النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١
سورة الأنعام : الآيتان ٢٥، ٢٦
وكانت مُجادلتُهم رسولَ اللَّهِ مَ لِ التى ذكرها اللَّهُ فى هذه الآيةِ فیما ذُكِر ، ما
حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَّةَ إِذَا جَاءُوَكَ يُجَدِ لُونَكَ ﴾ الآية . قال: هم المشركون،
يُجادِلون المسلمين فى الذَّبيحةِ ، يقولون: أما ما ذبَحْتُم وقتَلْتُم فتَأْكُلون ، وأما ما قتَل
اللَّهُ فلا تَأْكُلون، وأنتم تَتَِّعون أمرَ اللَّهِ تعالى!(١)
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْكَوْنَ عَنَّهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلََّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ
٢٦
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾؛ فقال
بعضُهم: معناه: هؤلاء المشركون المُكَذِّبون بآياتِ اللَّهِ، يَنْهَوْنَ الناسَ عن اتِّبَاعِ
محمدٍ عَ لَه والقبولِ منه، ﴿وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾: يَتَبَاعَدون عنه .
/ذكرُ مَن قال ذلك
١٧٢/٧
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ وهانئُ بنُ سعيدٍ ، عن حجاجٍ،
عن سالم، عن ابنِ الحَنَّفيةِ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنَّةٌ﴾. قال: يَتَخَلَّفون عن
النبيِّ ◌َ ◌ّه ولا يُجِيبُونه، ويَنْهَوْن الناسَ عنه(٢) .
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾ . يعنى :
يَنْهَوْن الناسَ عن محمدٍ أن يُؤْمِنوا به، ﴿ وَيَنْعَوْنَ عَنَّةٌ﴾: يعنى: يَتَبَاعَدون عنه(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٦/٤ (٧١٩٤، ٧١٩٦) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٧/٤ (٧٢٠١) من طريق حفص بن غياث به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٨/٣ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٧/٤، ١٢٧٨ (٧٢٠٠، ٧٢٠٧) من طريق عبد الله بن صالح به.
وعزاه السيوطى الدر المنثور ٨/٣ إلى ابن المنذر.
٢٠٢
سورة الأنعام : الآية ٢٦
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىِّ: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوَّنَ عَنْهُ وَيَنْوْنَ عَنْهُ﴾: أن يُتَّبَعَ محمدٌ، وَيَتَبَاعَدون هم
(١)
منه(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَدْعُوْنَ عَنْدٌ﴾. يقولُ: لا يُلْقَوْنَه، ولا
يَدَعُون أحدًا يَأْتِيه(٢) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ فى قوله: ﴿ وَهُمْ
يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. يقولُ: عن محمدٍ عَلِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ
وَيَنْقَوْنَ عَنْهٌ﴾: جمَعُوا النَّهْىَ والثَّأْىَ، والثّأْىُ(٣) التباعُدُ.
وقال بعضُهم: بل معناه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوّنَ عَنْهُ﴾: عن القرآنِ أن يُسْمَعَ له ويُعْمَلَ
بما فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ عَِّ ،
وَيَنْفَوْنَ عَنٌْ﴾: ويَتَبَاعَدون عنه (٤).
(١) انظر تفسير البغوى ١٣٦/٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣ س: ((النهى)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٠٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٧/٤ (٧٢٠٣) عن الحسن بن يحيى
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ .
٢٠٣
سورة الأنعام : الآية ٢٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. قال: قريشٌ، عن الذِّكْرٍ،
﴿ وَيَغْنَ عَنٌْ﴾. يقولُ: يَتَبَاعَدون(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنْهُ﴾: قريشٌ عن الذكرِ، ﴿ يَنَْوْنَ عَنْهُ﴾:
يَتَبَاعَدون .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ ◌َهِ ،
ويَتَبَاعَدون عنه .
حدَّثنى يونُشُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
يََْوْنَ عَنْهُ﴾. قال: ﴿يَنْتَوْنَ عَنْهُ﴾ يَتْعُدونه(١) .
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يَنْهَوْن عن أذَى محمدٍ عَ لَه، ﴿ وَيَنْتَوْنَ
ـنهُ﴾ : یتباعَدون عن دينه واتِباعِه .
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا وَكيعٌ وقَبِيصةٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن
سفيانَ، عن حَبيبٍ بنِ أبي ثابتٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: نزَلَت فى
١٧٣/٧
(١) تفسير مجاهد ص٣٢١، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٧/٤ (٧٢٠٢) ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: (( يبعدون)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٨/٤ (٧٢٠٨) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.
٢٠٤
سورة الأنعام : الآية ٢٦
أبى طالبٍ، كان يَنْهَى عن محمدٍ أن يُؤْذَى، ويَنْأَى عما جاء به أن يُؤْمِنَ به(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حبیبِ بنِ أیی
ثابتٍ ، قال : ثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ [٧٤٩/١ظ] وَيَنْقَوْنَ
عَنٌْ﴾. قال: نزَلَت فى أبى طالبٍ، يَنْهَى عنه أَن يُؤْذَى، ويَنْأَی عما جاء به .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
حَبيبٍ بنٍ أبى ثابتٍ، عمّن سمِع ابنَ عباسٍ : ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنَّةٌ﴾.
قال : نزلت فى أبى طالبٍ، كان(١) يَنْهَى المشركين أن يُؤْذُوا محمدًا، ويَتْأَى عمَّا جاء
به(7) .
به
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن القاسمِ بنِ
مُخَيْمِرَةَ، قال: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ عَظِلَّهِ ولا يُصَدِّقُه .
حدّثنا ابنُ و کیع قال : ثنا أبی ومحمدُ بنُ بشرٍ ، عن إسماعيلَ بنِ أبی خالدٍ ، عن
القاسمِ بنِ مُخَيْمِرةً فى قولِه : ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنَّهُ﴾. قال: نزَلَت فى أبى
طالبٍ . قال ابنُ وكيعٍ : قال ابنُ بشرٍ: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ عَ لِّ أَن يُؤْذَى،
ولا يُصدّقُ به(٤) .
حدّثنا هنادٌ ، قال : ثنا یونُسُ بنُ بُگیْرِ ، عن أبی محمد الأسَدیِّ، عن حبیبِ بنِ
(١) تفسير سفيان ص ١٠٦، ومن طريقه الحاكم ٢/ ٣١٥، والبيهقى فى الدلائل ٣٤٠/٢، وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره ١٢٧٦/٤، ١٢٧٨ (٧١٩٩، ٧٢٠٦) من طريق وكيع به. وأخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (٨٧٤ - تفسير)، والطبرانى (١٢٦٨٢) من طريق حبيب بن أبى ثابت به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨/٣ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قال)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠٦/١، ومن طريقه البيهقى فى الدلائل ٢/ ٣٤٠.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.
٢٠٥
سورة الأنعام : الآية ٢٦
أبى ثابتٍ ، قال: ثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَهُمْ
يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنْهٌ﴾: نزَلَت فى أبى طالبٍ، كان يَنْهَى عن أَذَى محمدٍ،
ويَنْأَى عما جاء به أن يَتَّبِعَهُ(١).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن القاسمِ بنِ
مُخَيْمِرةَ فى قولِهِ: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوّنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهٌ﴾. قال: نزَلَت فى أبى طالبٍ.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبيدُ(١) اللَّهِ بنُ موسى، عن عبدِ العزيزِ بنِ سِيَاهٍ ، عن
حبيبٍ، قال: ذاك أبو طالبٍ. فى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَّنَ عَنْهُ وَيَنْتَوْنَ عَنْهُ﴾ .
حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ أبى أيوبَ ، قال:
قال عطاءُ بنُ دينارٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْوْنَ عَنَّةٌ﴾: إنها نزَلَت فى
أبى طالبٍ، أنه كان يَنْهَى الناسَ عن إيذاءِ رسولِ اللَّهِ صَلَه ، ويَنْأى عما جاء به مِن
(٣)
الهُدَى(٣).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُه: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾:
عن اتباعٍ محمدٍ عَ لَّه مَن سواهم مِن الناسِ، ويَتْأَوْنَ عن اتباعِه . وذلك أن الآياتِ
قبلَها جرَت بذكرٍ جماعةِ المشركين العادِلين به(٤) ، والخبرِ عن تكذيبهم
رسولَ اللَّه ◌ِهِ، والإعراضِ عما جاءهم به مِن تنزيلِ اللَّهِ ووحيه، فالواجبُ أن
يكونَ قولُه: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. خبرًا عنهم، إذ لم يَأْتِنا ما يَدُلُ / على انصرافٍ
الخبرِ عنهم إلى غيرِهم ، بل ما قبلَ هذه الآيةِ وما بعدَها يَدُلُّ على صحةٍ ما قلنا مِن أن
ذلك خبرٌ عن جماعةِ مُشْرٍ کی قوم رسول اللّهِ متهم ، دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ
منهم .
١٧٤/٧
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٢٤٣/٣.
(٢) فى النسخ: (( عبد)). وقد مضى مرارا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨/٣ إلى المصنف.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بهم).
٢٠٦
سورة الأنعام : الآيتان ٢٦، ٢٧
وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويلُ الآيةِ: وإن يَرَ هؤلاء المشركون يا محمدُ كلَّ آیةٍ
لا يُؤْمِنوا بها، حتى إذا جاءوك يُجادِلونك يقولون: إنْ هذا الذى جثْتَنا به إلا أحاديثُ
الأوَّلِين وأخبارُهم . وهم يَنْهَون عن استماع التنزيلِ، ويَنْأُوْنَ عنك، فيَتْعُدون منك
ومِن اتباعِك، ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: وما يُهْلِكون بصدِّهم عن
سبيلِ اللهِ ، وإعراضِهم عن تنزيله، وكفرِهم بربّهم إلا أنفسَهم لا غيرَها؛ وذلك أنهم
يُكْسِبونها بفعلِهم ذلك سَخَطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِهِ، وما لا قِبَلَ لها به، ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .
يقولُ : وما يَدْرُون ما هم مُكْسِبوها مِن الهلاكِ والعَطَبِ بفعلِهم.
والعربُ تقولُ لكلِّ مَن بعد عن شىءٍ: قد نَأَى عنه، فهو يثَأَى نَّأْيًا . ومَشْموعٌ
منهم : نأثْتُكَ . بمعنى : نَأَيْتُ عنك. وأما إذا أرادوا: أبْعَدْتُك عنى. قالوا: أَنْأَيْتُك .
ومِن: نأَيْتُك. بمعنى: نأيْتُ عنك. قولُ الحُطِيئَةِ(١):
وَأَبْصَرْتَ منها بطَيْفٍ(٢) خَيَالًا(٣)
نَأَثْكَ أُمَامَةُ إلا سُؤَالًا
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَا نُرَهُ وَلَا
٢٧
تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ لَه: ﴿ وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمدُ هؤلاء العادِلين
بربِّهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحِدِين نبوّتَك، الذين وصَفْتُ لك صفتَهم ﴿إِذْ
وُقِفُواْ﴾. يقولُ: إذا حُبِسوا ﴿عَلَى الَّارِ﴾: يعنى: فى النارِ. فؤُضِعَت ((على)) موضعَ
((فى ))، كما قال: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَبْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
(١) ديوانه ص ٢١٤.
(٢) فى نسخة من الديوان: ((بغيب))، وفى نسخة: ((بعين).
(٣) بعدہ فی ص، ت١، ت٢، ت٣، س: «حدثنی یونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: حدثنی سعید بن أبی
أيوب، قال: قال عطاء بن دينار فى قول الله تعالى ذكره: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾ إنها نزلت فى أبى طالب،
کان ینھی الناس عن رسول الله صلى الله عليه سلم، وينأى عما جاء به)). وهو تكرار للأثر المتقدم فى ص ٢٠٥.
٢٠٧
سورة الأنعام : الآية ٢٧
بمعنى : فى ملكِ سليمانَ .
وقيل: ﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ﴾. ومعناه: إذا وُقِفوا؛ لِمَا وصَفْنا قبلُ فيما مضى أن
العربَ قد تَضَعُ ((إِذ)) مكانَ ((إذا))، و ((إذا)) مكانَ ((إِذ))، وإن كان حظُّ ((إِذ)) أن
تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما قد وُجِد فقضَى، وحظُّ ((إذا)) أن تُصاحِبَ مِن الأخبارِ ما لم
يُوجَدْ(١)، ولكنَّ ذلك كما قال الراجزُ، وهو أبو النجم(١) :
مَدَّ لنا فى عُمْرِهِ رَبُّ طَهَا (٣)
ثم جَزاه اللَّهُ عنا إذ جَزَى
جناتٍ عَدْنٍ فى العَلَالِيُّ العُلَا
فقال: ثم جَزاه اللَّهُ عنا إذ جزَى. فوضَع ((إذ)) مكان ((إذا)).
وقيل: ﴿وُقِفُواْ﴾. ولم يُقَلْ: أَوقِفوا. لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ
العربِ، يقالُ: وقَفْتُ الدابةَ وغيرَها - بغيرِ ألفٍ - إذا حبَشْتَها . وكذلك: وقَفْتُ
الأرضَ . إذا جعَلْتَها صدقةً حَبيسًا. بغيرِ ألفٍ .
/وقد حدَّثنى الحارثُ، عن (٤) أبى عُبيدٍ، قال: أُخْبرَنى اليَزيدُّ
والأصْمَعِىُّ، كلاهما عن أبى عمرٍو، قال: ما سَمِعْتُ أحدًا مِن العربِ يقولُ:
أَوْقَفْتُ الشىءَ. بالألفِ. قال: إلا أنى لو رأَيْتُ رجلًا بمكانٍ فقلتُ: ما أوْقَفك
هلهنا؟ بالألفِ، [٧٥٠/١ و] لرأَيْتُه حسنًا (٥).
١٧٥/٧
(١) ينظر ما تقدم فى ص ١٣٤، ١٣٥.
(٢) تقدم تخريج الأبيات فى ص ١٣٤.
(٣) قال فى اللسان (ط وا): فإنما أراد : رب طه السورة فحذف الألف.
(٤) فى م: ((بن))، وهو خطأ .
(٥) تهذيب اللغة ٣٣٣/٩، الصحاح (وق ف) بنحو ما هنا .
٢٠٨
سورة الأنعام : الآية ٢٧
فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةُ﴾. يقولُ: فقال هؤلاء المشركون بربّهم إذ محبسوا فى
النارِ : يا ليتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا حتى نَتَوبَ ونُراجِعَ طاعةَ اللَّهِ، ﴿ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ
رَيْنَا﴾. يقولُ: ولا تُكَذِّبَ بحُجَجٍ ربِّنا ولا نَجْحَدَها، ﴿ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: ونَكونَ مِن المُصَدِّقين باللّهِ وحجَجِه ورسلِه، مُتَّبِعِى أمرِه ونهيِهِ .
واخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والعراقَيْنِ:
( يا ليتنا نُرَدُّ ولا تُكَذِّبُ بِآيَاتِ ربِّنا ونكونُ من المؤْمِنِين)(٢). بمعنى: يا ليتَنَا نُرَدُّ،
ولسنا نُكَذِّبُ بآيَاتِ ربًِّا ، ولَكُنَّا(٣) نكونُ مِن المؤمنين.
وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يَلَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾. بمعنى: يا ليتَنَا نُرَدُّ، وأن لا نُكَذِّبَ بآياتِ ربِّنا، ونكونَ مِن المؤمنين(٤).
وتأوَّلُوا فى ذلك شيئًا حدَّثَنِيه أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّام،
قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: فى حرفِ ابنِ مسعودٍ : ( يا ليتَنَا نُرَّدُّ فلا
تُكَذِّبَ). بالفاءِ (٥) .
وذُكِر عن بعضٍ قرأةِ أهلِ الشام أنه قرَأَ ذلك: ( يا ليتَنَا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ ) بالرفع
(ونكونَ)(١) بالنصبِ. كأنه وجَّه تأويلَه إلى أنهم تمَنَّوًا الردَّ، وأن يكونوا مِن
المؤمنين، وأُخْبَرُوا أنهم لا يُكَذِّبون بآياتِ ربِّهم إِن رُدُّوا إلى الدنيا .
(١) فى النسخ: ((العراقيين)). والعراقان هما البصرة والكوفة. وينظر ما سيأتى فى ص ٢١٩.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر. السبعة لابن مجاهد
ص ٢٥٥.
(٣) فى م: ((لكن)).
(٤) وهى قراءة حمزة وعاصم فى رواية حفص، ورواية ابن ذكوان عن ابن عامر. المصدر السابق .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى المصنف وأبى عبيد، والقراءة شاذة.
(٦) وهى رواية هشام بن عمار عن ابن عامر. ينظر السبعة ص ٢٥٥.
٢٠٩
سورة الأنعام : الآية ٢٧
واختَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا؛ فقال بعضُ نحوبى
البصرةِ : ﴿ لَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَلَكُونَ مِنَ آلمؤمنِينَ ﴾ نصب لأنه جوابٌ للتمنى ، وما
بعدَ الواوِ كما بعدَ الفاءِ. قال : وإن شئتَ رفعتَ ، وجعلتَه على غيرِ التمنى ، كأنهم
قالوا: ولا تُكَذِّبُ واللَّهِ بآياتِ ربِّنا ، ونَكونُ واللَّهِ مِن المؤمنين. هذا إذا كان على ذا
الوجهِ كان مُنْقَطِعًا مِن الأولِ. قال: والرفعُ وجهُ الكلام؛ لأنه إذا نصَب جعلها واوَ
عطفٍ ، فإذا جعَلها واوَ عطفٍ ، فكأنهم قد تمَنَّوْا أن لا يُكَّذِّبوا ، وأن يكونوا مؤمنين .
قال: وهذا - واللهُ أعلمُ - لا يَكونُ؛ لأنهم لم يَتَمَنَّوْا هذا، إنما تمَّوًا الردَّ، وأُخْبَرُوا
أنهم لا يُگذّبون ویگونون مِن المؤمنين .
وكان بعضُ نحوبى الكُوفةِ يقولُ: لو نُصِب ﴿تُكَذِّبَ﴾ و﴿وَنَكُونَ﴾ على
الجوابِ بالواوِ(١) لكان صوابًا. قال: والعربُ تُجِيبُ بالواوِ و ((ثم)) كما تُجِيبُ بالفاءِ،
يقولون : ليت لى مالاً وأُعْطِيَك، وليت لى مالًا فَأُعْطِيَك، و: ثم أُعْطِيَك. قال:
وقد تَكونُ نصبًا على الصَّرفِ(٢)، كقولك: لا يَسَعُنى شىءٌ ويعجِزَ عنك.
وقال آخَرُ منهم : لا أُحِبُّ النصبَ فى هذا؛ لأنه ليس بتَمَنِّ منهم ، إنما هو خبرٌ
أُخْبَروا به عن أنفسِهم، ألا تَرَى أن اللَّهَ تعالى قد كذَّبهم فقال: ﴿ وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا
نُهُواْ عَنْهُ﴾. وإنما يَكونُ التكذيبُ للخبرِ لا للتمنِّى .
وكان بعضُهم يُنْكِرُ أن يَكونَ الجوابُ بالواوِ، وبحرفٍ غيرِ الفاءِ، وكان
يقولُ : إنما الواوُ موضعُ حالٍ: لا يَسَعُنى شىءٌ وَيَضِيقَ عنك. أى: وهو يَضِيقُ
عنك. قال: وكذلك الصَّرفُ فى جميع العربيةِ. قال: وأما الفاءُ فجوابُ جَزاءٍ :
ما قمتَ فتَأْتِيَك(٣). أى: لو قمتَ لأَتَتِناك. قال: فهكذا حكمُ الصرفِ والفاءِ .
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قالوا)).
(٢) ينظر كلام المصنف على الصرف فى ١/ ٦٠٧، ٦٠٨، ٦/ ٩٢.
(٣) فى م: ((فآتيك)) وفى س: ((فَأتْتك)).
( تفسير الطبرى ١٤/٩ )
٢١٠
سورة الأنعام : الآية ٢٧
١٧٦/٧ / قال: وأما قوله: ﴿ وَلَا تُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾. فإنما جاز لأنهم قالوا: يا ليتَنَا نُرَدُّ فى
غيرِ الحالِ التى وُقِفْنا فيها على النارِ. فكان وَقْفُهم فى تلك ، فتمَنَّوْا أن لا يَكونوا وُقِفوا
فى تلك الحالِ .
وكأن مَعْنىَّ صاحبٍ هذه المقالةِ فى قولِه هذا: ولو تَرَى إِذ وُقِفوا على النارِ
فقالوا: قد وُقِفْنا عليها مُكَذِّبين بآياتٍ ربّنا كفارًا، فيا ليتَنَا نُرَدُّ إليها فتُوقَفَ عليها غيرَ
مُكَذِّبِين بآياتٍ ربّنا، ولا كفارًا .
وهذا تأويلٌ يَدْفَعُه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾. فأخبرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أنهم فى قِيلِهم ذلك
كَذَبَةٌ ، والتكذيبُ لا يَقَعُ فى التمنى ، ولكنَّ صاحبَ هذه المَقَالةِ أَظُنُّ به أنه لم يَتَدَبَِّ
التأويلَ، ولزِمِ سَنَنَ العربيةِ .
والقراءةُ التى لا أُخْتارُ غيرَها فى ذلك: ( يا ليتنا نُرَدُّ ولا تُگذِّبُ بآياتٍ ربّنا
ونَكونُ مِن المؤمنين). بالرفع فى كليهما ، بمعنى : يا ليتَنَا نُرَدُّ ، ولسنا نُكَذِّبُ بآياتٍ
ربِّنا إن رُدِدْنا، ولَكُنَّا نكونُ مِن المؤمنين. على وجهِ الخبرِ منهم عما يَفْعَلون إن هم
رُدُّوا إلى الدنيا، لا على التمنِّى منهم ألا يُكَذِّبوا بآياتِ ربِّهم، ويَكُونوا مِن المؤمنين؛
لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد أُخْبرَ عنهم أنهم لو رُدُّوا لَعادوا لما نُهُوا عنه، وأنهم كَذَبةٌ فى
قيلِهم ذلك. ولو كان قيلُهم ذلك على وجهِ التمنِّى لَاسْتَحال تكذيئهم فيه؛ لأن
التمنِّىَ لا يُكَذَّبُ ، وإنما يَكونُ التصديقُ والتكذيبُ فى الأخبارِ .
وأما النصبُ فى ذلك، فإنى أَظُنُّ بقارئِه أنه برجاء (١) تأويلِ قراءةِ عبدِ اللهِ التى
ذكَوْناها عنه، وذلك قراءتُه ذلك : ( يا ليتَنا نُرَدُّ فلا نُكَذِّبَ بآياتٍ ربِّنا ونكونَ مِن
المؤمنين). على وجهِ جوابٍ التمنى بالفاءِ، وهو إذا قُرِئ بالفاءِ كذلك، ("ولا٢) شكَّ
1
(١) كذا فى م، ت٢، س، وغير منقوطة فى ص، ت١، وأثبتها الشيخ شاكر: ((توخّى)).
(٢ - ٢) فى م: ((لا)).
٢١١
سورة الأنعام : الآيتان ٢٧، ٢٨
فی صحة إعرابه ومعناه فى ذلك ؛ أن تأويله إذا قُرِئ كذلك : لو أنا ژُدِدْنا إلى الدنيا ما
کذَّبْنا بآیاتِ ربِّنا ، ولكنَّا مِن المؤمنين. فإن يَكُنِ الذى(١) خَگی من حَكَى عن العربِ
مِن السَّماعِ منهم الجوابَ بالواوِ و ((ثم))، كهيئةِ الجوابِ بالفاءِ صحيحًا ، فلا شكَّ
فى صحةٍ قراءةٍ مَن قَرَأْ ذلك: ﴿ يَلَيْلَنَا نُرَةٌ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَيِّنَا وَنَكُونَ﴾. نصبًا على
جوابِ التمنى بالواوِ، على تأويلٍ قراءةِ عبدِ اللَّهِ ذلك بالفاءِ ، وإلا فإن القراءةَ بذلك
بعيدةُ المعنى مِن تأويلِ التنزيلِ، ولستُ أَعْلَمُ سَماعَ ذلك مِن العربِ صحيحًا ، بل
المعروفُ مِن كلامِها الجوابُ بالفاءِ، والصرفُ بالواوٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ
عَنْهُ وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ
٢٨
يقولُ تعالى ذكره: ما " قصدُ هؤلاء العادلين بربِّهم، الجاحدين نبؤَتَك یا
محمدُ ، فى قيلِهم إذا وُقِفوا على النارِ: ﴿ يَلَيْنَا نُرَهُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ
اَلْؤِْينَ﴾. الأسَى والندمَ على تركِ [٧٥٠/١ظ] الإيمانِ باللَّهِ والتصديقِ بك، لكنْ بهم
الإشفاقُ مما هو نازلٌ بهم مِن عقابِ اللَّهِ وأليم عذابِهِ، على مَعاصِيهم التى كانوا
يُخْفُونها عن أعينِ الناسِ ، ويَسْتُرُونها منهم، فأبداها اللَّهُ منهم يومَ القيامةِ، وأَظْهَرَها
على رءوسِ الأشهادِ، ففضَحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم .
يقولُ: بل بدا لهم ما كانوا يُخْفُون من (١) أعمالِهم السيئةِ التى كانوا يُخْفُونها
مِن قبلِ ذلك فى الدنيا، فظهَرَت، ﴿وَلَوْ رُدُواْ﴾. يقولُ: ولو رُدُّوا إلى الدنيا
فَأَمْهِلوا، / ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾. يقولُ: لَرجَعوا إلى مثلِ العملِ الذى كانوا ١٧٧/٧
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ذكر)).
(٢ -٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((هؤلاء)). وأثبتها الشيخ شاكر: ((بهؤلاء)). استظهارًا من السياق
بعدها .
(٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
٢١٢
سورة الأنعام : الآيتان ٢٨، ٢٩
يَعْمَلونه فى الدنيا قبلَ ذلك ؛ مِن جحودِ آياتِ اللَّهِ ، والكفرِ به، والعملِ بما يُشْخِطُ
علیھم ربّهم، ﴿ وَإِنَهُمْ لَگَذِبُونَ ﴾ فی قیلھم : لو رُدِدْنا لم نُگذِّبْ بآياتِ ربِّنا وكنا
مِن المؤمنين. لأنهم قالوه حينَ قالوه خشيةً العذابِ لا إيمانًا باللَّهِ.
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبَّلٌ﴾. يقولُ: بدَتْ لهم أعمالُهم فى
الآخرةِ التى أخْفَوْها فى الدنيا (١) .
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ﴾. قال: مِن أعمالِهم(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْ
رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾. يقولُ: ولو وصَل اللَّهُ لهم دنيا كدنياهم، لَعادوا إلى
أعمالِهم؛ أعمالِ السوء (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٢٩
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاء المشركين العادلين به الأوثانَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٩/٤ (٧٢١٤، ٧٢١٥) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٧/١ وسقط منه: قال : أخبرنا معمر - وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٩/٤
(٧٢١٣) عن الحسن بن یحیی به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٩/٤ (٧٢١٨، ٧٢١٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٩/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
٢١٣
سورة الأنعام : الآيتان ٢٩، ٣٠
والأصنامَ، الذين ابْتَدَأ هذه السورةَ بالخبرِ عنهم.
يقولُ تعالى ذكره: ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا﴾. يُخْبِرُ عنهم أنهم
يُنْكِرون أن اللَّهَ يُحْيِى خلقَه بعدَ أن يُمِيتَهم، ويقولون: لا حياةَ بعدَ الَماتِ ، ولا بعثَ
ولا نُشورَ بعدَ الفَناءِ. فهم بجحودهم ذلك، وإنکارِهم ثوابَ الله وعقابه فی الدارِ
الآخرةِ ، لا يُبالون ما أتَوْا وما ركبوا مِن إثم ومعصيةٍ ؛ لأنهم لا يَرْجُون ثوابًا على إيمانٍ
باللَّهِ ، وتصديقٍ برسولِه، وعملٍ صالحٍ بعدَ موتٍ ، ولا يَخافُون عقابًا على كفرهم
باللَّهِ ورسولِه، وسَيِّئٍ(١) مِن عملٍ يَعْمَلونه .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ : هذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكره عن هؤلاء الكفَرةِ الذین
وُقِفوا على النارِ، أنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لَقالوا: ما هى إِلَّ حَياتُنا الدُّنيا وما نحنُ
بمَبْعُوثِينَ .
حدَّثنا يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوَّ رُدُواْ
لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾: وقالوا حينَ يُرَدُّون: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ
بِمَبْعُوثِينَ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ
٣٠
بَ وَرَبِنَّأْ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
یقولُ تعالی ذکژه: لو تری یا محمدُ هؤلاء القائلین : ما هى إلا حياتنا الدنيا وما
نحن بمبعوثين. / ﴿إِذْ وُقِفُواْ﴾ يومَ القيامةِ، أى: حُبِسوا ﴿عَلَى رَبِهِمْ﴾. يعنى: ١٧٨/٧
على حكمِ اللَّهِ وقضائِه فيهم، ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ . يقولُ: فقيل لهم:
(١) فى م، س، ت١، ت ٣: (( شىء)). وغير منقوطة فى ص، ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٧٩ (٧٢٢٠) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به .
٢١٤
سورة الأنعام : الآيتان ٣٠، ٣١
أليس هذا البعثُ والنَّشْرُ بعدَ المَماتِ الذى كنتم تُتْكِرونه فى الدنيا حقًّا؟ فأجابوا
فقالوا: ﴿ بَلَ﴾ واللهِ إنه لحقٌّ. ﴿ قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾. يقولُ: فقال اللَّهُ تعالى
ذكرُه لهم: فذُوقوا العذابَ الذى كنتُم به فى الدنيا تُكَذِّبون، ﴿بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ ﴾ . يقولُ : بتكذییکم به وجحود کموه الذی کان منکم فى الدنيا .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اللَّهِ حَتَّىَ إِذَا جَاءَتْهُمُ
السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَكَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: قد هلَك
وؤُكس فى بيعِهم الإيمانَ بالكفرِ ، ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾. يعنى: الذين أَنْكَروا
البعثَ بعدَ المماتِ، والثواب والعقابَ، والجنة والنارَ، مِن مُشْرِكی قريشِ ومَن سلَك
سبيلَهم فى ذلك، ﴿ حَتَّىَ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ﴾. يقولُ: حتى إذا جاءَتْهم الساعةُ
التى يَبْعَثُ اللَّهُ فيها الموتى مِن قبورِهم .
وإنما أُدْخِلَتَ الألفُ واللامُ فى ﴿ السَّاعَةُ﴾؛ لأنها معروفةُ المعنى عندَ المُخاطَبِين
بها ، وأنها مقصودٌ بها قصدُ الساعةِ التى وَصَفْت .
ويعنى بقولِه: ﴿بَغْتَةً﴾ : فجأةً مِن غيرِ علم مَن تَفْجَؤُه بوقتٍ مُفاجأتِها إياه .
يقالُ منه : بِغَتُّه أَبْغَتُه بَغْتَةً . إذا أخَذْتَه كذلك .
قَالُواْ يَحَسْرَ لَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وُكِس الذين كذَّبوا
بلقاءِ اللهِ ، ببيعِهم منازلَهم مِن الجنةِ بمنازلٍ مَن اشتَرَوا منازلَه مِن أهلِ الجنةِ مِن النارِ،
فإذا جاءَتْهم الساعةُ بَعْتَةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشْتَرَوْا، وتبيَّنوا خَسارةَ صَفْقةٍ
بَيْعِهم التى سلَفَت منهم فى الدنيا؛ تَنَدُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْنِ الذى غَبَنُوه
أنفسَهم، وجليلِ الخُشْرانِ الذى لا خُشْرانَ أَجلَّ منه: ﴿يَحَسْرَلَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا
فِيهَا﴾. يقولُ: يا نَدامتَنا على ما ضيَّعْنا فيها. يعنى: فى صفقتِهم تلك.
٢١٥
سورة الأنعام : الآية ٣١
والهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿فِيهَا﴾. مِن ذكرِ الصَّفقةِ، ولكن اكْتُفِى بدَلالةٍ
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾. عليها مِن ذكرِها؛ إذ كان معلومًا أن
الخُسرانَ لا يكونُ إلا فى صفقة بيعٍ قد خَسِرَت(١) .
وإنما معنى الكلام: قد وُكِس الذين كذَّبوا بلقاءِ اللَّهِ ، ببيعِهم الإيمانَ الذى
يَسْتَوْجِبون به مِن اللّهِ رِضوانَه وجنتَه، بالكفرِ الذى يَسْتَوْجِبون به منه سَخَطَه
وعقوبته ، ولا يَشْعُرون ما عليهم مِن الخُشْرانِ فى ذلك [٧٥١/١ و] حتى تَقومَ الساعةُ ،
فإذا جاءتهم الساعةُ بَغْتَةً، فرأوا ما لَحِقِهم مِن الخُشْرانِ فى بيعِهم ، قالوا حينئذٍ تندُّمًا :
﴿ يَحَسْرَثَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: / ﴿ يَحَسْرَنَّنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا﴾: أما ﴿ يَحَسْرَنَنَا﴾: فتَدامتُنا، ١٧٩/٧
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ فضيَّعْنا مِن عملِ الجنةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ مِهْرانَ ، قال : ثنا أبو بكرِ بنُ
عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى سعيدٍ، عن النبيِّ يَِّ فى قولِه:
﴿ يَحَسْرَنَنَا﴾. قال: ((يَرَى أهلُ النارِ منازلَهم مِن الجنةِ فِيَقُولون: يا حَسْرتَنا)»(١).
(١) فى ص، ت١: (( جرت)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨١/٤ (٧٢٢٦) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرًا على آخره.
(٣) أخرجه الخطيب فى تاريخ بغداد ٣٨٩/٣ من طريق داود بن مهران - بدلا من يزيد بن مهران - به .
وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨٠/٤ معلقا عن الأعمش به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى
الطیرانی وأبى الشیخ وابن مردويه .
٢١٦
سورة الأنعام : الآية ٣١
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ
(٣١)
يقولُ تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاءِ اللَّهِ يَحْمِلُون أوزارَهم على
ظُهورِهم . وقولُه: ﴿وَهُمْ﴾. من ذكرِهم، ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾. يقولُ: آثامُهم
وذنوبُهم. واحدُها وِزْرٌ، يقالُ منه: قد وَزَّر الرجلُ يَزِرُ. إذا أَثِّم، ( قال اللَّهُ: ﴿ أَلَا
سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾(١). فإن أُرِيد أنهم أَنِّموا، قيل: قد وُزِر القومُ، فهم يُوزَرُون، وهم
مؤزُورون .
وقد زعم بعضُهم أن الوِزْرَ الثِّقلُ والحِعْلُ. ولستُ أَعْرِفُ ذلك كذلك فى
شاهدٍ ، ولا مِن روايةِ ثقةٍ عن العربِ.
وقال تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى ظُهُورِهِمّ﴾. لأن الحِمْلَ قد يكونُ على الرأسِ
والمتکِبِ وغير ذلك، فبئّن موضعَ خَمْلهم ما یَحْمِلون مِن ذلك، وذكر أن حَمْلَهم
أوزارَهم يومَئذٍ على ظهورِهم، نحوَ الذى حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ بَشیرِ
ابنِ سَلْمانَ(٢) ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيس الملائىُ، قال: إن المؤمنَ إذا خرَج مِن قبرِه
اسْتَقْبَله(٢) أحسنُ صورةٍ ، وأطيئُه ريحًا، فيقولُ له: هل تَغْرِفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن
اللَّهَ قد طيّب ريحَك، وحسَّن صورتَك. فيقولُ: كذلك كنتَ فى الدنيا ، أنا
عملُك الصالحُ، طالما ركِبْتُك فى الدنيا، فارْكَبْنى أنت اليومَ . وتلا: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ
اُلْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. وإن الكافرَ يَسْتَقْبِلُه أقبحُ شىءٍ صورةً،
وأَنْتَتُه ريحًا، فيقولُ: هل تَعْرِفُنى؟ فيقولُ: لا، إلا أن اللَّهَ قد قَبَح صورتَك، وأَنْتَنَ
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: (( سليمان)). وينظر تهذيب الكمال ٨٩/٧ .
(٣) بعده فى م، والدر المنثور ٩/٣: ((عمله فى))، وفى حاشية س: ((لعله: عمله فى)) والمثبت من باقى
النسخ، وهو موافق لما سيأتى فى ١٥/ ٦٣٠، وفى المطبوعة هناك كما فى النسخ هنا.
٢١٧
سورة الأنعام : الآية ٣١
ريحك. فيقولُ: كذلك كنتَ فى الدنيا، أنا عملُك السيئُّ، طالما ركِبْتَنى فى
الدنيا، فأنا اليومَ أَرْكَبُك. وتلا: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا
يَزِرُونَ﴾(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: فإِنهُ(١ ليس مِن رجلٍ ظالمٍ يَموتُ
فِيَدْخُلُ قِبرَه ، إلا جاءه رجلٌ قبيحُ الوجهِ ، أَسودُ اللونِ، مُنْتِنُ الربح، عليه ثيابٌ دَنِسةٌ ،
حتى يَدْخُلَ معه قبرَه، فإذا رآه قال له : ما أقْبَحَ وجهَك! قال : كذلك كان عملُك
قبيحًا. قال: ما أَنْتَنَ ريحَك! قال: كذلك كان عملُك مُنِْنًا. قال: ما أدْنَسَ ثيابَك!
قال : فيقولُ : إِن عملَك كان دَنِسًا. قال: مَن أنت ؟ قال: أنا عملُك. قال: فيكونُ
معه فى قبرِه، فإذا بُعِث يومَ القيامةِ قال له: إنى كنتُ أَحْمِلُك فى الدنيا باللذَّاتِ
والشِّهَواتِ، فأنت اليومَ تَحْمِلُنى. قال: فَيَرْكَبُ على ظهرِهِ، فيَسوقُه حتى يُدْخِلَه
النارَ، فذلك قولُه: ﴿يَحْيِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ﴾(١).
وأما قولُه تعالى: ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾. فإنه يعنى: ألا ساء الوِزْرُ الذى
يَزِرون. أى: الإثمُ الذى يَأْثَمونه (٤) بربِّهم .
/ كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، ١٨٠/٧
عن قتادةَ فى قوله: ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾. قال: ساء ما يَعْمَلون (٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩/٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم ، وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/
١٢٨١ (٧٢٢٨) من طريق أبی خالد عن عمرو بن قیس عن أبى مرزوق به .
(٢) فى م: ((قال)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨١/٤ (٧٢٢٩) من طريق أحمد بن المفضل.
(٤) بعده فى م: (( كفرهم)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ٢٠٧/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٨١/٤ (٧٢٣٠) عن الحسن
ابن يحيى به .
٢١٨
سورة الأنعام : الآية ٣٢
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(١)
٣٢
وهذا تكذيبٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه هؤلاء الكفارَ المُكِرِين البعثَ بعدَ الَماتِ فى
قولهم: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُهِ مُكَذِّبًا
لهم فى قيلِهم ذلك: ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أيُّها الناسُ، ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.
يقولُ: ما باغى لذّاتِ الحياةِ التى أُدْنَيْتُ لكم، وقرَّبْتُ منكم فى دارٍكم هذه،
ونعيمَها وسرورَها فيها، والمُلْتذُّ(١) بها ، والمنافِسُ عليها - إلا فى لعبٍ ولهوٍ؛ لأنها
عما قليلٍ تَزُولُ عن المُسْتَمْتِعِ بها ، والمُلْتَذِّ فيها بَلاذِها، أو تَأْتِيه الأيامُ بفَجائعِها
وصُروفِها، فتُمِؤُ(٣) عليه وتَكْدُرُ(٤) ، كاللاعبِ اللاهى الذى يُشْرِعُ اضمِخلالُ لهوِه
ولعبِه عنه، ثم يُعْقِبُه منه ندمًا، ويُورِثُه منه تَرَحًا(٥) . يقولُ: لا تَغْتَرُّوا أيُّها الناسُ بها،
فإِن المُغْتَوَّ بها عما قليلٍ يَنْدَمُ .
﴿ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: ولَلعملُ بطاعتِهِ ، والاستعدادُ
للدارِ الآخرةِ بالصالح مِنِ الأعمالِ التى تَبْقَى منافعُها لأُهلِها، ويَدُومُ سرورُ أهلِها
فيها، خيرٌ مِن الدارِ التى تَفْنَى وشيكًا(١) ، فلا يَتْقَى لِعُمَّالِها فيها سُرورٌ، ولا يَدومُ لهم
فيها نَعِيمٌ. ﴿ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقولُ: للذين يَخْشَوْن اللَّهَ، فيَتَّقُونه بطاعتِهِ،
واجتنابِ مَعاصِيه، والمسارعةِ إلى رضاه، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا يَعْقِلُ
هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ حقيقةً ما نُخْبِرُهم به مِن أن الحیاةَ الدنیا لعب ولهوٌ، وهم
(١) فى س: ((يعقلون)). وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو والكسائى وحمزة، وعاصم فى رواية أبى بكر. ينظر
السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٦.
(٢) فى م: ((المتلذذ)).
(٣) تمر : تصير مرة بعد حلاوتها .
(٤) فی م: (( تکر)).
(٥) الترح : الحزن .
(٦) فقط ... ..
٢١٩
سورة الأنعام : الآيتان ٣٢، ٣٣
يَرَوْن مَن يُخْتَرَمُ منهم، ومَن يَهْلِكُ فِيَموتُ، ومَن تَنوبُه فيها النَّوائبُ ، وتُصِيبُه
المصائبُ، وتَفْجَعُه الفَجائعُ ، ففى ذلك لمن عقَل مُدَّكَرٌّ ومُزْدَجَرٌ عن الوُّكونِ إليها ،
واستعبادِ النفسِ لها، ودليلٌ واضحٌ [٧٥١/١ظ] على أن لها مُدَبِّرًا ومُصَرِّفًا يَلْزَمُ الخَلْقَ
إخلاصُ العبادةِ له بغيرِ إشراكِ شىءٍ سِواه معه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذكرُه: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
٣٣
يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ عَالِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ ﴾ يا محمدُ إنه لَيَحْزُنُك الذى
يقولُ المشركون، وذلك قولُهم له: إنه كذابٌ. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾ .
واختَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ ١ فقرأه بعضُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ( فإنهم لا
يُكْذِبُونَك). بالتخفيفِ()، بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أَتَيِّتَهم به مِن وحي اللَّهِ،
ولا يَدْفَعون أن يكون ذلك صحیحًا ، بل يَعْلمُون صحته ، ولکنھم یَجْحَدون حقیقتَه
قولًا ، فلا يُؤْمِنون به .
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلام العربِ (١) يَحْكِى عن العربِ أنهم يقولون:
أَكْذَبْتُ الرجلَ. إذا أخْبَوْتَ أنه جاء بالكذبِ وَرَواه./ قال: ويقولون: كذّبْتُه. إذا ١٨١/٧
أخبرتَ أنه كاذبٌ .
وقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والعراقَيْنِ ؛ الكوفة والبصرةِ: ﴿فَإِنَهُمْ لَا
يُكَذِّبُونَكَ﴾(٤). بمعنى: إنهم لا يُكَذِّبونك علمًا، بل يَعْلَمون أنك صادقٌ ،
(١ - ١) سقط من النسخ، ولابد من هذه الزيادة، وهذه قراءة نافع المدنى والكسائى وهو من قرأة الكوفة.
ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٧.
(٢) هذه مقالة الكسائى، ينظر تهذيب اللغة ١٦٨/١٠، والبحر المحيط ٤/ ١١٠.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((العراقيين))، وفى م: ((العراقيين و)). والمثبت هو الصواب.
(٤) وهى قراءة باقى السبعة. ينظر التيسير ص ٨٤.
٢٢٠
سورة الأنعام : الآية ٣٣
ولكنهم يُكَذِّبونك قولًا ، عِنادًا وحَسَدًا .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ : إنهما قراءتان مشهورتان ، قد قرأ
بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ مِن القرأةِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما فى الصحةِ مَخْرَجٌ
مفهومٌ؛ وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قومٌ يُكَذِّبون رسولَ اللَّهِ عَظلاتيهِ ،
ويَدْفَعونه عما كان اللَّهُ تعالى خصَّه به مِن النبوةِ، فكان بعضُهم يقولُ : هو شاعرٌ .
وبعضُهم يقولُ : هو كاهنٌ. وبعضُهم يقولُ: هو مجنونٌ . ويَتْفِى جميعُهم أن يَكونَ
الذى أتاهم به مِن وحي السماءِ، ومِن تنزيلِ ربِّ العالمين قولًا. وكان بعضُهم قد
تبيّن أمرَه، وعلِم صحةً نبوتِه، وهو فى ذلك يُعانِدُ ويَجْحَدُ نبوتَه حسدًا له وبَغْيًا .
فالقارئُ: (فإنهم لا يُكْذِبونك). بمعنى (١) أن الذين كانوا يَعْرِفون حقيقةً
نبوتِك، وصدْقَ قولك فيما تقولُ، يَجْحَدون أن يَكونَ ما تَتْلوه عليهم مِن تنزيل
اللَّهِ ، ومِن عندِ اللَّهِ، قولًا، وهم يَعْلَمون أن ذلك مِن عندِ اللَّهِ علمًا صحيحًا -
مُصِيبٌ ؛ لما ذكرنا مِن أنه قد كان فيهم مَن هذه صفتُه .
وفى قولِ اللَّهِ تعالى فى هذه السورةِ: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَهُمُ﴾. أوضحُ الدليل على أنه قد كان فيهم المعاندُ(١) فى مجحودٍ
نبوتِه مَئله ، مع علم منه١ به وصحةٍ نبوتِه .
وكذلك القارئُ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾. بمعنى أنهم لا يُكَذِّبون
رسولَ اللَّهِ عَ لِ إلا عنادًا لا جهلاً بنبوتِهِ وصدقٍ لَهْجتِه - مُصِيبٌ؛ لما ذكَوْنا مِن أنه
(١) فى ص، س، ت١، ت٢، ت ٣: ((معنى))، وفى م: ((يعنى به)). والمثبت كما سيأتى فى تأويل القراءة
بعدها .
(٢) فى م: (( العناد )).
(٣) فى م: ((منهم)).
(٤) فى م: ((يعنى)).