النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة المائدة : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
وقرأها بعضُهم: (ولا نَكْتُمُ شَهادةً اللَّهَ) (١) . بتنوينِ الشهادةِ ونصبِ اسمِ
اللَّهِ، بمعنى: ولا نَكْتُمُ اللَّهُ(٢) شهادةً عندَنا .
وأولى القراءاتِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَلَا تَكْتُمُ
شَهَدَةَ اَللَّهِ﴾. بإضافةِ الشهادةِ إلى اسم اللَّهِ ، وخفضِ اسم اللَّهِ؛ لأنها القراءةُ
المستفيضةُ فى قرَأَةِ الأمصارِ ، التى لا تَتَنَاكَمُ صحَّتَها الأمَّةُ .
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى معنى ذلك: ﴿ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ﴾: وإن كان
صاحبُها(٢) بعيدًا .
حدَّثنى بذلك يونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ (٤) عنه (٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْمًا فَاخَرَانٍ
يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنَّ عُثِرَ﴾: فإن اطٌلِع منهما(٦) أو (٧) ظهَر.
وأصلُ العَثْرِ الوقويُ على الشىءِ والسقوطُ عليه، ومِن ذلك قولُهم: عثَرَت
إصْبعُ فلانٍ بكذا . إذا صدَمَته وأصابَتْه ووقَعَت عليه . ومنه قولُ الأعشى ميمونِ بنِ
(٨)
:
قيس
(١) وهى قراءة علىٍّ ونعيم بن ميسرة، وإحدى القراءات عن الشعبى. ينظر البحر المحيط ٤ / ٤٤.
(٢) فى س: ((لله)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى النسخ: ((زيد)). وينظر ص ١٠٣ حاشية ( ٢).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٣٢/٤ (٦٩٥٠) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣) س: (( فيهما )) .
(٧) فى س: ((أى)) ..
(٨) ديوانه ص ١٠٣.
( تفسير الطبرى ٦/٩ )

٨٢
سورة المائدة : الآية ١٠٧
فالتَّعْسُ(٣) أدنى لها مِن أن أقولَ لَعَا (٤)
بِذَاتِ لَوْثٍ (١) عَفَوْناةٍ(٢) إِذا عثَرَتْ
[٧٤٣/١ظ] يعنى بقولِه: عثَرَت: أصاب مَنْسِمُ(٥) خُفِّها حجرًا(٢) أو غيرَه. ثم
يُسْتَعْمَلُ ذلك فى كلِّ واقع على شىءٍ كان عنه خفيًّا، كقولهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ
بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً(١). بمعنى: وقَعَت .
وأما قوله: ﴿عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّاَ إِنْمًا﴾. فإِنه يقولُ تعالى ذكرُه : فإِن اطُّلِعِ
مِن الوصِيَّيْن اللذين ذكَر اللَّهُ أمْرَهما فى هذه الآيةِ بعدَ حلِفِهما باللّهِ: لا نَشْتَرِى
بأيمانِنا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللَّهِ - ﴿عَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّاَ إِثْمًا﴾.
يقولُ : على أنهما اسْتَوْجَبا بأيمانِهما التى حلَفا بها إثمًّا، وذلك أن يُطَّلَعَ على أنهما
كانا كاذِبَيْن فى أيمانِهما باللّهِ: ما خُنَّا، ولا بدَّلْنا، ولا غيَّوْنا. فإِن وُجِدا قد خانا مِن
مالِ الميتِ شيئًا، أو غيّرا وصيته، أو بَدَّلا، فأَئِما بذلك مِن حلِفِهماً(*) بربِّهما،
فَفَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: يقومُ حينئذٍ مَقامَهما مِن ورثةِ الميتِ
الأَوْلَيان (٩) الموصى إليهما .
(١) اللوث : القوة . اللسان (ل و ث).
(٢) عفرناة: قوية . اللسان (ع ف ر).
(٣) التعس: ألا ينتعش العاثر من عثرته، وأن ينكس فى سفال. اللسان (ت ع س).
(٤) لمّا: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع. اللسان (ل ع و).
(٥) فى م: ((الميسم)). والمنسم: طرف خُفّ البعير اللسان (ن س م).
(٦) فى م: ((حجر)).
(٧) القرد : ما تمعَّط من الإبل والغنم من الوبر والصوف والشعر.
قال الأصمعى : أصله أن تدع المرأة الغزل وهى تجد ما تغزله من قطن أو غيره ، حتى إذا فاتها تتبعت القرد فى
القمامات ، فتلقطها فتغزلها. وهو مثل يضرب لمن ترك الحاجة وهى ممكنة ، ثم جاء يطلبها بعد الفوت . ينظر
مجمع الأمثال للميدانى ٢/ ٣٢١.
(٨) فى ص: ((بأمرهما))، وفى ت ١: ((أمرهما)).
(٩) فى ص، ت١: (( وأولياء)).

٨٣
سورة المائدة : الآية ١٠٧
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى ١١٣/٧
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرض
الشركِ ، فأوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ ، فإذا اطّلع
عليهما بعدَ حلِفِهما أنهما خانا شيئًا ، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم
اسْتَحَقُّوا(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ ، عن
إبراهيمَ بمثلِه .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه : ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ : مِن غیرِ
المسلمين، ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ﴾، فإن ارْتِيب فى شهادتِهما اسْتُحْلِفا
بعدَ الصلاةِ باللَّهِ: ما اشْتَرَيْنا بشهادتِنا ثمنا قليلاً . فإن اطَّلَع الأولياءُ على أن الكافرَينِ
كذّبا فى شهادتهما، قام رجلان مِن الأولياءِ فحلَفا باللّهِ : إن شهادةَ الكافرَيْنِ
باطلةٌ(٢)، وإنا لم نَعْتَدِ. فذلك قوله: ﴿ فَإِنَّ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقََّ إِثْمًا﴾. يقولُ: إن
اطٌّلِع على أن الكافرَيْنِ كَذَبا، ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ . يقولُ: مِن
الأولياءِ(٤) ، فحلَفا باللّهِ : إن شهادةَ الكافرينِ باطلةٌ ، وإنا لم نَعْتَدِ . فَتُرَدُّ شهادةٌ
(١) تقدم أوله فى ص ٧٦.
(٢) فى ص، ت ١، س: (( ارتبت ) .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((باطل)).
(٤) فى ت ١، والناسخ للنحاس، ومطبوعة الدر: ((الأوليان)).

٨٤
سورة المائدة : الآية ١٠٧
الكافرَينِ، وَجوزُ شهادةُ الأولياءِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا
أَسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أى: اطْلِعٍ منهما على خيانةٍ ، أنهما كذَبا أو كتَما(٢) .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى له حكم اللَّهُ تعالى ذكرُه على الشاهدَيْن
بالأيمانِ، فنقَلَها(١) إلى الآخَرَيْنِ بعدَ أن يُثِر عليهما أنهما اسْتَحَقًّا إِثْمًا؛ فقال بعضُهم:
إنما أَلْزَمَهما اليمينَ إذا (" ارْتِيب فى شهادتهما" على الميتِ فى وصيتِه، أنه أوْصَى
بغيرٍ(٥) الذى يَجوزُ فى حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا(٢) أنه أَوْصَى بمالِهِ كلِّه، أو
أَوْصَى أَن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَّكُمُ الْمَوْتُ﴾
إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾: مِن أهلِ الإسلامِ، ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن
غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. يقولُ:
فيَحْلِفان باللّهِ بعدَ الصلاةِ ، فإن حلَفا على شىءٍ يُخالِفُ ما أَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه مِن
الفَريضةِ - يعنى اللذين ليسا مِن أَهلِ الإسلامِ - ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾: مِن
أولياءِ الميتِ ، فَيَخْلِفان باللّهِ: ما كان صاحبنا لِيُوصِيَ بهذا، وإنهما لكاذبان،
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٧٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ص، ت ١: (( فمن نقلها)).
(٤ - ٤) فى ص، ت١: ((أرتبت بشهادتهما))، وفى س: ((ارتيب بشهادتهما)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لغير)).
(٦) فى م: ((يشهد))، وفى ت١: ((يشهدوا)).

٨٥
سورة المائدة : الآية ١٠٧
ولَشَهادتُنا أحقُّ مِن شهادتِهما(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: يُوقَفُ الرجلان بعدَ صلاتِهما فى دينِهما ، فيَحْلِفان باللّهِ : لا نَشْترى
به ثمنًا ولو كان ذا قُرْنَى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللَّهِ ، إنا إذن لمن الآثمين ، إنَّ صاحبكم
لَبهذا أَوْصَى ، وإن هذه لتَركتُه . فإذا شهِدا، وأجاز الإمامُ شهادتَهما على ما شهِدا،
قال لأولياءِ الرجل: اذْهَبوا فاضْرِبوا فى الأرضِ واسْأَلوا عنهما، فإن أنتم وجَدْتُم
عليهما خِيانةً، / أو أحدًا يَطْعُنُ عليهما، ردَدْنا شهادتَهما. فيَنْطَلِقُ الأولياءُ
فِيَسْأَلُون، فإن وجَدوا أحدًا يَطْعُنُ عليهما، أو هما غيرُ مرضِيَيْن عندَهم، أو اطَّلِع
على أنهما خانا شيئًا مِن المالِ وجَدوه عندَهما، أقْبل(١٢) الأولياءُ فشهِدوا عندَ الإمامِ ،
وحلَفوا باللَّهِ: لشَهادتُنا أنهما لخائنان مُتَّهمان فى دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن
شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا. فذلك قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا إِنْمًا
فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اُلَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾.
١١٤/٧
وقال آخرون : بل إنما أُلْزِمِ الشاهدان اليمينَ لأنهما ادَّعَيا أنه أَوْصَى لهما ببعضِ
المالِ ، وإنما يُنْقَلُ إلى الآخَرَيْن مِن أجلٍ ذلك، إذا ارْتابا(4) بدَغْواهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا
إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ فى قولِهِ: ﴿ تَحِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٣١، ١٢٣٣ (٦٩٤٢، ٦٩٥٥، ٦٩٥٨) عن محمد بن سعد به .
(٢) سقط من: س، وفى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فأقبل)). والسياق يقتضى ما أثبت.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٣١، ١٢٣٣، ١٢٣٤ (٦٩٤٣، ٦٩٥٧، ٦٩٥٩) من طريق
أحمد بن مفضل به نحوه .
(٤) فى م: ((ارتابوا)).

٨٦
سورة المائدة : الآية ١٠٧
فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. قال: زعَما أنهما(١) أوْصَى لهما بكذا وكذا، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا
اُسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾: أى بدَغْواهما لأنفسِهما، ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾: إن صاحبنا لم يُوصِ إليكما بشىءٍ مما تقولان .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن الشاهدَيْن أُلْزِما اليمينَ فى ذلك باتهامٍ
ورثةِ [٧٣٥/١ و] الميتِ إياهما فيما دفَع إليهما الميتُ مِن مالِه، ودَعْواهم قِبَلَهما خيانةَ مالٍ
معلومِ المبلغِ، ونُقِلَت بعدُ إلى الورثةِ عندَ ظهورِ الرِّيبةِ التى كانت مِن الورثةِ فيهما،
وصحةِ التهمةِ عليهما ، بشهادةٍ شاهدٍ عليهما أو على أحدِهما، فيَحْلِفُ الوارثُ
حينئذٍ مع شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما ، إنما صحَّح دَغْواه إذ حُقِّق حقُّه ، أو
الإقرارٍ (١) يَكونُ مِن الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم دَغْواهما فى
الذى أقَرَّا به مِن مالِ الميتِ ما لا يُقْبَلُ فيه دَعْواهما إلا ببينةٍ، ثم لا يَكونُ لهما على
دعواهما تلك بينةٌ، فيُنْقَلُ حينئذِ اليمينُ إلى أولياءِ الميتِ .
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ؛ لأنا لا نَعْلَمُ مِن أحكامِ
الإسلامِ حكمًا يَجِبُّ فيه اليمينُ على الشهودِ ، ارْتِيب بشهادتِهما أو لم يُؤْتَبْ بها ،
فيَكونَ الحكمُ فى هذه الشهادةِ نظيرًا لذلك، (ولا - إذْ لم) نَجِدْ ذلك كذلك -
صحّ بخبرٍ عن الرسولِ سَ له ، ولا بإجماع مِن الأمة؛ لأن اسْتِخلافَ الشهودِ فى
هذا الموضع مِن حكم اللَّهِ تعالى ذكرُه، فيكونُ أصلًا مُسَلَّمًا، والمَقَولُ إذا خرّج مِن أن
يَكونَ أصلاً أو نظيرًا لأصلٍ فيما تَنَازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا ، فالقولُ بأن الشاهدَيْنِ اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما
(١) فى م: ((أنه )).
(٢) فى م: ((الإقرار)).
(٣ - ٣) فى م: ((ولم)).

٨٧
سورة المائدة : الآية ١٠٧
ادَّعَيا على الميتِ وصيةً لهما بمالٍ مِن مالِه - أَفْسَدُ ؛ مِن أجلِ أن أهلَ العلم لا خلافَ
بينَهم فى أن مِن حُكْم اللَّهِ تعالى ذكرُه أن مُدَّعِيًا لو ادَّعَى فى مالٍ ميتٍ وصيةً ، أن
القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى فى مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم ، دونَ قولٍ مُدَّعِى ذلك مع يمينه،
وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ. وقد جعَل اللَّهُ تعالى ذكرُه اليمينَ فى هذه الآيةِ على
الشهودِ إذا ارْتِيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياءِ الميتِ إذا عُثِر على أن
الشهودَ اسْتَحَقُّوا إثمًا فى أيمانِهم، فمعلومٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: أُلْزِمِ اليمينَ
الشهودُ لدَغْواهم لأُنفسِهم وصيةً أَوْصَى بها لهم الميتُ مِن مالِه .
على أن ما قلنا فى ذلك عن أهلِ التأويلِ ، هو التأويلُ الذى ورَدَت به الأخبارُ
/عن بعضٍ أصحابِ رسولِ اللهِ عَ له، أن رسولَ اللَّهِ بَ طلِ قَضَى به حينَ نزَلَت هذه ١١٥/٧
الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسبِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن يحيى بنِ أبى زائدةً، عن محمدٍ
ابنِ أبى القاسمِ، عن عبدِ الملكِ بنِ سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ، قال:
خرَج رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مع تميم الدارىِّ وعدىٍّ بنِ بَدَّاءَ، فمات السَّهمُّ بأرضٍ
ليس فيها مسلمٌ، فلما قدِماً ) بتركتِه فقَدوا جامًاً مِن فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ ،
فأخْلَفَهما رسولُ اللَّهِ عَّهِ، ثم وُجِد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميم الدارىِّ
وعدىِّ بنِ بَدَّاءَ. فقام رجلان مِن أولياءِ السَّهْميِّ، فحلَفا: لشهادتُنا أحقُّ من
شهادتِهما، وإن الجامَ لصاحبِهم. قال: وفيهم أَنْزِلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قدموا)).
(٢) الجام : الإناء. اللسان (ج و م).
(٣) أى: عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل . النهاية ٨٧/٢.

٨٨
سورة المائدة : الآية ١٠٧
بَيْنِكُمْ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ "أحمدَ بنِ) أبى شعيبِ الحَّانيُ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلَمةً
الحَّانىُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبى النَّصْرِ، عن باذانَ (١) مولى أمّ هانئٌّ ابنةٍ
أبى طالبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن تميم الدارىِّ فى هذه الآيةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اٌلْمَوْتُ﴾. قال: برِئ الناسُ منها غيرى وغيرَ
عدىٌّ بنِ بَدَّاءَ. وكانا نصرانيَّين يَخْتَلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلامِ، فأتيا الشامَ
لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولَّى لبنى سَهْم يقالُ له: بُدَيْلُ(٤) بنُ أبى مريمَ .
بتجارةٍ، ومعه جامُ فضةٍ يُرِيدُ به الملكَ، وهو °) مُظْمُ تجارتِه، فمرِض، فأَوْصَى
إليهما، وأمَرَّهما أن يُتْلِغا ما تَرَك أهلَه. قال تَمِيمٌ: فلما مات أخَذْنا ذلك الجامَ
فِعْناه بألفِ درهم، فقسَمْناه أنا وعدىُّ بِنُ بَدَّاءَ فلمًّا قدِمْنا إلى أهلِه دفَعْنا إليهم
ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ فسألونا عنه٢١، فقلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا
غيرَه. قال تميمٌ: فلما أسْلَمْتُ بعدَ قدومِ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّمِ المدينةَ تَأَّمْتُ مِن ذلك،
فأَتَيْثُ أهلَه فأخبرْتُهم الخبرَ، وأَدَّيْتُ إليهم خمسمائةٍ درهم، وأخْبرتُهم أن عندَ
(١) أخرجه الترمذى (٣٠٦٠) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه البخارى (٢٧٨٠) فى تاريخه ٢١٥/١،
وأبو داود (٣٦٠٦)، والبيهقى ١٦٥/١٠ من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه النحاس فى ناسخه ص ٤٠٨،
والطبرانى (١٢٥٠٩)، ١١٠/١٧ (٢٦٨) من طريق يحيى بن أبي زائدة به، وعزاه السيوطى فى الدر
٣٤٢/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه .
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((زاذان))، وفى س: ((داود))، وينظر تهذيب الكمال ٦/٤.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بريل))، وفى س: ((بزسل)) . - تصحيف: بزيل - وقال الحافظ فى الفتح
٤١١/٥: ووقع فى رواية الكلبى عن أبى صالح، عن ابن عباس عن تميم نفسه عند الترمذى والطبرى - وهى
روايتنا هنا- بديل .. ورأيته فى نسخة صحيحة من تفسير الطبرى : بريل. براء بغير نقطة . ويقال أيضا :
بزيل، وبرير. ينظر الإكمال ٢٦٤/١، والإصابة ٢٧٤/١.
(٥) فى ص، ت١: ((هى)).
(٦ - ٦) سقط من النسخ، والمثبت من مصادر التخريج .

٨٩
سورة المائدة : الآية ١٠٧
صاحبى مثلَها، (١ فوثبُوا إليه١)، فأتَوْا به (٢) رسولَ اللَّهِ يَِّ، فسأَلهم البينةَ، فلم
يَجِدوا، فأمرَهم أن يَسْتَحْلِفوه بما يُعَظِّمُ به على أهلِ دِينِهِ، فحلَف، فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى
ذكرُه: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَعٌَْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾
فقام عمرُو بنُ العاصِ ورجلٌ آخرُ منهم ، فحلَفا ، فتُزِعَتِ الخمسمائةِ مِن عدىٌّ بنِ
(٣)
بَدَّاءَ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةَ
وابنٍ سيرينَ وغيرِهِ، قال: وحدَّثنا الحجائجُ، عن ابنِ جُرَيْج، عن عكرمةَ - دخَل
حديثُ بعضِهم فى بعض -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيةَ. قالوا (٤) :
كان عدىٌّ وتميم الدارىُّ، وهما مِن لَخْم ، نصرانيَّان، يَتَّجِران إلى مكةَ فى الجاهليةِ ،
فلمَّا هاجر رسولُ اللَّهِ عَمِ حوَّلا مَنْجَرَهما إلى المدينةِ، فقدِم ابنُ أبى ماريَةً مولى
عمرو بنِ العاصِ المدينةَ، وهو يُرِيدُ الشامَ تاجرًا، فخرَجوا جميعًا، حتى إذا
كانوا ببعضِ الطريق مرِض ابنُ أبى ماريةً، فكتَب وصيَّتَه بيدِه، ثم دسَّها فى
متاعِه، ثم أوْصَى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه، فأخَذا ما أرادا، ثم قدِما على
أهلِه ، فدفَعا ما أرادا، ففتح أهلُه متاعه، فوجدوا كتابه وعهده، وما خرَج /به ،
وفقَدوا(٥) شيئًا، " فسأَلوهما [٧٣٥/١ظ] عنه٢، فقالوا: هذا الذى قبَضْنا له،
١١٦/٧
(١ - ١) سقط من: م، ت ٢.
(٢) سقط من: ص، ت ١.
(٣) أخرجه الترمذى (٣٠٥٩)، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٤٠٩، عن الحسن بن أحمد به .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٣٠، ١٢٣١ (٦٩٤١) من طريق محمد بن سلمة به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤١/٢ إلى أبى الشيخ وابن مردويه وأبى نعيم فى المعرفة .
(٤) فى م: (( قال)).
(٥) فى ص، ت ١: ((قعدوا))، وفى س: ((ولم يجدوا)).
(٦ - ٦) فى ص، س: ((وسألوهما عنها))، وفى ت١: ((وسألوهما عنهما)).

٩٠
سورة المائدة : الآية ١٠٧
ودفَع إلينا. قال لهما أهلُّه: فباع شيئًا، أو ابتاعَه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اسْتَهْلَك(١)
مِن متاعِه شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجر تجارةً؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقَدْنا بعضَه.
فأتّهما، فرفَعوهما إلى رسولِ اللَّهِ عَهِ، فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. إلى قولِه: ﴿ إِنَّآَ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾. قال: فأمَر
رسولُ اللَّهِ مَ لِ أَن يَشْتَحْلِفوهما فى دُيُرِ صلاةِ العصرِ باللَّهِ الذى لا إله إلا هو: ما
قبَضْنا له غيرَ هذا، ولا كتَمْنا. قال: فمكثا (٢) ما شاء اللَّهُ أن يَمْكُثا، ثم ظُهِر معَهما
على إناءٍ مِن فضةٍ مَنْقوشِ مُموَّهِ بذهبٍ ، فقال أهلُه : هذا مِن متاعِه؟ قالا : نعم، ولكنا
اشْتَرَيْناه منه ، ونسِينا أن نَذْكُرَه حينَ حلَفْنا، فكرِهْنا أن نُكَذِّبَ أنفسَنا. فتَرافَعوا إلى
رسولِ اللَّهِ بِهِ، فنزَلتِ (٢) الآيةُ الأخرى: ﴿ فَإِنْ هُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أَسْتَحَقًّا إِثْمًا فَفَاخَرَانٍ
يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اُلَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾. فأمَر رسولُ اللَّه ◌َلِّ رجلين
مِن أهلِ الميتِ أن يَخْلِفا على ما كتَما وغيِّيًا، ويَسْتَحِقَّانه. ثم إن تميمًا الدارىَّ أَسْلَم
وبايَعِ النبىَّ ◌َِّ، وكان يقولُ: صدَق اللَّهُ ورسولُه، أنا أَخَذْتُ الإِناءَ(٤).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية كلّها. قال: هذا شىءٌ حينَ لم يَكَنِ الإِسلامُ إلا
و
بالمدينةِ، وكانت الأرضُ كلُّها كفرًا (٥)، فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾: مِن
(١) استهلك المال: أنفقه وأنفده وأهلكه. اللسان (هـ ل ك)، وقال الشيخ شاكر: أى: أضاعه وافتقده، وهذا
حرف لم تقيده كتب اللغة ، استظهرت معناه من السياق .
(٢) فى م: (( فمكثنا)).
(٣) سقط من: ص.
(٤) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٢١٠ - ٢١٢ عن الحجاج عن ابن جريج عن عكرمة - وحده - به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٢ إلى المصنف وابن المنذر .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((كفر)).

٩١
سورة المائدة : الآية ١٠٧
المسلمين، ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى
اُلْأَرْضِ فَأَصَبَتَكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْنَّ﴾. قال: كان الرجلُ يَخْرُجُ مُسافرًا، وهم(١) -
العربَ - أهلُ كفرٍ، فعسى أن يَموتَ فى سفرِهِ، فَيُسْنِدُ(١ وصيتَه إلى رجلين منهم ،
( فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ آَرْتَبْتُمْ﴾ فى أمرِهما، إذاً ) قال الورثةُ : كان مع صاحبِنا كذا
وكذا. فيُقْسِمان باللّهِ: ما كان معه إلا هذا الذى قلنا. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقّاً
إِنْمًا﴾: إنما حلَفا على باطلٍ وكذبٍ، ﴿فَاخَرَنِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اٌلْأَوْلَيَنِ ﴾ بالميتِ، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَآ أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا
وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذْا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، ذكرنا أنه كان مع صاحبنا كذا وكذا، قال
هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك(٤). ثم مُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثر على ذلك
رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه، فَأَقْسَما، ثم ضمِن هذان. قال اللّهُ تعالى ذكرُه:
﴿ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيٌْ﴾ فَتَبْطُلَ أَيمانُهم،
﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ ﴾ : الكاذبين الذين يَحْلِفون على
الكذب .
وقال ابنُ زيدٍ : وقدم تميم الدارىُّ وصاحبٌ له، و کانا يومئذٍ مشر گیْن ، ولم
يكونا أسْلَما، فأخْبَرا أنهما أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا(٥) بتركتِه، فقال أولياءُ
الميتِ: كان مع صاحبنا كذا وكذا(*)، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران : لم
(١) سقط من: م.
(٢) فى س: ((فينفذ )).
(٣) سقط من : س.
(٤) فى م، ت ٢، س: (( قال)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((جاءوا)).
(٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((وكان مع صاحبنا كذا)).

٩٢
سورة المائدة : الآية ١٠٧
١١٧/٧ يَكَنْ معه إلا الذى جئْنا به. فحلَفا خلْفَ (١) الصلاةِ، ثم عُثِر عليهما بعدُ / والإبريقُ
معهما، فلما ◌ُثِر عليهما رُدَّت القَسامةُ على أولياءِ الميتِ بالذى قالوا مع
صاحبِهم ، ثم ضمَّنهما الذى حلَف عليه الأَوْلَيان .
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا الشافعىُّ، قال: أُخْبرَنا أبو سعيدٍ معاذُ بنُ موسی"
الجَغْفَرِىُّ، عن بُكيرِ " بنِ معروفٍ، عن مُقاتِلٍ بِنِ حَيَّنَ - قال بُكيرٌ(٢) : قال مُقاتِلٌ:
أَخَذْتُ هذا التفسيرَ عن مجاهدٍ والحسنِ والضحاكِ - فى قولِ اللَّهِ: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ
مِّنكُمْ﴾: أن رجلين نصرانيين مِن أهل دارِينَ(٤)، أحدُهما تميمىٌّ والآخر یمانیٌ،
صاحبهما مولّى لقريش فى تجارةٍ، فركبوا البحرَ، ومع القرشىِّ مالٌ معلومٌ قد
علِمِه أولياؤه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزِّ ) ورِقَةٍ ، فمرِض القرشىُّ، فجعَل وصيتَه إلى
الداريَّين()، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ،
وجاءاً ) ببعضِ مالِهِ، وأَنْكَر القومُ(١) قلةَ المالٍ، فقالوا للداريَّين: إن صاحبنا قد
خرَج معه بمالٍ أكثرَ مما أَتَيْتُمونا به، فهل باع شيئًا أو اشْتَرَى شيئًا فوُضِع فيه؟ أو
هل طال مرضُه فَأَنْفَق على نفسِه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنتُمانا. فقبضوا
المالَ، ورفَعوا أمرَهما إلى النبيِّ عَّهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) أى: بعد. التاج (خ ل ف).
(٢ - ٢) فى م: ((سعيد بن معاذ بن موسى))، وفى س: ((أبو سعيد عن معاذ بن موسى)). وينظر تعجيل المنفعة
٢٦٩/٢.
(٣) فى م: ((بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٢.
(٤) دارين: قرية فى بلاد فارس، على شاطئ البحر. معجم ما استعجم ٢/ ٥٣٨.
(٥) البز: الثياب . الصحاح (ب زز).
(٦) الرقة: الدراهم المضروبة . الصحاح (ورق).
(٧) فى ص، ت ١، س: ((الدارى)).
(٨) فى ص، ت١: ((جاء)).
(٩) بعده فى س: ((عليه)).

٩٣
سورة المائدة : الآية ١٠٧
شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا نزَل: أن يُخْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ". أَمَر
النبىُّ عَظِلِّ فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللّهِ ("ربِّ السماواتِ): ما ترك مولاكم مِن
المالِ إلا ما أتَيْناكم به ، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُزْبِى ، ولا
نَكْتُمُ شهادةَ اللَّهِ ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما ، ثم إنهم وجدوا بعدَ
ذلك إناءً مِن آنيةِ الميتِ ، فأَخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه فى حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا
البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ عَّهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنَّ
عُثِرَ﴾ . يقولُ: فإن اطَّلِع، ﴿عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا إِنْمًا﴾: يعنى الداريَّين إن كتَما
حقًّا، ﴿فَاخَرَانٍ﴾ من أولياءِ الميتِ ﴿ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ
اٌلْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ﴾: " فيَحْلِفان باللَّهِ": إن مالَ صاحبنا كان كذا وكذا، وإن
الذى يُطْلَبُ قِبَلَ الدارِيَّين لحَقٍّ، ﴿ وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ اُلظَّالِمِينَ﴾. هذا
قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: يعنى
[٧٣٦/١و] الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلٍ ذلك(١).
قال أبو جعفرٍ : ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التى روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةٍ
ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن فى هذا الموضعِ ، إنما هو
مِن أجلِ دْوى وَرَثْتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما ،
أو غيرَ ذلك مما لا يَتْرَأَ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينِ، وأن نقْلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما
أوْجَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن تُثِرِ على الشاهدَيْن أَنَّهما اسْتحَقًّا إثمًا) فى
(١ - ١) فى س: ((نزلت)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((وبالسماوات)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) أخرجه البيهقى ١٦٤/١٠ من طريق يزيد بن صالح عن بكير بن معروف به، ثم أخرجه فى ١٦٥/١٠ من
طريق الربيع به ، وأحال لفظه على السابق، وأخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٣٢/٤-١٢٣٤
( ٦٩٤٦، ٦٩٥٤، ٦٩٦٠، ٦٩٦١، ٦٩٦٣) من طريق بكير به .
(٥ - ٥) سقط من النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر فى تعليقه على هذا الموضوع.

٩٤
سورة المائدة : الآية ١٠٧
أمانِھما ، ثم ظُھِر علی کذپھما فیھا ، إن القومُ اڈَّعَوْا فیما صحّ أنه كان للميتِ دعوى ،
مِن انتقالٍ ملكِ عنه إليهما ، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ
الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينةُ فيها على المُدَّعَى - وفسادٍ ما خالَف فى هذه الآيةِ
ما (١) قلنا(٢) مِن التأويلِ.
١١٨/٧
وفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التى ذكَرَها اللَّهُ تعالى ذكرُه
فى أولٍ هذه القصةِ ، إنما هى اليمينُ، كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه فى مواضعَ أَخَرَ :
﴿ وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلََّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍ بِالَّهِ
إِنَّهُ لَمِنَ الصََّدِّقِينَ﴾ [النور: ٦]. / فالشهادةُ فى هذا الموضع معناها القسَمُ، مِن قولِ
القائلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنى(٣) لمن الصادقين. وكذلك معنى قوله: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ .
إنما هو: قسَمُ بينكم، ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ﴾ أن يُقْسِمَ
﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ إن كانا أُمِنًا(٤) على ما قال فارْتِيب بهما، أو أُمِن(٥) آخران
مِن غيرِ المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ اللَّه تعالى ذكرُه لَمَّ ذكَر نقلَ اليمينِ مِن اللذين ظُهِر
على خيانتِهما إلى الآخرين، قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَدَنْنَآ أَحَقٌّ مِن
شَهَدَتِهِمَا﴾. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ
جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ التى يُؤْخَذُ بها فى الحكم حقٌّ مُدَّعَى عليه لمُدَّعٍ؛
لأنه لا يُعْلَمُ للَّهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِهِ على مُدَّعَى عليه،
بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ مِن الْمُدَّعَى عليه ولا برهانٍ .
(١) فى م: ((مما).
(٢) فى ص، ت ١: ((قبلنا)).
(٣) فى م: ((إنه)) .
(٤) فى م: (( ائتمنا)).
(٥) فى م: ((ائتمن)).

٩٥
سورة المائدة : الآية ١٠٧
فإذا كان معلومًا أن قوله: ﴿ لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا﴾ . إنما معناه :
قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما . وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التى
ذكَر اللَّهُ تعالى ذكرُه فى قولِه: ﴿أَحَقٌّ مِن شَهْدَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه :
﴿شَهَدَةُ بَيِّنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ فى قوله: ﴿ لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾ .
وأنها بمعنى القسمِ .
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾؛ فقرَأ
ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمّ التاءٍ (١).
ورُوِى عن علىٍّ وأبىّ بنِ كعبٍ والحسنِ البصرىِّ أنهم قرَءوا ذلك: ﴿ مِنَ
(٢)
الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَِهِمُ﴾. بفتحِ التاءِ.
واخْتَلَفَت أيضًا فى قراءةٍ قولِه: ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ
والشامِ والبصرةِ: ﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾ (١).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: ((الأوَّلِينَ))(٤).
وذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه كان يَقْرَأَ ذلك : (مِن الذين استَحَقَّ عليهم
الأَزَّلان)(٥).
وأولى القراءتين بالصوابٍ فى قولِهِ: ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ﴾ . قراءةُ مَن
(١) بضم التاء قرأ نافع وابن كثير - فى رواية- وابن عامر وأبو عمرو والكسائى وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم.
السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٨.
(٢) وهى قراءة حفص عن عاصم. المصدر السابق.
(٣) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر والكسائى، وحفص عن عاصم. السبعة ص ٢٤٨،
وينظر التيسير ص ٨٣.
(٤) وهى قراءة حمزة، وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.
(٥) والقراءة شاذة، كما سيذكر المصنف فى ص ٩٩ . وينظر البحر المحيط ٤/ ٤٥.

٩٦
سورة المائدة : الآية ١٠٧
قرَأْ بضمِّ التاءِ ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتَابَعةٍ (١) عامةِ أهلِ التأويلِ على
صحةٍ تأويله (١) ، وذلك إجماع عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين
اسْتَحَقَّ المؤْتَمنان على مالِ الميتِ الإِثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى(٢) الإثم فيهما
بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ .
وقد ذكرنا قائلی ذلك ، أو أكثرَ قائليه، فيما مضى قبلُ(٤) ، ونحن ذاکرو
باقيهم ، إن شاء اللَّهُ ذلك .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أن يَموتَ المؤمنُ
فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثْتُه ما
عاجل(٥) عليه مِن تركتِهِ فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، ﴿ فَإِنْ
عُثِرَ﴾: وُجِد لَطْخْ(١)، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وَأَبْطَلا أيمانَ
(٧)
الشاهدین
٠
وأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتح التاءِ أرادوا أن يُوَجّهوا تأويلَه إلى:
فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِرِ على خيانتِهما فى القسَمِ، والاسْتِحقاقِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مساعة))، وفى م: ((مساعدة)).
(٢) القراءتان متواترتان ، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى .
(٣) فى م: (( المستحق)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٧٢ وما بعدها .
(٥) كذا فى النسخ، وفى تفسير مجاهد: ((شهدوا))، وفى الدر المنثور: ((غابا)).
(٦) سقط من: س، وفى ص بقدر كلمتين، وفى ت ١، ت ٢، ت٣ بقدر سطر ونصف، وكتب فيه: كذا
وجدت. وبعده فى مصدرى التخريج: (( أو لبس أو تشبيه )).
ويقال: لُطخ فلانٌ بشرّ: رمى به، ولطخت فلانا بأمر قبيح: رميته به. والمراد هنا: الاتهام. ينظر اللسان
والتاج ( ل ط خ).
(٧) تفسير مجاهد ص ٣١٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٣/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

٩٧
سورة المائدة : الآية ١٠٧
به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على
خيانتِهما القيامَ مقامَهما فى القَسَمِ والاستحقاقِ(١) ، الأَوْلَيان بالميتِ.
وكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ / ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ ١١٩/٧
اُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ(٢)﴾؛ ﴿أَسْتَحَقَّ (٢)﴾ بفتح التاءِ، (و﴿الْأَوْلَيَنِ﴾.
٣)
على معنى : الأوليان بالميتِ ومالِه .
وذلك مذهبٌ صحيحٌ ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها ، غيرَ أَنا نَخْتارُ الأُخرى ؛
الإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذى ذكَوْنا عن الصحابةِ
والتابعين .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ آدمَ ، عن إسرائيلَ ، عن أبى إسحاقَ ، عن
أبى عبد الرحمنِ وكُرَيْبٍ ، عن علىٍّ أنه كان يَقْرَأْ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ
اٌلْأَوْلَيَانِ﴾.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بنِ زيدٍ ، عن واصلٍ
مَوْلَى أبى عُيينةً، عن يحيى بنِ عُقَيْلٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن أبىِّ بنِ كعبٍ أنه كان
يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾(١).
وأما أولى القراءاتِ بالصوابِ فى قولِه: ﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾. عندى، فقراءةُ مَن
(١) بعده فى م: ((فى)).
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى المصنف والفريابى وعبد بن حميد وأبى عبيد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٥ - ٥) فى النسخ: ((وائل مولى أبى عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٠٨.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن عدى عن أبى مجلز عن أبيّ بن
کعب ، وفيه قصة .
( تفسير الطبرى ٧/٩ )

٩٨
سورة المائدة : الآية ١٠٧
قَرَأْ: ﴿اَلْأَوْلَيَنِ﴾(١). بصحةٍ(٢) معناها؛ وذلك لأن (٣) معنى: ﴿فَاخَرَانِ يَقُومَانٍ
مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أَسْتَحَقَّ ( عَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾: فآخران يَقومان مَقامَهما مِن الذين
استحقَُّ) فيهم الإثمُ. ثم حُذِف الإِثمُ وأَقِيم مُقَامَه الأوليان؛ لأنهما هما اللذان ظلما
وأيما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقًّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما ، فيما
كان أَّمنهما علیه الميثُ . كما قد بيَّا فيما مضى مِن فعلِ العربِ مثلَ ذلك ؛ مِن حذفهم
الفعلَ اجتزاءً بالاسم، وحذْفِهم الاسمَ الْتزاءً بالفعلِ . ومن ذلك ما قد ذكرنا فى
تأويلِ هذه القصةِ، [٧٣٦/١ظ] وهو قولُه: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
حِينَ اَلْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ﴾. ومعناه: أن يَشْهَدَ اثنان. وكما قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ
أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَا﴾. فقال: ﴿به﴾. فعاد بالهاءِ على اسم اللَّهِ، وإنما
المعنى: لا نَشْتَرِى بقسَمِنا باللّهِ . فاجْتُزِئَّ بالعودِ على اسم اللَّهِ بالذكرِ ، والمرادُ به : لا
نَشْتَرِى بالقسم باللّهِ . اسْتِغْناءٌ بفهمِ السامعِ بمعناه مِن ذكرِ اسمِ القسم. وكذلك
اجتُزِئ بذكرِ الأَوْلَيْن مِن ذكرِ الإثم الذى اسْتَحَقه الخائنان لخيانتِهما إياهماً(4)، إذ
كان قد جرَى ذكرُ ذلك بما أغْنَى السامعَ عندَ سَماعِه إياه مِن (١) إعادتِه، وذلك قولُه :
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّاَ إِنْمًا﴾ .
وأما الذين قرَءوا ذلك: (الأوَّلِينَ ). فإنهم قصَدوا فى معناه إلى الترجمةٍ به
عن ﴿ اَلَّذِينَ﴾. فأخْرَجوا ذلك على وجه الجمع، إذ كان ﴿اَلَّذِينَ﴾
(١) بل قراءة (الأوليان) و(الأوّلين) كلتاهما صواب، وليست إحداهما أولى من الأخرى.
(٢) الباء هنا للسببية. وينظر مغنى اللبيب بحاشية الأمير ٩٧/١، والجنى الدانى ص ٣٩.
(٣) سقط من: ص، ت ١.
(٤ - ٤) سقط من النسخ، والمثبت من تحقيق الشيخ شاكر.
(٥) يعنى بالفعل هنا المصدر كما تقدم .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((استغنى)).
(٧) فى م: ((عن)).
(٨) فى م: ((إياها)).

٩٩
سورة المائدة : الآية ١٠٧
جميعًا (١)، وخفضًا؛ إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾. مخفوضًا. وذلك وجةٌ مِن التأويلِ، غيرَ
أنه إنما يُقالُ للشىءِ: أوَّلّ. إذا كان له آخِرٌ هو له أوَّلٌ، وليس للذين اسْتحقَّ عليهم
الإثمُ آخِرٌ، هم له أولٌ، بل كانت أيمانُ الذين عُثِر على أنهما استحقًّا إثمًا قبلَ
أيمانِهم ، فهم إلى أن يكونوا - إذ كانت أيمانُهم آخِرًا - أولى أن يكونوا آخِرِين مِن أن
يكونوا أولين، وأيمانهم آخِرةٌ لأُولى قبلَها .
وأما القراءةُ التى حُكِيَت عن الحسنِ ، فقراءةٌ عن قراءةِ الحجةِ مِن القرأةِ شاذةٌ ،
وكفَى بشُذوذِها عن قراءتهم دليلاً على بُعدِها مِن الصوابِ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى الرافع لقولِه: ﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾. إذا قُرِئ كذلك؛
فكان(٢) بعضُ نحوبى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن ﴿فَاخَرَانِ﴾ فى قولِه :
فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. وقال: إنما جاز أن يُتْدَلَ ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾ وهو معرفةٌ ،
مِن ﴿فَاخَرَانٍ﴾ وهو نكرةٌ؛ لأنه حينَ قال: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾. كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفةِ فى المعنى، فقال:
الأَوْلَيان . فأجْرَى المعرفةَ عليهما بدلًا . قال: ومثلُ هذا مما يَجْرِى على المعنى كثيرٌ.
واستشهَد لصحةٍ قولِه ذلك بقولِ الراجزِ(٢):
/علىَّ يومَ يَمْلِكُ الأُمُورًا
صومَ شُهورٍ وجَبَت نُذُورًا
وبادِنًا(٤) مُقَلَّدًا مَنْحورًا
١٢٠/٧
(١) فى م: ((جمعا)).
(٢) فى ص، م ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فقال)).
(٣) سيأتى فى ٥٥٣/١٦ .
(٤) البادن : السمين الجسيم، ويريد هنا البَدَنة، وهى الناقة أو البقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا
يسمنونها . الصحاح واللسان (ب د ن).

١٠٠
سورة المائدة : الآية ١٠٧
قال: فجعَله: علىَّ واجبٌ ؛ لأنه فى المعنى قد أُوجِبَ .
وكان بعضُ نحوبى الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لا يَجوزُ أَن يَكُونَ
اُلْأَوْلَيَنِ﴾ بدلًا مِن ﴿ءَاخَرَانِ﴾ مِن أجلِ أنه قد نسَقُ(١) ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ على
يَقُومَانِ﴾ فى قولِه: ﴿فَاخَرَنِ يَقُومَانِ﴾. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ ﴿مِنَ﴾(١).
قال : و(٤) لا يَجوزُ الإبدالُ قبلَ إتمامِ الخبرِ. و(٥) قال: غيرُ جائزٍ: مرَرْتُ برجلٍ قام
زيد وقعَد . وزيدٌ بدلٌ مِن رجلٍ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾. مرفوعان بما لم
يُسَمَّ فاعلُه، وهو قولُه: (اسْتُحِقَّ عليهم)، وأنهما وُضِعاً) موضعَ الخبرِ عنهما،
فعمِل فيهما ما كان عاملًا فى الخبرِ عنهما ؛ وذلك أن معنى الكلام: فآخران يقومان
مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثمُ بالخيانةِ. فَوُضِع ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾ موضعَ الإثم،
كما قال تعالى ذكرُه فى موضعٍ آخَرَ ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْأَخِرِ ﴾ [التوبة: ١٩]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجّ وعمارةً
المسجدِ الحرامِ كإِيمانِ مَن آمن باللّهِ واليوم الآخرِ؟ وكما قال: ﴿ وَأَشْرِبُواْ فِى
قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. وكما قال بعضُ الهُذليين(٧):
ج
يَُشِّى بينَنَا حانوتُ خمرٍ مِن الخُرْسِ الصَّراصِرَةِ القِطاطِ(٨)
وهو يعنى : صاحبُ حانوتِ خمرٍ. فأقام الحانوتَ مُقامَه؛ لأنه معلوم أن
(١) نسق : عطف .
(٢) فى م: (( عند)).
(٣) يعنى : بعد قوله ﴿ من الذين استحق عليهم الأوليان﴾.
(٤) زيادة يستقيم بها السياق .
(٥) فى النسخ: ((كما)). والمثبت ما يستقيم به السياق.
(٦) سقط من : م.
(٧) هو المتنخل الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ٢١.
(٨) والخرس الصراصرة: أعاجم من نبط الشام يقال لهم الصراصرة، والقطاط: الجعاد ، والواحد : قطط،
وهو أشد الجعودة. شرح أشعار الهذليين ١٢٦٨/٣.