النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة المائدة : الآية ١٠٣
ووصلوا الوصائلَ، وحَمَوا الحوامىَ، مثلُ عمرو بنِ لحٍَّ وأشكالِه، ممن ستُّوا لأهل
الشركِ السُّننَ الرديئةَ، وغيّروا دينَ اللَّهِ دينَ الحقِّ، وأضافوا إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه أنه
هو الذى حرَّم ما حرَّموا، وأحلَّ ما أحلُّوا ، افتراءً على اللَّهِ الكذبَ وهم يعلمون ،
واختلاقًا عليه الإِفكَ، وهم يَفهمُون(١) ، فكذَّبهم اللَّهُ تعالى ذكرُه فى قيلِهم ذلك،
وإضافتهم إليه ما أضافوا، من تحليلٍ ما أحلُّوا ، وتحريم ما حرَّموا، فقال تعالى ذكره :
ما جعَلتُ مِن بحيرةٍ ، ولا سائبةٍ ، ولكنَّ الكفارَ هم الذين يفعلون ذلك ، ويفترون
على اللّهِ الكذبَ .
وأن يقالَ: إن المعنيِّين بقولِه: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ : هم أتباُ مَن سَّ لهم
هذه السننَ من جهلةِ المشركين، فهم لا شكّ أنهم أكثرُ من الذين ستُّوا ذلك لهم ،
فوصَفهم اللَّهُ تعالى ذكرُه بأنهم لا يعقِلون ؛ لأنهم لم يكونوا يعقِلون أنَّ الذين سنُّوا
لهم تلك السننَ، وأَخْبَروهم أنها من عندِ اللَّهِ، كَذبَةٌ فى أخبارِهم أفَكَةٌ ، بل ظنُّوا
أنهم فيما يقولون مُحِقُّون فى أخبارِهم صادقون .
وإنما معنى الكلام : وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك التحريم الذى حرمه هؤلاء
المشركون، وأضافوه إلى اللَّهِ تعالى كَذِبٌ وباطلٌ .
وهذا القولُ الذی قُلنا فى ذلك نظیرُ قولِ الشَّغبى الذى ذكرناه قبلُ ، ولا معنى
لقولٍ مَن قال: عنَى بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أهلَ الكتابِ. وذلك أن النكيرَ فى ابتداءِ الآيةِ
من اللَّهِ تعالى على مشركى العربٍ، فالختمُ بهم أَوْلَى من غيرِهم، إذ لم يكنْ
عرَض فى الكلامِ ما يُصرَفُ من أجلِه عنهم إلى غيرِهم. وبنحوِ ذلك كان
يقولُ قتادةُ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
(١) فى م: (( يعمهون)).

٤٢
سورة المائدة : الآيتان ١٠٣، ١٠٤
وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. يقولُ) : تحريمُ الشيطانِ الذى يحرِّمُ عليهم إنما كان من
الشيطانِ ، ولا يعقِلون(٢).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
يَهْتَدُونَ
٩٤/٧
يقولُ تعالى ذكره: وإذا قيلَ لهؤلاء الذين يَبْحَرون البحائرَ، ويسيِّبون
السوائبَ ، الذين لا يعقلون أنهم بإضافتِهم تحريمَ ذلك إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه يفترون
على اللَّهِ الكذبَ: تعالَوا إلى تنزيلِ اللَّهِ وآي (١١ / كتابِهِ وإلى رسولِه؛ ليتبيَّنَ لكم
كذبُ قيلِكم فيما تضيفونه إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه من تحريمِكم ما تحرِّمون من هذه
الأشياء . أجابوا مَن دعاهم إلى ذلك بأن يقولوا : حَسْبُنا ما وجدنا عليه آباءَنا مِن قبلنا
يعملون به . ويقولون : نحن لهم تبَعٌ وهم لنا أئمةٌ وقادةٌ ، قد اكتفينا بما أخَذنا عنهم ،
ورضِينا بما كانوا عليه من تحريم وتحليل. قال اللَّهُ تعالى ذكرُه النبيّه محمدٍ عَ لِ: أوَ (٤)
لو كان آباءُ هؤلاء القائلين هذه المقالةً ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. يقولُ: لم يكونوا
يعلمون أن ما يُضيفونه إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه من تحريم البحيرةِ والسائبةِ [١٢٩/١ظ]
والوصيلةِ والحام، كذبٌ وفريةٌ على اللَّهِ، لا حقيقةً لذلك ولا صحةً؛ لأنهم كانوا
أتباعَ المفترين الذين ابتدءوا تحريمَ ذلك افتراءً على اللَّهِ ، بقيلهم ما كانوا يقولون ، من
إضافتهم إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه ما يُضيفون، ( ولا) كانوا فيما هم به عاملون من ذلك
(١) بعده فى م: ((لا يعقلون)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٥/٤ (٦٩١٣) من طريق يزيد به .
(٣) فى ت ١، س: ((إلى)).
(٤) فى م: (( و)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: ((ما)). والمثبت ما يقتضيه السياق، والجملة
معطوفة على جملة: ((لم يكونوا يعلمون)).

٤٣
سورة المائدة : الآيتان ١٠٤، ١٠٥
على استقامةٍ وصوابٍ ، بل كانوا على ضلالةٍ وخطأً .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُرَّ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه : يا أيُّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ، فَأَصْلِحوها واعملوا فى
خلاصِها من عقابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وانظُروا لها فيما يقرِّبُها من ربِّها، فإنه ﴿ لَا
يَضُّكُم مَنْ ضَلَّ﴾. يقولُ: لا يضرُكم مَن كفَر وسلَك غيرَ سبيلِ الحقِّ إذا أنتم
اهتديتم وآمنتم بربِّكم ، وأَطَعْتموه فيما أمركم به وفيما نها كم عنه، فحرَّمتم حرامَه
وحلَّلتم حلالَه .
ونُصِب قولُه: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بالإغراءِ، والعربُ تُغْرِى من الصفاتِ
بـ ((عليك))، و((عندَك))، و((دونَك))، و((إليك)).
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معناه: يا أيُّها الذين آمنوا
عليكم أنفسكم إذا أمَرتم بالمعروفِ ونهَيتم عن المنكرِ فلم يُقْبَلْ منكم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا سؤَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: ثنا أبى ، قال: ثنا أبو الأشهبِ، عن الحسنِ ، أن
هذه الآيةَ قُرِئت على ابنِ مسعودٍ : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن
ضَلَّ إِذَا اُهْتَدَيْتُمْ ﴾. فقال ابنُ مسعودٍ : ليس هذا بزمانِها ، قولوها ما قُبِلت منكم ،
فإِذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبى الأشهبِ ، عن الحسنِ، قال :
ذُكِرٍ عندَ ابنِ مسعودٍ: ﴿ يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾. ثم ذكَر نحوَه .

٤٤
سورة المائدة : الآية ١٠٥
حدَّثْنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: قال رجلٌ
لابن مسعودٍ: ألم يقلِ اللّهُ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ
إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: ليس بزمانِها ، قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم ،
فعليكم أنفسكم().
٩٥/٧
/حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ ، قال: ثنا شَبَابُ بنُ سوَّارٍ ، قال: ثنا الرَّبِيعُ بنُ صَبِيحٍ،
عن سفيانَ بنِ عِقالٍ ، قال: قيل لابنٍ عمرَ: لو جلَستَ فى هذه الأيامِ فلم تأمُرْ ولم
تنةَ ، فإن اللَّه تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿عَلَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا
أُهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال ابنُ عمرَ: إنها ليست لى ولا لأصحابى؛ لأن رسولَ اللَّهِ جَلَهِ
قال: ((ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ)). فكنا نحن الشهودَ وأنتم الغَيَبُ، ولكنَّ هذه
الآيةَ لأقوامٍ يجيئون من بعدِنا، إن قالوا لم يُقْبَلْ منهم (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام ، قال : ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمعتُ أبى ، قال :
ثنا قتادةُ ، عن أبى مازنٍ ، قال : انطلقتُ على عهدٍ عثمانَ إلى المدينةِ ، فإذا قومٌ من
المسلمين جلوسٌ، فقرأ أحدُهم هذه الآيةَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ . فقال أكثرُهم : لم
يجئْ تأويلُ هذه الآيةِ اليومَ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُّ بشارٍ ، قال : ثنا عمرُو بنُ عاصم، قال : ثنا المعتمرُ، عن أبيه ،
عن قتادةَ، عن أبى مازنٍ بنحوِه .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو عاصمٍ، قالا : ثنا
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٤٣، ٨٤٩ - تفسير)، والطبرانى (٩٠٧٢) من طريق يونس به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/٣ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٩/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/٢ إلى المصنف
وابن مردويه .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٩/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/٢ إلى المصنف
وعبد بن حميد وأبى الشيخ .

٤٥
سورة المائدة : الآية ١٠٥
عوفٌ ، عن سؤَّارِ بنِ شَبيبٍ ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عمرَ ، إذ أتاه رجلٌ جَليدٌ فى العينِ،
شديدُ اللسانِ ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ نحن ستةٌ، كلُّهم قد قرأ (١) القرآنَ فَأَشْرَع
فيه ، وكلُّهم مجتهدٌ لا يألو، وكلُّهم بغيضٌ إليه أن يأتىَ دناءةٌ ، وهم فى ذلك يشهَدُ
بعضُهم على بعضٍ بالشركِ. فقال رجلٌ من القوم: وأىَّ دناءةٍ تُرِيدُ(١) أكثرَ من أن
يشهَدَ بعضُهم على بعضٍ بالشركِ؟ قال : فقال الرجلُ : إنى لستُ إياك أسألُ ، أنا
أسألُ الشيخَ. فأعاد على عبدِ اللَّهِ الحديثَ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: لعلك ترى،
لا أبا لك، أنى سآمرك أن تذهَبَ ("أن تَقْتُلَهم)؟! عِظْهم وانهَهم، فإن عَصَوْك
فعليك بنفسِك، فإن اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيَّكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا
يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الحسنٍ، أن ابنَ مسعودٍ سأله رجلٌ عن قولِه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ
إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: إن هذا ليس بزمانِها ، إنها اليومَ مقبولةٌ ، ولكنه قد أَوْشَك أن
يأتيَ زمانُها(١)؛ تأمرون بالمعروفِ فيُصنعُ بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يُقْبَلُ منكم -
فحينئذٍ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١) فى م: ((قرءوا)).
(٢) فى م: (( تزید)).
(٣ - ٣) فى م: ((فتقتلهم)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٩/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤١/٢ إلى ابن
مردويه .
(٥) فى م: ((زمان)).
(٦) تفسير عبد الرزاق ١٩٩/١.

٤٦
سورة المائدة : الآية ١٠٥
قتادة ، عن رجلٍ ، قال: كنتُ فى خلافة عثمانَ بالمدینةِ ، فى (١) حلقةٍ فیھم أصحابُ
النبيّ ◌َّهِ، فإذا فيهم شيخٌ يُسْنِدون إليه، فقرأ رجلٌ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ
مَّنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ ﴾. فقال الشيخُ: إِنما تأويلُها آخرَ الزمانِ(٢).
٩٦/٧
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ،
قال: ثنا أبو مازنٍ رجلٌ من صالحى الأَزْدِ من الحُدَّانِ(٢) ، قال: انطلقتُ فى حياةٍ
عثمانَ إلى المدينةِ ، فقعَدت إلى حلقةٍ فيها / أصحابُ رسولِ اللَّهِ سَاهِ ، فقرأ رجلٌ من
القوم هذه الآية: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّى إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: فقال رجلٌ من أسنِّ
القومِ: دعْ هذه الآيةَ، فإنما تأويلُها فى آخرِ الزمانِ().
حذَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا ابنُ فَضالةَ، عن معاويةَ [٥٧٣٠/١]
ابنِ صالح، عن تجبيرِ بنِ نُفيرٍ، قال: كنتُ فى حلقةٍ فيها أصحابُ رسولِ اللهِ سَمِ ،
وإنى لأصغرُ القوم ، فتذاكروا الأمرَ بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ، فقلت أنا: أليس اللَّهُ
يقولُ فى كتابِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُمْ﴾. فأقْبَلوا علىَّ بلسانٍ واحدٍ، وقالوا: ( أَتَنْتَزِعُ آيةٌ" من القرآنِ لا تعرِفُها،
ولا تَدْرى ما تأويلُها؟ حتى تمنّيتُ أنى لم أكنْ تكلَّمتُ ، ثم أَقْبلوا يتحدّثون ، فلما
حضّر قيامُهم، قالوا : إنك غلامٌ حدَثُ السنِّ، وإنك نزَعتَ بآيَةٍ لا تَدْرى ما هى،
وعسى أن تدرِكَ ذلك الزمانَ ، إذا رأيتَ شُخًا مُطاعًا، وهَوَّى مُتَّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذى
رأي برأيهِ ، فعليك بنفسِك، لا يضرُّك مَن ضلَّ إذا اهْتَديتَ(٦).
حدَّثْنَا هنَّادٌ، قال: ثنا ليثُ بنُّ هارونَ، قال: ثنا إسحاقُ الرازىُّ، عن أبى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( و)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٩٩/١.
(٣) فى م: (( بنى الجدَّان)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/٣ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٥ - ٥) فى م: ((تنزع بآية).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٩/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٠/٣ إلى المصنف.

٤٧
سورة المائدة : الآية ١٠٥
جعفرٍ، عن الربيع بنٍ أنس، عن أبى العاليةِ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ فى قوله :
بَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ إِلَى اللَّهِ
مَنْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: كانوا عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ
جلوسًا، فكان بينَ رَجُلَين ما يكونُ بينَ الناسِ، حتى قام كلُّ واحدٍ منهما إلى
صاحبِه، فقال رجلٌ من جلساءِ عبدِ اللَّهِ: ألا أقومُ فآمُرُهما بالمعروفِ وأنهاهما عن
المنكرِ؟ فقال آخرُ إلى جنبِه: عليك بنفسِك، فإنّ اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ . قال : فسمِعها ابنُ مسعودٍ ، فقال :
مَهْ، لمّا) يجئ تأويلُ هذه الآيةِ بعدُ ، إن القرآنَ أُنْزِل حيث أُنْزِل، ومنه آىّ قد مضى
تأويلُهن قبلَ أن ينزِلْنَ، ومنه ما وقَع تأويلُهن على عهدِ النبيِّ يَّهِ، ومنه آٌ قد وقَع
تأويلُهن بعدَ النبىِّ ◌َِّ بيسيرٍ، ومنه آىٌّ يقعُ تأويلُهن بعدَ اليومِ ، ومنه آتٌ يقعُ تأويلُهن
عندَ الساعةِ على ما ذُكِر من الساعةِ ، ومنه آىٌ يقعُ تأويلُهن يومَ الحسابِ ، على ما
ذُكِر من الحسابِ والجنة والنارِ، فما دامتْ قلوبُكم واحدةٌ ، وأهواؤُكم واحدةً ولم
تُلبسوا شيعًا، ولم يَذُقْ بعضكم بأسَ بعضِ، فَأَمُروا وانْهَوا، فإذا اخْتَلفت القلوبُ
والأهواءُ، وأَلْبِستم شيعًا، وذاق بعضُكم بأسَ بعضٍ، فامرؤٌ ونفسُه، فعندَ ذلك جاء
تأويلُ هذه الآيةِ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ،
عن الربيعِ بن أنسٍ ، عن أبى العاليةِ، عن ابن مسعودٍ ، أنه كان بينَ رجُلَين بعضُ ما
یکونُ بینَ الناسِ ،حتی قام كلَّ واحدٍ منهما إلى صاحبه. ثم ذكر نحوه .
(١) فى م: (( لم)).
(٢) أخرجه نعيم بن حماد فى الفتن (٣٨) من طريق إسحاق الرازى به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/
١٢٢٧ (٦٩٢٢)، والبيهقى ١٠/ ٩٢، وفى الشعب (٧٥٥٢) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٩/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ وابن مردويه.

٤٨
سورة المائدة : الآية ١٠٥
حدَّثنى أحمدُ بنُ المِقْدَام، قال: ثنا حَزْمٌ(١)، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: تأوَّل
بعضُ أصحابِ النبيِّ ◌َِّ هذه الآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم
مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. فقال بعضُ أصحابِه: دَعُوا هذه الآيةَ فليست لكم (١).
٩٧/٧
/حدَّثنى إسماعيلُ بنُ إِسرائيلَ السَّلَّلُ(٢) الَّمْلىُ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سویدٍ،
قال : ثنا عتبةُ بنُ أبى حكيم، عن عمرو بنٍ جاريةً (٤) اللَّخْميِّ، عن أبى أميةَ الشَّعْبَانيّ،
قال : سألتُ أبا ثَغْلبةَ الخُشَنىّ عن هذه الآيةِ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.
فقال: لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسولَ اللَّهِ مَّلِ، فقال: ((أبا ثعلبةً،
اقْتَمِروا بالمعروفِ، وتَنَاهَوْا عن المنكرِ، فإذا رأيتَ دنيا مُؤْثَرَةً، وشُخًا مُطاعًا ،
وإعجابَ كلِّ ذى رأي برأيه، فعَلَيْك نفسَك، إنَّ(٥) مِن بعدِ كم أيامَ الصبرِ،
للمتمسّكِ يَوْمَئذٍ بمثلِ الذى أنتم عليه كأجرٍ خمسين عاملًا)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ،
كأجرٍ خمسين عاملًا منهم؟ قال: ((لا، كأجرٍ خمسين عاملًا منكم)) (١).
حدَّثنا علىُ بنُ سهلٍ ، قال: أخبرنا الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن ابنِ المباركِ وغيرِه ، عن
عتبةَ بنِ أبِى حَكيمٍ، ("عن عمرو بن جاريةً) ، عن أبى أميةَ الشَّغْبانيِّ، قال: سألتُ
أبا ثعلبةَ الُشَنىّ كيف نصنَعُ بهذه الآيةِ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا
يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ ؟ فقال أبو ثعلبةَ: سألتَ عنها خبيرًا، سألتُ عنها
(١) فى النسخ: ((حرمى))، وسيأتى على الصواب فى ٤٥٠/١٧.
(٢) أخرجه سعید بن منصور فى سننه (٨٤٢ - تفسير) عن حزم بن أبى حزم به .
(٣) فى النسخ: ((اللآل)). وينظر ما تقدم فى ٣٦٧/٧ .
(٤) فى ت١ بياض، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((خالد)). والمثبت من مصادر التخريج ، وينظر تهذيب
الكمال ٢١ / ٥٦٢.
(٥) فى م: ((أرى)).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٤٠١٤)، وابن أبى حاتم ١٢٢٥/٤ (٦٩١٥)، والطحاوى فى شرح مشكل الآثار
(١١٧١-١١٧٣)، والبيهقى فى الشعب (٧٥٥٣)، من طريق عتبة به .
(٧ - ٧) سقط من النسخ. والمثبت مما قبله ومن مصادر التخريج.

٤٩
سورة المائدة : الآية ١٠٥
رسولَ اللَّهِ عَلِ، فقال: ((اقْتَمِروا بالمعروفِ، وتَنَاهَوا عن المنكرِ، حتى إذا رأيتَ
شُحًا مطاعًا، وهَوَى مُنَّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأي برأيه ، فعَلَيْك بِخُوَيْصَّةِ نفسِك ،
وذَرْ عوامَّهم، فإن وراءَكم أيامًا أجرُ العاملِ فيها كأجرٍ خمسين منكم)) (١).
وقال آخرون : معنى ذلك أن العبدَ إذا عمِل بطاعةِ اللَّهِ لم يضرّه مَن ضلَّ بعدَه
وهلك .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿يََّتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَنْ
ضَلَّ﴾. يقولُ: إذا ما العبدُ أطاعنى فيما أمَرتُه من الحلال والحرامِ، فلا يضرُّه مَن
ضلَّ بعدُ ، إذا عمِل بما أمَرتُه به (٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا
أُهْتَدَيْتُمَّ﴾. يقولُ: أطيعوا أمرى،واحْفَظوا وصیتی ).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال : ثنا ليثُ بنُ هارونَ ، قال : ثنا إسحاقُ الرازىُّ ، عن أبى جعفرٍ
الرازىِّ، "عن الربيع بن أنس٤ٍ)، عن صفوانَ بن (°مُخرِزٍ أنهْ) دخَل عليه شابٌّ من
أصحابِ الأهواءِ، فذكَر شيئًا من أمرِهِ، فقال صفوانُ: ألَا أدلُّك على خاصَّةِ اللَّهِ
(١) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (١٧٠)، والترمذى (٣٠٥٨)، وأبو داود (٤٣٤١)، وابن حبان
(٣٨٥)، والحاكم ٣٢٢/٤، والبيهقى ٩٢/١٠، والبغوى فى التفسير ١١٠/٣، وفى شرح السنة (٤١٥٦)
من طريق ابن المبارك به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٨/٤ (٦٩٢٧) عن محمد بن سعد .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤١/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٤ - ٤) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدر التخريج ، وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٢١١.
(٥ - ٥) فى النسخ: (الجون قال)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢١١/١٣.
( تفسير الطبرى ٤/٩ )

٥٠
سورة المائدة : الآية ١٠٥
التى خصَّ بها أولياءَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ﴾
الآية(١).
حدَّثنا عبدُ الكريم بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا أبو المطرّفِ المخزوميُّ، قال: ثنا
مجويير، عن الضخّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ
إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾: ما لم يكنْ سيفٌ أو سوطٌ (٢).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ ، قال: ثنا ضمرةُ بنُ ربيعةً، قال: تلا الحسنُ هذه [٧٣٠/١ظ]
٩٨/٧ الآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ / عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾.
فقال الحسنُ: الحمدُ للَّهِ بها، والحمدُ للَّهِ عليها، ما كان مؤمنٌ فيما مضى، ولا
مؤمنٌ فيما بَقِى ، إلَّ وإلى جانبِهِ منافقٌ يكرَهُ عملَهُ(١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ،
فاعمَلُوا بطاعةِ اللَّهِ، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾، فأمَرتم بالمعروفِ
ونهيتم عن المنكرِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عَنْبسةَ، عن (أَبِى سعدٍ)
البقَّالِ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: ﴿لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَذَيْتُمْ﴾. قال: إذا أمَرتَ
بالمعروفِ ونهَيتَ عن المنكرِ ، لا يضرُكُ مَن ضلَّ إذا اهتديتَ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ ، عن سفيانَ ، عن أبى العُمَيسِ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٦/٤ (٦٩١٨) من طريق إسحاق به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤١/٢ إلى المصنف.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بالأمر)).
(٤ - ٤) فى النسخ: ((سعد)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢/١١، والأنساب ٣٧٩/١.

٥١
سورة المائدة : الآية ١٠٥
أبى البَخْتَرِىِّ، عن حذيفةَ : ﴿عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾
قال : إذا أمَرتم ونهَيتم(١).
حدَّثنا هنَّدٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن ابنٍ أبى
خالدٍ ، عن قيسٍ بنِ أبى حازمٍ ، قال: قال أبو بكرٍ: تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ
مَّن ضَلَّ إِذَا اُهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأوا الظالمَ - قال ابنُ وكيع: فلم يأخذوا
على يديه - أَوْشَك أن يعمَّهم اللَّهُ بعقابِه(٣) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا جريرٌ وابنُ فُضيلٍ ، عن بيانٍ ، عن قيس، قال : قال
أبو بكرٍ : إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن
ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ﴾. وإن القومَ إذا رأوا الظالمَ فلم يأخُذوا على يديه ، يعمُّهم اللَّهُ
(٣)
بعقابِه (٣) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن إسماعيلَ ، عن قيسٍ ، عن أبى بكرٍ ، عن
النبيِّ عَظِلّهِ، فذكر نحوه(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
أُهْتَدَيْتُرَّ﴾. يقولُ: مُروا بالمعروفِ وانْهَوا عن المنكرِ. قال أبو بكرِ بنُّ أبى قُحافةً :
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣/٣ عن الثورى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤١/٢ إلى المصنف
وابن المنذر وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٨/٤ (٦٩٢٦) من طريق سفيان بلفظ:
أطيعوا أمری ، واحفظوا وصیتی .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل ٢٥٣/١ عن وكيع به .
(٣) ذكره الدارقطنى فى العلل ٢٥٣/١ عن بيان به .
(٤) أخرجه أبو يعلى (١٣٢)، والطحاوى فى مشكل الآثار (١١٧٠)، وابن حبان (٣٠٤، ٣٠٥) من طريق
جرير به ، وينظر علل الدارقطنى ١/ ٢٥١.

٥٢
سورة المائدة : الآية ١٠٥
يا أيُّها الناسُ لا تغترُّوا بقولِ اللَّهِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. فيقولَ أحدُكم: علىَّ
نفسِى. واللَّهِ لَتأمُرُنَّ بالمعروفِ وتَنْهَؤُنَّ عن المنكرِ، أو لَتُسْتَعْمَلَنَّ عليكم شراؤُكم،
فَيَسُومُنَّكم سوء العذابِ ، ثم ◌َيدعُو اللَّهَ خيارُكم فلا يستجيبُ لهم(١).
حدَّثنا أبو هشامِ الرِّفاعىُّ ، قال : ثنا ابنُ فُضيلٍ، قال : ثنا بيانٌ ، عن قيسٍ بنِ أبی
حازمٍ، قال: قال أبو بكرٍ وهو على المنبرِ: يا أيُّها الناسُ إنكم تقرءون هذه الآيةَ على
غيرِ موضعِها: ﴿لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾. وإن الناسَ إذا رأَوا الظالمَ فلم
يأخُذوا على يديه عمَّهم اللَّهُ بعقابِهِ .
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنى عيسى بنُ المسيَّبِ التَجَلُّ ،.
قال: ثنا قيسُ بنُ أبى حازمٍ ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ الصِّدِّيقَ رضِى اللَّهُ عنه يقرأُ هذه
الآيةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمَّ﴾.
٩٩/٧ فقال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَلِ يقولُ: ((إذا / رأى الناسُ المنكرَ (" فلم يغيّروه)،
والظالمَ فلم يأخُذوا على يديه، فيُوشِكُ أن يُعُمَّهم اللَّهُ منه بعقابٍ))(١) .
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سالمٍ، قال : ثنا
منصورُ بنُّ دينارٍ ، عن عبدِ الملكِ بنِ مَيْسرةَ، عن قيسٍ بن أبى حازمٍ ، قال : صعِد أبو
بكرٍ المنبرَ؛ منبرَ رسولِ اللهِ عَّهِ، فحمِد اللَّهَ وأثنى عليه، ثم قال: يا أيُّها الناسُ،
إنكم لتلُون آية من كتابِ اللَّهِ وتعُدُّونها رُخْصةٌ، واللَّهِ ما أَنْزَل اللَّهُ فى كتابِهِ أشدَّ
منها: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. واللّهِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٦/٤ (٦٩١٧) من طريق أحمد بن مفضل به مقتصرا على قول السدى.
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، س.
(٣) أخرجه أحمد ١٧٧/١، ١٩٧، ٢٠٨، ٢٢١ (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣)، وأبو داود (٤٣٣٨)،
والترمذى (٢١٦٨، ٣٠٥٧)، والنسائى فى الكبرى (١١١٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والمروزى فى
مسند أبى بكر الصديق (٨٦-٨٩) من طريق قيس به .

٥٣
سورة المائدة : الآية ١٠٥
لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولَتَنْهَؤُنَّ عن المنكرِ، أَو لَيَعُمَّنَّكم اللَّهُ منه بعقابٍ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ زیدٍ ،
قال : ثنا مُجالدُ بنُ سعيدٍ ، عن قيسٍ بنِ أبى حازمٍ ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ يقولُ وهو
يخطُبُ الناسَ: يا أيُّها الناسُ، إنكم تقرءون هذه الآيةَ ولا تدرُون ما هى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُرَّ﴾ ، وإنى سمِعتُ رسولَ
اللَّهِ مَ يهِ يقولُ: ((إن الناسَ إذا رأَوا منكرًا فلم يغيّروه عمَّهم اللَّهُ بعقابٍ))(٢).
وقال آخرون : بل معنى هذه الآية : لا يضرُّكم مَن حادَ عن قصدِ السبيلِ وكفَر
باللَّهِ من أهلِ الكتابِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا هشيمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قولهِ :
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: يعنى: مَن ضلُّ من أهلِ الكتابِ(١) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى هذه الآية: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾. قال: أَنْزِلت
فى أهل الكتاب .
وقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ مَن ضلَّ عن دينِ اللَّهِ الحقِّ .
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنی یونسُ بنُ عبدالأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ فی
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل ٢٥٣/١ عن عبد الملك بن ميسرة به .
(٢) أخرجه البزار (٦٩) من طريق إسحاق بن إدريس به .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٤٥ - تفسير) من طريق أبى بشر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٤١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ .

٥٤
سورة المائدة : الآية ١٠٥
قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾
قال: كان الرجلُ إذا أُسْلَم قالوا له: سفَّهتَ آبَاءَك وضلَّتَهَم، وفعَلتَ وفعَلتَ،
وجعَلتَ آباءَك كذا وكذا، كان ينبغى لك أن تنصُرَهم [٥٧٣١/١]، وتفعَلَ. فقال اللَّهُ
تعالى ذكرُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا
اُهْتَدَيْتُمْ﴾(١).
وأولى هذه الأقوالٍ وأصحُ التأويلاتِ عندَنا بتأويلِ هذه الآيةِ ما رُوِى عن أبى
بكر الصديقِ رضِى اللَّهُ عنه فيها، وهو : ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ .
الْزَّموا العملَ بطاعةِ اللهِ ، وبما أمَركم به، وانْتَهُوا عما نها كم اللَّهُ عنه، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ
مَنْ ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ ﴾. يقولُ: فإنه لا يضرُكم ضلالُ مَن ضلَّ إذا أنتم لزِمتُم (١)
العملَ بطاعةِ اللهِ ، وأَدَّيتُم فى من ضلَّ من الناسِ مَا أَلْزَمكم اللَّهُ به فيه، مِن فرضِ الأمرِ
بالمعروفِ ، / والنهى عن المنكرِ الذى يركَبُه أو يحاولُ ركوبه ، والأخذِ علی یدیه إذا
رام ظلمًا لمسلم أو مُعاهَدٍ ، ومنَعه منه ، فأبى النزوعَ عن ذلك، ولا ضَيْرَ عليكم فى
تمادِيه فى غيِّه وضلالِه إذا أنتم اهتديتُم وأَدَّيتم حقَّ اللَّهِ تعالى ذكرُه فيه .
١٠٠/٧
وإنما قلنا : ذلك أولَى التأويلاتِ فى ذلك بالصوابِ ؛ لأن اللَّه تعالى ذكرُه أمَر
المؤمنين أن يقوموا بالقسطِ ، ويتعاونوا على البرِّ والتقوّى، ومن القيام بالقسطِ الأخذُ
على يدَيِ الظالم، ومن التعاون على البرّ والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما
تظاهرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ◌ّ هِ من أمرِه بالأمر بالمعروفِ والنهى عن المنكرِ .
ولو كان للناسٍ تركُ ذلك لم يكنْ للأمرِ به معنًى إلا فى الحالِ التى رشّص فيه
رسولُ اللَّهِ بِلِ تركَ ذلك، وهى حالُ العجزِ عن القيامِ به بالجوارح الظاهرةِ ، فيكونُ
(١) ذكره فى البحر المحيط ٣٦/٤ عن ابن زيد بنحوه.
(٢) فى م: ((رمتم)).

٥٥
سورة المائدة : الآيتان ١٠٥ ، ١٠٦
مرخّصًا له تركُه ، إذا قام حينئذٍ بأداءِ فرضِ اللَّهِ عليه فى ذلك بقلبه .
وإذا كان ما وصَفنا من التأويل بالآيةِ أولَى ، فبيّنٌ أنه قد دخَل فى معنى قولِه :
إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ﴾ ما قاله حذيفةُ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، من أن ذلك إذا أمَرتم
بالمعروفِ، ونهيتم عن المنكرِ. ومعنى ما رواه أبو ثَغلبةَ الخُشَنىُّ عن رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعَكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ
١٠٥
يقولُ تعالى ذكره للمؤمنين به من عبادِه : اعملوا أيُّها المؤمنون بما أمَرتُكم به ،
وانتهُوا عما نهيتكم عنه، ومُروا أهلَ الزَّيغ والضلالِ ومَن حادَ عن سبيلى بالمعروفِ ،
وانهَوْهم عن المنكرِ، فإن قبلوا فلهم ولكم ، وإن تمادَوْا فى غيِّهم وضلالِهم ، فإنّ إلىَّ
مرجعَ جميعِكم، ومصيرَكم فى الآخرةِ ومصيرَهم، وأنا العالمُ بما يعمَلُ جميعُكم
من خيرٍ وشرّ، فَأَخْبِرُ هناك كلَّ فريقٍ منكم بما كان يعملُه فى الدنيا ، ثم أُجازِيه على
عملِه الذى قدِمٍ به علىَّ جزاءَه، حَسبَ استحقاقِهِ ، فإنه لا يَخْفى علىَّ عملُ عاملٍ
منكم من ذكرٍ أَو أنثَى .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
أَلْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ﴾. يقولُ:
لِيَشْهَدْ بينَكم، ﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اَلْوَصِيَّةِ ﴾. يقولُ: وقتَ الوصيةِ
أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. يقولُ: ذوا رَشَدِ وعقلٍ وحِجًا من المسلمين.
/ كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعبيدُ(١) اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبُثْرِىُّ، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ
١٠١/٧
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عبد)). وتقدم على الصواب فى ٨٥/١ .

٥٦
سورة المائدة : الآية ١٠٦
ابنُ إسماعيلَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى قوله :
وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. قال : ذوى عقلٍ .
واخْتلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم:
عَنَى به : من أهلِ ملتِكم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثْنا حميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، عن سعيدٍ ، عن قتادةً ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: شاهدان، ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾: من المسلمين(١).
حدَّثنا ◌ِمْرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا
إسحاقُ بنُّ سويدٍ ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ فى قولِهِ: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ : من
(٢)
المسلمين(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى ، قالا : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ،عن سعيدٍ ، عن قتادةَ ، عن
سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى قوله: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: اثنان من أهلِ
(١)
دینِکم ().
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ ، عن ابنٍ سيرينَ، عن
عَبيدةَ، قال: سألتُه عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: من
(٣)
الملَّةِ(٣).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابنٍ سيرينَ، عن
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٣/٣ إلى عبد بن حميد.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٩/٤ عقب الأثر (٦٩٣٣) معلقًا .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٥٥٤١، ١٥٥٤٢) من طريق محمد بن سيرين به .

٥٧
سورة المائدة : الآية ١٠٦
عَبيدةَ بمثلِه ، إلَّا أنه قال فيه : من أهلِ الملّةِ .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ ، عن ابنِ سيرينَ ، قال : سألتُ
عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: من أهلِ الملَّةِ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةً
مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حسينٌ، عن زائدةَ، عن هشامٍ ، عن ابنٍ سيرينَ،
قال : سألتُ عبيدةَ . فذكَر مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ مهدئٍّ، عن حمادٍ ، عن ابنٍ أبى نَجيح ، قال : ثنا
مالكُ بنُّ إسماعيلَ، عن حمادٍ بن زيدٍ ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. قال: ذوا عَدْلٍ من أهلِ الإسلامِ " .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ ذَوَا عَدْلٍ
مِنْكُمْ﴾. قال: من المسلمين(٣) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كان
سعيدُ بنُ المسيِّبِ يقولُ: ﴿ أَثْنَانِ [٧٣١/١ظ] ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. أى: من أهلِ
الإسلام .
وقال آخرون : عُنِی بذلك ذوا عدلٍ من حی الُوصِی . وذلك قول ژُوِى عن
(١) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ٢١٧، وابن حزم فى المحلى ٥٩١/١٠ من طريق حماد به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٢/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٩/٤ عقب الأثر (٢٩٣٣) معلقا .

٥٨
سورة المائدة : الآية ١٠٦
عكرمةَ وعَبيدةَ وعِدَّةٍ غيرِهما .
١٠٢/٧
/واخْتَلفوا فى صفةِ الاثنين اللذين ذكَرهما اللَّهُ فى هذه الآيةِ ؛ ما هى؟ وما
هما؟ فقال بعضُهم: هما شاهدان يشهَدان على وصيةِ المُوصِى .
وقال آخرون : هما وَصِيَّان .
وتأويلُ الذين زعموا أنهما شاهدان قوله: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ ﴾: ليشهَدْ شاهدان
ذوا عدل منكم على وصيَّتِكم .
وتأويلُ الذين قالوا: هما وَصِيَّان لا شاهدان قولَه: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ﴾: بمعنى
الحضورِ والشهودِ لما يُوصِيهما به المريضُ. من قولِك: شهِدتُ وصيةَ فلانٍ . بمعنى :
حضَرُه .
وأَوْلَى التأويلين بقولِه: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾. تأويلُ مَن تأوَّله بمعنى أنهما
من أهلِ الملةِ ، دونَ مَن تأوَّله أنهما من حىّ المُوصِى .
وإنما قلنا : ذلك أَوْلَى التأويلين بالآية؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه عمَّ المؤمنين
بخطابِهِم بذلك فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدِّلٍ مِّنْكُمْ﴾. فغيرُ جائٍ أن يُصْرَفَ ما عمَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه
إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن
يكونَ العائدُ من ذكرِهم(١) على العموم، كما كان ذكرُهم ابتداءً على العمومِ .
وأَولَى المعنيين بقولِه: ﴿شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ﴾. "اليمينُ لا٢) الشهادةُ التى يقومُ بها
مَن عندَه شهادةٌ لغيرِهِ ، لمن هى عندَه، على مَن هى عليه عندَ الحُكّامِ؛ لأنا لا نعلَمُ للَّهِ
(١) فى ص، ت١: ((ذكره)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لأن)). وينظر تفسير القرطبى ٣٤٨/٦.

٥٩
سورة المائدة : الآية ١٠٦
تعالى حكمًا يجبُ فيه على الشاهدِ اليمينُ، فيكونَ جائزًا صرفُ الشهادةِ فى هذا
13
الموضعِ إلى الشهادةِ التى يقومُ بها بعضُ الناسِ عندَ الحكّام والأئمةِ .
وفى حكم الآيةِ فى هذه ، اليمينَ على ذوى العدلِ ، وعلى من قام مقامَهم ،
باليمين (١) بقولِه: ﴿ تَخْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ - أوضخ الدليلِ
على صحةٍ ما قلنا فى ذلك، من أن الشهادةَ فيه الأيمانُ ، دونَ الشهادةِ التى
يُقْضَى "بها للمشهود٢ِ) له على المشهودِ عليه، وفسادِ ما خالفه .
فإن قال قائلٌ : فهل وجدتَ فى حكم اللَّهِ تعالى ذكرُه يمينًا تجبُ على المدَّعِى،
فتُوَجِّهَ قولَك فى الشهادةِ فى هذا الموضعِ إلى الصحةِ ؟
فإن قلتَ : لا . تبينَّ فسادُ تأويلِك ذلك على ما تأوَّلتَ ؛ لأنه يجبُ على هذا
التأويلِ أن يكونَ المقسِمان فى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِّرَ عَلَ أَنَّهُمَا اُسْتَحَقًّا إِثْمًا فَفَاخَرَانِ يَقُومَانِ
مَقَامَهُمَا مِنَ اُلَّذِينَ أَسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَا أَحَقٌّ مِن
شَهْدَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. هما المُدَّعِيَيْن.
وإن قلتَ : بلى. قيل لك: وفى أىِّ حكم اللَّهِ تعالى وجدتَ ذلك؟
قيل: وجَدنا ذلك فى أكثرِ المعانى، وذلك فى حكم الرجلٍ يَدَّعِى قِبَلَ
رجلٍ مالًا، فيقرُّ به المُدَّعَى عليه قِبَلَه ذلك، ويَدَّعى قضاءَه، فيكونُ القولُ قولَ
ربِّ الدَّيْنِ، والرجلِ يعترِفُ (١) فى يدِ الرجلِ السلعةَ، فيزعُمُ المعترَفُ فى يدِه أنه
اشتراها من المُدَّعِى، أو (٤) أن المُدَّعِىَ وهبَها له، وما أَشْبَه ذلك مما يكثُرُ
(١) فى م: ((فى اليمين)).
(٢ - ٢) فى ص، ت١: ((بالمشهود)).
(٣) يعترف : يعرف .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( و).

٦٠
سورة المائدة : الآية ١٠٦
إحصاؤه. وعلى هذا الوجهِ أَوْجَب اللَّهُ تعالى فى هذا الموضع اليمينَ على
المُدَّعِيَين اللذين عَثَرا على (الخائنينِ فيما خانا١) فيه.
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى الرافع قولَه: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وقوله: ﴿ أَثْنَانِ ذَوَا
عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قوله: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ : شهادةُ
اثنين ذَوَىْ عَدْلٍ. ثم أَلْقِيت ((الشهادةُ))، وأَقِيم ((الاثنانِ)) ومقامَها، فارتفعا بما كانت
١٠٣/٧ ((الشهادةُ)) به مرتفعةً لو جعلت فى الكلام . قال: وذلك - فی حذفٍ / ما حُذِف
منه ، وإقامةِ ما أَقِيم مُقامَ المحذوفِ - نظيرُ قولِه: ﴿ وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ [ يوسف: ٨٢].
وإنما يريدُ : واسألْ أهلَ القرية. وانْتَصَبت ((القريةُ)) بانتصابِ ((الأهلِ))، وقامت
مَقامَه. ثم تُطِف قولُه: ﴿أَوْ ءَاخَرَانٍ﴾ على ((الاثنين)).
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: رفعُ ((الاثنين)) بـ ((الشهادةِ)). أى: ليشهَدْكم
اثنانٍ من المسلمين أو آخران من غيرِ كم .
وقال آخَرُ منهم: رُفِعت ((الشهادةُ)) بـ ﴿ إِذَا حَضَرَ﴾. وقال: إنما رُفِعت
بذلك لأنه قال: ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾. فجعَلها شهادةً محذوفةً مستأنفةً، ليست
بالشهادةِ التى قد رُفِعت لكلِّ الخلقِ؛ لأنه قال تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ
غَيْرِكُمْ﴾ . وهذه شهادةٌ لا تقعُ إلا فى هذه الحالِ ، وليست مما يثبتُ.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: ((الشهادةُ))
مرفوعةٌ بقولِه: ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾؛ لأن قوله: ﴿ إِذَا حَضَرَ ﴾. بمعنى: عندَ حضورٍ
أحدٍ كم الموتُ، و((الاثنان)) مرفوعٌ بالمعنى المتوهَّم، وهو: أن يشھَدَ اثنان . فاْتُفِىَ
من قيل: أن يشهَدَ. بما قد جرَى من ذكرٍ ((الشهادةِ)) فى قولِه: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ ﴾.
(١ - ١) فى ص: ((الحانبين فيما جناهما))، وفى م: ((الجانبين فيما جنيا))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣:
((الجانيين فيما حباهما)). والصواب ما أثبتنا .