النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة المائدة : الآية ١١٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ليثٍ ، عن عُقَيلٍ،
عن ابنِ عباسٍ أنه كان يُحَدِّثُ عن عيسى ◌ِِّ أنه قال لبنى إسرائيلَ: هل لكم أن
تَصوموا للَّهِ ثلاثين يومًا ، ثم تَسْأَلُوه، فيُعْطِيَكم ما سأَلْتُم ، فإن أجرَ العاملِ على مَن
عمِل له ؟ ففعلوا ، ثم قالوا : يا مُعلِّمَ الخيرِ قلتَ لنا : إن أجرَ العاملِ على مَن عمِل له،
وأمَوْتَنا أن نصومَ ثلاثين يومًا ففعَلْنا، ولم نَكُنْ نَعْمَلُ(١) لأحدٍ ثلاثين يومًا إِلا أَطْعَمَنا
حينَ نَفْرُُ طعامًا ، فـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾؟ قال
عيسى: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾. قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ تَّأْكُلَ مِنْهَا
وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ إلى قولِه:
﴿لَّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. قال: فَأَقْبَلَت الملائكةُ تَطِيرُ بمائدةٍ مِن السماءِ، ١٣١/٧
عليها سبعةُ أخواتٍ، وسبعةُ أَرْغفةٍ ، حتى وضَعَتْها بينَ أيديهم، فأكَل منها آخرُ
الناسِ كما أكَل منها أولُهم(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قالوا : هل
يُطِيعُكِ رَبُّك إن سأَلْتَه؟ فَأَنْزَل اللَّهُ عليهم مائدةٌ مِن السماءِ، فيها جميعُ الطعامِ إلا
اللحمَ ، فأكلوا منها (٣) .
(١) فى ص: ((يقول)). بغير نقط، وفى ت١، ت٢، ت ٣: ((يقول)). وفى س: ((وقول)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢١/٣ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٤/٤ (٧٠١٦)
من طريق ليث ، عن عقيل ، عن الزهرى ، عن ابن عباس ، كما أخرجه أيضا ١٢٤٦/٤ (٧٠٢٤) من طريق
وهب الله بن راشد عن عقيل ، عن الزهرى ، عن ابن عباس مختصرا .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى أبى الشيخ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٦/٢ إلى المصنف.

١٢٢
سورة المائدة : الآيتان ١١٣،١١٢
وأما ((المائدةُ)) فإنها الفاعلةُ، مِن: ماد فلانٌ القومَ يَمِيدُهم مَيْدًا. إذا أَطْعَمَهم
ومارَهم، ومنه قولُ رُؤْبةً(١) :
نُهْدِى رُءوسَ المُّرَفِين الأنْداد
إلى أميرٍ المؤمنين المُمْتَادْ
يعنى بقولِه: المُمْتَادْ: الْمُسْتَعْطَى، فـ((المائدةُ)) المُطْعِمةُ. سُمِّيَت الخِوانُ بذلك
لأنها تُطْعِمُ الآكلَ مما عليها. والمائدُ المُدَارُ به فى البحرِ، يقالُ: مادَ يَمِيدُ مَيْدًا .
وأما قولُه: ﴿ قَالَ أَثَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ . فإنه يعنى : قال عيسى
للحواربين القائلين له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾:
راقِبُوا اللَّهَ أيُّها القومُ، وخافوه أن يَنْزِلَ بكم مِن اللَّهِ عقوبةٌ على قولِكم هذا، فإن اللَّهَ لا
يُعْجِزُه شىءٌ أراده، وفى شكّكم فى قدرةِ اللَّهِ على إنزالٍ مائدةٍ مِن السماءِ كفرٌ به،
فَاتَّقُوا اللَّهَ أن يُنْزِلَ بكم نقمتَه، ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقئَّ
على ما أتَوَعَّدُكم به مِن عقوبةِ اللَّهِ إياكم على قولِكم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ
يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالُواْ فُرِيدُ أَنْ تَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ
(١٣)
يعنى تعالى ذكرُه بذلك : قال الحواريُّون مُجِيبى عيسى على قولِه لهم:
﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ فى قولِكم لى(١): ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ
يُنَزِّلَ [٧٣٩/١ظ] عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ -: إنا إنما قلنا ذلك، وسأَلْناك أن تَسْأَلَ لنا
رَبَّك لتَأْكُلَ مِن المائدةِ، فَتَعْلَمَ يقينًا قدرته على كلِّ شىءٍ، ﴿ وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا﴾ .
(١) ديوانه ص ٤٠.
(٢) سقط من: م.

١٢٣
سورة المائدة : الآيتان ١١٤،١١٣
يقولُ: وتَسْكُنَ قلوبُنا وتَسْتَقِرَّ على وحدانيتِه وقدرتِه على كلِّ ما شاء وأراد ،
﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾: ونَعْلَمَ أنك لم تَكْذِبْنا فى خبرِك أنك للَّهِ رسولٌ مرسَلٌ
ونبيِّ مبعوثٌ، ﴿ وَنَكُونَ عَلَيَّهَا﴾. يقولُ: ونَكونَ على المائدةِ ﴿مِنَ
الشَّهِدِينَ﴾. يقولُ: ممن يَشْهَدُ أن اللَّهَ أَنْزَلها حجةٌ لنفسِه علينا، فى توحيدِه
وقدرته على ما شاء، ولك على صدقِك فى نبوتِك .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ
اُلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةً مِّنكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الَّزِقِينَ
١٣٢/٧
١١٤
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن نبيّه عيسى ◌َّمِ أنه أجاب القومَ إلى ما سأَلوه
مِن مسألةِ ربِّه مائدةٌ تَنْزِلُ عليهم مِن السماءِ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾؛
فقال بعضُهم: معناه : نَتَّخِذُ اليومَ الذى نزَلَت فيه عيدًا نُعَظِّمُه نحن ومَن بعدَنا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾. يقولُ: نَتَّخِذُ اليومَ الذى نزَلَت
فيه عيدًا نُعَظِّمُه نحن ومَن بعدَنا(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكُونُ
لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾. قال: أرادوا أن تَكونَ لعَقِيِهم مِن بعدِهم (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٨/٤ (٧٠٣٥) من طريق أحمد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٦/٢ إلى أبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم تفسيره ١٢٤٩/٤ (٧٠٣٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.

١٢٤
سورة المائدة : الآية ١١٤
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجُرَيْج قولَه :
﴿ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا﴾. قال: الذين هم أحياءٌ
منهم يومَئذٍ، ﴿ وَءَاخِرِنَا﴾: مَن بعدَهم منهم (١) .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿تَكُونُ لَنَا
عِيدًا﴾. قالوا: نُصَلِّى فيه. قال(٢): نزَلَت مرتين(٣).
وقال آخرون: معناه : نَأْكُلُ منها(4) جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ليثٍ ، عن عُقَيلٍ،
عن ابنِ عباسٍ أنه قال : أكَل منها - يعنى مِن المائدةِ حينَ وُضِعَت بينَ أيديهم - آخرُ
الناسِ كما أكَل منها أولُهم(٥) .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿عِيدًا﴾. عائدةٌ مِن اللهِ تعالى علينا وحُجّةٌ
وبرهانًا .
وأولى الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: تَكونُ لنا عيدًا نَعْبُدُ ربَّنا فى اليومِ
الذى تَتْزِلُ فيه، ونُصَلِّى له فيه، كما يَعْبُدُ(٦) الناسُ فى أعيادِهم؛ لأن المعروفَ مِن
كلامِ الناسِ المستعملِ بينَهم فى العيدِ ما ذَكَرْنا، دونَ القولِ الذى قاله مَن قال معناه:
عائدةٌ مِن اللَّهِ علينا. وتوجيهُ معانى كلامِ اللَّهِ إلى المعروفِ مِن كلامٍ مَن خُوطِب به،
(١) ينظر التبيان ٤/ ٦١.
(٢) سقط من : م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٩/٤، ١٢٥٠ (٧٠٣٦، ٧٠٤١) من طريق مهران عن سفيان .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((منه).
(٥) تقدم تخريجه فى ص ١٢١ .
(٦) فى م: ((يعيد)).

١٢٥
سورة المائدة : الآية ١١٤
أولى مِن توجيهِه إلى المجهولِ منه ، ما وُجِد إليه السبيلُ.
وأما قولُه: ﴿لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا﴾. فإن الأَوْلَى مِن تأويلِه بالصوابِ قولُ مَن
قال: تأويلُه : للأحياءِ منا اليومَ، ومَن يَجِىءُ بعدَنا منا . للعلةِ التى ذكَرْناها فى قولِه :
﴿ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. لأن ذلك هو الأغلبُ مِن معناه .
وأما قولُه: ﴿وَءَايَةٌ مِنْكٌ﴾ . فإن معناه: وعلامةً وحُجَّةً منك يا ربِّ على
عبادِك فى وحدانيتِك، وفى / صدقى على أنى رسولٌ إليهم بما أرْسَلْتَنى به. ١٣٣/٧
﴿ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّزِقِينَ﴾: وأعْطِنا مِن عطائِك، فإنك يا ربِّ خيرُ مَن يُعْطِى،
وأجودُ مَن تفَضَّل؛ لأنه لا يَدْخُلُ عطاءَه مَنَّ ولا نَكَدٌ .
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المائدةِ ، هل أُنْزِلَت عليهم أم لا؟ وما كانت ؟ فقال
بعضُهم : نزَلَت وكانت حوتًا وطعامًا، فأكَل القومُ منها ، ولكنها رُفِعَت بعدَما نزَلَت
بأحداثٍ منهم أَحْدَثوها فيما بينهم وبينَ اللَّهِ تعالى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن أبى عبد الرحمنِ السّلَمْىِّ، قال: نزَلَت المائدةُ خبزًا وسمكًا(١).
حدَّثنى الحسينُ بنُ علىِّ الصُّدَائِيُ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيْلِ، عن عطيةَ،
قال : المائدةُ سمكةٌ، فيها طعمُ كلِّ طعامٍ (٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عُبِيدُ اللَّهِ، عن فُضَيْلٍ (بن مرزوق٣ٍ) عن عطيةً، قال:
(١) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص٣٥١ من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٦/٤ (٧٠٢٦)، وابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٥١ من طريق
الفضيل به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) فى النسخ: ((عن مسروق))، وتقدم على الصواب ٢٣٠/٢، وينظر تهذيب الكمال ٣٠٦/٢٣.

١٢٦
سورة المائدة : الآية ١١٤
المائدةُ سمكٌ فيه مِن طعم كلٌّ طعامٍ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أبى عبد الرحمنِ، قال: نزَلَت المائدةُ خبزًا وسمكًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍٍ ، قال : نزَلَت على عيسى ابن مريمَ والحواريِّين خِوانٌ ، عليه خبزٌ
وسمكٌ يَأْكُلون منه أينَما نزَلَوا إذا شاءوا(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا المنذرُ بنُ
النعمانِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهِ يقولُ فى قولِه: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَبِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ
تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾. قال: نزَل عليهم قُرْصةٌ مِن شعيرٍ وأخواتٌ . قال الحسنُ : قال أبو
بكرٍ (٢) : فحدَّثْتُ به عبد الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، فقال: سمِعتُ وهبًا وقيل له: وما كان
ذلك يُغْنِى عنهم؟ فقال: لا شىءَ، ولكنَّ اللَّهَ حَشًا " بينَ أضعافِهن البركةَ، فكان قومٌ
یأْكُلُون ثم يخرجون ، ويچِىءُ آخرون ، فیأْكُلُون ثم يَخْرُجون ، حتى أُگّلوا جميعُهم
(٤)
وأفضَلُوا(4) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، [٧٤٠/١ و] قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إِسرائيلَ، عن أبى يحيى)،
عن مجاهدٍ، قال: هو الطعامُ يَنْزِلُ عليهم حيث نزلوا (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف.
(٢) هو عبد الرزاق الصنعانى .
(٣) فى م: ((حثا)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٢٠٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٦/٤ (٧٠٢٧) عن الحسن به
مختصرا .
(٦) فى ت١: ((نجيح).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.

١٢٧
سورة المائدة : الآية ١١٤
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَآيِدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مائدةٌ عليها
طعامٌ، (أُتُوابها) حين تُرِض عليهم العذابُ إِن(٢) كَفَروا؛ ألوانٌ مِن طعامٍ يَنْزِلُ عليهم(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن
إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّهِ ، أن المائدةَ نزَلَت على عيسى ابن مريمَ، عليها سبعةُ أرغفةٍ ،
وسبعةُ أَحْواتٍ ، يَأْكُلون منها ما شاءوا، قال: فسرَق بعضُهم منها ، وقال : لعلها لا
تَنْزِلُ غدًا. فَرُفِعَت(٥).
/ حدَّثنا(١) المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ بن حربٍ، ١٣٤/٧
عن رجلٍ مِن بنى عِجْلٍ قال: صلَّيْتُ إلى جنبٍ عمارِ بنِ ياسرٍ، فلما فرغ قال : هل
تَذْرِى كيف كان شأنُ مائدةِ بنى إسرائيلَ ؟ قال : فقلتُ : لا . قال : إنهم سألوا عيسى
ابنَ مريمَ مائدةً يَكونُ عليها طعامٌ يَأْكُلون منه لا يَتْفَدُ ، قال: فقيل لهم: فإنها مُقيمةٌ لكم
ما لم تُخَبُوا أو تَخُونوا أو تَوْفَعوا، فإن فعَلْتُم فإنى أُعَذِّبُكم عذابًا لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن
العالمين . قال: فما تمَّ يومُهم حتى خبَّئوا ورفَعوا وخانوا ، فعُذِّبوا عذابًا لم يُعَذِّبْه أحدًا مِن
العالمين، وإنكم معشرَ العربِ كنتم تَتْبَعون أذنابَ الإبلِ والشاءِ، فبعث اللَّهُ فيكم رسولاً
مِن أنفسكم ، تَعرِفون حسبه ونسته ، وأُخْبَرَ كم على لسانٍ نبئكم أنكم ستَظْهَرون على
العربِ()، ونها كم أن تَكْنِزوا الذهب والفضةَ، واتُ اللَّهِ ، لا يَذْهَبُ الليلُ والنهارُ حتى
تَكْنِزوهما ويُعَذِّبَكم عذابًا أليمًا (٨).
(١ - ١) فى م: ((أبوها)).
(٢) فى ص: ((إذ)).
(٣ - ٣) فى م: ((فأبوا أن )).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف.
(٦) بعده فى تفسير ابن كثير: (( ابن)).
(٧) فى تفسير ابن كثير: (( العجم)).
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢١/٣ عن المصنف .

١٢٨
سورة المائدة : الآية ١١٤
حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ البصرىُّ ، قال : ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ ، قال : ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ ، عن خِلاسٍ بنِ عمرٍو، عن عمارِ بنِ ياسرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عٍَّ:
((نزَلَت المائدةُ خبزًا ولحمًا، وأَمِروا ألا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا، ولا يَرْفَعوا لغدٍ ، فخانوا
وادَّخَروا ورفَعوا، فَمُسِخوا قِرَدةٌ وخَنازِيرَ))(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يَزِيع ، قال : ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ ، قال: ثنا نافعُ بنُ
مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى المائدةِ ، قال: كان طعامًا يَنْزِلُ عليهم مِن
السماءِ حيثما نزَلوا(٢) .
وقال آخرون : كانت المائدةُ عليها(*) مِن ثمارِ الجنةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن
خِلَاسِ بنِ عمرٍو، عن عمارٍ ، قال: نزَلَت المائدةُ وعليها ثمرٌ مِن ثمرِ الجنةِ ، فَأُمِروا ألا
يُخَبُوا، ولا يَخونوا، ولا يَدَّخِروا. قال: فخان القومُ، وخبَّئوا، وادَّخروا،
فحوَّلهم اللَّهُ قردةٌ وخنازيرَ ) .
(١) فى م: ((جلاس)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٤/٨.
(٢) أخرجه الترمذى (٣٠٦١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٥/٤ (٧٠٢٢)، وابن الأنبارى فى الأضداد
ص ٣٥٠ عن الحسن بن قزعة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى ابن مردويه وأبى الشيخ .
(٣) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٥٠ من طريق عكرمة به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤٨/٢ إلى المصنف .
(٤) فى م: (( تنزل وعليها ثمر)).
(٥) أخرجه الترمذى عقب حديث (٣٠٦١) وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٥/٤ (٧٠٢٣) من طريق سعيد
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى ابن المنذر.

١٢٩
سورة المائدة : الآية ١١٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنها
كانت مائدةٌ يَنْزِلُ عليها الثمرُ مِن ثمارِ الجنةِ، وَأُمِروا ألا يُخَبِّئوا، ولا يخونوا، ولا
يَّدَّخِروا لغدٍ ؛ بلاءً أبلاهم اللَّهُ به، وكانوا إذا فعلوا شيئًا مِن ذلك أنْبأهم به عيسى ،
فخان القومُ فيه فخبَّئوا واذَّخَروا لغدٍ (١).
وقال آخرون : كان عليها مِن كلِّ طعامٍ إلا اللحمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسَرةً، قال: كانت إِذا
وُضِعَت المائدةُ لبنى إسرائيلَ ، اخْتَلَفَت عليها الأيدى بكلِّ طعامٍ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكِ، عن عطاءٍ، عن مَيْسرةً
وزاذانَ، قالا: كانت الأيدى تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ طعامٍ(٢) .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيانُ الثورىُّ، عن عطاءِ بنِ
السائبٍ، عن زاذانَ / وميسرةً فى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِلَ عَلَيْنَا مَآَبِدَةٌ مِّنَ
السَّمَاءِ﴾. قالا: رأَؤًا الأيدىَ تَخْتَلِفُ عليها بكلِّ شىءٍ إلا اللحمَ .
١٣٥/٧
وقال آخرون : لم يُنْزِلِ اللَّهُ على بنى إسرائيلَ مائدةٌ .
ثم اخْتَلَف قائلو هذه المقالةِ ؛ فقال بعضُهم: إنما هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ تعالى لخلقِه ،
نهاهم به عن مسألةٍ نبيِّ اللَّهِ الآياتِ .
(١) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٥١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢
إلی عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف وابن أبى شيبة وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ٩/٩ )

١٣٠
سورة المائدة : الآية ١١٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُّ آدمَ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ ، عن مُجاهدٍ
فى قولِه: ﴿ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآَبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. قال: مَثَلٌ ضُرِب، لم يَنْزِلْ عليهم
(١)
شىءٌ (١).
وقال آخرون: إن القومَ لما قيل لهم: ﴿فَمَن يَكْفُرَّ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أَعَذِّبُهُ عَذَابًا
لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. استعقَوْا منها فلم تَنْزِلْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَبْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال :
كان الحسنُ يقولُ: لِمَّأَ قيل لهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قالوا : لا
حاجةً لنا فيها . فلم تَنْزِلْ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورِ بنِ
زاذانَ ، عن الحسنِ أنه قال فى المائدةِ : لم تَنْزِلْ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَامٍ ، قال: ثنا حجاجٌ ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
عن مجاهدٍ ، قال: مائدةٌ عليها طعامٌ أبَوْها حينَ عُرِض عليهم العذابُ إِن كفَروا،
فَأَبَوْا أن تَنْزِلَ عليهم(٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٤٨/٤ (٧٠٣٣) من طريق يحيى بن آدم به، وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٥١، ٣٥٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٢/٤ (٧٠٤٦) من
طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢، ٣٤٩ إلى عبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/٢ إلى المصنف وأبى عبيد وابن المنذر.

١٣١
سورة المائدة : الايتان ١١٥،١١٤
والصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ذلك أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَنْزَل المائدةَ
على الذين سألوا عيسى مسألته ذلك ربّه .
وإنما قلنا ذلك ؛ للخبرِ الذى رَوَينا بذلك عن رسولِ اللَّهِ عْ لَه وأصحابِهِ وأهلِ
التأويلِ مِن بعدِهم، غيرَ مَن اْفَرَد بما ذكَوْنا عنه .
وبعدُ ، فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه لا يُخْلِفُ وعدَه ، ولا يَقَعُ فى خبرِه الخُلْفُ ، وقد
قال تعالى، مُخْبِرًا فى كتابه عن إجابةٍ نبيّه عيسى ◌َ لِ حينَ سأله ما سأله [٧٤٠/١ظ]
مِن ذلك: ﴿ إِنِِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. وغيرُ جائٍ أن يقولَ تعالى ذكرُه: ﴿ إِنِّ مُنَزِّلُهَا
عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُتَزِّلُها؛ لأن ذلك منه تعالى خبرٌ ، ولا يَكونُ منه خلافُ ما يُخْبِرُ،
ولو جاز أن يقولَ: ﴿إِنّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾. ثم لا يُنَزِّلُها عليهم، جاز أن يَقولَ(١):
فمن يكفر بعدُ مِنكم فإنِّى معذِّبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا مِن العالمين. ثم يَكْفُرُ منهم بعدَ
ذلك فلا يُعَذِّبُه، فلا يَكونُ لوعدِه ولا لوَعيدِه حقيقةٌ ولا صحةٌ ، وغيرُ جائزٍ أن يُوصَّفَ
ربنا تعالى بذلك .
وأما الصوابُ مِن القولِ فيما كان على المائدةِ ، فأن يقالَ : كان عليها مأكولٌ ،
وجائزٌ أن يَكونَ كان سمكًا وخبزًا ، وجائزٌ أَن يَكونَ كان ثمرًا مِن ثمرِ الجنةِ، وغیرُ
نافعٍ العلمُ به، ولا ضارّ الجهلُ به، إذا أقرَّ تالى الآيةِ بظاهرٍ ما احْتَمَلَه التنزيلُ.
/ القول فى تأويل قوله: ﴿ قَالَ اَللَّهُ إِنِ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ
١١٥
أُعَذِّبُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ
١٣٦/٧
وهذا جوابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربِّهم مِن
إنزالِه مائدةً عليهم، فقال تعالى ذكرُه: إنى مُنَزِّلُها عليكم أيُّها الحواريُّون
فمُطْعِمُكموها، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾. يقولُ: فَمَن يَجْحَدْ بعدَ إنزالِها
(١) فى ص، ت١، ت ٢: ((يكون)).

١٣٢
سورة المائدة : الآيتان ١١٦،١١٥
عليكم، وإِطْعامِيكموها منكم رسالتى إليه، ويُنْكِرْ نبوةَ نبِّى عيسى ◌َِّ، ويُخالِفْ
طاعتى فيما أمَرْتُه ونهَيْتُه ﴿ فَإِنْ أُعَذِبُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا﴾ مِن علَى زمانِه.
فَفعَل القومُ، فجحَدوا وكفَروا بعدَ ما أَنْزِلَت عليهم فيما ذُكِر لنا ، فعُذِّبوا فيما بلَغَنا ،
بأن مُسِخوا قردةً وخنازيرَ .
كالذى حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنِّی
مُنَزِلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنهم محُوِّلوا خَنازيرَ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ومحمدُ بنُ أبى عَدِىٍّ، ومحمدُ بنُ
جعفرٍ، عن عوفٍ ، عن أبى المغيرةِ القَوَّاسِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: إن أشدَّ
الناسِ عذابًا ثلاثةٌ؛ المنافقون، ومَن كفَر مِن أصحابِ المائدةِ ، وآلُ فرعونَ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن عوفٍ ، قال : سمِعْتُ
أبا المغيرةِ القَوَّاسَ يقولُ: قال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو: إن أشدَّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ مَن
كَفَر مِن أصحابِ المائدةِ ، والمنافقون، وآلُ فرعونَ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾: بعدَ ما جاءَته المائدةُ، ﴿فَإِنْ أُعَذِّبُهُ.
عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾. يقولُ: أُعَذِّبُه بعذابٍ لا أُعَذِّبُه أحدًا مِن
العالمين غيرَ أهلِ المائدةِ(٣).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَلَّخِذُونِ
وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنتُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن أبى حاتم .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٢/٤ (٧٠٤٧) من طريق أحمد بن المفضل به .

١٣٣
سورة المائدة : الآية ١١٦
١١٦
قُلْتُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يَجْمَعُ اللهُ الرسلَ فيقولُ: ماذا أُحِبُم إذ قال اللهُ يا
عيسى ابنَ مريمَ أأنت قلتَ للناسِ اتَّخذونى وأمى إلهين من دونِ اللهِ ؟
وقيل : إن اللَّهَ قال هذا القولَ لعيسى حينَ رفَعه إليه فى الدنيا .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، ١٣٧/٧
عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ◌َأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُقِّىَ
إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. قال: لِمََّ رفَع اللَّهُ عيسى ابنَ مريمَ إليه، قالت النصارى ما
قالت، وزعَموا أن عيسى أمَرَهم بذلك، فسأله عن قولِه فقال: ﴿سُبْحَنَكَ مَا
يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ
أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّ الْغُيُوبِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدٌ﴾(١).
وقال آخرون : بل هذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن أنه يقولُ لعيسى ذلك فى
القيامةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ نجريج: ﴿وَإِذْ
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ .
قال : والناسُ يَسْمَعون، فراجَعَه بما قد رأيْتَ ، وأَقَرَّله بالعبوديةِ على نفسِه ، فعلِم مَن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٣/٤ (٧٠٥١) من طريق أحمد بن المفضل به .

١٣٤
سورة المائدة : الآية ١١٦
كان يقولُ فى عيسى ما يقولُ، أنه إنما كان يقولُ باطلًاً(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسرةَ ، قال : قال اللّهُ : يا
عيسى أأنت قلتَ للناسِ اتَّخِذونى وأمِّىَ إلهين مِن دونِ اللَّهِ؟ فأُرْعِدَت مَفاصلُه ،
وخشِى أن يَكونَ قد قال، فقال: ﴿ سُبْحَانَكَ﴾ - ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
الآية(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ يَلِعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ
اللَّهِ﴾: متى يَكونُ ذلك؟ قال: يومَ القيامةِ، ألا تَرَى أنه يقولُ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ
الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمَّ﴾(٢)؟ [المائدة: ١١٩].
فعلى هذا التأويلِ الذى تأوَّله ابنُّ جريج يَجِبُ أَن يَكُونَ ((وإذْ)) بمعنى
(( وإذا))، كما قال فى موضع آخرَ: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَزِعُواْ﴾ [سبأ: ٥١]. بمعنى:
•(٤)
يَفْزَعون . وكما قال أبو النَّجْمُ :
ثم جزاه اللَّهُ عنا إِذْ جَزَى
جَناتِ عَدْنٍ فى العَلالِيُّ( العُلَا
والمعنى: إذا جَزَى. وكما قال الأسودُ(٦):
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٢ إلى أبى الشيخ.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٢/٤ (٧٠٤٨) من طريق جرير. وأخرجه ١٢٥٣/٤ (٧٠٥٤) من
طريق عطاء. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٩/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٣/٤ (٧٠٥٠) عن الحسن به .
(٤) ديوانه (مجموع) ص ٢١٠.
(٥) العلالى جمع علَّيَّة ، بضم العين وكسرها : الغرفة. النهاية ٢٩٥/٣.
(٦) البيت فى الأضداد لابن الأنبارى ص ١١٩ غير منسوب، وفيه: ((المرء)) بدل الشيخ، وينظر التبيان ٦٥/٤.

١٣٥
سورة المائدة : الآية ١١٦
يَقُلْن ألا لم يَذْهَبِ الشيخُ مَذْهَبَا
[٧٤١/١و] فالآنَ إِذ هازَلْتُهنَّ فإنما
بمعنى : إذا هازَلْتُهن.
وكأن مَن قال فى ذلك بقولِ ابنِ نجريج هذا وجَّه تأويلَ الآيةِ إلى: فمن يكفُرْ
/بعدُ منكم، فإنى أعذِّبُه عذابًا لا أعذِّبُه أحدًا من العالمين فى الدنيا، وأُعَذِّبُه أيضًا فى
الآخرِةِ إذْ قال اللهُ: يا عيسى ابن مريمَ أأنت قلتَ للناسِ : اتخذونى وأمّى إلهين من
دونِ اللهِ ؟ .
١٣٨/٧
وأولى القولين عندَنا بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال بقولِ السدىِّ ، وهو أن اللَّهَ
تعالى ذكرُه قال ذلك لعيسى حينَ رفَعَه إليه، وأن الخبرَ خبرٌ عما مضى؛ لعلَّتين؛
إحداهما : أن ((إذ)) إنما تُصاحِبُ فى الأغلبِ مِن كلامِ العربِ المستعملِ بينَها ،
الماضىَ مِن الفعلِ، وإن كانت قد تُدْخِلُها أحيانًا فى موضع الخبرِ عما يَحْدُثُ إذا
عرَف السامعون معناها ، وذلك غيرُ فاشٍ ولا فصيحٍ فى كلامِهم، فتوجيهُ معانی
كلامِ اللَّهِ تعالى إلى الأشهرِ الأعرفِ ما وُجِد إليه السبيلُ، أولى مِن توجيهِها إلى
الأجهلِ الأُنكرِ .
والأُخرى: أن عيسى لم يَشْكُكْ(١) هو ولا أحدٌ مِن الأنبياءِ أن اللَّهَ لا يَغْفِرُ لمشركٌ
مات على شركِه، فيجوزَ أَن يُتَوَهَّمَ على عيسى أَن يَقولَ فى الآخرةِ مُجِيبًا لربِّه تعالى :
إِن تُعَذِّبْ مَن اتخذنى وأمِّى إلهين مِن دونِك فإنهم عبادك، وإن تَغْفِرْ لهم فإنك أنت
العزيزُ الحكيمُ .
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ سؤالِ اللَّهِ عيسى: ﴿ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ آَخِذُونِ
وَأُمِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وهو العالِمُ بأن عيسى لم يَقُلْ ذلك؟
قيل : يَحْتَمِلُ ذلك وجهين مِن التأويلِ :
(١) فى م: ((يشك)).

١٣٦
سورة المائدة : الآية ١١٦
أحدُهما : تحذيرُ عيسى عن قيلِ ذلك ونهيُه، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: أَفعَلْتَ
كذا وكذا؟ مما يَعْلَمُ الْمَقَولُ له ذلك أن القائلَ يَسْتَعْظِمُ فعلَ ما قال له : أَفعَلْتَه؟ على
وجهِ النهي عن فعله والتهديد له فيه .
والآخرُ: إعلامُه أن قومَه الذين فارَقَهم قد خالَفوا عهدَه وبدَّلوا دينَهم بعدَه ،
فَيَكونُ بذلك جامعًا إِعلامَه حالَهم بعدَه وتحذيرًا له قِيلَه .
وأما تأويلُ الكلام فإِنه: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأُمِىَ إِلَهَيْنِ﴾. أىْ:
مَعْبودَيْن تَعْبُدونهما ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟ قال عيسى: تَنْزِيهًا لك ياربِّ وتعظيمًا أن
أَفْعَلَ ذلك أو أَتَّكَلَّمَ به، ﴿ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَنِيّ﴾. يقولُ: ليس لى أن
أَقُولَ ذلك؛ لأنى عبدٌ مخلوقٌ، وأمِّى أمَّةٌ لك، فهل يَكونُ ) للعبدِ (١) والأمَّةِ ادِّعاءُ
ربوبيةٍ ؟
إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهٌ﴾. يقولُ: إنك لا يَخْفَى عليك شيءٌ، وأنت
عالمٌ أنى لم أَقُلْ ذلك ولم آمُرْهم به .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلََّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ
١١٦
اُلْغُيُوبِ
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن نبيّه عيسى ◌َِّ أنه يَثْرَأُ إليه مما قالت فيه وفى أُمِّه
الكفَرةُ مِن النصارى، أن يكونَ دعاهم إليه، أو أمَرَهم به، فقال: ﴿سُبْحَنَكَ مَا
يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ إِن كُنْتُ قُلْتُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ﴾. ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا
فِى نَفْسِى﴾. يقولُ: إنك ياربِّ لا يَخْفَى عليك ما أضْمَرَتْه نفسى مما لم أَنْطِقْ به،
ولم أُظْهِرْه بجوارحى، فكيف بما قد نطَقْتُ به وأظْهَرْتُه بجَوارِحى؟ يقولُ: لو كنتُ
(١ - ١) فى ص، ت ١: ((فیکون یکون))، وفی س: ((فیکون)).
(٢) فى س: ((العبد)).

١٣٧
سورة المائدة : الآيتان ١١٧،١١٦
قد قلتُ للناسِ: ﴿ اَّخِذُونِ وَأُفِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. كنتَ قد علِمْتَه ؛ لأنك
تَعْلَمُ ضَمائرَ النفوسِ مما لم تَنْطِقْ به، فكيف بما قد نطَقتْ به؟ ﴿ وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِكُ﴾. يقولُ: ولا أَعْلَمُ أنا ما أُخْفَيْتَه / عنى فلم تُطْلِعْنى عليه؛ لأنى إِنما أَعْلَمُ مِن
الأشياءِ ما أَعْلَمْتَنِه، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ : إنك أنت العالمُ بِخَفِيَّاتِ
الأُمورِ ، التى لا يَطَّلِعُ عليها سِواك، ولا يَعْلَمُها غيرُك .
١٣٩/٧
القول فى تأويل قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى ◌ِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيِهِمٌّ فَلَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الَرَّقِبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
1+3
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولٍ عيسى ، يقولُ: ما قلتُ لهم إلا الذى
أَمَرْتَنى به مِن القولِ أن أقولَه لهم، وهو أن قلتُ لهم: ﴿أُعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِىِ وَرَبَّكُمْ
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. يقولُ: وكنتُ على ما يَفْعَلونه، وأنا بينَ أَظْهُرِهم شاهدًا
عليهم، وعلى أفعالهم وأقوالِهِم، ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾. يقولُ: فلما قبَضْتَنِى إِليك
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ﴾. يقولُ: كنتَ أنت الحفيظَ عليهم دونى؛ لأنى إنما
شهِدْتُ مِن أعمالِهم ما عمِلوه وأنا بينَ أظهرِهم .
وفى هذا تِثيانُ أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما عرَّفه أفعالَ القومِ ومَقالتَهم بعدَ ما قَبَضَه
إليه وتوَفَّاه، بقولِه: ﴿َأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اٌلَّخِذُوِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وأنت تَشْهَدُ على كلِّ شيءٍ؛ لأنه لا
يَخْفَى عليك شىءٌ، وأما أنا فإنما شهِدْتُ بعضَ الأشياءِ، وذلك ما عايَنْتُ وأنا مقيمٌ
بينَ أَظْهُرِ القوم ، فإنما أنا أَشْهَدُ على ذلك الذى عايَنْتُ ورأيْتُ وشهِدْتُ .
وبنحوِ الذى قلنا فى قوله: ﴿ كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ .

١٣٨
سورة المائدة : الآية ١١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيِهِمَّ﴾: أما الرقيبُ فهو الحفيظُ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريج: ﴿كُنْتَ
أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: الحفيظَ .
وكانت جماعةٌ مِن أهلِ العلم تقولُ : كان جوابُ عيسى الذى أجاب به ربَّه
مِن اللهِ تعالى توفيقًا منه له فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ وَ کیع ، قال : ثنا ابنُ آمانٍ ، عن سفيان ، عن معمرٍ ، عن ابنِ طاوسٍ ،
عن أبيه: ﴿ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأَقِىَ إِلَّهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا
يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ﴾. قال: اللَّهُ وفَّقَهُ(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: [٧٤١/١ظ] ثنا أبو داودَ الحَفَرِىُّ(١) ، قال: قُرِئ على
١٤٠/٧ سفيانَ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ / عن أبيه طاوسٍ، قال: احْتَجَّ عيسى، واللَّهُ وفَّقه؛
﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأُمِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ الآية.
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مَيْسرةَ ، قال: قال اللَّهُ تعالى
ذكرُه: يا عيسى، ﴿ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾؟ قال:
فُرْعِدَت مَفاصلُه، وخشِى أَن يَكونَ قد قالها، فقال: ﴿سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٣/٤ (٧٠٥٣) من طريق الفريابى عن سفيان به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣٤٩/٢ إلى عبد الرزاق والفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، س: ((الجعفرى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٠/٢١.

١٣٩
سورة المائدة : الآيتان ١١٧، ١١٨
ن
أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى
نَفْسِكْ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ
اَلْحَكِيمُ
يقولُ تعالى ذكرُه: إن تُعَذِّبْ هؤلاء الذين قالوا هذه المقالةَ، بإماتتكِ إياهم
عليها، ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، مُشْتَشْلِمون لك، لا يَمْتَنِعون مما أرَدْتَ بهم، ولا يَدْفَعون
عن أنفسِهم ضَرَّا ولا أمرًا تَنالُهم به، ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ، بهدايتِك إياهم إلى التوبةِ
منها ، فَتَسْتُرُ عليهم، ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ﴾ فى انتقامِهِ ثَمَّن أراد الانتقامَ منه ، لا يَقْدِرُ
أحدٌ يَدْفَعُه عنه، ﴿اٌلْحَكِيمُ ﴾ فى هدايتِهِ مَن هدَى مِن خلقِه إلى التوبة ، وتوفيقه مَن
وفَّق منهم لسبيلِ النجاةِ مِن العقابِ .
كالذى حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا
أُشْباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِّرْ لَهُمْ﴾ :
فُتُخْرِجَهم مِن النصرانيةِ، وتَهْدِيَهم إلى الإسلامِ، ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وهذا قولُ عیسى فى الدنيا(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبرَنا معمرٌ، عن
قنادةً فى قولِه: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قال: واللهِ ما كانوا طعَّانين ولا لقَّانين(١).
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٣٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٥/٤ (٧٠٦٢) من طريق أحمد بن المفضل ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٥٠/٢ إلى أبى الشيخ.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٠١/١.

١٤٠
سورة المائدة : الآية ١١٩
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿ قَالَ الَّهُ هَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْفُهُمَّ لَمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا رَضِىَ الَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ
١١٩
٦
اختَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ
أهلِ الحجازِ والمدينةِ: (هذا يومَ يَنْفَعُ الصادِقين) بنصبٍ ( يومَ) .
وقرَأَ بعضُ أهلِ الحجازِ، وبعضُ أهلِ المدينةِ ، وعامةُ قرأةِ أهلِ العراقِ: ﴿هَذَا
يَوْمُ يَنَفَعُ الصَّدِقِينَ﴾ برفع ﴿يَوْمُ﴾١، فمَن رفَعه رفَعه بـ﴿هَذَا﴾، وجعَل ﴿يَوْمُ﴾
اسمًا وإن كانت إضافتُه غيرَ مَخْضةٍ؛ لأنه قد صار كالمنعوتِ .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أن العربَ يَعْمَلون فى إعرابِ الأوقاتِ مثلٍ
((اليومٍ)) و ((الليلةِ)) عملَهم فيما بعدَها، إن كان ما بعدَها رفعًا رفَعوها، كقولهم:
هذا يومُ يَرْكَبُ / الأميرُ، وليلةُ يَصْدُرُ الحامجُ، ويومُ أخوك مُنْطَلِقٌ. وإن كان ما بعدَها
نصبًا نصَبوها، وذلك كقولهم: هذا يومَ خرَج الجيشُ، وسار الناسُ، وليلةً قُتِل
زيدٌ. ونحو ذلك، وإن كان معناها فى الحالين: إذ، وإذا. وكأنَّ مَن قرأ هذا هكذا
رفعًا، وجَّه الكلامَ إلى أنه مِن قيلِ اللَّهِ يومَ القيامةِ.
١٤١/٧
وكذلك كان السدىُّ يقولُ فى ذلك .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ صِدَّقُهُمَّ﴾ : هذا فصلٌ مِن كلامٍ عيسى،
وهذا يومَ القيامةِ() .
يعنى السدىُّ بقولِه: هذا فصلٌ مِن كلام عيسى. أن قولَه: ﴿ سُبْحَنَكَ مَا
(١) وهى قراءة نافع وحده. السبعة لابن مجاهد ص٢٥٠ .
(٢) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٠.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٥٦/٤ (٧٠٦٥) من طريق أحمد بن المفضل .