النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١
سورة المائدة : الآية ٩١
ابنُ كُلْثوم بنِ جبرٍ ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل تحريمُ
الخمرِ فى قبيلتين من قبائلِ الأنصارِ، شرِبوا حتى إذا ثَمِلوا، عَبِث بعضُهم ببعضٍ (١،
فلما أن صَحَوا ، جعَل الرجلُ منهم يرَى الأَثْرَ بوجهِه ولحيته ، فيقولُ : فعَل بى هذا أخى
فلانٌ - وكانوا إخوةً ليس فى قلوبِهم ضغائنُ - واللَّهِ لو كان بی رءوفًا رحيمًا ما فعل بی
هذا. فوقَعت(٢) فى قلوبِهم الضغائنُ، فأنزل اللَّهُ: ﴿ إِنََّا الْخَرُ وَالْمَيْسِيرُ﴾. إلى قولِه:
فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾. فقال ناسٌ مِن المُتُكَلِّفينَ: هى(٤) رِجْسٌ، وهى" فى بطنٍ
فلانٍ قُتِلَ يومَ بدرٍ ، وقُتِلَ فلانٌ يومَ أَحُدٍ. فأنزل اللَّهُ: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوَا﴾ الآية(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ خلَفٍ، قال: ثنا سعيدُ بن محمد الجَوْمِىُّ، عن أبى
تَيْلَةَ، عن سلّامٍ مولى حفصٍ ("أبى القاسمِ)، عن ابنٍ(٨) ثُريدةَ، عن أبيه، قال:
بينما نحن قعودٌ على شرابٍ لنا، ونحن نَشْربُ الخمرَ حِلًّا، إذا قُمْتُ حتى آتَىَ
رسولَ اللَّهِ عَلِ فَأَسلِّمَ عليه، وقد نزَل تحريم الخمرِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالأَرْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾. إلى آخرِ الآيتينِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمُ
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن جبير))، وفى ص: ((عن جبر))، وفى المعجم الكبير، والمستدرك:
((بن جبير)). والمثبت من الكبرى للنسائى، وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٤٢، ٢٠٠/٢٤.
(٢) فى ص، ت ١: ((على بعض)).
(٣) فى م، ت ٢: ((حتى وقعت)).
(٤) سقط من: ص، ت ١.
(٥ - ٥) سقط من: ص، ت ١.
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٥١)، والطبرانى (١٢٤٥٩)، والبيهقى ٢٨٥/٨، والمزى فى تهذيب
الكمال ١٤٤/٩ من طريق حجاج به. وأخرجه الحاكم ١٤١/٤ من طريق ربيعة بن كلثوم، وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ٣١٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٧ - ٧) فى م، ت ٢: ((بن أبى قيس)، وفى ت ١: ((عن أبى القاسم)). وينظر التاريخ الكبير ١٣٣/٤.
(٨) فى م: ((أبى)).
٦٦٢
سورة المائدة : الآية ٩١
مُنْتَهُونَ﴾. فجِئْتُ إلى أصحابى فقرأتُها عليهم إلى قولِه: ﴿فَهَلْ أَنْثُم مُّنْنَهُونَ﴾ .
قال: وبعضُ القومِ شَرْبتُه فى يدِه قد شرِب بعضًا، وبَقِىَ بعضٌ فى الإناءِ، فقال
بالإِناءِ تحتَ شفتِه العليا كما يفعلُ الحجّامُ ، ثم صَبُّوا ما فى باطِيَتِهم ، فقالوا : انتهينا
ربَّنا، انتهينا ربَّناً(٢).
/ وقال آخرون: إنما كانت العداوةُ والبغضاءُ، كانت تكونُ بينَ الذين نزَلت
فيهم هذه الآيةُ، بسببِ الميسرٍ، لا بسببِ السكّرِ الذى يَحْدُثُ لهم من شُوبٍ
الخمرِ، فلذلك نهاهم اللَّهُ عن الميسرِ .
٣٥/٧
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا جامعُ بنُ حمادٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زريع - قال بشرٌ: وقد
سمِعتُه من يزيدَ وحدَّثنيه - قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الرجلُ فى
الجاهليةِ يُقامِرُ على أهلِه ومالِه، فيقعُدُ حزينًا سَلِيبًا، ينظرُ إلى مالِه فى يَدَیْ غيرِهِ،
فكانت تُورِثُ بينهم عداوةً وبغضاءَ، فنهى اللَّهُ عن ذلك، وقدَّم فيه، واللهُ أعلم
بالذى يُصْلِحُ خلقَه(٢) .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يقال: إن اللَّهَ تعالى قد سمَّى هذه
الأشياء التى سمَّاها فى هذه الآيةِ رِجْسًا، وأمر باجتنابِها .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِهِ نزلت هذه الآيةُ ، وجائزٌ أن
(١) الباطية: إناء من الزجاج عظيم، مُملأُ من الشراب وتوضع بين الشَّرْب يغرفون منها ويشربون . اللسان
(ب ط ی).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٧/٣ عن المصنف بزيادة فى أوله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٥/٢
إلى المصنف دون هذه الزيادة .
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٩٤/٣ .
٦٦٣
سورة المائدة : الآيتان ٩٢،٩١
يكونَ نزولُها كان بسببٍ دعاءٍ عمرَ رضى اللَّهُ عنه فى أمرِ الخمرِ، وجائزٌ أن يكونَ
ذلك كان بسببٍ ما نال سعدًا مِن الأنصارىِّ، عند انتشائهما من الشراب ، وجائزٌ أن
يكونَ كان مِن أجلِ ما كان يَلْحَقُ أحدَهم عندَ ذَهابٍ مالِهِ بالِمارِ ، مِن عداوةٍ مَن
يَسَرَّهُ(١) وَبُغْضِه. وليس عندَنا بأىِّ ذلك كان خبرٌ قاطعٌ للعُذْرِ. غيرَ أنه أُّ ذلك
كان، فقد لَزِمَ حكمُ الآيةِ [٧١٤/١و] جميعَ أهلِ التكليفِ، وغيرُ ضائرِهم الجهلُ
بالسببِ الذى له نزلت هذه الآيةُ ، فالخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِن
عملِ الشيطانِ ، فَرْضٌ على جميع من بَلَغَتْه الآيَةُ مِن التكليفِ اجتنابُ جميعِ ذلك ،
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِنِ تَوَلَّيْتُمْ
فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ(
٩٢
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلٍ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوُ ﴾ ﴿ وَأَطِعُواْ اَللَّهَ وَاَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ ، فی اجتنابِکم ذلك واتباعِکم
أمرَه فيما أمرَكم به، مِن الانزجارِ عما زجر كم عنه مِن هذه المعانى التى بينها لكم
فى هذه الآيةِ وغيرِها، وخالفوا الشيطانَ فى أمرِه إيا كم بمعصيةِ اللَّهِ فی ذلك وفی
غيرِهِ، فإنه إنما يَتَغِى لكم العداوةَ والبغضاءَ بينَكم بالخمرِ والميسرِ، ﴿وَاحْذَرُواْ﴾ .
يقولُ: واتقوا اللَّهَ وراقبوه أن يراكم عندَ ما نهاكم عنه مِن هذه الأمورِ التى
حرَّمها عليكم فى هذه الآيةِ وغيرِها، أو يَفْقِدَكم عندَ ما أمرَكم به، فتُوبِقوا
أنفسَكم وتُهْلِكوها. ﴿فَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾. يقولُ: فإن أنتم لم تَعْمَلوا بما أمونا كم به ،
وتَنْتَهُوا عما نهيناكم عنه، ورجَعتم مُذْبرين عما أنتم عليه مِن الإيمانِ والتصديقِ باللَّهِ
وبرسولِه، واتباع ما جاءكم به نبيُكم، ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُِّينَ﴾.
(١) يسره : غلبه فى الميسر.
٦٦٤
سورة المائدة : الآيتان ٩٣،٩٢
٣٦/٧ يقولُ: فاعْلَموا أنه ليس على مَن أرسلناه إليكم / بالنِّذارةِ غيرُ إبلاغِكم الرسالةَ التى
أَرْسِل بها إليكم، مبيّةً لكم بيانًا يوضِّحُ لكم سبيلَ الحقِّ، والطريقَ الذى أُمِرتم أن
تسلُكوه، وأما العقابُ على التوليةِ، والانتقامُ بالمعصيةِ، فعلى المُرْسِلِ دونَ
المُؤْسَلِ(١).
وهذا من اللَّهِ تعالى وعيدٌ لمن تولَّى عن أمره ونهيه . يقولُ لهم تعالى ذكره : فإن
توليتم عن أمرِى ونهى، فتوقَّعُوا عقابى، واحذروا سَخَطى .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُوْاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُوْ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَهُ يُحِبُّ
اَلْمُحْسِنِينَ ®
يقولُ تعالى ذكرُه للقوم الذين قالوا - إذ أنْزل اللَّهُ تحريم الخمرِ بقوله: ﴿ إِنَّمَا
اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ -: كيف بمن هلك
من إخواننا وهم يَشرَبونها، وبنا وقد كنا نشرّبُها: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ منكم حرجٌ فيما شرِبوا من ذلك، فى الحالِ التى لم يكنِ اللَّهُ تعالى حرَّمه
عليهم ، ﴿ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: إذا ما اتَّقَى اللَّهَ الأحياءُ
منهم ، فخافُوه وراقَبوه فى اجتنابِهم ما حرَّم عليهم منه ، وصدَّقوا اللَّهَ ورسولَه فيما
أمَراهم ونَهَياهم، فأطاعوهما فى ذلك كلِّه، ﴿ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ:
واكتسبُوا من الأعمالِ ما يَوْضاه اللهُ فى ذلك، ممّا كلفهم بذلك ربُّهم، ﴿ ثُمَّ أَتَّقَواْ
وَءَامَنُواْ﴾. يقولُ: ثم خافُوا اللَّهَ وراقَبوه، باجتنابِهم محارمَه بعدَ ذلك التكليف
أيضًا، فثبتوا على اتقاءِ اللَّهِ فى ذلك، والإيمانِ به، ولم يُغيِّروا ولم يبدِّلوا، ﴿ ثُمَّ أَتَّقَواْ
وَأَحْسَنُواْ﴾، يقولُ: ثم خافوا اللَّهَ، فدعاهم خوفُهم اللَّهَ إلى الإحسانِ، وذلك
(١ - ١) فى م: ((المرسل إليه دون الرسل)).
٦٦٥
سورة المائدة : الآية ٩٣
الإحسانُ هو العملُ بما لم يَفْرِضْه عليهم من الأعمالِ ، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى
ربِّهم ؛ طلَبَ رِضاه، وهربًا من عقابِهِ، ﴿ وَالَّهُ يُحِبُّ الْمُحْيِينَ﴾، يقولُ: واللّهُ يحِبُ
المتقرِّيين إليه بنوافلِ الأعمالِ التى يرضاها .
فالاتِّقاءُ الأولُ هو الاتقاءُ بتلقِّى أمرِ اللَّهِ بالقبولِ والتصديقِ والدَّيْنُونةِ به والعملِ ،
والاتقاءُ الثانى الاتقاءُ بالثباتِ على التصديقِ، وتركِ التبديلِ والتغييرِ، والاتقاءُ
الثالثُ هو الاتقاءُ بالإحسانِ(١) ، والتقرُّبِ بنوافلِ الأعمالِ .
فإن قال قائلٌ: ما الدليلُ على أن الاتقاءَ الثالثَ هو الاتقاءُ بالنوافل، دونَ أن
يكون ذلك بالفرائضِ ؟
قيل : إنه تعالى ذكره قد أَخْبَر عن وضعِه الجُناعَ عن شاربى الخمرِ التى شرِبوها
قبلَ تحريمِه إِيَّها، إذا (٢) هم اتقوا اللَّهَ فى شربها بعدَ تحريمِها، وصدَّقوا اللَّهَ ورسولَه فى
تحريمها، وعملوا الصالحات من الفرائض. ولا وجه لتكرير ذلك وقد مضی ذکژه فى
آيةٍ واحدةٍ .
وبنحوِ الذى قلنا من أن هذه الآيةَ نزَلت فيما ذكرنا أنها نزلت فيه ، جاءت
الأخبارُ عن الصحابة والتابعين .
ذكرُ من قال ذلك
/ حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرىِّ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ٣٧/٧
ثنا أبى ، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكِ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما نزَل تحريمُ
الخمرِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فكيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمرَ؟
(١) فى ت ١: ((بالنوافل والإحسان)).
(٢) فى ص، ت ١، س: ((فإذا)).
٦٦٦
سورة المائدة : الآية ٩٣
فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ الآية (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، عن إسرائیلَ پإسنادِه نحوَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنى عبدُ الكبيرِ بنُ عبدِ المجيدِ ، قال : أخبرنا عبادُ
ابنُ راشدٍ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: بينا أنا أَديرُ الكأسَ على أبي طلحةَ،
وأبى عُبيدةَ بنِ الجرّاحِ، ومعاذٍ بنٍ جبلٍ، وسُهيلٍ ابنٍ بَيْضاءَ، وأبى دُجانةَ، حتى
مالت رءوسُهم من خليطٍ بُشْرٍ وتمرٍ ، فسمِعنا مناديًا ينادى: ألا إن الخمرَ قد حُرِّمت .
قال: فما دخَل علينا داخلٌ ، ولا خرَج منا خارجٌ، حتى أَهْرَقنا الشراب ، و کسرنا
القِلالَ(٢)، وتوضَّأُ بعضُنا، والغْتَسلَ بعضُنا، فأَصَبْنا من طيبٍ أمّ سُليم، ثم خرَجنا إلى
المسجدِ ، وإذا رسولُ اللَّهِ مَامِ [١٤/١ ٧ظ] يقرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلْخَرُ وَالْمَيْسِرُ
وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَهَلْ
أَنْثُم مُّنْتَهُونَ﴾. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، فما منزلةُ من مات منا وهو يشرَبُها؟
فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾
الآية . فقال رجلٌ لقتادةَ : سمِعتَه من أنسٍ بنِ مالكِ؟ قال : نعم . وقال رجلٌ لأنسٍ
ابنِ مالكِ: أنت سمِعتَه من رسولِ اللَّهِ عَامِ؟ قال: نعم - أو:(١) حدَّثنى من لم
يكذِبْ، واللَّهِ ما كنا نكذِبُ، ولا ندرى ما الكَذِبُ(٤).
(١) أخرجه أحمد ٢٣٤/١ (٢٠٨٨) عن وكيع به، وأخرجه أحمد ٢٧٢/١، ٢٩٥، ٣٠٤ (٢٤٥٢،
٢٦٩١، ٢٧٧٥)، وعبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٥٢)، والطبرانى فى الكبير ٢٧٨/١١ (١١٧٣٠)،
والحاكم ٤ / ١٤٣، والبيهقى فى الشعب (٥٦١٧) من طرق عن إسرائيل به . وقال الترمذى: حسن صحيح.
وصحح الحاكم إسناده، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٢ إلى الفريابى وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) القلال: جمع القلة : الجرة العظيمة . اللسان (ق ل ل).
(٣) فى م: ((و)).
(٤) فى كشف الأستار ومجمع الزوائد: ((يكذبنى)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٧٣/٣ عن المصنف، وأخرجه البزار (٢٩٢٢ - كشف) من طريق =
٦٦٧
سورة المائدة : الآية ٩٣
حدَّثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن البَرَاءِ، قال: لما حُرِّمت الخمر قالوا: كيف بأصحابِنا الذين ماتوا وهم يشربون
الخمر١َ)؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾
الآية(٢) .
(٣ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبی
إسحاقَ، قال: قال البَراءُ: مات ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَ اللّه وهم يشربون
الخمر، فلما نزل تحريمها قال أُناسٌ من أصحاب النبيّ سالم : فکیف بأصحابنا الذین
ماتوا وهم يشرَبونها؟ فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ الآية .
حدَّثنا هنَّادٌ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةَ ، قال: أخبرنا داودُ ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ، قال: نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُوَا﴾. فى من قُتِل بيدٍ وأُحدٍ مع محمد عََّ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا خالدُ بنُ مخْلَدٍ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُشْهِرٍ، عن
= أبى بكر الحنفى عبد الكبير بن عبد المجيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى أبى الشيخ وابن
مردويه .
(١ - ١) فى ص: ((يشربونها)).
(٢) أخرجه عبد بن حميد وعنه الترمذى (٣٠٥٠) من طريق إسرائيل به، وقال: حسن صحيح.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١.
والحديث أخرجه الترمذى (٣٠٥١)، وأبو يعلى (١٧١٩)، وابن حبان (٥٣٥٠) من طريق محمد
ابن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (٧٥٠)، وأبو يعلى (١٧٢٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠١/٤
(٦٧٧٥)، وابن حبان (٥٣٥١)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٥٦ من طريق شعبة به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى المصنف. وينظر ما سيأتى فى ص ٦٦٩.
٦٦٨
سورة المائدة : الآية ٩٣
الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾. قال رسولُ اللَّهِ سَ له: (( قِيل
لى: أنتَ منهم))(١).
٣٨/٧
/ حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُوْ﴾. إلى قوله: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: لما أَنْزَل اللّهُ تعالى ذكرُه تحريم الخمرِ فى
سورةِ (المائدة)) بعدَ سورةِ ((الأحزابِ))، قال فى ذلك رجالٌ من أصحاب رسولٍ
اللَّهِ مَّهِ: أُصِيب فلانٌ يومَ بدرٍ، وفلانٌ يومَ أحدٍ ، وهم يشرَبونها، فنحن نشهَدُ
أنهم من أهل الجنةِ. فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَمَامَنُواْتُم
أَتَّقُواْ وَأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْنِينَ﴾. يقولُ: شرِبها القومُ على تقوَى من اللَّهِ وإحسانٍ،
وهى لهم يومَئذٍ حلالٌ، ثم محُرِّمت بعدَهم، فلا جناحَ عليهم فى ذلك(١) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ما نقولُ لإخوانِنا الذين مضَوْا، كانوا
يشربون الخمرَ، ويأكلون المَسِرَ؟ فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
القَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾. يعنى قبلَ التحريم، إذا كانوا محسنين متقين. وقال
(١) أخرجه الترمذى (٣٠٥٣) عن سفيان بن وكيع به، وأخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٥٣) من طريق
خالد بن مخلد به ، وأخرجه مسلم (٢٤٥٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠١/٤، ١٢٠٢ (٦٧٧٦)
من طريق على بن مسهر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٢/٤ (٦٧٧٨)، والطبرانى
(١٠٠١١)، والحاكم ١٤٣/٤ من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى ابن
مردويه وأبى الشيخ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
٦٦٩
سورة المائدة : الآية ٩٣
مرةً أخرى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ من
الحرامِ قبلَ أن يُحرَّمَ عليهم، ﴿ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ﴾، بعدَ ما حُرِّم عليهم ، وهو
قولُه: ﴿ فَمَنْ جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ زَّيِّهِ، فَأَنْتَهَى فَمُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُواْ﴾: يعنى بذلك رجالاً من أصحابِ النبيِّ يَّهِ، ماتوا وهم يشربون الخمرَ قبلَ
أن تحرَّمَ الخمرُ، فلم يكنْ عليهم فيها جُناٌ قبلَ أن تحرَّمَ ، فلما حُرِّمت قالوا : كيف
تكونُ علينا حرامًا ، وقد مات إخوانُنا وهم يشرَبونها؟ فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوَاْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾. يقولُ: ليس عليهم حَرَجٌ فيما كانوا يشرَبون قبلَ أَن أَحرِّمَها ، إذا كانوا
محسنين مثَّقِين، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْحْسِينَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾: لمن كان يشرب الخمرَ ممن قُتل مع محمد ێ ببدر
وأُحدٍ(٤).
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفَرَج ، قال : سمِعتُ أبا معاذِ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال : ثنا
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤٢٢/١ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٢/٤
(٦٧٨٠)، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح، مقتصرا على
آخره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢١/٢ إلى ابن مردويه.
(٤) تفسير مجاهد ص ٣١٤، ٣١٥.
٦٧٠
سورة المائدة : الآية ٩٤
عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضخَّاكِ قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
جُنَاحٌ﴾ الآية: هذا فى شأنِ الخمرِ حينَ حُرِّمت، سألوا نبيَّ اللَّهِ عَ ظَهِ، فقالوا:
إخوانُنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ.
/ القولُ فى تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَّكُمُ اللَّهُ بِشَتْءٍ مِّنَ
اُلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيَكُمْ وَرِمَامُكُمْ﴾ .
٣٩/٧
يقولُ تعالى ذكره: يا أيها الذين(١) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾. يقولُ: ليختبِرَنَّكم اللَّهُ ﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾. يعنى: ببعضٍ
الصيد .
وإنما أَخْبَرِهم تعالى ذكرُه أنه يبلُوهم بشىءٍ؛ لأنه لم يبلُهم بصيدِ البحرِ ، وإنما
ابتلاهم بصيدِ البَرٌّ ، فالابتلاءُ ببعضٍ "لا بجميعٍ)) .
وقولُه: ﴿ تَنَالُهُ، أَيْدِيَكُمْ﴾. فإنه يعنى: إما باليدِ، كالبيضِ والفراخِ، وإما
بإصابةِ النَّبْلِ والرماح، وذلك كالحُمُرِ والبقرِ والظّباءِ، فيمتحِنُكم به فى حالٍ
إحرامِكم بعمرتكم أو بحجّكم .
وبنحوِ ذلك قالت جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنَّدٌ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً، قال: أخبرنا وَرْقَاءُ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ، أَيْدِيْكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ .
(١) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((آمنوا)).
(٢ - ٢) سقط من: س، وفى ص: ((لا يحشع)). وفى م: ((لم يمتنع))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣:
((يخشع))، وكله تحريف عما أثبتناه .
٦٧١
سورة المائدة : الآية ٩٤
قال: أيديكم؛ صغارُ الصيدِ، أخذُ الفراخ والبيضِ، والرّمامح، قال: كبارُ
(١)
الصيد(١).
حدَّثنا هنَّدٌ ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً، عن داودَ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ
مثله .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿تَنَالُهُ( أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: النبلُ، [٧١٥/١و]
و "رماحُكم تنالُ كبيرَ الصيدِ، وأيديكم تنالُ صغيرَ الصيدِ؛ أخذُ الفَرْخِ والبيضِ.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ ،
عن حميدِ الأعرج، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ:
أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: ما لا يستَطيعُ أن يفِرَّ من الصيد.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ ، قالا : ثنا سفيانُ ، عن
حميد الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَيَدِيَكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: هو الضعيفُ من الصيدِ
وصغيرُه ، يبتلى اللَّهُ تعالى ذكرُه به عبادَه فى إحرامِهم ، حتى لو شاءوا نالوه بأيديهم،
(١) تفسير مجاهد ص ٣١٥ ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ١٩٣/١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٣/٤
(٦٧٨٦، ٦٧٨٧)، والبيهقى ٥/ ٢٠٢، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨١٧٢) من طريق ابن أبى نجيح
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى التفسير ١٢٠٣/٤ (٦٧٨٥) من طريق وكيع وأبى نعيم به بنحوه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٢ إلى أبى الشيخ .
٦٧٢
سورة المائدة : الآية ٩٤
فنهاهم اللَّهُ أن يقرّبوه (١).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ الثورىُّ، عن
حميدِ الأُعرج وليثٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ، أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾. قال: الفراخُ والبيضُ، وما لا يستطِيعُ
أن یفِرَّ.
٤٠/٧
/القولُ فى تأويل قولِه عز ذكرُه: ﴿ لِبَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمُ (
٩٤
يعنى (١) تعالى ذكرُه: ليختِرَنَّكم اللَّهُ أيها المؤمنون ببعضِ الصيدِ فی حالٍ
إحرامِكم، كى يعلَمَ أهلَ طاعةِ اللهِ والإِيمانِ به، والمنتهين(٢) إلى حدودِه وأمرِهِ
ونهيِهِ، ومن الذى يخافُ اللَّهَ، (° فيتقى ما°) نهاه عنه ويجتنبُه خوفَ عقابه،
پِالْغَيْبٍ﴾ . بمعنى: فی الدنیا بحيث لا يراه .
وقد بيّنا أن الغيب إنما هو مصدرُ قولِ القائل : غاب عنی هذا الأمرُ، فهو یغیبُ
غيبًا وغَيْبةً. وأن ما لم يُعايَنْ، فإن العربَ تسمِّيه غَيْبًا(٢) .
فتأويلُ الكلام إذن : ليعلَمَ أولياءَ اللَّهِ ؛ من يخافُ اللَّهَ، فيتَّقَى محارمَه التى
حرَّمها عليه من الصيدِ وغيرِهِ ، بحيث لا يراه ولا يعاينُه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٣/٤ (٦٧٨٤) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول)).
(٣) فى م: ((المنتهون)).
(٤) سقط من : م.
(٥ - ٥) فى س: ((فينتهى عما)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٢٤١/١ وما بعدها .
٦٧٣
سورة المائدة : الآيتان ٩٤، ٩٥
وأما قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. فإنه يعنى: فمن تجاوز حدَّ اللَّهِ الذى
حدَّه له ، بعدَ ابتلائِه بتحريم الصيدِ عليه وهو حرام، فاستحلَّ ما حرَّم اللَّهُ عليه منه ،
بأخذِه وقتلِه، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ من اللّهِ ﴿أَلِيمٌ﴾. يعنى: مؤلِمٌ مُوجِعٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
وَمَنْ قََّهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيها الذين(١) صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾
الذى بينتُ لكم، وهو صيدُ البِّدونَ صيدِ البحرِ، ﴿ وَأَنْتُمْ حُرٌ﴾. يقولُ: وأنتم
مُخْرِمون بحجّ أو عمرةٍ .
والحُرُمُ جمعُ حَرامٍ، والذكر والأنثى فيه بلفظٍ واحدٍ ، يقالُ(٢): هذا رجلٌ
حَرَامٌ، وهذه امرأةٌ حَرَامٌ. فإذا قيل: مُخْرِمٌ. قيل للمرأةِ : مُخْرِمٌ. والإحرامُ هو
الدخولُ فيه، يقالُ: أَخْرَم القومُ. إذا دخلوا فى الشهرِ الحرامِ(٣)، أو فى الحَرَمِ.
فتأويلُ الكلامِ: لا تقتُلُوا الصيدَ وأنتم مُخْرِمون بحج أو عمرةٍ .
وقولُه: ﴿وَمَنْ قَذَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ . فإن هذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه
حكمَ القاتلِ من المحرِمين الصيدَ الذى نهاه عن قتلِه متعمِّدًا .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ العَمْدِ الذى أَوْجَب اللَّهُ على صاحبِه به الكفارةَ
والجزاءَ فى قتلِه الصيدَ ؛ فقال بعضُهم: هو العمدُ لقتلِ الصيدِ ، مع نسيانِ قاتِلِه
إحرامَه فى حالٍ قتله. وقال: إنْ قتَله وهو ذاكرٌ إحرامَه، متعمِّدًا قتلَه، فلا حكمَ
عليه ، وأمره إلى اللَّهِ. قالوا: وهذا أجلُّ أمرًا من أن يُحْكَمَ عليه أو يكونَ له كفَّارةٌ .
(١) بعده فى س: (( آمنوا)).
(٢) فى م: (( تقول)).
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وفى الحرم)).
( تفسير الطبرى ٤٣/٨)
٦٧٤
سورة المائدة : الآية ٩٥
٤١/٧
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ ، قال : ثنا ابنُ عُبينةً ، عن ابنِ أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ :
وَمَنْ قَثَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾: من قتله منكم ناسيًا
لإِحرامِه، متعمِّدًا لقتلِه، فذلك الذى يُحْكَمُ عليه، فإن قتله ذاكرًا لحُزْمِه (١)، متعمّدًا
لقتله، لم يُحْكَمْ عليه (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيع وابنُ حميدٍ ، قالا : ثنا جريرٌ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ فی الذی
يقتُّلُ الصيدَ متعمِّدًا، وهو يعلَمُ أنه مُحْرِمٌ، ويَتَعمَّدُ(١) قتله، قال: لا يُخْكَمُ عليه، ولا
حجَّ له . وقولُه: ﴿ وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. قال: هو العمدُ المكفَّرُ، وفيه الكفّارةُ ،
والخطأ أن يصيبه وهو ناسٍ لإحرامِه (٢) ، متعمِّدًا لقتله، أو يصيبه وهو يريدُ غيرَه،
فذلك(٥) يُحْكَمُ عليه مرةً (٦).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی، عن ابنِ أُبی
ج
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ : غيرَ ناسٍ
لحُوْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد حلَّ (١)، وليست له رخصةٌ، ومن قتَله ناسيًا، أو أراد غيرَه
(١) أى : إحرامه.
(٢) تفسير مجاهد ص ٣١٥، وأخرجه الشافعى فى الأم ١٨٣/٢ ومن طريقه البيهقى فى المعرفة (٣١٤٦)،
وسعيد بن منصور في سننه (٨٢٨ - تفسير) عن سفيان بن عيينة به بشطره الأول، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (٨١٧٣، ٨١٧٤)، وفى تفسيره ١٩٣/١ من طريق ابن أبى نجيح به بشطره الأول، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣٢٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٣) فى م: (( متعمد)) .
(٤) فى م: (( حرمه)) .
(٥) بعده فى س: ((الذى)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه ٣٩٠/٤ (٨١٧٤) من طريق ليث به بنحوه .
(٧) كذا فى النسخ فى هذا الموضع، وتفسير مجاهد. وينظر ما سيأتى فى الآثار عن مجاهد، وتفسير الإمام
الشافعی له .
٦٧٥
سورة المائدة : الآية ٩٥
فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّوُ(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ قَتَلَهُ.
مِنكُم مُتَعَمِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتلِه، ناسيًا الإحرامِه .
حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعىُّ ، قال : ثنا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ ، عن ليث ، عن
مجاهدٍ ، قال : العمدُ هو الخطأُ المكفَّرُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ ، قال : ثنا يونسُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا عبدُ الواحدِ بنُ
زيادٍ ، قال: ثناليثٌ، قال: قال مجاهدٌ: قولُ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ
مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾. قال: فالعمدُ الذى ذكَر اللّهُ تعالى أن يصيبَ الصيدَ وهو
يريدُ غيرَه ، فيصيبَه، فهذا العمدُ المكفَّرُ، فأما الذى يصيبُه غيرَ ناسٍ ، ولا مريدٍ لغيرِه ،
فهذا لا يُحْكَمُ عليه، هذا ("أجلُّ من) أن يُحْكَمَ عليه .
حدَّثنا ابنُ وكيع ومحمدُ بنُ المثنى ، قالا : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةً، عن
الهيثم، عن الحكم، عن مجاهدٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَمَنْ قَتْلَهُ مِنْكُمْ
مُتَعَمِّدًا﴾. قال: يقتُلُه متعمّدًا لقتلِه ناسيًا لإحرامِه .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىِّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الهيثم، عن
الحكم، عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً، قال: قال ابنُ جريجِ: ﴿وَمَنْ قََّلَهُ مِنْكُمْ
مُتَعَمِّدًا﴾: غيرَ ناسٍ لحُزْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلّ(١) ، وليست له رخصةٌ ، ومن
قتله ناسيًّا لِحُرْمِه، أو أراد غيرَه فَأَخْطَأ به، فذلك العمدُ المكفَُّ().
(١) تفسير مجاهد ص ٣١٥.
(٢ - ٢) فى م: ((من أجل)).
(٣) فى م: ((رحل)). وينظر الصفحة السابقة، وسيأتى تفسيره قريبا.
(٤) أخرجه الشافعى فى الأم ١٨٣/٢ ومن طريقه البيهقى فى المعرفة (٣١٤٥) من طريق ابن جريج =
٦٧٦
سورة المائدة : الآية ٩٥
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا سهلُ بنُّ يوسفَ، عن عمرٍو، عن الحسنِ: ﴿ وَمَن
قَلَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا﴾: للصيدِ، ناسيًا لإحرامِه، فمن اعتدى بعدَ ذلك متعمّدًا
للصيدِ، يذكُرُ إحرامه(١).
٤٢/٧
/ حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عدىٍّ، قال: ثنا [١١٥/١ظ]
إسماعيلُ بنُ مسلم ، قال: كان الحسنُ يفتى فى من قتل الصيدَ متعمّدًا ذاكرّالإحرامِه:
لم يُحْكَمْ عليه. قال إسماعيلُ: وقال حمادٌ عن إبراهيمَ مثلَ ذلك (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عفانُ بنُ مسلم، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ ،
قال: أمرنى جعفرُ بنُّ أبى وَحْشِيَّةَ أَن أسألَ عمرو بنَ دينارٍ عن هذه الآيةِ: ﴿ وَمَنْ قَلَهُ
مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية. فسألتُه، فقال: كان عطاءً يقولُ :
هو بالخيارِ، أَّ ذلك شاء فعَل، إن شاء أَهْدَى، وإن شاء أَطْعَم ، وإن شاء صام.
فأخْبَرِتُ به جعفرًا ، وقلتُ: ما سمِعتَ فيه؟ فتلكَّأ ساعةً، ثم جعَل يضحَكُ ولا
يُخْبِرُنِى، ثم قال: كان سعيدُ بنُ جبيرٍ يقولُ: يُحْكُمُ عليه من النَّعَمِ هَذْيًا بالغَ
الكعبة، إنما مُجُعِل الطعامُ والصيامُ، فهذا لا يَتْلُغُ ثمنَ الهدي، والصيامُ فيه من ثلاثةِ
أيامٍ إلى عشَرةٍ .
حدَّثنا ابنُ البَرْقِيّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ ، قال :
أخبرنى ابنُ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿ وَمَنْ قَثَلَُ مِنْكُم مُّتَعَيِّدًا ﴾ : غیرَ ناسٍ
لُحُزْمِه، ولا مريدٍ غيرَه، فقد أحلّ(١) ، وليست له رخصةٌ، ومن قتله ناسيًا، أو أراد
= عن مجاهد، وسیأتی فی ص ٦٧٧.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٢ إلى المصنف وأخرج عبد الرزاق (٤١٨٤) عن هشام بن حسان
قال: وقال الحسن: يحكم عليه كلما أصاب فى الخطأ والعمد، وبنحوه ابن أبى شيبة ٩٨/٤، وابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٢٠٩/٤ (٦٨٢١).
(٢ - ٢) فى م: ((فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوم طعاما فتصدق به، فإن لم يجد عليه حكم)).
(٣) فى م، والدر المنثور: ((حل)). وقال الإمام الشافعى: أحسبه يذهب إلى: أحل عقوبة الله . وينظر ما تقدم
فى ص ٦٧٤، والصفحة السابقة .
٦٧٧
سورة المائدة : الآية ٩٥
غيرَه فأخطأ به، فذلك العمدُ المكفَّرُ(١).
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : أما الذى يتعمَّدُ فيه
الصيدَ وهو ناسٍ لحُرْمِه، أو جاهلٌ أن قتلَه(١) محرَّمٌ، فهؤلاء الذين يُحْكَمُ عليهم، فأما
من قتله متعمّدًا بعدَ نهى اللَّهِ ، وهو يعرِفُ أنه محرمٌ ، وأنه حرامٌ ، فذلك يُوكلُ إلى نقمةٍ
اللَّهِ ، وذلك الذى جعَل اللَّهُ عليه النقمةَ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ قَلَهُ
مِنكُم مُّتَعَيِّدًا﴾. قال: متعمِّدًا لقتله، ناسيًّا لإحرامِه .
وقال آخرون : بل ذلك هو العمدُ من المحرِمِ لقتلِ الصيدِ ذاكرًا لحُوْمِه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى ، عن سفيانَ ،
عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ، قال: يُحْكَمُ عليه فى العمدِ والخطأ والنسيانِ (٣).
حدَّثنا هنَّدٌ ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ ، قال: ثنا ابنُ جريج، وحدَّثنا عمرُو بنُ
علىّ ، قال : ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: قال طاوسٌ: واللهِ ما قال اللَّهُ إلا:
(٤)
﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّدًا ﴾
(١) أخرجه الشافعى فى الأم ١٨٣/٢ ومن طريقه البيهقى فى المعرفة (٣١٤٥) من طريق ابن جريج به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) بعده فى النسخ: ((غير)). والمثبت ما يقتضيه المعنى.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤/٤ عن وكيع به بنحوه، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٦/٤ (٦٨٠٣)
من طريق سفيان به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٦/٤ من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨١٨١)، وهو فى تفسيره ١٩٤/١ عن معمر عن أيوب عن طاوس به
وفيه زيادة ، وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٥/٤ عن ابن علية، وابن أبى حاتم فى التفسير ١٢٠٥/٤ (٦٧٩٧) عن
أبى سعيد الأشج عن ابن علية عن أيوب قال : نبئت عن طاوس، فذكر نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وقال ابن كثير فى تفسيره ٣/ ١٨٣: وهو مذهب غريب عن =
٦٧٨
سورة المائدة : الآية ٩٥
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنى بعضُ أصحابِنا عن
الزُّهرىِّ، أنه قال : نزَل القرآنُ بالعَمْدِ، وجرت الشّنةُ فى الخطأّ. يعنى فى المَحْرِمِ
يصيبُ الصيدَ(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
ج
﴾ . قال: إِن قتله متعمِّدًا أو ناسيًا، محكِم عليه، وإن عاد متعمّدًا ، عُجّلت له
العقوبةُ ، إلا أن يعفوَ اللَّهُ(٢).
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن الأعمشِ، عن عمرو بنِ مرةً، عن سعيدِ ٤٣/٧
ابنِ جبيرٍ، قال: إنما جُعِلت الكفَّرةُ فى العمدِ ، ولكن غُلِّظ عليهم فى الخطأ كى
(٣)
يَتَّقُوا(٢) .
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو معاويةً ووكيعْ، قالا: ثنا الأعمشُ، عن
عمرو بنِ مرةً، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ نحوَه .
حدَّثنا ابنُ البَرْقَيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا نافعُ بنُ يزيدَ ، قال :
أخبرنا ابنُ جريج، قال: كان طاوسٌ يقولُ: واللهِ ما قال اللّهُ إلا: ﴿ وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُمْ
(٤)
مُتَعَمِّدًا﴾ (٤).
والصوابُ من القولٍ فى ذلك عندَنا أن يقالَ: إن الله تعالى حرَّم قتلَ صيدِ البرّ
= طاوس. وهو متمسك بظاهر الآية .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٨١٧٨) عن معمر عن الزهرى نحوه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٢٠٥/٤ (٦٧٩٦) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٢٥/٤ عن وكيع به، بلفظ: الجزاء بدلا من: الكفارة .
(٤) ينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٦٧٧ .
٦٧٩
سورة المائدة : الآية ٩٥
على كلِّ مُخْرِمٍ فى حالِ إحرامِه ما دام حَرامًا ، بقولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ
اُلصَّيْدَ﴾. ثم بينَّ حكمَ من قتَل ما قتَل من ذلك فى حالٍ إحرامِه متعمِّدًا لقتله ، ولم
يخصِّصْ به المتعمِّدَ قتلَه فى حالٍ نسيانِهِ إحرامَه ، ولا المخطئَّ فى قتلِه فى حالٍ ذکرِه
إحرامَه ، بل عمَّ فى التنزيلِ بإيجابِ الجزاءِ كلَّ قاتلٍ صيدٍ فى حالٍ إحرامِه متعمِّدًا .
وغيرُ جائزٍ إحالةٌ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ من التأويلِ لا دلالةَ عليه من نصِ كتابٍ،
ولا خبرٍ لرسولِ اللَّهِ) عَّهِ، ولا إجماعٍ من الأمةِ، ولا دلالةَ من بعضٍ هذه الوجوهِ.
فإذا كان ذلك كذلك، فسواءٌ كان قاتلُ الصيدِ من المحرمين عامدًا قتلَه ذاكرًا
الإحرامِه، أو عامدًا قتلَه ناسيًا لإِحرامِه، أو قاصدًا غيرَه فقتله ذاكرّا لإِحرامِه - فى أن
على جميعِهم من الجزاءِ ما قال ربّنا تعالى ، وهو مثلُ ما قتَل من النَّعَم ، يحكُمُ به ذوا
عَدْلٍ من المسلمين، أو كفَّارةٌ طعامُ مساكينَ، أو عدلُ ذلك صيامًا . وهذا قولُ عطاءٍ
والزُّهْرىّ الذى ذكرناه عنهما (٢ وغيرِهما٢) ، دونَ القولِ الذى قاله مجاهدٌ .
وأما ما يلزَمُ بالخطأُ قاتلَه، فقد بيَّنا القولَ فيه فى كتابِنا ((كتاب لطيفِ القولِ فى
أحكامِ الشرائع))، بما أغنى عن ذكرِه فى هذا الموضعِ، وليس هذا الموضعُ موضعَ
ذكرِه؛ لأن قصدَنا فى هذا الكتابِ الإبانةُ عن تأويلِ التنزيلِ، وليس فى التنزيلٍ
للخطأ ذكرٌ فنذكُرَ أحكامَه.
وأما قولُه: ﴿ فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. فإِنه يقولُ: وعليه ◌ِفَاءٌ(٣)
وبدلٌ . يعنى بذلك جزاءً الصيدِ المقتولِ. يقولُ تعالى ذكرُه : فعلى قاتلِ الصيدِ جزاءُ
الصيدِ المقتولِ ، مثلُ ما قتَل من النَّعَم . وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ : ( فجزاؤه
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كتاب نص ولا خبر الرسول)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كفارة)). والكفاء: المثل والنظير وقَدْر الشىء. ينظر اللسان (ك فأ).
٦٨٠
سورة المائدة : الآية ٩٥
مثلُ ما قتَل من النَّعَمِ)(١).
وقد اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ البصريِّين :
(فجزاءُ مثلٍ ما قتَل من النَّعَمِ)(١). بإضافةِ الجزاءِ إلى المثلِ، وخفضِ المثلِ.
وقرأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَلَ﴾. بتنوينٍ [٧١٦/١ و]
الجزاءِ ورفعِ المثل بتأويلٍ: فعليه جزاءٌ مثلُ ما قتَل .
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابٍ () قراءةُ من قرَأ: ﴿ فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ﴾ .
بتنوينِ الجزاءِ ورفع المثلِ؛ لأَن الجزاءَ هو المثلُ، فلا وجهَ لإضافةِ الشىءٍ إلى نفسِه .
وأحسَبُ أن الذين قرءوا ذلك بالإضافةِ ، رأوا أن الواجبَ على قاتلِ الصيدِ أن
يجزِیَ مثلَه من الصیدِ بمثل من النَّعم . وليس ذلك(٢) کالذی ذهبوا إليه، بل الواجبُ
على قاتلِه أن يَجْزِىَ المقتولَ نظيرَه من النَّعم. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثلُ هو الجزاءُ
الذى أَوْجَبه / اللَّهُ تعالى على قائلِ الصيدِ، ولن(٦) يضافَ الشىءُ إلى نفسِه . ولذلك
لم يقرأُ ذلك قارئٍّ علِمناه بالتنوينِ ونصبٍ ((المثلِ)) (١). ولو كان المثلُ غيرَ الجزاءِ لجاز
فى المثلِ النصبُ إذا نُوِّن الجزاءُ، كما نُصِب اليتيمُ ، إذ كان غيرَ الإطعامِ فى قوله :
يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وكما نُصِب
﴿أَوْ إِطِعَهُ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
الأمواتُ والأحياءُ ونُوِّن الكِفاتُ فى قولِه: ﴿أَلَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًّا (١٥) أَخْيًَّ
٤٤/٧
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٤/٣ عن المصنف، والقراءة شاذة لم ترد عن أحد من القراء العشرة ، وهى
مخالفة لرسم المصحف ، وينظر البحر المحيط ٤/ ١٩.
(٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧.
(٣) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق ص ٢٤٨.
(٤) القراءتان متواترتان ، وكلتاهما صواب .
(٥) فى م: (( كذلك)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣ س: (فإن))، واستظهر الشيخ شاكر أن تكون: ((لا)).
(٧) بل قد قرأ ذلك كذلك أبو عبد الرحمن السلمى، كما ذكره ابن جنى فى المحتسب ٢١٨/١، وأبو حيان
فى البحر المحيط ٤/ ١٩.