الأرضِ - مثلَ / نافِقاءِ اليَرْبُوعِ،
وهى أحدُ جِحَرتِه - فَتَذْهَبَ فيه، ﴿أَوْ سُلَّمَا فِىِ السَّمَآءِ﴾. يقولُ: أو مِصْعَدًا
١٨٤/٧
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٣/٤، ١٢٨٤ (٧٢٤٣، ٧٢٤٤) من طريق يزيد به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى المصنف.
(٣) فى م: (( جرير)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٥/٩ )
٢٢٦
سورة الأنعام : الآية ٣٥
تَصْعَذُ فيه، كالدَّرَج وما أشبهَها، كما قال الشاعرُ(١):
لا يُخْرِزُ المَرَءَ أحْجاءُ البلادِ ولا يُتْنَى له فى السماواتِ السَّلَالِيمُ
﴿ فَتَأْتِيَهُم بِئَايَةٌ﴾ منها، يعنى: بعلامةٍ وبرهانٍ على صحةِ قولِك ، غيرِ الذى
أَتَيْتُك ، فافْعَلْ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ
أُسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِىِ السَّمَآءِ﴾: والنَّفَقُ السَّرَبُ، فتَذْهَبَ
فيه فتأتيَهم بآيةٍ ، أو "تَجْعَلَ لهم٢ سُلَّمًا فى السماءِ فَتَصْعَدَ عليه، فتَأْتِيهم بآيةٍ أفضلَ مما
أَتَيْناهم به ، فافْعَلْ(٤).
حذَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ ﴾. قال: سَرَبًّا، ﴿ أَوْ
سُلَّمَّا فِى السَّمَاءِ﴾. قال: يعنى الدَّرَجَ ).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال : ثنا أسباطُ ، عن
(١) هو تميم بن أبيّ بن مقبل، والبيت فى ديوانه ص ٢٧٣.
(٢) أحجاء البلاد : نواحيها وأطرافها. اللسان (ح ج و) والبيت فيه .
(٣ - ٣) فى م: ((تجعل لك))، وفى ت ١: ((يجعل الله لهم)»، وفى ت٢، ت ٣: ((يجعل لهم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٤/٤ (٧٢٤٨، ٧٢٤٩) من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى ابن المنذر .
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢٠٧/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٤/٤ (٧٢٤٦، ٧٢٤٧) عن الحسن
ابن یحیی به .
٢٢٧
سورة الأنعام : الآية ٣٥
السدىِّ: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ، إِعَرَاضُهُمْ [٧٥٢/١ظ] فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَآءِ﴾: أما النَّفقُ فالشَّرَبُ، وأما السُّلَّمُ فالمِصْعَدُ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْج، عن
عطاءِ الخُراسانىٌّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نَفَقًّا فِى الْأَرْضِ﴾. قال: سَرَّبًّا.
وتُرِك جوابُ الجزاءِ فِلم يُذْكَرْ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه ، ومعرفةِ السامِعِین بمعناه ،
وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك فيما كان يُفْهَمُ (٢) معناه عندَ المخاطَبِين به، فيَقولُ الرجلُ منهم
للرجلِ : إِنِ استَطَعتَ أَن تَنْهَضَ معنا فى حاجتِنا، إن قدَرْتَ على مَعُونِنا . ويَحْذِفُ
الجوابَ، وهو يُرِيدُ: إن قدَرْتَ على مَعونِنا فافْعَلْ. فأما إذا لم يَعْرِفِ المُخاطَبُ
والسامعُ معنى الكلامِ إلا بإظهارِ الجوابِ لم يَحْذِفوه، لا يُقالُ: إن تَقُمْ. فَتَشْكُثُ
وتَحْذِفُ الجوابَ؛ لأن المَقُولَ ذلك له لا يَعْرِفُ جوابَه إلا بإظهارِهِ، حتى يُقالَ: إن
تَقُمْ تُصِبْ خيرًا. أو: إِن تَقُمْ فحسنٌ. وما أشْبَةَ ذلك. ونظيرُ ما فى الآيةِ مما حُذِف
جَوابُه وهو مُرادٌ؛ لفهمِ المُخَاطَبِ لمعنى الكلامِ، قولُ الشاعرِ(٤):
فَبِحَظُّ مما نَعِيشُ ولا تَذْ هَبْ بكِ التُّرَهاتُ فِى الْأَهْوالِ
" والمعنى: فبحظٍّ مما نَعِيشُ فَعِيشِىْ).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىُّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ
اُلْجَاهِلِينَ
٣٥
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٤/٤ عقب الأثر (٧٢٤٦، ٧٢٤٨) من طريق عمرو بن حماد ،
عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٤/٤ (٧٢٤٥) من طريق ابن جريج به .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((معهم ما)).
(٣) هو عبيد بن الأبرص، وتقدم البيت فى ٢١/٣.
(٥ - ٥) سقط من: م.
٢٢٨
سورة الأنعام: الآية ٣٥
يقولُ تعالى ذكره : إن الذين يُكَذِّبونك مِن هؤلاء الكفارِ يا محمدُ ، فيَحُْنُك
١٨٥/٧ تكذيئهم إياك، لو أشاءُ / أن أَجْمَعَهم على استقامةٍ مِن الدِّينِ، وصوابٍ مِن مَحَجّةٍ
الإسلام، حتى تكونَ كلمةُ جَمْعِكم (١) واحدةً، وملتُكم وملتُهم واحدةً ، لجمَعْتُهم
على ذلك، ولم يكنْ بعيدًا(٢) علىَّ؛ لأنى القادرُ على ذلك بلُطْفِى، ولكنى لم أَفْعَلْ
ذلك لسابقٍ علمى فى خَلْقِى، ونافذٍ قَضائى فيهم، مِن قبل أن أُخْلُقَهم، وأَصَوّرَ
أجسامَهم ، ﴿فَلَ تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. يقولُ: فلا تَكُونَنَّ مّن لا
يَعْلَمُ أن اللَّهَ لو شاء لَجَمَع على الهُدىَ جميعَ خلقِه بلُطْفِه، وأن مَن يَكْفُرُ به مِن خَلْقِه ،
إنما يَكْفُرُ به لسابقٍ علم اللَّهِ فیه، ونافذٍ قَضائِه بأنه كائنٌ مِن الكافرين به اختیارًا لا
اضطِرارًا، فإنك إذا علِمْتَ صحةَ ذلك لم يَكْبُرْ عليك إعراضُ مَن أَعْرَض مِن
المشركين عما تَدْعُوه إليه مِن الحقِّ، وتكذيبُ مَن كذَّبك منهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنٍ عباسٍ: يقولُ اللَّهُ سبحانَه: لو شئتُ لَجَمَعْتُهم على
الهُدَى أجمعين(٣).
وفى هذا الخبرِ مِن اللَّهِ تعالى الدلالةُ الواضحةُ على خطأُ ما قال أهلُ التَّفْويضِ
مِن القَدَريةِ ، المنكرون أن يَكونَ عندَ اللَّهِ لطائفُ لمن شاء توفيقَه مِن خلقِهِ ، يَلْطُفُ
(١) فى م: ((جميعكم)).
(٢) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) من تمام الأثر المتقدم فى ص ٢٢٦ ، وهذا اللفظ ليس عند ابن أبى حاتم فى الموضعين، ولكن أخرجه
فى ١٢٨٤/٤ (٧٢٥٠) من طريق أبى صالح به بلفظ آخر.
٢٢٩
سورة الأنعام : الآيتان ٣٥، ٣٦
بها له، حتى يَهْتَدِىَ للحقِّ فِيَنْقَادَ له، ويُنِيبَ إلى الرَّشادِ، فيُذْعِنَ به، ويُؤْثِّرَه على
الضلال والكفرِ باللَّهِ . وذلك أنه تعالى ذكرُه أَخْبَر أنه لو شاء هدايةً جميع مَن كفَر به
حتى يَجْتَمِعوا على الهُدَى، فَعَل، ولاشكَّ أنه لو فعل ذلك بهم كانوا مُهْتَدِين لا
ضُلَالًا ، وهم لو كانوا مُهْتَدِین کان لاشكَّ أن کونھم مهتدِین کان خیرًا لهم. وفی
تركِه تعالى ذكرُه أن يَجْمَعَهم على الهدَى ، تركٌ منه أن يَفْعَلَ بهم فى دينهم بعضَ ما
هو خيرٌ لهم فيه ، مما هو قادرٌ على فعله بهم ، وقد ترَك فعلَه بهم . وفى تركِه فعلَ ذلك
بهم أوضح الدليلِ أنه لم يُعْطِهم كلَّ الأسبابِ التى بها يَصِلون إلى الهدايةِ،
ويَتَسَبَّیون بها إلى الإيمانِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿﴾ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَنُّهُمُ اللَّهُ ثُمَّ
٣٦
﴾.
إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَّمِ: لا يَكْبُرَنَّ عليك إعراضُ هؤلاء المغْرِضِين
عنك، وعن الاستجابة لدعائِك، إذا دعَوتَهم إلى توحيدٍ ربِّهم ، والإقرارِ بنبوتِك،
فإنه لا يَشْتَجِيبُ لدعائِك إلى ما تَدْعُوه إليه مِن ذلك، إلا الذين فتَح اللَّهُ
أسماعَهم للإصغاءِ إلى الحقِّ، وسهَّل لهم اتباعَ الرُّشدِ، دونَ مَن ختَم اللَّهُ على
سمعِه، فلا يَفْقَهُ مِن دعائِك إياه إلى اللَّهِ ، وإلى اتباع الحقِّ، إلا ما تَفْقَهُ الأنعامُ مِن
أصواتٍ رُعاتِها، فهم كما وصَفَهم اللَّهُ به تعالى ذكرُه: ﴿صُ بُكْمُّ عُمْىٌّ فَهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
﴿ وَاَلْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ﴾. يقولُ: والكفارُ يَبْعَثُهم اللّهُ مع الموتى. فجعَلَهم
تعالى ذكرُه فى عِدادِ الموتى الذين لا يَسْمَعون صوتًا ، ولا يَعْقِلون دعاءً، ولا يَفْقَهُون
قولًا ، إذ كانوا لا يَتَدَبَّرون حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَعْتَبِرون آياتِه، ولا يَتَذَكَّرون فيَنْزَجِروا عما
هم عليه مِن تكذيبٍ رسلِ اللَّهِ وخلافهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٣٠
سورة الأنعام: الآية ٣٦
١٨٦/٧
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾: المؤمنون للذكرِ،
﴿ وَالْمَوْنَى﴾: الكفارُ، حينَ يَتْعَثُّهم اللَّهُ مع الموتى(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أُبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾. قال: هذا مَثَلُ المؤمنِ، سمِع كتابَ اللَّهِ، فانْتفَع به،
وأَخَذَ به وعقَله. ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايِنَا [٧٥٣/١و] صُنٌ وَبُّكُمٌ﴾: وهذا مَثَلُ
الكافرِ، أَصَمُّ أَبْكَمُ ، لا يُنْصِرُ هُدًى (١)، ولا يَنْتَفِعُ به (١ .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو أسامةً، عن سفيانَ الثورىِّ، عن محمدِ بنِ
جُحَادةَ، عن الحسنِ: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾: المؤمنون:
( وَالْمَوْنَى﴾. قال: الكفارُ(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ
جُحَادةَ، قال: سمِعْتُ الحسنَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونٌ
وَاُلْمَوْنَ يَبْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾. قال: الكفارُ(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٣٢١، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٥/٤ (٧٢٥٢، ٧٢٥٥).
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى عبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فی ت ١: (( شيئا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٥/٤، ١٢٨٦ (٧٢٥٣، ٧٢٦٣) من طريق يزيد به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٥/٤ (٧٢٥١، ٧٢٥٤) من طريق أبي أسامة به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
٢٣١
سورة الأنعام : الآيتان ٣٦، ٣٧
وأما قولُه: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. فإِنه يقولُ تعالى ذكره: ثم إلى اللَّهِ
يُرْجَعون ؛ المؤمنون الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ ، والكفارُ الذين يَحُولُ اللَّهُ بينَهم
وبينَ قُلُوبِهِمْ (١) أن يَفْقَهوا عنك شيئًا، فيثيبُ هذا المؤمنَ على ما سلَف مِن صالحٍ
عملِهِ فى الدنيا ، بما وعَد أهلَ الإيمانِ به مِن الثوابِ، ويُعاقِبُ هذا الكافرَ بما أَوْعَد أهلَ
الكفرِ به مِن العقابِ، لا يَظْلِمُ أحدًا (٢) منهم مثقال ذرةٍ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَقَا أُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنَ
يُنِّلَ ءَايَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٣٧
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء العادِلون بربِّهم، المُعْرِضون عن آياتِه: ﴿لَوَّلَا
نُزِلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّبٍِّ﴾. يقولُ: قالوا: هلَّ نُزِّل على محمدٍ آيةٌ مِن ربِّه. كما قال
الشاعر(٣) :
بنى ضَوْطَرَى لولا الكَمِىَّ المُقَنَّعَا
تَغُدُّون عَقْرَ النِّيبِ أَفضلَ مَجْدِكم
بمعنى : هلََّ الكَمِىَّ.
والآيةُ العلامةُ، وذلك أنهم قالُوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأَكُلُ الطَّعَامَ
وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ
كَثُّ أَوْ تَكُونُ / لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٧، ٨]. قال اللَّهُ تعالى
لنبيِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لقائلى هذه المقالةِ لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَن
يُنَزِّلَ ءَايَةً﴾. يعنى: حُجَّةً على ما يُرِيدون ويَسْأَلُون، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: ولكن أكثرَ(٤) الذين يَقُولون ذلك، فيَسْأَلونك آيةٌ ، لا يَعْلَمون ما
١٨٧/٧
(١) سقط من: م، وفى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((قولهم)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أحد)).
(٣) هو جرير، وتقدم فى ٢/ ٤٧٦.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( أكثرهم)).
٢٣٢
سورة الأنعام : الآيتان ٣٧، ٣٨
عليهم فى الآيةِ إِن نَزَّلها مِن البلاءِ، ولا يَدْرُون ما وجهُ تْكِ اللهِ(١) إنزالَ ذلك عليك ،
ولو علِموا السببَ الذى مِن أجلِه لم أَنَزِّلْها عليك، لم يَقُولوا ذلك ولم يَسْأَلوكه ،
ولكنَّ أكثرَهم لا يَعْلَمون ذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمُّ
أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطَنَا فِى الْكِتَبِ مِن شَّءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ(
٣٨
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ لهؤلاء المُغْرِضِين عنك، المُكَذِّبِين
بآياتِ اللَّهِ: أيُّها القومُ ، لا تَحْسَبُنَّ اللَّهَ غافلًا عما تَعْمَلون، أو أنه غيرُ مُجازِيكم على ما
تَكْسِبون ، وكيف يَغْفُلُ عن أعمالِكم، أو يَتْرُكُ مُجازاتَكم عليها ، وهو غيرُ غافلٍ عن
عملِ شىءٍ دبَّ على الأرضِ صغيرٍ أو كبيرٍ ، ولا عملٍ طائرٍ طار بجَناحَيْه فى الهواءِ،
بل جعَل ذلك كلَّه أجْناسًا مُجَنَّسةً، وأصنافًا مُصَنَّفةً، تَغْرِفُ كما تَعْرِفون،
وتَتَصَرَّفُ فيما سُخِّرَت له كما تَتَصَرَّفون، ومحفوظٌ عليها ما عمِلَت مِن عملٍ لها
وعليها، ومُثْتُ كلُّ ذلك مِن أعمالِها فى أُمّالكتابِ (" ثمّ إنَّه٢) تعالى ذكرُه ميتُها ثُمّ
مُنْشِرُها ومُجَازِيها يومَ القيامةِ جزاءَ أعمالِها ، يقولُ: فالربُّ الذى لم يُضيِّعْ حفظَ
أعمالِ البهائم والدوابٌ فى الأرضِ ، والطيرِ فى الهواءِ، حتى حفِظ عليها حر کاتِها
وأفعالَها ، وأثبت ذلك منها فى أمِّ الكتابِ، وحشَرها ثم جازاها على ما سلَف منها
فى دارِ البلاء(٣) ، أخرَى أَلَّ يُضَيِّعَ أعمالكم، ولا يُفَرَّطَ فى حِفْظِ أفعالِكم التى
تَجْتَرِ حُونها أيُّها الناسُ، حتى يَحْشُرَكم فيُجازِيَكم على جميعِها إنْ خيرًا فخيرًا، وإن
شرًّا فشرًّا، إذ كان قد خصَّكم مِن نِعَمِه، وبسط عليكم مِن فضلِه، ما لم يَعُمَّ به
غيرَكم فى الدنيا ، وكنتم بشكرِه أحقَّ، وبمعرفةٍ واجبِه عليكم أولى ؛ لما أعطاكم مِن
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت١، س.
(٣) فى ت ١: (( الإسلام)).
٢٣٣
سورة الأنعام : الآية ٣٨
العقلِ الذى به بيْنَ الأشياءِ تُميّزُون ، والفهم الذى لم يُعْطِه البهائمَ والطيرَ، الذى به
بيْنَ مَصالحِكم ومَضَارٌّكُمْ تُفَرِّقون .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أُمَّمُ أَمَثَالُكُمْ﴾: أصنافٌ مُصَنَّفَةٌ تُغْرَفُ
(١)
بأسمائِها(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: / ﴿ وَمَا مِن دَآَبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمّ
أَمْثَالُكُمْ﴾. يقولُ: الطير أمةٌ، والإِنسُ أمةٌ، والجنُّ أمةٌ(١) .
١٨٨/٧
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضل ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾. يقولُ: إلا خَلْقٌ أمْثَالُكم(٣) .
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ ◌ُرَيْجٍ فى قوله :
﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْدٍ إِلَّ أُمَمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال: الذَّرَّةُ فما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٢٨٥/٤ (٧٢٥٦) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٥/٤ (٧٢٥٧) عن الحسن بن يحيى
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠/٣، ١١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤ (٧٢٥٨) من طريق أحمد بن مفضل به .
٢٣٤
سورة الأنعام : الآية ٣٨
فوقَها مِن ألوانٍ ما خَلَق اللَّهُ مِن الدواب(١).
وأما قولُه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾. فإِن معناه: ما ضيَّعْنا إثباتَ
شىءٍ عنه .
كالذى حدَّثنی المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِىِ الْكِتَبِ مِن
شَّءٍ﴾: ما ترَكْنا شيئًا إلا قد كَتَبْناه فى أَمِّ الكتابِ ().
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا
فِي الْكِتَبِ مِن شَىءٌ ﴾. قال: لم نُغْفِل [٧٥٣/١ظ] الكتابَ ()، ما مِن شىءٍ إلا وهو
فی الکتاب().
وحدَّثنى به يونُسُ مرةً أُخرى، قال فى قولِه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن
شَّئٍ﴾ . قال: كلُّهم مكتوبٌ فى أُمّ الكتابِ .
وأما قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا فى
معنى حشْرِهم الذى عناه اللَّهُ تعالى ذكرُه فى هذا الموضع ؛ فقال بعضُهم: حشْرُها
موتُها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤ (٧٢٥٩) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الذر
المنثور ١١/٣ إلى ابن المنذر.
(٣) سقط من: م، ت٢، ت ٣. والمعنى : لم نغفل كتابته .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤ (٧٢٦٠) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .
(٥) فى النسخ: (( عبد)) .
٢٣٥
سورة الأنعام : الآية ٣٨
إسرائيلَ، عن سعيدِ بنِ ١ مسروقٍ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي
اُلْأَرْضِ وَلَا طَيِرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال ابنُ عباسٍ: موتُ البَهائمِ
(٢)
حشرها(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. قال: يعنى بالحشرِ الموتّ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذِ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال : ثنا
عُبَيْدُ بنُ سليمانَ(٢) ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ
يُحْشَرُونَ﴾: يعنى بالحشرِ الموتّ(٤) .
وقال آخرون: الحشرُ فى هذا الموضعِ يُعْنَى به الجمعُ لبعثِ الساعةِ وقيامِ القيامةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، وحدَّثنا
الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا معمرٌ، عن جعفرِ بنِ
بُوْقَانَ، عن يزيدَ بنِ الأَصَمِّ، عن أبى هريرةَ فى قوله: ﴿إِلَّ أُمُّ أَمَثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى
اُلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. قال: / يَخْشُرُ اللَّهُ الخَلْقَ كلّهم يومَ ١٨٩/٧
القيامةِ ؛ البهائمَ ، والدوابَّ، والطيرَ، وكلَّ شىءٍ ، فيَتْلُغُ مِن عدْلِ اللَّهِ يومَئذٍ أن يَأْخُذَ
(١) فى النسخ: ((عن)). وتقدم على الصواب فى ٦/٣، ١٤٤، وسيأتى فى ص ٤٩٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤ (٧٢٦١) من طريق سعيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١/٣ إلى أبى الشيخ .
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٢٤٩/٣ .
(٤) فى م: (( سليم)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤ عقب الأثر (٧٢٦١) معلقًا .
٢٣٦
سورة الأنعام : الآية ٣٨
للجَمَّاءِ مِن القَرْناءِ، ثم يقولُ: كونى تُرابًا. فلذلك يقولُ الكافرُ: ﴿يَلَيْتَنِ كُتُ
(١)
[ النبأ: ٤٠ ].
تراباً
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، وحدَّثنا
الحسنُ بنُ يحبى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرنا معمرٌ، عن الأعمشِ،
ذكره عن أبى ذَرٍّ ، قال: بينا أنا عندَ رسولِ اللَّهِ بِ لِ إذ انْتَطَحَت عَنْزان، فقال
رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((أَتَدْرُون فيما انْتَطَحَتا؟)). قالوا: لا نَذْرِى. قال: ((لكِنَّ اللَّهَ
يَدْرِی، وسیقْضِی بينَهما))(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ(١) ، قال: ثنا فطرُ() بنُ خَليفةَ، عن
مُنْذِرِ الثَّورىِّ، عن أبى ذرٍّ، قال: انْتَطَحَت شاتان عندَ النبيِّ عَّهِ، فقال لى: ((يا أبا
ذرِّ، أَتَدْرِى فِيمَ انْتَطَحَتا؟)). قلتُ: لا. قال: ((لكنَّ اللَّهَ يَدْرِى، وسيَقْضِى
بينَهما)). قال أبو ذرٍّ: لقد ترَكَنا رسولُ اللَّهِ بِ لَّهِ وما يُقَلِّبُ طائرٌ جَناحَيْه فى السماءِ
إلا ذكَّرَنا منه عِلْمًا (٥).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إِن اللَّه تعالى ذكرُه أُخْبَرَ أن كلَّ
دابةٍ وطائرٍ محشورٌ إليه ، وجائزٌ أن يكونَ معنيًّا بذلك حشْرُ القيامةِ، وجائزٌ أن يكونَ
معنيًّا به حشرُ الموتِ، وجائزٌ أن يَكونَ مَعْنيًّا به الحَشْران جميعًا، ولا دَلالةَ فى ظاهرِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/١، ومن طريقه الحاكم ٣١٦/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤
(٧٢٦٢) من طريق جعفر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى أبى عبيد وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/١، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٩/٣ عن المصنف وعبد الرزاق ، وفيه : عن
الأعمش ، عمن ذكره .
(٣) فى م، ت٢، ت ٣: ((سليم)).
(٤) فى م، ت٢، ت ٣: (( مطر)).
(٥) أخرجه الطيالسى (٤٨٢)، وأحمد ١٦٢/٥ من طريق أبى يعلى منذر الثورى عن أشياخ له عن أبى ذر به،
وأما قول أبى ذر فأخرجه أحمد ١٦٢/٥ (اليمنية) من طريق فطر به .
٢٣٧
سورة الأنعام : الآيتان ٣٨، ٣٩
التنزيلِ ولا فى خبرٍ عن النبيِّ ◌َّ أُّ ذلك المرادُ بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ
يُحْشَرُونَ﴾. إذ كان الحشرُ فى كلامِ العربِ الجمعَ، مِن ذلك قولُ اللَّهِ تعالى
ذكرُه: ﴿ وَلَّيَرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] . يعنى مجموعةٌ . فإذ كان الجمعُ
هو الحشرَ، وكان اللَّهُ تعالى ذكرُه جامعًا خلقَه إليه يومَ القيامةِ، وجامعَهم بالموتِ -
كان أصوبُ القولِ فى ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآيةِ ما عمَّه اللَّهُ بظاهرِها، وأن يقالَ: كلُّ دابةٍ
وكلُّ طائرٍ محشور إلى اللَّهِ بعد الفَناءِ، وبعدَ بَعْثِ القيامةِ . إذ كان اللَّهُتعالی ذکرُه قد عمَّ
بقولِه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ مُحْشَرُونَ ﴾. ولم يَخْصُصْ به حشْرًا دونَ حشْرٍ .
فإن قال قائلٌ: فما وجهُ قولِه: ﴿ وَلَا طَيِرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ﴾؟ وهل يَطيرُ
الطائرُ إلا بجَناحيْه؟ فما فى الخبرِ عن طيرانِه بالجناحين مِن الفائدةِ ؟
قيل: قد قدَّمْنا القولَ فيما مضى أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَنْزَل هذا الكتابَ بلسانِ
قومٍ ، وبلُغاتِهِم وما يَتَعارَفونه (١) بينَهم ويَسْتَعْمِلونه فى مَنْطِقِهم خاطَبَهم ، فإذ كان مِن
كلامِهم إذا أرادوا المبالغةً فى الكلام، أن يقولوا: كلَّمْتُ فلانًا بفَمِى، ومشَيْتُ إليه
برجلِى ، وضرَّبْتُه بيدِى. خاطَبَهم تعالى ذكرُه بنظيرِ ما يَتَعارَفونه فى كلامِهم،
ويَسْتَعْمِلونه فى خطابِهم، ومِن ذلك قولُه تعالى ذكرُه: (إِنَّ هَذَا أخى له تِسْعٌ
وَتِسْعُون نَعْجَةٌ أُنثى(١١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَئِنَا صُدُ وَبُكْمٌ فِ الظُّلُمَتِّ مَن يَشَلٍ
٣٩
اللَّهُ يُصْلِلَةً وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
/ يقولُ تعالى ذكره: والذين كذَّبوا بحُجَج اللَّهِ وأعلامِه وأدلتِه صُمّ عن سماع ١١٩٠/٧
(١) فى ص: (( يتعارفونهم)).
(٢) سقط من: م. وبدونها يسقط موضع الاستشهاد، وهى قراءة ابن مسعود، وهى قراءة شاذة ، وسيذكرها
المصنف فى تفسير الآية ٢٣ من سورة ص .
٢٣٨
سورة الأنعام : الآية ٣٩
الحقِّ، بُكْمٌ عن القيلِ به ﴿ فِ اُلُّلُمَتِ﴾. يعنى: فى ظلمةِ الكفرِ حائرًا (١) فيها،
يقولُ: هو مُؤْتَطِمْ فى ظلماتِ الكفرِ ، لا يُبْصِرُ آيَاتِ اللَّهِ فِيَعْتَبِرَ بها ويَعْلَمَ أن الذى
خلَقَه وأنْشَأَه، فدبَّره ("أحكمَ تدبيٍ(٢)، وقدَّره أحسنَ تقديرٍ ، وأعطاه القوةَ، وصحّح
له آلةَ جسمِهِ لم يَخْلُقْه عَبَثًا، ولم يَتْرُكْه شُدِّى، ولم يُعْطِه ما أعطاه مِن الآلاتِ إِلا
لاستعمالها فى طاعتِه وما يُرْضِيه، دونَ معصيتِه وما يُشْخِطُه ، فهو لحيرتِه فى ظلماتِ
الكفرِ ، وتَرَدُّدِه فى غَمَراتِها ، غافلٌ عما اللَّهُ قد أثْبَت له فى أمّ الكتابِ ، وما هو به
فاعلٌ يومَ يُحْشَرُ إليه مع سائرِ الأمم. ثم أخْبَر تعالى ذكرُه أنه المُضِلُّ مَن يشاءُ إضلالَه
مِن خلقِه عن الإيمانِ إلى الكفرِ، والهادى إلى الصراطِ المستقيم منهم مَن أُحَبَّ
هدايتَه، فمُوَفِّقُه بفضلِهِ وطَوْلِه للإِيمانِ به، وتركِ الكفرِ به [٧٥٤/١ و] وبرسلِه، وما
جاءت به أنبياؤُه، وأنه لا يَهْتَدِى مِن خلقِه أحدٌ إلا مَن سبق له فى أمّ الكتابِ
السعادةُ، ولا يَضِلُّ منهم أحدٌ إلا مَن سبق له فيها الشَّقاءُ، وأنَّ بيدِه الخيرَ كلَّه، وإليه
الفضلَ كلَّه، له الخلقُ والأمرُ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال قتادةٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صُّ وَبُكْمٌ﴾ : هذا
مَثَلُ الْكَافِ أَصَمُ أَبْكَمُ، لا يُتْصِرُ هدَّى، ولا يَنْتَفِعُ به، صَّ عن الحقِّ ، فى الظلماتِ لا
يَسْتَطِيعُ منها خروجًا(٣)، مُتَسَكِّمْ(٤) فيها(٢) .
(١) فى م: ((حائر)).
(٢ - ٢) فى م: (( وأحكم تدبيره ).
(٣) بعده فى م: (( له )).
(٤) متسكع : متحير . القاموس المحيط (س ك ع ).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٦/٤، ١٢٨٧ (٧٢٦٣، ٧٢٦٤) من طريق يزيد به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٢٣٩
سورة الأنعام : الآية ٤٠
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ
أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى قوله: ﴿أَرَءَيْتَكُمْ ﴾؛ فقال بعضُ نحونِّى
البصرةِ: الكافُ التى بعدَ التَاءِ مِن قَولِه: ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾. إنما جاءَت للمُخاطَبةِ ،
وتُرِكَت التاءُ مفتوحةٌ، كما كانت للواحدِ . قال: وهى مِثلُ كافٍ : رُوَيْدَكَ زِيدًا .
إذا قلتَ : أَزْوِد زيدًا. هذه الكافُ ليس لها موضعٌ مُسَمَّى بحرفٍ؛ لا رفعٌ ولا
نصبٌ ، وإنما هى فى المخاطَبةِ مثلُ كافٍ ((ذاك))، ومثلُ ذلك قولُ العربِ: أَبْصِركَ (١)
زيدًا. يُدْخِلون الكافَ للمُخاطَبةِ .
وقال آخرون منهم: معنى ﴿أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ﴾: أرأَيْتُم. قال: وهذه
الكافُ تَدْخُلُ للمُخاطَبةِ مع التوكيدِ ، والتاءُ وحدَها هى الاسمُ، كما أُدْخِلَت
الكافُ التى تُفَرِّقُ بينَ الواحدِ والاثنين والجميع فى المخاطَبةِ، كقولهم : هذا، وذاك،
وتلك، وأولئك. فتَدْخُلُ الكافُ للمخاطبةِ وليست باسم ، والتاءُ هو الاسمُ للواحدِ
والجميعِ، تُرِكَت على حالٍ واحدةٍ ، ومثلُ ذلك قولُهم: ليسك ثَمَّ إلا زيدٌ. يُرادُ .
ليس ولا سِيَّك زيدٌ. فيرادُ: ولا سِيَّما زيدٌ. و: بَلاك. فيُرادُ: بلى. فى معنى
(نَعَمْ))(٢). و: لِفْسَك رجلًا، ولُنِعْمَك رجلًا. وقالوا: انْظُوك زيدًا ما أَصْنَعُ به،
وَأَبْصِرْكَ ما أَصْنَعُ به. بمعنى(٣): أَبْصِرْ. وحكَى بعضُهم: أَبْصِرْكم(٤) ما أَصْنَعُ به.
يُرادُ: أَبْصِروا. وانْظُرْكم زيدًا. أى: انْظُرُوا. ومحكِى عن بعضِ بنى كِلابٍ: أَتَعْلَمُك
كان أحدٌ أشعرَ مِن ذى الرُّمَّةِ؟ فأدْخَل الكافَ .
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((انصرك)).
(٢) سقط من : م.
(٣) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ما)).
(٤) فى ص، ت١، ت ٢، ت٣، س: ((أبصرك)).
٢٤٠
سورة الأنعام : الآية ٤٠
١٩١/٧
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ (١): أرأَيْتَك عمرًا. أكثرُ الكلام فيه تركُ / الهمزِ.
١
قال : والكافُ مِن ((أَرَأَيْتَك)) فى موضع نصبٍ، كأنَّ الأصلَ : أرأَيْتَ نفسَك على
غيرِ هذه الحالِ . قال: فهذا يُثَنَّى ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ، فيُقالُ: أرأيتُما كما وأَرْأَ يْتُموكم
وأرأيتُنَّكُنّ(٢) . أَوْقَع فعلَه على نفسِه، وسأَلَه عنها، ثم كثُر به الكلامُ حتى ترَكوا التاءَ
مُؤَخَّدةً للتذكيرِ والتأنيثِ والتثنيةِ والجمع، فقالوا(٢): أرأيتَكم زيدًا ما صنَع، وأرأيْتَكُنَّ
زيدًا ما صنَع، فوحَّدوا التاءَ وثنَّوًا الكافَ وجمَعوها، فجعَلُوها بدلًا مِن التاءِ، كما
قال: ﴿ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَلِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩]. وهاءَ يا رجلُ، وهاؤُما. ثم قالوا : هاكم .
اكْتُفِى بالكافِ والميم مما كان يُثَنَّى ويُجْمَعُ ، فكأن الكافَ فى موضعِ رفعٍ ، إذ كانت
بدلًا مِن التاءٍ، وربما ؤُحِّدَت للتثنيةِ والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ، وهى كقولٍ
القائل : عليك زيدًا . الكافُ فى موضع خفضٍ ، والتأويلُ رفعٍ. فأما ما يُجْلَبُ فأكثرُ
ما يَقَعُ على الأسماءِ، ثم تَأْتِى بالاستفهامِ ، فيُقالُ: أرأيتَك زيدًا هل قام؟ لأنها
صارت بمعنى : أَخْبِرْنى عن زيدٍ. ثم بينَّ عما يَسْتَخْبِرُ. فهذا أكثرُ الكلام . ولم يَأْتِ
و(٤) الاستفهامُ يليها(٥) ، لم يُقَلْ: أَرْأَيْتَك هل قمتَ؟ لأنهم أرادوا أن يُبَيِّنوا عمَّن
يَسْأَلُ، ثم تُبَيَّنُ الحالةُ التى يَسْأَلُ عنها، وربما جاء بالجزاءٍ() ولم يَأْتِ بالاسم، فقالوا:
أرأَيْتَ ( إن أتيتُ(٢) زيدًا هل يَأْتِينا؟ و: أرأَيْتَك. أيضًا، و: أرأيت زيدًا إن أتَّتُه هل
يَأْتِينا؟ إذا كانت بمعنى : أَخْبِرْنى. فيُقالُ باللغاتِ الثلاثِ.
وتأويلُ الكلام: قلْ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين باللّهِ الأوثانَ والأصنامَ: أُخْبِرونى
:
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ٣٣٣/١.
(٢) فى م، ت ٢: ((أرأيتن كن )).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((فقال)).
(٤) سقط من : م .
(٥) فى م: ((ثنيها))، وفى ت١، ت٢، س: ((بينها)).
(٦) فى م: (( بالخبر)).
(٧ - ٧) سقط من: م.