النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة المائدة : الآية ١٠١
سأَلتِ النَّصارى من المائدةِ، فأصبحُوا بها كافرين، فنهَى اللَّهُ تعالى عن ذلك،
وقال : لا تَشْأَلُوا عن أشياءَ إن نزَل القرآنُ فيها بتغليظِ ساءكم ذلك ، ولكن انتظِرُوا،
فإذا نزَل القرآنُ فإنكم لا تَسْألون عن شىءٍ إلا وجَدتم تِبيانَه (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، قال :
ثنا علىُّ بنُ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ
عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ
قال: لما أُنْزِلت آيةُ الحجّ، نادى النبىُّ ◌ٍَّ فى الناسِ فقال: ((يا أيُّها الناسُ،
إن اللَّهَ قد كتب عليكم الحَجَّ فحُجُوا)). فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أعامًا
واحدًا؟ أم كلَّ عام؟ فقال: ((لا، بل عامًا واحدًا، ولو قلتُ: كلَّ عام.
لوجَبتْ، ولو وجَبت لكفَرتم)). فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قال: سألوا النبىَّ ◌َ لِ عن
أشياءَ فوعَظهم ، فانتهَوْا () .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾. قال: ذكَر رسولُ اللَّهِ وَمِ الحَّ، فقيل: أواجبٌ هو يا رسولَ اللَّهِ كلَّ
عامٍ؟ قال: ((لا ، لو قلتُها لوجَبتْ، ولو وجَبتْ ما أَطَفْتُم، ولو لم تُطيقوا لكفَرْتُم)).
ثم قال: ((سَلُونى، فلا يسألُنى رجلٌ فى مجلسِى هذا عن شىءٍ إلا أُخْبَرَتُه، وإن
(١) بعده فى م: ((حدثنى أبو عاصم، قال: ثنا شبل، عن ابن أبى نجيح مثله)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٨/٤، ١٢١٩ (٦٨٨١، ٦٨٨٤) عن محمد بن
سعد به .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٢/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/٢ إلى المصنف
وابن مردويه .

٢٢
سورة المائدة : الآية ١٠١
٨٤/٧
سألنى عن أبيه)). فقام إليه رجلٌ، فقال: مَن أبى؟ / قال: ((أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ)).
فقام عمرُ فقال: يا رسولَ اللهِ، رَضِينا باللّهِ ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ عَ لَّه نبيًّا،
ونعوذُ باللهِ من غضبِهِ، وغضبٍ رسولِه(١) .
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيةُ من أجلِ أنهم سألوا رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ عن
البَحِيرةِ والسائبةِ والوَصِيلةِ والحامى .
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنی إسحاقُ بنُ إبراهيم بن حبیبٍ بنِ الشّھید ، قال : ثنا عتَّابُ بنُ بَشیرٍ ، عن
خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ . قال: هى
البَحِيرةُ والسائبةُ والوصيلةُ والحامِ ، ألَا تَرى أنه يقولُ بعدَ ذلك: ما جعَل اللَّهُ من كذا
ولا كذا. قال: وأما عكرمةُ فإنه قال: إنهم كانوا يَسْأَلونه عن الآياتِ ، فتُهُوا عن
ذلك، ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ﴾
[ المائدة: ١٠٢]. قال: فقلتُ: قد حدَّثنى مجاهدٌ بخلافٍ هذا عن ابنِ عباسٍ،
فما لَك تقولُ هذا؟ فقال: هَيْهَ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن ابنِ عونٍ، عن عكرمةَ(٢)،
قال: هو الذى سأل رسولَ اللَّهِ وَلَّهِ: مَن أبى؟ وقال سعيدُ بنُّ جبيرٍ: هم الذين
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٢ إلى المصنف وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) يقال للشىء يزجر ويطرد :هَيْه هَيْه. اللسان (هـ ى هـ).
والأثر أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٨٣٩ - تفسير) من طريق عتاب به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٦/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عن الأعمش)) وهو خطأ، فالمصادر كلها على أنه من قول
عكرمة لا الأعمش .

٢٣
سورة المائدة : الآية ١٠١
سألوا رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ عن البَحيرةِ والسائبةِ (١).
وأَوْلى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال : نزلت هذه الآيةُ من أجلٍ إكثارٍ
السائلين رسولَ اللَّهِ عَ لِّ المسائلَ، كمسألةِ ابنِ حُذافةَ إِياه مَن أبوه، ومسألةِ سائِلِه -
إذ قال: ((إِن اللَّهَ فَرَض عليكم الحجّ)) - أفى كلِّ عامٍ؟ وما أَشْبَهَ ذلك من المسائلِ؛
لتظاهرِ الأخبارِ بذلك عن الصحابة والتابعين وعامةِ أهلِ التأويلِ.
وأما القولُ الذى رواه مجاهدٌ عن ابنِ عباسٍ فقولٌ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ،
ولكنَّ الأخبارَ المتظاهرةَ عن الصحابةِ والتابعين بخلافِهِ ، وكرِهنا القولَ به من أجلِ
ذلك، على أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ المسألةُ عن البحيرةِ والسائبةِ والوصيلةِ والحامِ ،
كانت فيما سألوا النبيَّ ◌َّمِ عنه من المسائلِ التى كرِهِ اللَّهُ لهم السؤالَ عنها، كما
كرِه لهم المسألةَ عن الحجّ ؛ أكلّ عام هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كرِه لعبدِ اللَّهِ بنِ
حذافةَ مسألتَه [٧٢٧/١و] عن أبيه، فنزَلت الآيةُ بالنهي عن المسائلِ كلِّها، فَأَخْبَر كلُّ
مُخْبِرٍ منهم ببعضِ ما نزلت الآيةُ من أجلِه و(١) أجلِ غيرِهِ.
وهذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ فى ذلك عندِى بالصحةِ؛ لأن مخارجَ الأخبارِ
بجميعِ المعانى التى ذكرتُ صِحاحٌ، فتوجيهُها إلى الصوابِ من وجوهِها أَوْلَى .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ
(١٠١
عَنْهاً وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه للذين نهاهم من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ◌َّمِ عن مسألةٍ
رسولِ اللهِ وَّه عمانهاهم عن مسألتِهم إياه عنه، من فرائضَ لم يَفْرِضْها اللَّهُ عليهم،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٨/٤ (٦٨٧٩)، والطحاوى فى شرح مشكل الآثار ١١٨/٤ من طريق
عبد الكريم ، عن عكرمة وسعيد بن جبير، وعندهما زيادة قول مقسم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٢ إلى أبى
الشيخ .
(٢) فى م: (( أو)).

٢٤
سورة المائدة : الآية ١٠١
وتحليلٍ أمورٍ لم يُحلّلْها لهم، وتحريم أشياءَ لم يُحرِّمْها عليهم، قبلَ نزولِ القرآنِ
بذلك - : أيُّها المؤمنون السائلون عمَّا سألوا عنه رسولی مما لم أُنزِلْ به كتابًا ولا وحيًا ،
٨٥/٧ لا تَسْأَلُوا عنه، فإنكم إن أَظْهَر ذلك لكم تِبيانٌ بوحي وتنزيلٍ ساءَكم؛ لأن / التنزيلَ
بذلك إذا جاءكم إنما يَجيئُكم بما فيه امتحانُكم واختبارُكم، إما بإيجابٍ عملٍ
عليكم، ولزومٍ فرضٍ لكم، وفى ذلك عليكم مشقةٌ، ولزومُ مُؤْنةٍ وكُلفةٍ ، وإما
بتحريمٍ ما لو لم يأتِكم بتحريمِه وحىٍّ، كنتم من التقدُّم عليه فى فُسْحةٍ وسَعَةٍ ، وإما
بتحليلٍ ما تعتقِدون تحريمَه، وفى ذلك لكم مَساءةٌ ؛ لنقلِكم عما كنتم تَرَؤْنه حقًّا ،
إلى ما كنتم تَرَؤْنه باطلًا، ولكنكم إنْ سألتُم عنها بعدَ نزولِ القرآنِ بها، وبعدَ
ابتدائِكم ببيانِ(١) أمرِها فى كتابى إلى رسولی إليكم، " لَشَر عليكم٢) ما أَنْزَلُه إلیه
من إیتائی(١ کتابی وتأويلٍ تنزيلی ووحيى .
وذلك نظيرُ الخبرِ الذى رُوِى عن بعضٍ أصحابٍ رسولِ اللَّهِ تَ ظِيمِ، الذى حدّثنا
به هنَّادُ بنُ السّریِّ، قال : ثنا أبو معاویةً ، عن داود بن أبی هندٍ ، عن مكحول ، عن
أبى ثعلبةَ الخُشَنىِّ، قال: إن اللَّهَ تعالى فرَض فرائضَ فلا تضيّعوها ، ونهى عن أشياءً
فلا تنتهِكُوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها، وعفا عن أشياءً" من غيرِ نسيانٍ فلا
تَّبْحَثُوا عنها(٥).
حدَّثْنَا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ ، قال : أخبرنا ابنُ جريج ، عن عطاءٍ ، قال :
(١) فى م، ت ١: (( شأن)).
(٢ - ٢) فى م: (( بین لكم)).
(٣) فى م: (( إتيان )).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) أخرجه البيهقى ١٢/١٠ من طريق داود به، وأخرجه الدارقطنى ١٨٣/٤، ١٨٤، وأبو نعيم فى
الحلية ١٧/٩، والحاكم ١١٥/٤، والبيهقى ١٣/١٠ من طريق داود به مرفوعا، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٦/٢ إلى ابن المنذر مرفوعاً أيضًا .

٢٥
سورة المائدة : الآيتان ١٠١، ١٠٢
كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ : إن الله تعالى ذكرُه أحلَّ وحرَّم ، فما أحلَّ فاسْتَحِلُّوه، وما
حرَّم فاجْتَنِبوه، وترَك من ذلك أشياءَ لم يُحِلَّها ولم يُحَرِّمْها. فذلك عَفْوٌ من اللَّهِ
عفاه . ثم يَثْلُو: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا الضَّّاكُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ جريج، قال: أَخْبَرنى
عطاءٌ، عن عُبيدٍ بنِ عُميرٍ أنه كان يقولُ : إن اللَّهَ حرَّم وأحلَّ. ثم ذكَر نحوَه .
وأما قولُه: ﴿عَفَا اللهُ عَنْهَا﴾. فإنه يعنى به: عفا اللَّهُ لكم عن مسألتِكم عن
الأشياءِ التى سألتُم عنها رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ، الذى كرِهِ اللَّهُ لكم مسألتكم إيَّه عنها ، أن
يؤاخذكم بها، أو يعاقبَكم عليها، إن عرَف منها توبتكم وإنابتَكم. ﴿وَاللَّهُ
غَفُورُ﴾. يقولُ: واللّهُ ساترٌ ذنوبَ مَن تاب منها، فتاركٌ أن يفضَحَه بها فى الآخرةِ ،
﴿حَلِيمٌ﴾ أن يعاقبَه بها ؛ لتغمُّدِه التائبَ منها برحمتِه ، وعفوه عن عقوبته عليها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ الذى ذكرناه آنفًا .
وذلك ما حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال :
ثنى أبى، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾. يقولُ: لا تسألُوا عن
أشياءَ إِن نزل القرآنُ فيها بتغليظِ ساء كم ذلك ، ولكن انتظِروا، فإذا نزل القرآنُ فإنكم
لا تَشْأَلون عن شىء إلا وجدتم تبيانه(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا
كَفِرِينَ
يقولُ تعالى ذكره : قد سأل الآياتِ قومٌ من قبلِكم ، فلمَّا آتاهموها اللَّهُ أَصْبَحوا
بها جاحِدين مُنْكِرين أن تكونَ دَلالةً على حقيقةِ ما احتُجَّ بها عليهم، وبرهانًا على
(١) تقدم فى ص ٢٠، ٢١.

٢٦
سورة المائدة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
صحةٍ ما ◌ُجُعِلتْ برهانًا على تصحيحِه، كقومٍ صالح الذين سألوا الآيةَ ، فلما جاءتهم
٨٦/٧ الناقةُ آيَةً عقَروها، وكالذين سألوا عيسى مائدةً تَنْزِلُ عليهم / من السماءِ، فلما
أُعْطُوها كَفَروا بها(١)، وما أَشْبَهَ ذلك، فحذَّر اللَّهُ تعالى المؤمنين بنبيّه عَّلمِ أن يسلُكوا
سبيلَ مَن قبلَهم من الأمم التى هَكت بكفرِهم بآياتِ اللَّهِ لما جاءتْهم عندَ
مسألتِهموها، فقال لهم: لا تَسْأَلُوا الآياتِ، ولا تَبْحَثوا عن أشياءَ إِن تُبْدَ لكم
تَسُؤْكم، فقد سأل الآياتِ من قبلِكم قومٌ ، فلما أُوتوها أَصْبَحوا بها كافرين .
کالذی حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمى ، قال: ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ
لَكُمْ قَسُؤْكُمْ﴾ : نهاهم أن يَسألوا عن مثل الذى سألت النصارى من المائدةِ،
فَأَصْبَحوا بها كافرين، فنهَى اللَّهُ عن ذلك(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدئِّ: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾: قد سأل الآياتِ قومٌ من قبلِكم،
وذلك حينَ قيل له: غَيِّرْ لنا الصفا ذهبًا (٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَيَِّةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلٍِّ ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: ما بِحَرِ اللَّهُ بحيرةً ولا سيَّب سائبةً ، ولا وصَل وصيلةً ، ولا
حمَى حاميًّا ، ولكنكم الذين فعلتم ذلك أيُّها الكفرةُ ، فحرَّمتُموه افتراءً على ربّكم .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنى أبى وشُعيبُ بنُ
الليثِ ، عن الليثِ ، عن ابنِ الهادِ ، وحدَّثنی يونسُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بربها).
(٢) تقدم فى ص ٢٠، ٢١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢١٩/٤ (٦٨٨٣) من طريق أحمد بن مفضل به.

٢٧
سورة المائدة : الآية ١٠٣
قال : ثنى الليثُ ، قال : ثنى ابنُ الهادِ ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، عن
أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ مَّهِ يقولُ: «رأيتُ عمرو بنَ عامرٍ الخزَاعِىَّ
يَجُ قُصْبَه(١) فى النارِ، وكان أولَ مَن سيِّب الشّيَّبَ(٣)))(٣).
حدَّثنا هنَّادُ بنُ الشَّرىِّ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال: ثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، [٧٢٧/١ظ] عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ،
قال: سمِعتُ رسولَ اللّهِ عَمِ يقولُ لأَكْثُمَ بنِ الجَوْنِ: ((يا أَكْثَمُ، رأيتُ عمرَو بنَ
لُحُىِّ بنِ قَمَعَةَ بنِ خِنْدَفٍ يَجُرُ قُصْبَه فى النارِ ، فما رأيتُ رجلًا أَشْبَةَ برجلٍ منك به ،
ولا به منك)). فقال أَكْثُمُ: تخشَى(٤) أن يضرَّنِى شَبَهُه يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال رسولُ
اللَّهِ عَهِ: ((لا، إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، إنه أولُ من غيَّرِ دينَ إسماعيلَ، وبخّر
البحيرةَ، وسيَّب السائبةَ، وحمَى الحاميّ (١))(١).
حدَّثْنا هنَّدٌ، قال: ثنا يونسُ، قال: ثنى هشامُ بنُّ سعدٍ ، عن زيدِ بنِ أُسْلمَ ، أن
رسولَ اللَّهِ ◌ِ ◌ِلّهِ قال: ((قد عرفتُ أولَ مَن بحَر البحائرَ؛ رجلٌ من مُدْلِج، كانت له
ناقتان فعندَع آذانَهما (١) ، وحرّم ألبانَهما وظهورَهما ، وقال : هاتان للَّهِ. ثم احتاج
إليهما فشرِب ألبانَهما، وركِب ظهورَهما)). قال: ((فلقد رأيتُه فى النارِ يُؤْذِى أهلَ
(١) القصب بالضم: المِعَى، وجمعه أقصاب. النهاية ٤/ ٦٧.
(٢) فى م: ((السائبة)) والسيب جمع سائبة، وفى س: ((السوائب)) وهو لفظ أكثر الروايات.
(٣) أخرجه البيهقى ٩/١٠ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم به، وأخرجه الطحاوى فى شرح مشكل الآثار
(١٤٧٩) من طريق يونس بن عبد الأعلى به، وأخرجه البخارى (٣٥٢١، ٤٦٢٣) من طريق شعيب به ،
وأخرجه أحمد ٣٩١/١٤ (٨٧٨٧)، وابن أبى عاصم فى الأوائل (٤٤)، وابن حبان (٦٢٦٠) من طريق الليث
به . وأخرجه ابن مردويه - كما فى الفتح ٢٨٥/٨ من طريق ابن الهاد به، وأخرجه البخارى (٤٦٢٣)، ومسلم
(٥١/٢٨٥٦) من طريق الزهرى به .
(٤) فى م، ت ١، س: ((أخشى)).
(٥) فى ص: ((الحما)).
(٦) سيرة بن هشام ١/ ٧٦. وأخرجه ابن أبى عاصم فى الأوائل (٨٣) من طريق ابن إسحاق به ، وأخرجه البخارى
(٣٥٢٠)، ومسلم (٥٠/٢٨٥٦) من طريق أبى صالح به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٤/٣ عن المصنف.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إحداهما)).

٢٨
سورة المائدة : الآية ١٠٣
النارِ ريحُ قُصْبِهِ »(١).
٨٧/٧
/حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ(١)، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبى سَلَمةً، عن أبى
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((عُرِضتْ علىَّ النارُ، فرأيتُ فيها عمرو بنَ فلانٍ
ابنِ فلانٍ (١) بنٍ خِنْدَفٍ يجُرُّ قُصْبَه فى النارِ ، وهو أولُ من غيَّر دينَ إبراهيمَ، وسيَّب
السائبةَ ، وأَشْبَهُ مَن رأيتُ به أَكْثَمُ بنُ الجَوْنِ )) . فقال أكثمُ : يا رسولَ اللَّهِ ، أيضُؤُنِى
شبهُه؟ قال: ((لا ؛ لأنك مسلم، وإنه كافرٌ))(٤) . .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ (°عن معمرٍ، عن الزهرىِّ،
عن أبى هريرةَ أن النبيَّ مَّمْ) قال: ((رأيتُ عمرَو بنَ عامرِ الخُراعىّ يجُرُّ قُصْبَه فى
النارِ، وهو أولُ مَن سيَّب السوائبَ)) (١).
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن زيد
ابنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((إنى لأعرِفُ أولَ من سيَّب السوائبَ، وأولَ
من غيَّر عهدَ إبراهيمَ )). قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((عمرُو بنُ لحقٍ أخو بنى
كعب، لقد رأيتُه يَجُرُّ قُصْبَه فى النارِ ، يُؤْذِى ريحُه أهلَ النارِ، وإنى لأعرِفُ أولَ من
بخّر البحائرَ)). قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((رجلٌ من بنى مُذْلِج كانت له
ناقتان ، فجدع آذانهما ، وحگَّم البانهما ، ثم شرِب ألبانهما بعد ذلك ، فلقد رأيتُه فى
النارِ هو وهما يَعَضَّانِهِ بأفواهِهما، ويَخْبِطانه بأخفافِهما))(٧).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٢/١٤ من طريق هشام به.
(٢) فى النسخ: ((عبيدة))، وتقدم على الصواب فى ١٧٠/٣، ١٩٤.
(٣) بعده فى م: ((ابن فلان)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٧٠/١٤، وأبو يعلى (٦١٢١)، وابن حبان (٧٤٩٠)، والحاكم ٦٠٥/٤ من طريق
محمد بن عمرو به، وذكره ابن كثير ٢٠٤/٣ عن المصنف .
(٥ - ٥) سقط من النسخ ، والمثبت من مصدرى التخريج .
(٦) تفسير عبد الرزاق ١٩٧/١ ومن طريقه أحمد ١٣٧/١٣ (٧٧١٠).
(٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٨/٢ إلى عبد بن حميد.

٢٩
سورة المائدة : الآية ١٠٣
والبحيرةُ الفعيلةُ ، من قولِ القائل: بحَرتُ أُذُنَ هذه الناقةِ - إذا شقَّها - أَبْحَرُها
بَحْرًا . والناقةُ مَبْحُورةٌ ، ثم تُصْرَفُ المفعولةُ إلى فَعِيلةٍ ، فيقالُ: هى بَحِيرةٌ . وأما التّحِرُ
من الإبلِ فهو الذى قد أصابه داءٌ من (١) كثرة شربِ الماءِ، يقالُ منه: بَحِر البعيرُ يَئحرُ
بَحَرًا. ومنه قولُ الشاعرِ(٢) :
لأَعْلِطَنَّهُ(٣) وَسْمًا (٤) لا يُفارِقُهُ كما يُحَزُّ بِحُمَّى المِيسَمِ البَحِرُ
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى البحيرةِ جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ .
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى
خالدٍ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن أبيه، قال: دخَلتُ على
النبىِّ عَّهِ، فقال النبيُّ عَّهِ: ((أرأيتَ إبلَك، ألستَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها، فتأخُذَ
المُوسَى فَتَجْدَعَها، تقولُ: هذه بحيرةٌ. وتشُقُّ آذانَها، تقولُ: هذه صُومٌ(٥)؟)).
قال: نعم. قال: ((فإنّ ساعِدَ اللَّهِ أشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أحَدُّ، كلُّ مالِكَ لك حلالٌ، لا
يُحَرَّمُ عليك منه شىءٌ))(٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى
(١) فى ص: ((عن)).
(٢) اللسان (ب ح ر) .
(٣) فى ص، س: ((لأعطلنه))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لأعلطنك)). والمثبت من اللسان. وعلط البعيرَ
والناقةً يعلِطهما ويعلُطهما علْطا وعلَّطهما: وسمهما بالعلاط. والعلاط: علامة فى جانب العنق تكون خطا
أو أكثر بالعرض. والعلط : أثر الوسم فى جانب العنق . اللسان (ع ل ط).
(٤) فى ص: (( دسما)).
(٥) فى النسخ: ((حرم)). والمثبت من بعض مصادر التخريج، قال البغوى فى شرح السنة ١٢/ ٤٩: والصرم
جمع الصريم؛ وهو الذى صُرم أذنه، أى: قطع.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٠/٤ (٦٨٨٥)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٢)،
والبغوى فى شرح السنة (٣١١٨) من طريق أبى إسحاق به. وأخرجه أحمد ٤٦٤/٢٨ (١٧٢٢٨) من طريق
أبى الأحوص به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٣٣٧، إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذى فى نوادر
الأصول وابن المنذر.

٣٠
سورة المائدة : الآية ١٠٣
٨٨/٧
إسحاقَ، قال: سمِعتُ / أبا الأحوصِ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللَّهِ يَالٍ .
فقال: ((هل تُنْتَجُ(١) إبلُ قومِك صِحاحًا آذانُها، فَتَعْمِدَ إلى المُوسَى، فَتَقْطَعَ آذانَها،
فتقولَ: هذه بُحُرٌ. وتشُقَّها - أو تشقَّ جلودَها - فتقولَ: هذه صُرُمٌ(١). فتُحرِّمَها
عليك وعلى أهلِك؟)) قال: نعم. قال: ((فإن ما آتاك اللَّهُ لك حلٌّ، وساعِدُ اللَّهِ
أشدُّ، ومُوسَى اللَّهِ أحدُّ)). وربما قال: ((ساعدُ اللَّهِ أشدُّ من ساعدِك، ومُوسَى اللَّهِ
أحدٌّ من مُوسَاك))(٣) .
وأما السائبةُ فإِنها المسيِبَةُ المُخَلََّةُ، وكانت الجاهليةُ يفعَلُ ذلك أحدُهم ببعضٍ
مواشِيه، فيحرِّمُ الانتفاعَ به على نفسِه، كما كان بعضُ أهلِ الإسلامِ يُعْتِقُ عبدَه
سائبةً ، فلا ینتفعُ به ولا بولائِه.
وأُخْرِجت المسيئةُ بلفظِ السائبةِ، كما قيل: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾
[ الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]. بمعنى : مَرْضِيَّةٍ.
وأما الوَصِيلةُ فإن الأُنْثَى من نَعَمِهم فى الجاهلية كانت إذا أَتْأَمَت بطنًا بذكرٍ
وأنثى ، قيل : قد وصَلت الأنثى أخاها . بدفعِها عنه الذبحَ ، فسمَّوْها وَصِيلةٌ .
وأما الحامى فإنه الفَخْلُ من التَّعَم، يُحْمَى ظهرُه من الركوبِ والانتفاعِ،
بسببٍ تتابعِ أولادٍ تَحْدُثُ من فِحلتِه .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى صفاتِ المسمَّياتِ(٤) بهذه الأسماءِ، ° وما
السببُ) الذى من أجلِه كانت تفعلُ ذلك؟
(١) تنتج البهيمةُ: أى تلد، يقال: نُتِجت الناقة إذا ولدت فهى منتوجة وأنتجت إذا حملت، فهى نتوج.
ولا يقال: منتج. ونَتَجْتُ الناقة أنتِجُها إذا ولّدتها. والناتج للإبل كالقابلة للنساء. النهاية ١٢/٥.
(٢) فى النسخ: ((حرم)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه الطيالسى (١٣٩٩)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٧٤٢) من طريق شعبة به، وينظر تخريجه
مفصلا فى الطيالسى .
(٤) فى ص، ت ١: ((المسبيات)) وفى س: ((السيبات)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، س: ((أما المسبب)).

٣١
سورة المائدة : الآية ١٠٣
ذكرُ الروايةِ بما قيل فى ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ بنُ الفَضْلِ، عن ابنٍ(١) إسحاقَ، عن محمدٍ
ابنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْميِّ، أن أبا صالح السَّمَّانَ، حدَّثه أنه سمع أبا هريرةَ
يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ وَّهِ يقولُ لأَكْثَمَ بنِ الجَوْنِ الخُراعىّ: ((يا أَكْتَمُ ، رأيتُ
عمرو بنَ لحَىِّ بنٍ قَمَعَةً بنٍ خِنْدَفِ يجُرُّ قُصْبَه فى النارِ ، فما رأيتُ من رجلٍ أَشْبَهَ
برجلٍ منك به، ولا به منك)). فقال أَكْثَمُ: أَيَضُّنِى شَبَهُه يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: ((لا،
إنك مؤمنٌ وهو كافرٌ، وإنه كان أولَ مَن غيَر دينَ إسماعيلَ، ونصَب الأوثانَ ،
وسيَّب السائب(٢) فيهم))(٣) .
وذلك أنَّ الناقةَ إذا تابَعتْ ( يِنْتَئ عشرةَ إناثًا ليس فيها ذكرٌ ، سُيِّت ، فلم
يُؤْكَبْ ظهرُها ، ولم يُجَزَّ وبَرُها، ولم يَشْرَبْ لبنَها إلا ضيفٌ، فما نُتِجَت بعدَ ذلك
من أنثى شُقَّ أَذُنُها، ثم خُلِّى سبيلُها مع أمِّها فى الإبلِ، فلم يُوْكَبْ ظهرُها ، ولم يُجَزَّ
وبَرُها ، ولم يَشْرَبْ لبنَها إلا ضيفٌ، كما فُعِل بأمِّها ، فهى البَحِيرةُ ابنةُ السائبةِ .
والوَصِيلةُ : أن الشاةَ إذا نُتِجَت عشرَ إناثٍ متتابعاتٍ فى خمسةٍ أبطنٍ ليس
فيهن ذَكَرٌ ، جُعِلت وَصيلةً ، قالوا: وصَلت . فكان ما ولَدت بعدَ ذلك لذكُورِهم
دونَ إِناثِهم ، إلا أن يموتَ منها شىءٌ، فيشتركون فى أكلِه؛ ذكورُهم وإناتُهم .
والحامى : أن الفحلَ إذا نُتِج له عشر إناثٍ متتابعاتٍ لیس بینهن ذكرٌ ، حمِی
ظهرُه، ولم يُؤْكَبْ، ولم يُجَزَّ وَبَرُه، [٧٢٨/١ ر] ويُخَلَّى فى إِيلِه يَضْرِبُ فيها، لا
(١) فى النسخ: ((أبی)).
(٢) فى م: (( السوائب)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص٢٧ .
(٤ - ٤) فى سيرة ابن هشام: ((عشر إناث ليس بينهن ذكر)). والمثبت من النسخ عندنا قول حكاه البغوى فى
تفسيره ١٠٧/٣ ولم ينسبه إلى قائل .

٣٢
سورة المائدة : الآية ١٠٣
يُنْتفعُ به بغيرِ ذلك. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا
وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾. إلى قوله: ﴿ وَلَا يَهْتَدُونَ﴾(١).
٨٩/٧
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ فى هذه الآيةِ: ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَاِبَةٍ وَلَا
وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ﴾ . - قال أبو جعفرٍ: سقط علىَّ فيما أَظُنُّ كلامٌ منه - قال: فأَتَيْتُ
علقمةَ فسألتُه، فقال: ما تُرِيدُ إلى شىءٍ كان يصنعُه أَهلُ الجاهليةِ .
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المَشْعودىُّ، قال : ثنا أبى، عن أبيه ، عن جدِّه، عن
الأعمشِ، عن مسلم، قال: أتيتُ علقمةً، فسألته عن قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ
اللَّهُ مِنْ بَجِيرَةٍ وَلَا سَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَلَّمٍ ﴾. فقال: وما ١ تَصْنَعُ بهذا؟ إنما هذا
شىءٌ مِن فعلِ الجاهليةِ. قال: فأتيْتُ مسروقًا فسألْتُه، فقال: البَحِيرةُ: كانت الناقةُ
إذا ولَدَت بطنًا خمسًا أو سبْعًا، شقُّوا أذنَها، وقالوا: هذه بَحيرةٌ. قال: ﴿ وَلَا
سَآِبَقِ﴾. قال: كان الرجلُ يَأْخُذُ بعضَ مالِه، فيقولُ: هذه سائبةٌ. قال: ﴿ وَلَا
وَصِيلَةٍ﴾. قال: كانوا إذا ولَدَت الناقةُ الذكرَ، أكَله الذكورُ دونَ الإناثِ، وإذا
وَلَدت ذكرًا وأَنثى فى بطنٍ ، قالوا: وصَلَت أخاها . فلا يَأْكُلونهما، قال: فإذا مات
الذكر أكّله الذكورُ دونَ الإناثِ. قال: ﴿ وَلَا حَلْمٍ﴾. قال: كان البعيرُ إذا ولَد ،
وولَد ولدُه، قالوا: قد قضَى هذا الذى عليه. فلم يَنْتَفِعوا بظَهْرِه، قالوا: هذا
(٣)
حامٍ().
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا محمدُ بنُ عبيدٍ ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ بنِ
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٨٩.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حمى)) .

٣٣
سورة المائدة : الآية ١٠٣
صُبَيْح، قال: سألْتُ علقمةً عن قوله: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَجِيرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾. قال:
ما تَصْنَعُ بهذا؟ هذا شىءٌ كان يَفْعَلُه أهلُ الجاهليةِ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يحيى بنُ يَمَانٍ ويحيى بنُ آدمَ ، عن إسرائيلَ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ﴾. قال : البَحِيرةُ التى قد
ولَدَت خمسةً أبطٍ ثم تُرِكَت(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ ، عن مغيرةَ ، عن الشعبىِّ :
﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ﴾. قال: البحيرةُ المُخَضْرَمَةُ، ﴿ وَلَا سَآَيَبَةٍ﴾: والسائبةُ:
ما سُيِّب للعِدَيِ(١) ، والوَصيلةُ: إذا وَلَدَتِ بعدَ أربعةِ أبطنٍ - فيما يَرَى جَرِيرٌ - ثم
وَلَدَت الخامسَ ذكرًا وأنثى، وصَلَتْ أخاها . والحام : الذى قد ضرَب أولادُ أولاده
فى الإبلِ .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً ، عن الشعبىِّ بنحوِه ، إلا أنه قال:
والوَصيلةُ: التى ولَدَت بعدَ أربعةِ أبطنٍ ذكرًا وأنثى، قالوا: وصَلَتْ أخاها . وسائرُ
الحدیثِ مثلُ حدیثِ ابنِ حمید .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا إسحاقُ الأزرقُ ، عن زكريا ، عن الشعبى أنه سُئِل
عن البَحيرةِ ؟ فقال: هى التى تُجْدَعُ آذانُها. وسُئِل عن السائبةِ؟ فقال: كانوا يُهْدُون
لآلهتهم الإبلَ والغنمَ ، فيَتْرُكونها عندَ آلهتهم، فتذهبُ فَتَخْتَلِطُ" بغنم الناسِ ، فلا
يَشْرَبُ ألبانَها إلا الرجالُ، فإذا مات منها شىءٌ أكَلَه الرجالُ والنساءُ جميعًا .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٠/٤ (٦٨٨٦) من طريق إسرائيل به .
(٢) سقط من: س، وفى م، ت١، ت٢، ت٣: ((للهدى)). والعدّى: الغرباء. اللسان (ع د ى).
(٣ - ٣) فى م: ((لتذبح فتخلط)).
( تفسير الطبرى ٣/٩ )

٣٤
سورة المائدة : الآية ١٠٣
٩٠/٧
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ﴾ وما معها : البحيرةُ
مِن الإبلِ، يُحَرِّمُ أهلُ الجاهليةِ وَبَرَها وظهرَها ولحمَها ولبنَها إلا على الرجالِ، فما
ولّدَت مِن ذكرٍ وأنثى فهو على هيئتِها ، وإن ماتَت اشْتَرَك / الرجالُ والنساءُ فى أكلِ
لحمِها، فإذا ضرّب الجملُ(١) من ولدِ البَحيرةِ فهو الحامِى، ( والحامِى اسم)،
والسائبةُ من الغنم على نحوِ ذلك ، إلا أنها ما ولَدت من ولدٍ بينَها وبينَ ستةِ أولادٍ
كان على هيئتِها، فإذا ولدت فى السابع ذكرًا أو أنثى، أو ذَكريْن، ذبَحوه ، فأكَله
رجالُهم دونَ نسائهم، وإن تَوْأَمت أنثى وذكرًا فهى وصيلةٌ، تُرِك ذبحُ الذکرِ
بالأنثى، وإن كانتا أُنثَين تُرِكتا(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ﴾: فالبحيرةُ : الناقةُ ، كان الرجلُ إذا
ولَدت خمسةَ أَبطنٍ، فيعمِدُ إلى الخامسةِ، فما لم يكنْ سَقْبًا (*) فيبتِّكُ آذانَها، ولا يجُزّ
لها وبَرًا، ولا يذوقُ لها لبنًا، فتلك البحيرةُ. ﴿ وَلَا سَأَيِبَةٍ﴾: كان الرجلُ يسيِّبُ من مالِه
ما شاء. ﴿ وَلَا وَصِيلَةٍ ﴾: فهى الشاةُ إذا وَلَدَت سَبْعًا ، عمَد إلى السابع، فإن كان ذكرًا
ذُبِح، وإن كان أنثى تُرِكت، وإن كان فى بطنِها اثنان ذكرٌ وأنثى فولَدتْهما، قالوا:
وصَلت أخاها، فيتْرَكان جميعًا لا يُذْبَحان، فتلك الوصيلةُ. وقولُه: ﴿وَلَا حَلِّمٍ ﴾ .
كان الرجلُ يكونُ له الفحلُ، فإذا لقَّح عشْرًا، قيل: حامٍ، فاتركوه (٥) .
(١) ضراب الجمل: نزْؤُه على الأنثى. يقال: ضرب الجمل الناقة يضربها إذا نزا عليها. النهاية (ض ر ب).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٢/٤ (٦٨٩٣) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) السقب: ولد الناقة ، إن كان ذكرا، ولا يقال للأنثى سقبة. التاج (س ق ب).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٢٢٤/٤ (٦٩٠٤) عن محمد بن سعد به مقتصرا على تفسير: (ولا حام)، وعزاه.
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٨/٢ إلى ابن مردويه.

٣٥
سورة المائدة : الآية ١٠٣
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ﴾:
ليسيِّوها لأصنامِهم، ﴿ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾. يقولُ: الشاةُ، ﴿وَلَا حَكِمٍ ﴾. يقولُ:
الفحلُ من الإبلِ (١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ مَا جَعَلَ اَللّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍْ﴾: تشديدٌ شدَّده الشيطانُ
على أهلِ الجاهلية فى أموالهم، وتغليظٌ عليهم ، فكانت البحيرةُ من(٢) الإبلِ؛ إذا نتَج
الرجلُ خمسًا من إبلِه، نظَر البطنَ الخامسَ، فإن كانت سَقْبًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ
دونَ النساءِ ، وإن كان مَيْتَةً اشترك فيه ذكرُهم وأنثاهم، وإن كانت حائلاً ، وهی
الأنثى ، تُرِكت ، فبتِّكَتْ أَذْنُها، فلم يُجَزَّلها وبَرْ، ولم يُشْرَبْ لها لبنّ، ولم يُؤْكَبْ
لها ظَهْرٌ، ولم يُذْكَرْ للَّهِ عليها اسم. وكانت السائبةُ: يسيّون ما بدا لهم من
أموالھم، فلا تُمتنُ(٣) من حوض أن تَشْرع فیه ، ولا من حِمّی أن توتع فیه . و کانت
الوصيلةُ [٧٢٨/١ظ] من الشاءِ: من البطنِ السابع، إذا كان جَدْيًا ذُبِح، فأكَله الرجالُ
دونَ النساءِ ، وإن كان ميتةً اشترك فيه ذَكَرُهم وأنثاهم، وإن جاءت بذكرٍ وأنثى ،
قيل: وصَلت أخاها، فمنَعَتْه الذبحَ . والحامٍ: كان الفحلُ إذا رُكِب من بنى بنيه
عشَرةٌ، أو ولدٍ ولدِه، قيل: حامٍ. حُمِى ظهرُه، فلم يُزَمَّ، ولم يُخْطَمْ، ولم
يُؤْكَبْ .
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١٢٢١-١٢٢٣ (٦٨٩٢، ٦٨٩٨، ٦٩٠٣) من طريق أبى صالح به .
(٢) فى النسخ: ((مثل)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) فى تفسير عبد الرزاق: ((تمنع)).

٣٦
سورة المائدة : الآية ١٠٣
٩١/٧
الشّدىِّ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: فالبحيرةُ من
الإبل: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنِ ، إن كان الخامسُ سَقْبًا ذبحوه ، فأُهْدَوه
إلى آلهتهم، وكانت أمُّه مِن عُرْضٍ الإبلِ، وإن كانت رُبَعَةٌ(١) اسْتَحْيَوْها، وشقُّوا أُذُنَ
أمّها، وجزُّوا وَبَرَها، وخلَّوْها (٢) فى البطحاءِ، فلم تَجُزُ لهم فى دِيةٍ ، ولم يَخْلِيوا(٣) لها
لبنًا، ولم يجزُّوا لها وبَرًا، ولم يحمِلوا على ظهرِها، وهى من الأنعامِ التى مُحُرِّمت
ظهورُها . وأما السائبةُ /: فهو الرجلُ يُسيّبُ من مالِه ما شاء على وجهِ الشکرِ ، إِن كثُر
مالُه ، أو برَأْ من وجع، أو ركِب ناقةً فَأَنْجَح، فإنه يسمَّى السائبةَ ، يُرْسِلُها فلا يعرِضُ لها
أحدٌ من العربِ إلا أصابته عقوبةٌ فى الدنيا . وأما الوصيلةُ فمِن الغنم هى الشاةُ إذا ولَدت
ثلاثةَ أبطنٍ أو خمسةً ، فكان آخرُ ذلك جَدْيًا ، ذبَحوه وأَهْدَوه لبيتِ الآلهةِ ، وإن كانت
عَنَاقًا(٤) اسْتَحْيَوها، وإن كانت جَدْيًا وعَنَاقًا اسْتَحْيَوا الجَدْىَ من أجلِ العَناقِ ، فإنها
وصيلةٌ وصَلتْ أخاها . وأما الحامِ فالفحلُ يَضْرِبُ فى الإبلِ عشْرَ سنينَ، ويقالُ: إِذا
ضرَّب ولدُ ولدِه، قيل: قد حَمَى ظهرَه. فيترُكونه لا يُمِسُّ، ولا يُنْحَرُ أبدًا، ولا يُمْنَعُ
من كلاًّ يريدُه، وهو من الأنعامِ التى حُرِّمتْ ظهورُها (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ فى قوله: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ
وَلَا حَاٍْ ﴾. قال: البحيرةُ من الإبلِ: التى يُمْنَعُ دَرُّها للطواغيتِ، والسائبةُ من
الإبلِ: كانوا يسيِّونها الطواغيتِهم، والوصيلةُ من الإبلِ: كانت الناقةُ تبتَكِئُ(١)
(١) الربعة مؤنث الرّبَع وهو ما ولد من الإبل فى الربيع. وقيل: ما ولد فى أول النتاج. النهاية ١٨٨/٢، ١٨٩.
(٢) فى ص، ت١: ((حلبوها)).
(٣) فى م: (( يجلبوا)).
(٤) العناق: الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. النهاية ٣/ ٣١١.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٠/٤ (٦٨٨٨) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٦) فی م، ت ٢، ت ٣، س: ((تبکر)) .

٣٧
سورة المائدة : الآية ١٠٣
بأنثى ، ثم تُثَنِى بأنثى ، فيسُونها الوصيلةَ، يقولون : وصَلت اثنتين ليس بينَهما ذكرٌ .
فكانوا يَجْدَعونها الطواغيتِهم، أو يذبَحونها - الشكُّ من أبى جعفرٍ - والحامِ : الفحلُ
من الإبلِ، كان يضرِبُ الضِّرابَ المعدودَةَ(١)، فإذا بلَغ ذلك، قالوا : هذا حامٍ، قد
حمَى ظهرَه. فتُرِك، فسمَّوه ((الحام)). قال معمرٌ: قال قتادةُ: إذا ضرَب عشَرةٌ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قال : البحيرةُ من الإبل: كانت الناقةُ إذا نُتِجت خمسةَ أبطنٍ، فإن كان
الخامسُ ذكرًا، كان للرجالِ دونَ النساءِ ، وإن كانت أنثى بَتَّكوا آذانَها، ثم
أَرْسَلوها، فلم يَنْحَروا لها ولدًا، ولم يَشرَبوا لها لبنًا، ولم يركبوا لها ظهرًا. وأما
السائبةُ: فإنهم كانوا يسيِّبون بعضَ إِيلِهم، فلا تُمْنَعُ حوضًا أن تَشْرَعَ فيه ، ولا مَرْعَی
أن ترتَعَ فيه . والوصيلةُ : الشاةُ كانت إذا ولَدت سبعةَ أَبطنِ، فإن كان السابعُ ذكرًا
ذُبح وأكَله الرجالُ دونَ النساءِ ، وإن كانت أنثى تُرِكت(٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا معاذِ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال : ثنا
عبيدُ بنُ سليمانَ(٤)، عن الضحاكِ: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ
وَلَا حَاْمٍ﴾: أما البحيرةُ فكانت الناقةُ إذا نَتَجوها خمسةً أبطنٍ، نحَروا الخامسَ إن
كان سَقْبًا ، وإن كان رُبَعةً شقُّوا أذنَها واسْتَخْيَوها، وهى بحيرةٌ . وأما السَّقْبُ فلا
يأكُلُ نساؤهم منه، وهو خالصٌ لرجالِهم ، فإن ماتتِ الناقةُ أَوْ نَتَجوها مَيْنًا ، فرجالُهم
ونساؤُهم فيه سواءٌ يأكلون منه . وأما السائبةُ فكان يسيِّبُ الرجلُ من مالِهُ من
١
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( المعدود)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٦، ١٩٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٤/٤ (٦٩٠٦) عن الحسن
ابن یحیی به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٩٧/١، ١٩٨.
(٤) فى م: ((سلمان)).

٣٨
سورة المائدة : الآية ١٠٣
الأنعام، فيُهْمَلُ فى الحِمَى فلا يُنتَفَعُ بظهرِه ولا بولدِه ولا بلبنِه، ولا بشعرِه ولا
بصوفِه. وأما الوصيلةُ فكانت الشاةُ إذا ولَدت سبعةً أبطنِ ذبَحوا السابعَ إذا كان
جَدْيًا، وإن كان عَنَاقًا اسْتَحْيَوه، وإن كان جَدْيًا وعَناقًا اسْتَخْيَوهما كليهما،
وقالوا : إِن الجَدْىَ وصَلتْه أختُه، فحرَّمتْه علينا. وأما الحامِى فالفحلُ إذا ركبوا أولادَ
ولدِه، قالوا: قد حمى هذا ظهرَه، وأحرَزَهُ(١) أولادُ ولدِه، فلا يركَبونه ، ولا يمنعونه
من حِمَى شجرٍ ، ولا حوضٍ ما شرَع فيه ، وإن لم يكنِ الحوضُ لصاحبِه ، وكانت من
٩٢/٧ إبلهم طائفةٌ لا يذكُرون اسمَ اللَّهَ عليها / فى شىءٍ من شأنِهم، لا إن ركبوا، ولا إن
حمّلوا، ولا إن حلَبوا، ولا إن نَتَجوا، ولا إن باعوا، ففى ذلك أَنْزَل اللّهُ تعالى: ﴿مَا
جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ مَا
جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ﴾. قال : هذا شىءٌ كان يعملُ به
أهلُ الجاهليةِ، وقد ذهَب. قال: البحيرةُ: كان الرجلُ يَجْدَعُ أَذنَىْ ناقتِه، ثم
يُعْتِقُها، كما يُعْتِقُ جاريتَه وغلامَه ، لا تُحُلُبُ ، ولا تُرْكَبُ . والسائبةُ : يسيِّئُها بغيرِ
تجدیع . والحامٍ : إذا نُتِج له سبعُ إناث متوالیاتٌ ، قد حَمَی ظهره ، ولا يُؤْكَبُ ، ولا
يُعْمَلُ عليه . والوصيلةُ من الغنم: إذا ولَدت سبعَ إناثٍ متوالياتٍ حَمَت لحمَها أن
يؤكِلَ .
حدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ، قال: ثنا
الليثُ بنُ سعدٍ ، قال ثنى ابنُ الهادِ ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال سعيدُ بنُ المسئَّبِ :
السائبةُ: التى كانت تسيَّبُ ، فلا يُحْمَلُ عليها شىءٌ. والبحيرةُ: التى يُمْنَعُ دَرُّها
للطواغيتٍ ، فلا يحلُها أحدٌ. والوصيلةُ: الناقةُ الپگرُ، تَنگُ أولَ نتاج الإبل بأنثى،
(١) فى م: ((أحرز)). ومعنى: أحرزه أولاد ولده: حفظوه وصانوه. ينظر اللسان (ح رز).

٣٩
سورة المائدة : الآية ١٠٣
ثم تُثَنِّى بعدُ بأنثى، وكانوا يسمُّونها [٧٢٩/١و] للطواغيتِ، يَدْعُونها الوصيلةَ، أن
وصَلت أخواتِها (١) إحداهما بالأُخرى. والحامى: فحلُ الإبلِ يَضْرِبُ العَشْرَ من الإبلِ،
فإذا نقَص ضِرابُه يَدَعُونه للطواغيتِ ، وأَعْفَوه من الحملِ، فلم يحمِلوا عليه شيئًا ،
(٢)
وسمّوْه الحامى
٠
وهذه أمورٌ كانت فى الجاهليةِ فَأَبْطَلها الإِسلامُ ، فلا نعرِفُ قومًا يعملون بها
اليومَ ، فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما كانت الجاهليةُ تعمَلُ به لا " يُوصَلُ إلى
علمِه٢ - إذا لم يكنْ له فى الإِسلامِ اليومَ أثرٌ، ولا فى الشركِ نعرِفُه - إلا بخبرٍ،
وكانت الأخبارُ عما كانوا يفعلون من ذلك مختلفةً الاختلافَ الذى ذكرنا ،
فالصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقالَ : أما معانى هذه الأسماءِ فما بيَّنا فى ابتداءٍ
القول فى تأويلِ هذه الآيةِ . وأما كيفيةُ عملٍ القومِ فى ذلك ، فما لا علم لنا به . وقد
ورَدتِ الأخبارُ بوصفٍ عملِهم ذلك على ما قد حكَيْنا ، وغيرُ ضائرِ الجهلُ بذلك إذا
كان المرادُ من علمِه المحتاج إليه، موصِّلًا(٤) إلى حقيقتِه، وهو أن القومَ كانوا
يُحرِّمُون(٥) مِن أنعامِهم على أنفسِهم ما لم يحرِّمْه اللَّهُ؛ اتِّباعًا منهم خُطُواتٍ
الشيطانِ ، فوبَّخهم اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك، وأَخْبَرهم أن كلَّ ذلك حلالٌ ، فالحرامُ
من كلِّ شىءٍ عندَنا ما حرَّم اللَّهُ تعالى ورسولُهُ وَّهِ، بنصّ أو دليلٍ، والحلالُ منه ما
حلَّله اللَّهُ ورسولُه كذلك.
(١) سقط من : م.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٧ حاشية (٣ ).
(٣ - ٣) فى م: ((توصل إلى عمله)).
(٤) فى ص، ت ١، س: ((موصولاً)).
(٥) فى م: ((محرمين)).

٤٠
سورة المائدة : الآية ١٠٣
القولُ فى تأويل قوله : ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا
١٠٣
يَعْقِلُونَ
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى المعنىِّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فى هذا الموضعِ، والمرادِ بقوله :
وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: المعنىُّ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ اليهودُ،
وبـ(( الذين لا يعقلون)) أهلُ الأوثانِ .
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبو أسامةً ، عن سفيان ، عن داود بنِ أیی هندٍ ، عن
محمدِ بنِ أبى موسى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَّ﴾. قال : أهلُ
الكتابِ، ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: أهلُ الأوثانِ(١) .
/وقال آخرون: بل هم أهلُ ملةٍ واحدةٍ ، ولكنَّ المفترين المَتْبوعون ، والذين لا
يعقِلون الأتباعُ .
٩٣/٧
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : ثنا خارجةُ ، عن
داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبِّ
وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هم الأتباعُ، وأما الذين اقْتَرَوا فعقَلوا(٢) أنهم اقْتَروا(٣).
وأَوْلَى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ أن يقالَ: إن المعنيِين بقوله: ﴿ وَلَكِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اُلْكَذِبَ﴾: الذين بحَروا البحائرَ، وسيّبوا السوائبَ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٤/٤ (٦٩٠٨) من طريق أبى أسامة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٩/٢ إلى أبى الشيخ وابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢) فى م: (( يعقلون)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٢٥/٤ (٦٩١١) من طريق أبى معاذ به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٩/٢ إلى ابن المنذر.