النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
سورة الأنعام : الآية ٨
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ
اُلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنَظَرُونَ﴾. يقولُ: ولو (١) أَنْزَلْنا إليهم ملكًا، ثم لم يُؤْمِنوا لم يُنْظَروا(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
تَجِيحِ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ لَوْلاً أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ : فى صورتِهِ،
ء
﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ اْأَمْرُ﴾: لَقامت الساعةُ(١) .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، عن أبيه، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيان الثورىِّ، ( عن
أبيه) ، عن عكرمةَ: ﴿لَّقْضِىَ الْأَمْرُ﴾. قال: لقامَت الساعةُ(٥).
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ١٥٢/٧
قتادةَ: ﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾. قال: يقولُ: لو أَنْزَل اللَّهُ ملكًا ثم لم
يُؤْمِنوا، لعَجَّل لهم العذابَ(٦).
وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال :
أُخْبرَنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلَوْ
أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾. قال: لو أتاهم مَلَكٌ فى صورتِه لَماتوا ، ثم
لم يُؤَخَّرُوا طَرْفَةَ عينٍ (١).
(١) بعده فى م: (( أنهم )) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٦/٤ (٧١٢٧) من طريق يزيد به ، ولفظه: ثم لم ينظروا.
(٣) تفسير مجاهد ص٣١٩، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٥/٤ (٧١٢١، ٧١٢٤)،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٤ - ٤) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ١١/ ٦٠.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٥/٤ عقب الأثر (٧١٢٤) معلقا .
(٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٥/٤ (٧١٢٥) عن الحسن بن يحيى
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٦٥/٤ (٧١٢٢) من طريق أبي كريب به إلى قوله : فى صورته ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى أبى الشيخ .
( تفسير الطبرى ١١/٩ )
١٦٢
سورة الأنعام : الآية ٩
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَڪًّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾
يقولُ تعالى ذكره: ولو جعَلْنا رسولَنا إلى هؤلاء العادلين بى،
القائلين: لولا أُنْزِل على محمدٍ ملكٌ بتصديقِه(١). مَلَكًا يَنْزِلُ عليه مِن
السماءِ، وَيَشْهَدُ (" بتصديقٍ(٢) محمد٢ٍ) عَه، ويَأْمُرُهم باتِباعِه، ﴿أَجَعَلْنَهُ
رَجُلًا﴾. يقولُ: لَعَلْناه فى صورةِ رجلٍ مِن البشرِ؛ لأنهم لا يَقْدِرون أن يَرَوُا الملَكَ
فى صورته. يقولُ: وإذا كان ذلك كذلك، فسواءٌ أَنْزَلْتُ عليهم بذلك ملَكًا أو
بشرًا، إذا كنتُ إذا أَنْزَلْتُ عليهم ملكًا إنما أُنْزِلُه بصورة إنْسئٍ ، وحججی فی كلتا
الحالتين عليهم ثابتةٌ بأنك صادقٌ ، وأن ما جئتَهم به حقٌّ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك [٧٤٤/١ظ] قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْتَهُ رَجُلًا﴾.
يقولُ: ما أتاهم إلا فى صورةٍ رجلٍ؛ لأنهم لا يَسْتَطِيعون النظرَ إلى الملائكةِ().
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا ﴾: فى صورةٍ رجلٍ،
فى(٥) خَلْقِ رجلٍ(١).
(١) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((لى)).
(٢ - ٢) فى س: ((بصدقه)).
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٦/٤ (٧١٢٩) من طريق بشر بن عمارة به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥/٣ إلى أبى الشيخ .
(٥) فى تفسير مجاهد: ((أى فى))، وفى الدر المنثور أيضا: ((وفى)).
(٦) تفسير مجاهد ص٣١٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى عبد بن حميد.
١٦٣
سورة الأنعام : الآية ٩
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَوْ
جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: لو بعَثْنا إليهم ملكًا ◌َجَعَلْناه فى صورةٍ
(١)
آدمىٍ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً :
﴿ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾. يقولُ: فى صورةِ آدمىٌّ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ مثلَه(٢) .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَوْ
جَعَلْنَهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا﴾. قال: لَجَعَلْنا ذلك الملكَ فى صورةٍ رجلٍ، لم
نُؤْسِلْه فى صورةِ الملائكةٍ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ
٩
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: ولو أَنْزَلْنا مَلَكًا مِن السماءِ
مُصَدِّقًا لك يا محمدُ ، / شاهدًا لك عندَ هؤلاء العادِلين بى، الجاحِدِين آياتِك(٤) على
حقيقةِ نبوَّتِك، فجعَلناه فى صورةٍ رجلٍ مِن بنى آدمَ ، إذ كانوا لا يُطِيقون رؤيةَ الملَكِ
بصورته التى خلقْتُه بها - الْتَبَس عليهم أمرُه، فلم يَدْرُوا أَمَلَكٌ هو أم إنْسىٌّ، فلم
يُوقِنوا به أنه مَلَكٌ، ولم يُصَدِّقوا به، وقالوا: ليس هذا مَلَكًا. وللبَشْنا عليهم ما
يَلْبِشونه على أنفسِهم مِن حقيقةِ أمرِك ، وصحةٍ برهانِك وشاهدِك على نبؤَّتِك.
١٥٣/٧
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((آدم)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٢٠٣/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى المصنف.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((نبوتك)).
١٦٤
سورة الأنعام : الآية ٩
يقالُ منه: لَبَشْتُ عليهم الأمرَ أَلْبِسُه لَمْسًا. إذا خلَطْتَه عليهم. و: لَبِسْتُ
الثوبَ أَلْتَسُه لُبِسًا . واللَّبُوسُ اسمُ الثيابِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ
يقولُ: لشَبَّهْنا عليهم() .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا
يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: ما لَس قومٌ على أنفسِهم إلا لَس اللَّهُ عليهم، واللَّبْسُ إنما هو
(٢)
مِن الناسِ() .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾. يقولُ: شبَّهْنا عليهم ما يُشَبِّهون
على أنفسهم ) .
وقد ژُوِی عن ابنِ عباسٍ فى ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنی به محمدُ بنُ
سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم ◌َا يَلْبِسُونَ﴾: فهم أهلُ الكتابِ، فَارَقوا دينَهم،
وكذَّبوا رسلَهم، وهو تحريفُ الكلامِ عن مواضعِه(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٧/٤ (٧١٣٢) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٧/٤ (٧١٣٥) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٧/٤ (٧١٣٦) عن محمد بن سعد به .
١٦٥
سورة الأنعام : الآيتان ٩، ١٠
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: ثنا عُبِيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعْتُ الضحاكَ فى قوله: ﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾: يعنى التحريفَ،
هم أهلُ الكتابِ ، فَرَقوا كتبَهم ودينَهم ، وكذَّبوا رسلَهم ، فَلَس اللَّهُ عليهم ما لَبَسوا
على أنفسِهم .
وقد بيّنا فيما مضى قبلُ أن هذه الآياتِ مِن أولِ السورةِ بأن تكونَ فى أمرٍ
المشركين مِن عبَدةِ الأُوْثانِ ، أشبهُ منها بأمرِ أهلِ الكتابِ مِن اليهود والنصارى، بما
أَغْنَى عن إعادتِه(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
١٠
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ عَ لِ مُسَلَّيًّا عنه بوَعيدِه المستهزئين به عقوبةً(٢) ما
يَلْقَى منهم مِن أذَى الاستهزاءِ به ، والاستخفافِ فى ذاتِ اللَّهِ : هَوِّنْ عليك يا محمدُ
ما أنت لاقٍ مِن هؤلاء المستهزئين بك، المسْتَخِفِّين بحقِّك فىَّ وفى طاعتى ، وامْضٍ لما
أمَرْتُك به مِن الدعاءِ إلى توحيدى، والإقرارِ بى، والإذعانِ لطاعتى، فإنهم إن تَمَادَوْا
فِى غَيِّهم ، وأصَرُّوا على المقامِ على كفرِهم ، نَسْلُكْ بهم سبيلَ أسلافِهم مِن سائرٍ
الأمم مِن غيرِهم؛ مِن تعجيلِ التِّقْمةِ لهم، وحُلولِ المَثُلاتِ بهم، فقد اسْتَهْزَأَت أتم
مِن قبلِك برسلٍ أرْسَلْتُهم إليهم ، / بمثلِ الذى أرْسَلْتُك به إلى قومِك، وفعَلوا مثالَ(٣)
فعْلِ قومِك بك، ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾ .
يعنى بقوله: ﴿فَحَاقَ﴾: فنزَل وأحاط بالذين هزَءوا برسلِهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْنَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: العذابُ الذى كانوا چهزءون به، ويُْكِرون أن يَكونَ واقعًا
١٥٤/٧
(١) ينظر ما تقدم فى ص ١٤٨، ١٤٩.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عقوبته).
(٣) فى م: (( مثل)).
١٦٦
سورة الأنعام : الآيتان ١٠، ١١
بهم على ما أَنْذَرَتْهم رسلُهم .
يقالُ منه: حاق بهم هذا الأمرُ، يَحِيقُ بهم، حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ﴾: مِن الرسلِ، ﴿مَا كَانُواْ بِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ﴾. يقولُ: وقَع بهم العذابُ الذى اسْتَهْزَءوا به (١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ [٧٤٥/١و] فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
يقولُ تعالى ذكره: ﴿قُلّ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادِلِين بىَ الأوثانَ والأندادَ،
المكذِّبِين بك، الجاحِدِين حقيقةً ما جئتَهم به مِن عندى: ﴿ سِيرُواْ فِ اُلْأَرْضِ﴾ .
يقولُ : مجولوا فى بلادِ المكذِّبِين رسلَهم ، الجاحِدين آياتى مِن قَبْلِهم ، من ضُرَبائِهم
وأشكالِهِم مِن الناسِ، ﴿ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
يقولُ: ثم انْظُروا كيف أعقَبَهم تكذييُهم ذلك الهلاكَ والعَطَبَ ، وخِزْىَ الدنيا
وعارَها، وما حَلَّ بهم مِن سَخَطِ اللَّهِ عليهم مِن البَوارِ، وخرابِ الديارِ، وعُفُوِّ
الآثارِ ، فَاعْتَبِروا به إن لم تَنْهَكم مُلُومُكم، ولم تَزْبُرْكم حججُ اللَّهِ عليكم عما أنتم
عليه (١) مُقِيمون مِن التكذيبِ، فاحذَروا مثلَ مَصارِعِهم، وانَّقوا أن يَحِلَّ بكم مثلُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٧/٤، ١٢٦٨ (٧١٣٨، ٧١٣٩) من طريق أحمد بن مفضل به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥/٣ إلى أبى الشيخ.
(٢) زيادة لازمة يستقيم بها الكلام.
١٦٧
سورة الأنعام : الآيتان ١٢،١١
الذى حلّ بهم.
بهم .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا
سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أُنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ
اَلْمُكَذِّبِينَ﴾: بئسَ واللَّهِ كان عاقبةُ المكذِّبين١)، دمَّر اللّهُ عليهم وأهلكهم، ثم
صيَّرهم إلى النارِ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه : ﴿قُل لِّمَن مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ قُل لِلّه
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾.
يَقُولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: ﴿قُل﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادِلين
بربِّهم: ﴿لِّمَن ◌َا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَمَن مُلْكُ ما فى السماواتِ
والأرضِ ؟ ثم أخبرهم أن ذلك للَّهِ الذى اسْتَعْبدَ كلَّ شىءٍ ، وقهَر كلَّ شىءٍ مُلكِه
وسلطانِه ، لا للأوثانِ والأندادِ ، ولا لما يَعْبُدونه ويَتَّخِذونه إلهًا ، مِن الأصنامِ التى لا
تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا .
/ وقولُه: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾. يقولُ: قضَى أنه بعبادِه رحيمٌ ، لا ١٥٥/٧
يَعْجَلُ عليهم بالعقوبةِ ، ويَقْبَلُ منهم الإنابةَ والتوبةً .
وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه استعطافٌ للمُوَلِّين(١) عنه إلى الإقبالِ إليه بالتوبةِ .
يَقُولُ تعالى ذكرُه : إن هؤلاء العادلين بى، الجاحدين نبؤَّتَك يا محمدُ ، إن تابوا
وأنابوا ، قَبِلتُ توبتَهم ، وإنى قد قضَيتُ فى خَلْقى أن رحمتی وسِعَت كلَّ شىءٍ.
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٨/٤ (٧١٤٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٥/٣ إلى ابن المنذر .
(٣) فى م، ت ٢: ((للمعرضين))، وقوله : استعطاف . أى استمالةٌ وترغيب للمولين بالتوبة.
١٦٨
سورة الأنعام : الآية ١٢
كالذى حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ،
عن ذَكْوانَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ عَ لِّ قال: ((لما فرَغ اللَّهُ مِن الخَلْقِ كتَب
كتابًا : إِنَّ رحمتی سبقت غضبى))(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ، عن أبى
عثمانَ ، عن سلمانَ، قال: إن اللَّهَ تعالى لما خلق السماءَ والأرضَ، خلَق مائةً
رحمةٍ، كلُّ رحمةٍ مِلُْ ما بينَ السماءِ إلى الأرضِ، فعنده تسعٌ وتسعون رحمةً ،
وقسَم رحمةً بينَ الخلائقِ، فبها يَتَعاطَفون، وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماءَ ، فإذا
كان (" يومَ القيامة٢ِ) قصَرها اللَّهُ على المتقين، وزادَهم تسعًا وتسعين .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن أبى عثمانَ ، عن
سلمانَ نحوَه ، إلا أن ابنَ أبى عَدِىٌّ لم يَذْكُرْ فى حديثه: وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ
الماءَ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال : ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن عاصم
ابنِ سليمانَ، عن أبى عثمانَ، عن سلمانَ، قال: تَجِدُ فى التوراةِ عَطْفَتين؛ إن اللَّهَ
خلق السماواتِ والأرضَ، ثم خلَق مائةَ رحمةٍ - أو: جعَل مائةَ رحمةٍ - قبلَ أن
يَخْلُقَ الخلقَ، ثم خلق الخلقَ، فوضَع بينَهم رحمةً واحدةً، وأمسَك عندَه تسعًا
وتسعين رحمةً. قال: فبها يَتراحمون، وبها يَتَبَاذَلون ، وبها يَتَعاطَفون ، وبها
يَزاوَرُون، وبها تَحِنُّ الناقةُ، وبها تَتُوجُ(١) البقرةُ، وبها تَيْعَرُ الشاةُ، وبها تتابعُ الطيرُ،
(١) أخرجه أحمد ٧٠/١٦ (١٠٠١٤)، والنسائى فى الكبرى (٧٧٥١) ، وابن أبى حاتم فى تفسيره
١٢٦٨/٤ (٧١٤١) من طريق سفيان به. وأخرجه البخارى (٧٤٠٤) من طريق الأعمش به.
(٢ - ٢) فى ص، ت١: ((ذلك)).
(٣) فى م: ((تنتج))، وفى ت ١: ((تنوح))، وكذا رسمت فى ص ولكن غير منقوطة. وثاجت البقرة تثاج
وتثوج: صوتت، وأما التّج، فيقال: نأج الثور ينتج وينأج: صاح. انظر اللسان (ث و ج)، (ن أج).
١٦٩
سورة الأنعام : الآية ١٢
وبها تتابعُ الحيتانُ فى البحرِ ، فإذا كان يومُ القيامةِ، جمَع اللَّهُ تلك الرحمةَ إلى ما عندَه،
ورحمتُه أفضلُ وأوسعُ(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
عاصمِ بنِ سليمانَ ، عن أبى عثمانَ النهدىِّ، عن سلمانَ، فى قوله: ﴿ كَنَبَ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ الآية. قال: إنا نَجِدُ فى التوراةِ عَطْفَتين. ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه (١)
قال : وبها تتابعُ الطيرُ، وبها تتابعُ الحيتانُ فى البحرِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال
ابنُ طاوسٍٍ ، عن أبيه : إن اللَّه تعالى لما خلق الخلقَ، لم يَعْطِفْ شىءٌ على شىءٍ، حتى
خَلَق مائةَ رحمةٍ ، فوضَع بينَهم رحمةً واحدةً ، فعطَف بعضُ الخلقِ على بعضٍ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ ، عن ابنِ
طاوسٍ، عن أبيه بمثلِه (٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ ، قال : وأخبرنى
الحكم بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ ، حسِبته أُسنَده، قال: إذا فرَغ اللَّهُ عزَّ وجلَّ مِن القضاءِ
بينَ خلقِه ، أخرَج كتابًا مِن تحتِ العرشِ، / فيه : إن رحمتى سبقت غضبى ، وأنا
أرحم الراحمين . قال : فيَخْرُجُ مِن النارِ مثلُ أهلِ الجنةِ . أو قال : مِثْلا أهلِ الجنةِ . ولا
أعلمُه إلا قال: مثلا. وأما ((مثل)) فلا أشكُّ. مكتوبًا هلهنا - وأشار الحَكَمُ إلى
١٥٦/٧
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٣/١، ٢٠٤. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٨/٤ (٧١٤٢) عن الحسن بن
يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((ما)). والأثر فى تفسير عبد الرزاق وابن أبى حاتم بهذا اللفظ، لا فرق بينه وبين الأثر قبله ،
واستظهر الشيخ شاكر أن يكون الفرق بينهما فى: تَّابع بالتشديد فى الأثر الأول، وبالتخفيف فى الأثر الثانى ،
فالله أعلم .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٣ إلى عبد بن حميد.
١٧٠
سورة الأنعام : الآية ١٢
نحرِه - : عُتَقاءُ اللَّهِ . فقال رجلٌ لعكرمةَ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ يَقُولُ:
﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِمِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾
[ المائدة: ٣٧]. قال: ويلَك، أولئك أهلُها الذين هم أهلُها(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
الحَكَم بنِ أبانٍ ، عن عِكْرمةَ، حسِبتُ أنه أسنَده، قال: إذا كان يومُ القيامةِ،
أُخرَج اللَّهُ كتابًا مِن تحتِ العرشِ. ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال : فقال رجلٌ : يا أبا عبدٍ
اللَّهِ ، أرأيتَ قولَه: ﴿يُرِدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ﴾؟. وسائرُ الحديثِ مثلُ
حديثِ ابنِ عبدِ الأعلى(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همامٍ
ابنِ منبهٍ، قال: سمِعت أبا هريرةَ يَقُولُ: قال رسولُ اللّهِ صَ لِّ: [٧٤٥/١ظ] (( لما قضَى
اللَّهُ الخلقَ، كتَب فى كتابٍ فهو عندَه فوق العرشِ: إن رحمتى سبقت(٢) غضَبِى))(٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، عن
أبى أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍ و أنه كان يقولُ: إن للَّهِ مِائَةَ رحمةٍ، فأهبَط رحمةٌ
إلى أهلِ الدنيا، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، وطائرُ السماءِ، وحِيتانُ الماءِ، ودوابُ
الأرضِ وهوامها ، وما بين الهواءِ، واختزن عنده تسعًا وتسعین رحمةٌ ، حتى إذا كان
يومُ القيامةِ، اختَلَج () الرحمةَ التى كان أهبَطها إلى أهلِ الدنيا ، فحواها إلى ما عندَه،
فجعَلها فى قلوبِ أهلِ الجنةِ، وعلى أهلِ الجنةِ() .
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٤/١، ٢٠٥.
(٢) فى المسند وتفسير البغوى: ((غلبت)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠٥/١، ومن طريقه أحمد ٤٧٩/١٣ (٨١٢٧)، والبغوى فى تفسيره ٣/ ١٣٠.
(٤) اختلج : انتزع . اللسان ( خ ل ج ) ..
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.
١٧١
سورة الأنعام : الآية ١٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو: إن للَّهِ مِائَةَ رحمةٍ ، أَهبَط منها إلى الأرضِ رحمةٌ
واحدةٍ ، يَتَراحمُ بها الجنّ، والإنسُ، والطيرُ، والبهائمُ، وهوامُ الأرضِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ ، قال : أخبرنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ ، قال :
ثنا صفوانُ بنُ عمرٍو قال : ثنى أبو المُخَارِقِ زُهَيرُ بنُ سالم ، قال: قال عمرُ لكعبِ : ما
أوّلُ شىءٍ ابتدَأه اللَّهُ مِن خلقِه؟ فقال كعبٌ : كتَب اللَّهُ كتابًا لم يَكْتُبه بقلم ولا
مِدادٍ ، ولكن كتَبه بأُصبُعِه يَتْلُوها الزَّبَوْجَدُ واللؤلؤُ والياقوتُ: أنا اللَّهُ لا إلهَ إلا أنا،
سبقت رحمتی غضبی .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِهِ ﴾ .
وهذه اللامُ التى فى قوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لامُ قَسَمٍ .
ثم اختلف أهلُ العربيةِ فى جالِها، فكان بعضُ نحونِّى الكوفةِ يقولُ(٢) : إن
شِئْتَ جعَلت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ غايةَ كلام، ثم استأنفت بعدَها: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ .
ج
قال: وإن شِئْت جعَلته فى موضِع نصبٍ - يَعْنى كتَب (١) ليجمعتَّكم - كما قال:
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَجَهَلَةٍ﴾
[الأنعام: ٥٤]. يُريدُ: كتَب أنه مَن عمِل منكم. قال: والعربُ تَقولُ فى الحروفِ التى
يَصْلُحُ معها جوابُ (٥) الأيمانِ بـ ((أن)) المفتوحةِ وباللام، فيَقُولون: أَرْسَلتُ إليه
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٤/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/٣ إلى المصنف. وقال عنه الشيخ شاكر: وهو خبر كما ترى، عن كعب
الأحبار، مشوب بما كان من دأبه فى ذكر الإسرائيليات .
(٣) هو الفراء فى معانى القرآن ٣٢٨/١.
(٤) سقط من: ص، ت١، ت٣، س.
(٥) بعده فى النسخ: ((كلام)). والمثبت كما فى معانى القرآن .
١٧٢
سورة الأنعام : الآية ١٢
١٥٧/٧ أن / يقومَ، وأَرْسَلْتُ إليه لَيَقُومَنَّ. قال: وكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْأْ
اُلَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. قال: وهو فى القرآنِ كثيرٌ، أَلا تَرَى
أنك لو قلتَ : بَدًا لهم أن يَسْجُنوه. لَكان صوابًا؟
وكان بعضُ نحوِّى البصرةِ يقولُ: نُصِبَت لام ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن معنى
كَتَبَ﴾ القسمُ(١)، كأنه قال: واللَّهِ لَيَجْمَعَتَّكم.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يكونَ قولُه: ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ
ج
الرَّحْمَةَ﴾. غايةَ خبرٍ(٢)، وأن يكونَ قولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. خبرًا مبتدأُ، وَيَكونَ
معنى الكلام حينئذٍ: لَيَجْمَعَنَّكم اللَّهُ أَيُّها العادِلون باللَّهِ ليوم القيامةِ الذى لا رِئْبَ
فيه ؛ لِيَنْتَقِمَ منکم بگفْرٍ کم به .
وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن إعمالِ: ﴿ كَنَبَ﴾. فى:
ج
﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن قولَه: ﴿كَتَبَ﴾. قد عمِل فى ﴿الرَّحْمَةَ﴾، فغيرُ جائٍ
ج
وقد عمِل فى ﴿الرَّحْمَةَ﴾ أن يَعْمَلَ فى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لأنه لا يَتَعَدَّى إلى
اثنين .
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فى قراءةٍ مَن قرأ: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةُ أَنَّهُ ﴾ بفتح ((أنّ))؟
قيل : إن ذلك إذا قُرِئ كذلك، فإن ((أنّ)) بيانٌ عن الرحمةِ وترجمةٌ عنها؛ لأن
معنى الكلامِ: كتَب على نفسِه الرحمةَ أن يَرْحَمَ مِن عبادِه "من تاب) بعدَ اڤْتِرافٍ
السُّوءِ بِجَهالةٍ ويَعْفُوَ. والرحمةُ يُتَرجَمُ عنها ويُبَيَّنُ معناها بصفتِها ، وليس مِن صفةٍ
(١) سقط من النسخ، وأثبتها الشيخ شاكر هكذا: معنى ((كتب)) فَرض وأوجب، وهو بمعنى القسم.
(٢) سقط من : م.
(٣ - ٣) زيادة يستقيم بها السياق، من معنى الآية.
١٧٣
سورة الأنعام : الآية ١٢
الرحمةِ ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيكونَ مُبَيَّنًا به عنها . فإن كان ذلك
كذلك، فلم يَبْقَ إلا أن يُنْصَبَ بنيةِ تَكريرِ ((كتَب)) مرةً أخرى معه، ولا ضرورةَ
بالكلامِ إلى ذلك، فيُوَجَّهَ إلى ما ليس بموجودٍ فى ظاهرِه .
وأما تأويلُ قولِه : ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإِنه: لاشَكَّ فيه . يقولُ: فى أن اللَّهَ
يَجْمَعُكم إلى يومِ القيامةِ ، فَيَحْشُرُ كم إليه جميعًا ، ثم يُؤْتِى كلٌّ عاملٍ منكم أجرَ ما
عمِل مِن حسنٍ أو سِيء .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوَأْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ
١٢
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾: العادِلِين به الأوثانَ
والأصنامَ. يقولُ تعالى ذكره: لَيَجْمَعَنَّ اللَّهُ الذين خسِروا أنفسَهم. يقولُ: الذين
أُهْلَكوا أنفسَهم وغَبَنوها بادِّعائِهم للَّهِ النَّ والعَدِيلَ، فَأُوْبَقوها بإيجابِهم سَخَطَ اللَّهِ
وأليمَ عقابِهِ فى المعادٍ .
وأصلُ الخَسارِ الغَبْنُ، يقالُ منه: خسِر الرجلُ فى البيع. إذا تُين، كما قال
(١)
الأعْشَى (١):
لا يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ فِى حُكْمِهِ ولا يُبالِى حَسَرٌ (١) الخَاسِرِ
وقد بيَّنا ذلك فى غيرِ هذا الموضع بما أغْنَى عن إعادتِه(٢).
وموضعُ ﴿ اَلَّذِينَ﴾ فى قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾. / نصبٌ، ١٥٨/٧
على الردِّ على الكافِ والميم فى قوله: ﴿ لَيَجْمَعَتَّكُمْ﴾. على وجهِ البيانِ عنها ،
(١) ديوانه ص ١٤١.
(٢) فى الديوان: ((غبن)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٤٢.
١٧٤
سورة الأنعام : الآيتان ١٢، ١٣
وذلك أن الذين خسروا أنفسَهم هم الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ .
وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لإهلاكِهم أنفسَهم ، وغَبْنِهم
إياها حظّها، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أى: لا يُوَحِّدون اللَّهَ، ولا يُصَدِّقون بوعدِه
ووعيده ، ولا يُقُّون بنبوة محمد ێله .
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ الَِّلِ وَالنََّرِ وَهُوَ السَّمِيعُ
اُلْعَلِيمُ
١٣
يقولُ تعالى ذكره: لا يُؤْمِنُ هؤلاء العادِلون باللَّهِ الأوثانَ، فيُخْلِصوا له
التوحيدَ، ويُفْرِدوا له الطاعةَ، ويُقِرُّوا بالألوهيةِ جهلًا، ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى أَلَيْلِ
وَاْلَنَّهَارِ﴾. يقولُ: وله مُلْكُ كلِّ شيءٍ؛ لأنه لا شىءَ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلا وهو ساكنٌ فى
الليلِ والنهارِ. فمعلومٌ بذلك أن معناه ما وصَفْنا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ ما يقولُ هؤلاء
المشركون فيه مِن ادِّعائِهم له شريكًا، وما يَقولُ غيرُهم مِن خلقِه(١) ذلك،
﴿ اَلْعَلِيمُ﴾ بما يُضْمِرونه [٥٧٤٦/١] فى أنفسِهم، وما يُظْهِرونه بجوارحِهم، لا
يَخْفَى عليه شىءٌ مِن ذلك، فهو يُخْصِيه عليهم؛ ليُوَفِّىَ كلّ إنسانٍ ثوابَ ما
اْتَسَب، وجَزاءَ ما عمِل.
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويل قوله: ﴿ سَكَنَ﴾. قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾. يقولُ: مَا اسْتَقَرَّفى الليلِ والنهارِ(٢).
(١) فى م: ((خلاف)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٩/٤ (٧١٤٦) من طريق أحمد بن مفضل به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦/٣ إلى أبى الشيخ.
١٧٥
سورة الأنعام : الآية ١٤
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ
وَلَا يُْعَّ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَله: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين العادِلين
بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ، والمُكِرِين عليك إخلاصَ التوحيدِ لربِّك، الداعين إلى
عبادة الآلهةِ والأوثانِ : أشيئًا غيرَ اللَّهِ تعالى أَتَّخِذُ وليًّا أَستَنْصِرُه وأَستَعِينُه على
الثَّوائِبِ والحوادثِ ؟
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا
أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَشَّخِذُ وَلِيًّا﴾. قال: أما الولىُ، فالذى يَتَوَلَّوْنه
ويُقِرُّون له بالربوبيةِ (١) .
﴿ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: أشيئًا غيرَ اللَّهِ فاطرِ السماواتِ والأرضِ
أَتَّخِذُ ولِيًّا؟ فـ ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِن نعتِ ﴿ اللَّهِ﴾ وصفتِه، ولذلك خُفِض.
ويعنى بقولِه: ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبْتَدِعَهما ومُبْتَدِئَهما وخالقَهما .
كالذى حدَّثنا به ابنُ وَكيع، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ، عن سفيانَ ،
عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، / عن مُجاهِدٍ ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كنتُ لا ١٥٩/٧
أدْرِى ما : ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ . حتى أتانى أعرابیان يَخْتَصِمان فی بثرٍ ،
فقال أحدُهما لصاحبِه: أنا فطَرْتُها . يقولُ: أنا ابْتَدَأَتُها(٢)
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٦٩/٤ (١٧٤٧) من طريق أحمد بن المفضل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٦/٣ إلى أبى الشيخ .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ٢٠٦ ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٦٨٢) من طريق يحيى بن
سعيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى ابن الأنبارى فى الوقف والابتداء، وفى ٢٤٤/٥ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .
١٧٦
سورة الأنعام : الآية ١٤
السدىِّ: ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالق السماواتِ والأرضِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ السماواتِ والأرضِ(١).
يقالُ مِن ذلك: فَطَرَها اللَّهُ يَفِطُرُها، ويَفْطِرُها فَطْرًا وفُطُورًا، ومنه قولُه: ﴿هَلْ
تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] يعنى: شُقوفًا وصُدوعًا (٢). يقالُ: سيفٌ فُطَارٌ. إذا
كثُر " فيه التشققُ"، وهو عيبٌ فيه. ومنه قولُ عَبْترةً(٤) :
وسَيْفِى كالعَقِيقَةِ(٥) فَهْوَ كِمْعِى(٩) سِلاحى لا أَفَلَّ(٧) ولا فُطَارًا
ومنه يُقالُ: فَطَر نابُ الجملِ. إذا شقّ(٨) اللحمَ(٢) فخرَج. ومنه قولُه: ﴿تَكَادُ
السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]. أى: يَتَشَقَّقْن وَيَتَصَدَّ عن(١).
وأما قولُه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمٌ﴾ . فإنه يَعْنى: وهو يَرْزُقُ خَلْقَه ولا يُؤْزَقُ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدِّىِّ: ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمّ﴾. قال: يَرْزُقُ ولا يُؤْزَقُ(١٠).
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٠٨/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٠/٤ (٧١٤٩) عن الحسن بن يحيى به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٤/٥ إلى عبد بن حميد .
(٢) لعل هنا سقطا، فقد انتقل سياق الكلام فجأة من ((فطر)) بمعنى ((خلق)) إلى ((فطر)) بمعنى ((شقّ)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٣، س: (( الرماة فيه تشقق)).
(٤) ديوانه ص ٦٤.
(٥) العقيقة: البرق إذا رأيته فى وسط السحاب كأنه سيف مسلول. اللسان (ع ق ق) والبيت فيه .
(٦) الكمع : الضجيع . اللسان (ك م ع).
(٧) الفل: الثلم فى السيف. اللسان (ف ل ل). والبيت فى اللسان فى هذه المواضع.
(٨) فى النسخ: ((تشقق)). والمثبت هو الصواب، انظر مثلا اللسان (ف طـ ر)، (ش ق ق).
(٩) سقط من: ص، ت١، ت ٣، س.
(١٠) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٠/٤ (٧١٥٠، ٧١٥١) من طريق أحمد بن المفضل به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٧/٣ إلى أبى الشيخ .
١٧٧
سورة الأنعام : الآيتان ١٤، ١٥
وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه كان يقرأ(١) ذلك: (وهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) (٢). أى
أنه يُطْعِمُ خلقَه، ولا يَأْكُلُ هو. ولا معنى لذلك؛ لقلةِ القَرَأَةِ() به.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّ وَلَا
١٤
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبِّه محمدٍ عَ ◌ّهِ: ﴿قُلٌ﴾ يا محمدُ للذين يَدْعُونك إلى
اتخاذِ الآلهةِ أولياءَ مِن دونِ اللَّهِ ، ويَحُثُّونك على عبادِها: أغيرَ اللَّهِ فاطرِ السماواتِ
والأرضِ، وهو يَرْزُقُنى وغيرى، ولا يَزْزُقُه أحدٌ ، أَتَّخِذُ وليًّا هو له عبدٌ مملوكٌ، وخلقٌ
مخلوقٌ ؟ وقلْ لهم أيضًا: إنى أمَرَنِى ربى(٤) ﴿أَنْ أَحِكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَّمٌ﴾.
يقولُ : أولَ مَن خضَع له بالعبوديةِ ، وتذَلَّل لأمرِه ونهيِهِ ، وانقاد له مِن أهلِ دهْرِى
وزمانى ، ﴿ وَلَا تَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. يقولُ: وقلْ: وقيل لى: لا تَكُونَنَّ مِن
المشركين باللّهِ، الذين يَجْعَلون الآلهةَ والأندادَ شركاءَ. وجعَل قوله: ﴿أُمِرْتُ﴾ .
بدلًا مِن ((قيل لى))؛ لأن قولَه: ﴿أُمِرْتُ﴾. معناه ((قيل لى)). فكأنه قيل: قل :
إنى قيل لى : كنْ أولَ مَن أَسْلَم ، ولا تَكُونَنَّ مِن المشركين. فاجْتُزِئ بذكرِ الأمرِ مِن
ذكرِ القولِ، إذ كان الأمرُ معلومًا أنه قولٌ .
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلٌ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِىِ عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ
١٥
١٦٠/٧
(١) فى النسخ: ((يقول)). والمثبت هو الصواب.
(٢) وهى قراءة الأعمش كما فى مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٤٢، ونسبها أبو حيان أيضا فى البحر المحيط
٨٥/٤ إلى سعيد بن جبير وأبى حيوة وعمرو بن عبيد، وأبى عمرو فى رواية عنه، وكذا نسبها إلى مجاهد ، أما
ابن خالويه فقد ذكر أن قراءة مجاهد بفتح الياء فى الأولى وضمها فى الثانية: (يَطْعَمُ ولا يُطْعَم).
(٣) فى م: ((القراءة)).
(٤) بعده فى ص، ت١: ((إنى أمرت))، وفى س: ((إنى)).
( تفسير الطبرى ١٢/٩ )
١٧٨
سورة الأنعام : الآيتان ١٦،١٥
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين العادِلِين باللّهِ،
الذين يَدْعُونك إلى عبادةٍ أوثانهم : إن ربى نهانى عن عبادةِ شىءٍ سِواه، و ﴿ إِنّ
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبٍِ﴾ فعبَدْتُها، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: عذابَ يومٍ
القيامةِ . ووصَفه تعالى ذكرُه بالعِظَم ؛ لِعِظَم ◌َوْلِه وفَظاعةِ شأنِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿مَن يُصْرَفّ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُمٍ وَذَلِكَ الْفَوْزُ
ج
الْمُبِينُ
اختَلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتَه عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ :
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ﴾. بضمِّ الياءِ وفتحِ الراءِ، بمعنى: مَن يُصْرَفْ عنه العذابُ
يومَئذٍ . وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ : (مَن يَصْرِفْ عنه). بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ،
بمعنى: مَن يَصْرِفِ اللَّهُ عنه العذابَ يومَئذٍ(١).
وأولى القراءتين (١) فى ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قَرَأه (يَصْرِفْ عنه).
ج
بفتحِ الياءِ وكسرِ الراءِ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. على صحةِ ذلك، وأن
القراءةَ فيه بتسميةِ فاعلِه ، ولو كانت القراءةُ فى قوله: ﴿ مَن يُصْرَفْ ﴾ . على وجهِ ما
لم يُسَمَّ فاعلُه، كان الوجهُ فى قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾. أن يقالَ: فقد رُحِم. غيرَ
ج
مُسَمَّى فاعلُه. وفى تسميةِ الفاعلِ فى قولِه: ﴿فَقَدْ رَحِمٌَ﴾. دليلٌ بَيِّنٌ على أن
ج
ذلك كذلك فى قوله : (من يَصْرِفْ عنه)(١).
(١) القراءة الأولى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، والقراءة الثانية قراءة حمزة
والكسائى وشعبة عن عاصم. انظر كتاب السبعة ص ٢٥٤.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((القولين))، وفى س: ((القراءتين القولين)).
(٣) قال ابن عطية كما فى البحر المحيط ٤/ ٨٧: وأما المعنى فالقراءتان واحد. ثم نقل عن أبى عمرو الزاهد فى
كتاب اليواقيت أن أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا كان لا يرى التراجيح بين القراءات السبع. وقال ثعلب : إذا
اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فى القرآن .
١٧٩
سورة الأنعام : الآيتان ١٧،١٦
وإذ كان ذلك هو الوجهَ الأوْلَى بالقراءةِ ، فتأويلُ [٧٤٦/١ظ] الكلام: مَن
يَصْرِفْ عنه مِن خلقِه يومَئذٍ عذابَه فقد رحِمه، ﴿ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴾. ويعنى
بقولِه: ﴿ وَذَلِكَ﴾: وصَرْفُ اللَّهِ عنه العذابَ يومَ القيامةِ ورحْمتُه إياه،
﴿اَلْفَوْزُ﴾. أى: النجاةُ مِن الهَلَكَةِ، وَالظَّفَرُ بِالطَّلِبةِ، ﴿الْمُبِينُ﴾. يعنى الذى بينَّ
لمن رآه أنه الظَّفَرُ بالحاجةٍ، وإدراكُ الطَّلِبةِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ مَن يُصْرَفَّ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ﴾. قال: مَن يُصْرَفْ عنه
ج
(١)
العذابُ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ وَإِن
يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ(®﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَظ ◌ِلّهِ: يا محمدُ ، إِن يُصِبْك اللَّهُ ﴿يِضُرِّ﴾.
يقولُ: بشدةٍ فى دُنْياك، / وشَظَفٍ فى عيشِك، وضيقٍ فيه (٢) ، فلن يَكْشِفَ ذلك
عنك إلا اللَّهُ الذى أمَرك أن تكونَ أولَ مَن أسْلَمْ لأُمرِه ونهيه، وأُذْعَن له مِن أهلِ
زمانِك، دون ما يَدْعُوك العادِلون به إلى عبادِهِ مِن الأوثانِ والأصنامِ، ودونَ كلِّ
شىءٍ سواها مِن خلقِه، ﴿ وَإِن يَنْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾. يقولُ: وإن يُصِبْك ﴿بِخَيْرٍ﴾ .
أى: برخاءٍ فى عيش، وسَعَةٍ فى الرزقِ، وكثرةٍ فى المالِ، فَتُقِرَّأنه أصابك بذلك،
١٦١/٧
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٧٠/٤ (٧١٥٥) عن الحسن بن يحيى به .
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٣، س: ((وأرك)) وفى ت ٢: ((دارك)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من)).
١٨٠
سورة الأنعام : الآيات ١٧ - ١٩
فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: واللَّهُ الذى أصابك بذلك فهو
على كلِّ شيءٍ قديرٌ، هو القادرُ على نفعِك وضرِّك، وهو على كلِّ شيءٍ يُريدُه
قادرٌ، لا يُعْجِزُه شىءٌ يُرِيدُه، ولا يَمْتَنِعُ منه شىءٌ (١) طلَبَه، ليس كالآلهةِ الذَّليلةِ
الَهِينةِ التى لا تَقْدِرُ على اجتلابِ نفع على أنفسِها ولا غيرِها، ولا دفعِ ضُرِّ عنها
ولا غيرِها . يقولُ تعالى ذكرُه: فكيف تَعْبُدُ مَن كان هكذا؟ أم كيف لا تُخْلِصُ
العبادةَ، وتُقِرُ لمن كان بيدِه الضرّ والنفعُ، والثوابُ والعقابُ، وله القدرةُ
الكاملةُ، والعزةُ الظاهرةُ ؟
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَهُوَ﴾: نفسَه. يقولُ: واللَّهُ القاهِرُ(٢) فوقَ
عبادِهِ. ويعنى بقوله: ﴿اُلْقَاهِرُ﴾: المذلِّلَ الْمُسْتَعْبِدَ خلقَه، العالىَ عليهم. وإنما
قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ، ﴾. لأنه وصَف نفسَه تعالى بقهرِه إياهم ، ومِن صفةٍ كلِّ قاهرٍ
شيئًا أن يَكونَ مُسْتَعْلِيًا عليه .
فمعنى الكلام إذن : واللَّهُ الغالبُ عبادَه ، المذلِّلُهم، العالى عليهم بتذليلِه لهم،
وخلقِه إياهم، فهو فوقَهم بقهرِه إياهم، وهم دونَه .
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: واللَّهُ الحكيمُ فى علوِّه على عبادِه، وقهرِه إياهم
بقدرته، وفى سائرٍ تدبيرِهِ، ﴿اَلْخَبِيرُ﴾ بمصالح الأشياءِ ومضارِها، الذى لا يَخْفَى
عليه عواقبُ الأمورِ وبَوادِيها ، ولا يَقَعُ فى تدبيرِهِ خَلَلٌ ، ولا يَدْخُلُ حكمَه دَخَلٌ(٣).
القولُ فى تأويل قولِه عز ذكرُه: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الظاهر)).
(٣) الدخل: الفساد . اللسان (د خ ل).