النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة المائدة : الآية ٨٣
(٨٣)
اُلَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ
/ يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا سمِع هؤلاء الذين قالوا: إنا نصارى - الذين ٥/٧
وصفْتُ لك يا محمدُ صفتَهم أنك تجدُهم أقربَ الناسِ مودةً للذين آمنوا - ما أَنزِل
إليك من الكتابِ يُتْلَى، ﴿تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾. وفيضُ العينِ من
الدمع امتلاؤُها منه ، ثم سيلاتُه منها ، كفيضِ النهرِ من الماءِ ، وفيضِ الإِناءِ، وذلك
سيلانُه عن شدةِ امتلائِه، ومنه قولُ الأعشى(١):
(٢ /٥(٣)
نُ(٢) "إمّا وَكِيفًا) وإمَّا انْحدارا
فَفَاضَتْ دُمُوعِى "فَظَلَّ(٢) الشُّئو
وقولُه: ﴿مِّمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: فيضُ دموعهم لمعرفتهم بأن الذى
يُثْلَى عليهم من كتابِ اللَّهِ الذى أنزله إلى رسولِ اللَّهِ حقٌّ .
كما حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرىِّ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ
الهَمْدانُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ السُّدِّىِّ، قال: بعَث النجاشىُّ إلى
النبيِّ يَ ◌ِّ اثنى عشرَ رجلًا يسألونه ويأتونه بخَبَرِه، فقرَأْ عليهم رسولُ اللَّهِ عَهِ القرآنَ
فبَكَوْا، وكان منهم سبعةٌ رُهبانٌ "وخمسةٌ قِسيسون، أو خمسةٌ رهبانٌ [٧٠٦/١و]
وسبعةٌ قِسيسونْ)، فأنزل اللَّهُ فيهم: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٦).
(١) ديوانه ص ٤٥.
(٢ - ٢) فى الديوان: ((كفيض الغروب)). والغروب: جمع غرب، وهو الدلو العظيمة. والشئون: جمع
شأن ، وهو مجرى الدمع إلى العين. القاموس المحيط (غ رب، ش أن ).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فطل))، وغير منقوطة فى ص، والصواب ما أثبت .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. والوكيف: أن يسيل الدمع قليلاً قليلاً.
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وخمسة قسيسين أو خمسة رهبان أو سبعة)).
(٦) تقدم تخريجه فى ص ٥٩٦ .

٦٠٢
سورة المائدة : الآية ٨٣
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: ثنا عمرُ بنُ على١ّ) بنِ مُقَدَّم، قال: سمِعتُ هشامَ
ابنَ عروةَ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، قال: نزَلتْ فى النجاشىّ وأصحابِه :
﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ (١).
حدَّثْنا هنادٌ ، قال: ثنا عبدةُ بنُ سليمانَ(٢) ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه فى
قولِه: ﴿تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ اُلْحَقِّ﴾. قال: ذلك فى
(٤)
النجاشيّ(٤).
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا أبو معاويةً، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه،
قال: كانوا يرون أن هذه الآيةَ أَنزِلت فى النجاشيّ: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ ﴾ .
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيرِ، قال: قال ابنُ إسحاقَ : سألتُ الزهرىَّ
عن الآياتِ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْرُونَ
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ الآية. وقولِه:
﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. قال: ما زلتُ أسمعُ علماءَنا
يقولون : نزَلتْ فى النجاشىِّ وأصحابِه (٥) .
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٤٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٥/٤ (٦٦٨٠)، والطبرانى
١٠٧/١٣ (٢٥٨) من طريق عمرو بن على به، وأخرجه البزار (٢١٨٣) من طريق محمد بن عبد الرحمن
الطفاوى أو عمر بن على، عن هشام به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٢/٢ إلى أبى الشيخ وابن مردويه.
(٣) فى م، ص، س: (( سليم)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٨/١٤، ٣٤٩ عن عبدة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٣/٢ إلى أبى
الشيخ .
(٥) سيرة ابن هشام ٣٩٢/١ دون ذكر آية ((الفرقان)).

٦٠٣
سورة المائدة : الآية ٨٣
وأما قولُه: ﴿يَقُولُونَ﴾. فإِنه لو كان بلفظِ اسم كان نصبًا على الحالِ ؛ لأن
معنَى / الكلامِ : وإذا سمعوا ما أَنزِل إلى الرسولِ تَى أعينَهم تفيض من الدمع مما ٦/٧
عرَفوا من الحقِّ قائلين: ربَّنا آمنًا .
ويعنى بقوله تعالى ذكره: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا﴾. أنهم يقولون: يا ربَّنا،
صَدَّقنا لمَّ سمِعْنا مَا أَنزَلتَه إلى نبيِّك محمدٍ عَ لِّ من كتابِك، وأَقْرَرنا به أنه من عندِك ،
وأنه الحقُّ لا شكَّ فيه .
وأما قولُه : ﴿ فَأَكْثُبِنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ . فإنه ژُوِیَ عن ابنِ عباسٍ وغیرِه فى
تأويله ما حدَّثنا به هنادٌ ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى وابنُ ثُميرٍ،
جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿فَأَكْثُبْنَا
مَعَ الشَّهِدِينَ﴾. قال: أُمةُ محمدٍ عٍَّ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ :
فَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾: مع أمة محمدٍ ێّ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن على بنِ أبی
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾ : يعنون بالشاهدين
محمدًا عَ الِ وأمته .
حدَّثْنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾. قال: محمدٌ عَ له
وأمتُه ، إنهم شهِدوا أنه قد بلَّغ، وشهِدوا أن الرسلَ قد بلَّغتْ.
حدّثنا الربيعُ، قال : ثنا أسدُ بنُ موسی ، قال : ثنا یحیی بنُ زکریا ، قال: ثنی
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٥/٤ (٦٦٨١) من طريق وكيع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٧/٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.

٦٠٤
سورة المائدة : الآيتان ٨٣، ٨٤
إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مثل حديثِ الحارثِ بنِ
عبدِ العزيزِ، غيرَ أنه قال: وشهِدوا للرسلِ أنهم قد بلَّغُوا(١)
٠
فكأنَّ متأوَّلَ هذا التأويل قصَد بتأويلِه هذا إلى معنى قولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه :
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرُّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فذهَب ابنُ عباسٍ إلى أن الشاهدين هم الشهداءُ فى قولِه :
لِكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وهم أمةٌ محمدٍ مِّهِ .
وإذا كان التأويلُ ذلك، كان معنى الكلام: يقولون ربَّنًا آمنًا فاكتبْنا مع
الشاهدين الذين يَشهدون لأنبيائِك يومَ القيامةِ أنهم قد بلَّغوا أمَمَهم رسالاتِك .
ولو قال قائلٌ : معنى ذلك: فاكتبنا مع الشاهدين الذين يَشهدون أن ما أَنزَلْتَه
إلى رسولِك من الكتابِ حقٌّ. كان صوابًا؛ لأن ذلك خاتمةُ قولِه: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْمَآَ
أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ اُلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاً
ءَامَنَّا﴾. وذلك صفةٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه لهم بإيمانِهم، لِما سمِعوا من كتابِ اللَّهِ،
فتكونُ مسألتُهم أيضًا اللَّهَ أن يجعلَهم ممن صحَّت عندَه شهادتُهم بذلك، ويُلْحِقَهم
فی الثواب والجزاءِ منازلهم .
ومعنى الكتابِ فى هذا الموضع الجَعْلُ، يقولُ: فاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، وأَتْبِتْنَا
معهم فى عدادهم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ
٨٤
يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ
/ وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذِكرُه عن هؤلاء القومِ الذين وصَف صفتَهم فى هذه
٧/٧
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٥/٤ (٦٦٨٢) من طريق يحيى بن زكريا به ، وأخرجه الحاكم
٣١٣/٢ من طريق إسرائیل یه .
مرائيل

٦٠٥
سورة المائدة : الآيتان ٨٤ ، ٨٥
الآياتِ أنهم إذا سمِعوا ما أَنْزِل إلى رسولِه محمدٍ مِّهِ من كتابه، آمنوا به، وصدَّقوا
كتابَ اللَّهِ، وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِالَّهِ﴾. يقولُ: لا نُقِرُّ بوحدانيةِ اللَّهِ،
﴿ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقٌ﴾. يقولُ: وما جاءنا من عندِ اللَّهِ من كتابِه وآي تنزيله،
ونحن نطمعُ بإيمانِنا بذلك، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اُلْقَوْمِ الصَِّحِينَ﴾. يعنى بالقومِ
الصالحين: المؤمنين باللّهِ المطيعين له، الذين اسْتَحقوا من اللَّهِ الجنةَ بطاعتِهم إياه .
وإنما معنى ذلك : ونحن نطمَعُ أن يُدْخَلَنا ربُّنا مع أهلِ طاعتِه مداخلَهم من جنتِه
يومَ القيامةِ ، ويُلْحِقَ منازلَنا بمنازلهم ، ودرجاتِنا بدرجاتِهم فى جناتِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّٹنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ فی
قولِهِ: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ
الصَّلِحِينَ﴾. قال: القومُ الصالحون رسولُ اللَّهِ عَلِ وأصحابُه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ
٨٥
خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ(
يقول تعالى ذِكرُه: فجزاهم اللَّهُ بقولهم: ﴿رَبَّاَ ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ
﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ
اُلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ - ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يعنى: بساتينَ تَجْرِى
من تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿ خَلِينَ فِيهَا﴾. يقولُ: دائمًا فيها مُكْثُهم، لا
يُخرجون منها، ولا يُحوَّلون عنها، ﴿ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: وهذا
الذى جَزَيتُ هؤلاء القائلين بما وصفتُ عنهم من قيلهم على ما قالوا من الجناتِ التى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٦/٤ (٦٦٨٣) من طريق أصبغ ، عن ابن زيد .

٦٠٦
سورة المائدة : الآيات ٨٥ - ٨٧
هم فيها خالدون، جزاءُ كلِّ محسنٍ فى قيلِه وفعلِه ، وإحسانُ المحسنِ فى ذلك أن
يُوحِّدَ اللَّهَ توحيدًا خالصًا مَحْضًا، لا شرْكَ فيه ، ويُقِرَّ بأنبياءِ اللَّهِ وما جاءت به من عندٍ
اللَّهِ من الكتبِ ، ويؤدِّىَ فرائضَه ، ويَجتنِبَ معاصيه ، فذلك كمالُ إحسانِ المحسنين
الذين قال اللَّهُ تعالى ذِكرُه: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
الْجَحِيمِ ﴾
يقول تعالى ذِكرُه: وأما الذين جحدوا توحيدَ اللَّهِ، وأنكروا نبوةَ محمدٍ مائهم ،
وكذَّبوا / بآياتِ كتابِهِ، فَإِن ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلَْحِيمِ﴾ . يقولُ: هم سكانُها
واللابثون فيها .
٨/٧
والجحيمُ ما اشْتَدَّ من النارِ، وهو الجاحِمُ والجحيمُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
٨٧
وَلَا تَعْتَدُوَّأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
يقولُ تعالى ذكره : يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقَرُوا بما جاءهم به
نبيُهم ◌َ لِ أنه حقٌّ من عندِ اللَّهِ، ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. يعنى
بالطيباتِ : اللذيذاتِ التى تَشْتهِيها النفوسُ وتميلُ إليها القلوبُ ، فتمْنَعوها إِيَّاها ،
كالذى فعَله القِسِّيسون والرهبانُ ، فحرَّموا على أنفسِهم النساءَ والمطاعمَ الطيبةَ،
والمشاربَ اللذيدةَ، وحبس فى الصوامعِ بعضُهم أنفسَهم، وساح فى الأرضِ
بعضُهم . يقولُ تعالى ذكرُه : فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعَل أولئك، ولا تَعْتدوا
حدَّ اللَّهِ الذى حَدَّ لكم فيما أحلُّ لكم وفيما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا حدَّه الذى
حدَّهُ(١) ، فتخالِفوا بذلك طاعته، فإن اللَّهَ لا يحبُّ مَن اعتدى حدَّه الذى حدَّه لخلقه
(١) سقط من: ص.

مے۔
سورة المائدة : الآية ٨٧
٦٠٧
فيما أحلَّ لهم وحرّم عليهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْرٌ أبو (١) زُبيدٍ ، قال:
ثنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ فى هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآَ
أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية . قال: عثمانُ بنُ مظعونٍ وأناسٌ من المسلمين حرَّموا عليهم
النساءَ، وامتنَعوا من الطعامِ الطيِّبِ، وأراد بعضُهم أن يقطعَ ذَكَرَه، فنزَلت هذه
الآيةُ(٢) .
حدَّثْنا حميدُ بنُ مَسعدةَ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنى خالدٌ الحذَّاءُ، عن،
عكرمةً، قال: كان أناسٌ من أصحابِ النبيِّ ◌َِّ همُّوا بالخصاءِ وتركِ اللَّحم
والنساءِ، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ ، أن رجالًا
أرادوا كذا وكذا، وأرادوا كذا وكذا، وأن يَخْتَصُوا، فنزلَت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ،
مُؤْمِنُونَ﴾ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ابن)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٧١ - تفسير)، وأبو داود فى مراسيله (٢٠٩) من طريق حصين به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى عبد بن حميد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وسيأتى موصولًا بذكر ابن
عباس ص ٦١٤، ٦١٥.

٠ ٦٠٨
سورة المائدة : الآية ٨٧
ءَآَمَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال: كانوا حرّموا الطّيبَ واللحمَ ،
فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذا فيهم(١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ الوهَّابِ الثقفِىُّ، قال: ثنا خالدٌ ، عن عكرمةً،
أن أناسًا قالوا: لا نتزوَّجُ، ولا نأكلُ، ولا نفعلُ كذا وكذا. فأنزل اللَّهُ تعالى:
وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَّأَ إِنَّ اللّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾(١).
٩/٧
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، قال: أراد أُناسٌ من أصحابِ النبىِّ عَ لِ أَن يَرفُضوا [٧٠٧/١ و]
الدنيا ويتركوا النساءَ ويَترَّبوا، فقام رسولُ اللَّهِ نَ اللهِ فغلَّظ فيهم المقالةَ، ثم قال: ((إنما
هَلَك مَن كان قبلكم بالتشديدِ، شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللَّهُ عليهم، فأولئك
بقاياهم فى الديارِ والصوامع؛ اعبدوا اللَّهَ ولا تُشركوا به شيئًا، وحُجُوا واعتمِروا،
واستقيموا يَسْتَقِمْ لكم)). قال: ونزلت فيهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية(١).
حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَهَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ . قال : نزلت فى أناسٍ من
أصحابِ النبيِّ عَ له، أرادوا أن يَتخلّوا من اللباسِ ويتركوا النساءَ ويَتَزهَّدوا؛ منهم
علىُّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ بنُ مَظعونٍ(٣) .
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن زيادٍ بنٍ فَيَاضٍ، عن أبى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١، ١٩٢.

٦٠٩
سورة المائدة : الآية ٨٧
عبدِ الرحمنِ، قال: قال النبىُ مَ اله: ((لا آمُرُكُم أن تَكونوا قِسّيسين ورُهْبانًا))(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا جامعُ بنُ حمادٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن
سعيدٍ ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللّهُ
لَكُمْ﴾ الآية: ذُكر لنا أن رجالاً من أصحابِ النبيِّ مَ لِّ رفَضوا النساءَ واللحمَ،
وأرادوا أن يَتَّخِذوا الصوامعَ، فلما بلغ ذلك رسولَ اللّهِ ێ قال: (( لیس فی دینِی
تركُ النساءِ واللحم، ولا اتخاذُ الصوامعِ)). وخُبِّرنا أن ثلاثةَ نفرٍ على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ مَِّ اتَّفَقُوا، فقال أحدُهم: أمَّا أَنا فأقومُ الليلَ لا أنام. وقال أحدُهم: أَمَّا أنا
فأصومُ النهارَ فلا أَفطِرُ. وقال الآخرُ: أمّا أنا فلا آتى النساءَ. فبعث رسولُ اللَّهِ مَ اله
إليهم ، فقال: ((ألم أَنَّأْ أَنَّكم اتَّفَقْتُم على كذا وكذا؟)). قالوا: بلى يا رسولَ اللَّهِ،
وما أردنا إلا الخيرَ. قال: ((لكنى أقومُ وأنامُ، وأصومُ وأَفْطِرُ، وآتى النساءَ، فمن
رَغِبَ عن سُنَّتِى فليس منِّى)). وكان فى بعضِ القراءةِ: ( مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِكَ فليس
مِنْ أُقَتِكَ وقد ضَلَّ(١) سواء السَبيلِ)(٣). وذُكِرَ لنا أن نبىَّ اللَّهِ عٍَّ قال لأُناسٍ من
أصحابِهِ: ((إن مَن قبلَكم شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللَّهُ عليهم، فهؤلاء إخوانُهم
فى الدُّورِ والصوامع؛ اعبدوا اللَّهَ ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاةَ، وآتوا
الزكاةَ، وصوموا رمضانَ، وحُبُوا، واعتمِروا، واستقيموا يَسْتَقِمْ لكم)).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَعَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسولَ اللَّهِ عََّلِ جَلَس يومًا فذكّر الناسَ، ثم قام
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٥/١٣ عن وكيع به .
(٢) بعده فى م: (( عن )).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
( تفسير الطبرى ٣٩/٨ )

٦١٠
سورة المائدة : الآية ٨٧
١٠/٧
ولم يَزِدْهم على التخويفِ ، فقال أُناسٌ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَِِّّ كانوا عشَرةً ،
منهم علىُّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ بنُ مَظعونٍ: ما خِفْنا(١) إن لم نُحدِثْ عملًا ، فإن
النصارى قد حرّموا على أنفسِهم فنحن نُحرِّمُ. فحرَّم بعضُهم أكلَ اللحم والوَدَكِ (١)،
وأن يأكلَ بالنهارِ، وحرَّم بعضُهم النومَ، وحرَّم بعضُهم النساءَ، فكان عثمانُ بنُ
مظعون ممن / حرَّم النساءَ، وكان لا يَدْنو من أهلِه، ولا يَدْنون منه، فأتت امرأتُه
عائشةً - وكان يقالُ لها: الحولاءُ - فقالت لها عائشةُ ومَن عندَها من نساءٍ
النبيِّ ◌َّهِ: ما بالُكِ يا حولاءُ مُتغيرةَ اللونِ لا تَخْتَشِطين ولا تَطَيِّبينَ؟! فقالت : وكيف
أتطيَّبُ وأمتَشِطُ وما وقَع علىَّ زوجى، ولا رفَع عنى ثوبًا منذُ كذا وكذا! فجَعَلْن
يَضْحَكْن من كلامِها، فدخَل رسولُ اللَّهِ عَظِهِ وهنَّ يَضْحَكْنَ، فقال: ((ما
يُضحِكُكن؟)). قالت: يا رسولَ اللَّهِ ، الحولاءُ سأَلْتُها عن أمرِها، فقالت: ما رفَع
عنى زوجى ثوبًا منذ كذا وكذا. فأرسَل إليه فدعاه، فقال: (( ما بالُكَ يا عثمانُ؟)).
قال : إنى تركتُه للَّهِ لكى أتَخلَّى للعبادةِ . وقصَّ عليه أمرَه، وكان عثمانُ قد أراد أن
يَجُبَّ نفسَه، فقال رسولُ اللَّهِ مَعِ: ((أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّ رَجَعْتَ فواقَعْتَ أَهْلَكَ)).
فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنى صائمٌ. قال: ((أَفْطِرْ)). فأفطَر وأتَى أهلَه، فرجَعت الحَؤلاءُ
إلى عائشةَ قد اكْتَحلت وامْتَشطت وَتَطَيَّيت، فضحِكتْ عائشةُ، فقالت: ما بالُكِ
يا حولاءُ! فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: (( ما بالُ أقوامٍ حَرَّمُوا
النساءَ والطعامَ والنومَ ! ألا إنى أنامُ وأَقُومُ، وأَقْطِرُ وأَصُومُ، وأَنْكِحُ النِّساءَ، فمن
رَغِبَ "عَنْ سُنَّتِى٣) فليس منِّى)). فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّ
(١) فى ص، س: ((حصا)) غير منقوطة، وفى م، ت ١، ت ٢: ((حقنا)). ومعنى العبارة : ما خفنا الله حق
الخوف إن لم نحدث عملًا يدل على ذلك .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( الورك)) والوَّدَك: الدسم، أو دسم اللحم ودهنه الذى يستخرج منه .
الوسيط (ود ك ) .
(٣ - ٣) فى ص: ((عنى)).

٦١١
سورة المائدة : الآية ٨٧
أَحَلَّ اُللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ﴾. يقولُ لعثمانَ: ((لا تَجُبَّ نفسَك، فإن هذا هو
الاعتداءُ)). وأَمَرَهم أن يكفِّروا أيمانَهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ
وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . قال: هم
رهطٌ من أصحابِ النبيِّ مَ الِ قالوا: نقطعُ مذا كيرَنا، ونترك شهواتِ الدنيا، ونسيحُ
فى الأرضِ، كما يفعلُ الرهبانُ . فبلَغ ذلك النبيَّ ◌َاهِ فأرسَل إليهم، فذكر ذلك لهم،
فقالوا: نعم. فقال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((لكنّى أصومُ وُقْطِرُ، وأُصَلِّى وأنامُ، وأنكِحُ
النِّساءَ، فمَن أَخَذ بسُنَّتِى فهو منِّى، ومن لم يأخُذْ بسُنَّتَى فليس منِّى)) (١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أیی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ
لَكُمْ﴾: وذلك أن رجالاً من أصحابٍ محمدٍ عَلّه، منهم عثمانُ بنُ مَظعونٍ ،
حرّموا النِّساءَ واللحمَ على أنفسِهم، وأخَذوا الشِّفارَ ليقطعوا مذاكيرَهم ؛ لكى
تَنْقَطِعَ الشهوةُ، ويَتفرّغوا لعبادةِ ربِّهم، فأُخبِر بذلك النبىُّ عََّهِ، فقال: ((ما
أردتُ؟)). فقالوا: أردنا أن تَنْقِطِعَ (١) الشهوةُ عنا، ونتفرغَ لعبادةِ ربَّنا، ونَلْهُوَ عن
النساءِ. فقال رسولُ اللَّهِ مَله: ((لم أُومَرْ بذلك، ولكنِّى أَمِرْتُ فى دينى أن أتزوَّجَ
النِّساءَ)). فقالوا: نطيعُ رسولَ اللَّهِ مَمِ. فأنزل اللَّهُ تعالى ذِكرُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
(١) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤١٧/١ عن المصنف ولم يسق لفظه كله، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٠٨/٢ إلى المصنف .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٧/٤ (٦٦٨٩) من طريق عبد الله بن صالح به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى ابن مردويه .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((نقطع)).

٦١٢
سورة المائدة : الآية ٨٧
(١)
.(
إلى قوله: ﴿الَّذِىّ أَنتُمْ بِهِ، مُؤْمِنُونَ
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، عن
١١/٧ مجاهدٍ، قال: أراد / رجالٌ، منهم عثمانُ(٢) بنُ مظعونٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، أن
يَتَبَّلوا، ويَخْصُوا أنفسَهم، ويَلبَسوا المُسُوعَ(٢)، فنزلَت هذه الآيةُ إلى قوله: ﴿ وَأَثَّقُواْ
اللَّهَ اُلَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ (١).
قال ابنُ مجريج، عن عكرمةَ: إن عثمانَ بنَ مظعونٍ وعلىَّ بنَ أبى طالبٍ وابنَ
مسعودٍ والمقدادَ بنَ الأسودِ وسالماً مولى أبي حذيفةً، فى أصحابٍ (١) تَبَتَّلوا، فجلسوا
فى البيوتِ ، واعتزلوا النساء، وليسوا المسوح، وحرّموا طيباتِ الطعامِ واللباسِ، إلا
ما أكَل وليٍس أهلُ السياحةِ من بنى إسرائيلَ، وهمُّوا بالإخصاءِ (١)، وأجمعوا لقيامِ
الليلِ وصيامِ النهارِ، فَنزَلت: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
وَلَا تَعْتَدُوَأَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: لا تستَثُّوا (١) بغيرِ سنةٍ المسلمين.
يريدُ ما حرَّموا من النساءِ والطعامِ واللباسِ، وما أجمَعوا له من صيامِ النهارِ وقيامٍ
الليلِ، وما همّوا له من الإخصاءِ، فلما نزلت فيهم بعَث إليهم رسولُ اللَّهِ عَه،
فقال: ((إن لأنفسِكم حقًّا، وإنَّ لأعْئِنِكم حقًّا، صُومُوا وأَفْطِرُوا، وصَلُّوا ونامُوا ،
فليس منَّا من ترَك سُنَّتَنَا)). فقالوا: اللَّهمَّ أسلَمْنا واتَّبَعْنا ما أَنزَلتَ(٨).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٣٠٨، ٣٠٩ إلى ابن مردويه.
(٢) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((عبد الله)).
(٣) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء من الشعر وثوب يلبسه الراهب .
(٤) ذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤١٦/١، ٤١٧ عن المصنف بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٨/٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٥) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((أصحابه)).
(٦) فى م: ((بالاختصاء)).
(٧) فى ص: ((نسروا))، وفى ت ١، س: (( تسيروا)).
(٨) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.

٦١٣
سورة المائدة : الآية ٨٧
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، عن ابنٍ زيدٍ فى قوله :
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ . قال : قال أبى : ضاف
عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةً ضيفٌ ، فانقلَب ابنُ رواحةَ ولم يتعشَّ، فقال لأهلِه: ما عَشَّيْتِه؟
فقالت : كان الطعامُ قليلاً ، فانتظرتُ أن تأتىَ . قال : فحبَستِ ضيفى من أجلی !
فطعامُك علىَّ حرامٌ إن ذقتُه . فقالت هى: وهو علىَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تَذُقْه . وقال
الضيفُ : هو علىَّ حرامٌ إن ذقتُه إن لم تَذُوقوه . فلما رأى ذلك، قال ابنُ رواحةً :
قرّبى طعامَك، كلوا باسْم اللَّهِ. وغدا إلى النبىِّ عَ لِّ فأخبَرَه، فقال رسولُ
اللَّهِ عَمِ: ((قد أحْسَنْتَ)). فنزَلت هذه الآيَةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾، وقرَأْ حتى بلَغْ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنْكُمْ
وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُ الْأَيْمَنِّ﴾. إذا قلتَ: واللَّهِ لا أذوقُه. فذلك
العقدُ(١).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعدٍ (١) ، قال :
ثنا عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا أَتَّى النبىَّ مَِّ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، إنى إذا
أصبتُ من اللحم انتشرتُ، وأخذَتْنى شهوتى، فحَّمتُ اللحمَ . فأنزل اللَّهُ تعالى
ذِكرُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾(١).
حدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٧/٤، ١١٨٨ (٦٦٩٢) عن يونس، عن ابن وهب، عن هشام بن
سعيد، عن زيد بن أسلم نحوه دون ذكر المرفوع .
(٢) فى النسخ: (( سعيد)). وتقدم على الصواب فى ٣١٠/٧، ٩٢/٩، وسيأتى على الصواب أيضًا.
(٣) أخرجه الترمذى (٣٠٥٤) عن عمرو بن على به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٦/٤
(٦٦٨٧)، وابن عدى ١٨١٧/٥ من طريق أبى عاصم به. وأخرجه الطبرانى (١١٩٨١) من طريق عثمان
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى ابن مردويه .

٦١٤
سورة المائدة : الآية ٨٧
عكرمةَ، قال: همَّ أناسٌ من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَّهِ بتركِ النساءِ والخصاءِ، فأنزل
اللَّهُ تعالى ذِكرُه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ﴾
الآية(١).
١٢/٧
واختلفوا فى معنى ((الاعتداءِ)) الذى قال تعالى ذِكرُه: ﴿وَلَا تَعْتَّدُوَّأَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، فقال / بعضُهم: الاعتداءُ الذی نھَى اللَّهُ عنه فى هذا
الموضع هو ما کان عثمانُ بنُ مظعونٍ همّ به من جبّ نفسِه ، فتُهِیَ عن ذلك ، وقیل
له: ((هذا هو الاعتداءُ)). وممن قال ذلك الشُّدیُّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ،
(٢)
عنه" .
وقال آخرون: بل ذلك هو ما كان الجماعةُ من أصحابِ رسولِ اللهِ عَمِ هُوا
به من تحريمِ النساءِ والطعامِ واللباسِ والنومٍ ، فَتُهُوا أن يفعلوا ذلك، وأن يستثُّوا بغيرِ
سنةٍ نبيِّهم محمدٍ عَّهِ . وممن قال ذلك عكرمةُ .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج ، عنه.
(٢)
وقال بعضُهم: بل ذلك نهىٌّ من اللَّهِ تعالى ذكره أن يُتجاوَزَ الحلالُ [٧٠٨/١و]
إلى الحرامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عاصم، عن الحسنِ: ﴿ يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢ إلى المصنف.
(٢) بعده فى م: ((به)). وتقدم تخريج الأثر فى ص ٦١٢ .

٦١٥
سورة المائدة : الآيتان ٨٧، ٨٨
ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾. قال: لا تعتَدوا إلى ما محُرِّمَ
(١)
ج
عليكم(١).
وقد بيّنا أن معنى ((الاعتداءٍ)) تجاوزُ المرءِ ما له إلى ما ليس له فى كلِّ شيءٍ ، فيما
مضَى بما أغنَى عن إعادتِه(١) .
وإذ كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ تعالى ذِكرُه قد عمَّ بقولِه: ﴿ وَلَا
تَعْتَدُواْ﴾. النهىَ عن العُدْوانِ كلِّه، كان الواجبُ أن يكونَ محكومًا لما عمَّه
بالعمومِ حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسليمُ له، وليس لأحدٍ أن يتعدَّى حدَّ اللَّهِ تعالى
ذِكرُه فى شىءٍ من الأشياءِ مما أحلَّ أو حرَّم ، فمن تعدَّاه فهو داخلٌ فى جملةٍ مَن قال
تعالى ذِكرُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
وغيرُ مستحيلٍ أن تكونَ الآيةُ نزَلت فى أمرٍ عثمانَ بنِ مَظعونٍ والرهطِ الذين
هَمُّوا من أصحابِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ بما هَمُوا به من تحريم بعضٍ ما أحلَّ اللّهُ لهم على
أنفسِهم، ويكونَ مرادًا بحكمِها كلُّ من كان فى مثل معناهم ، ممن حرَّم على نفسِه
ما أحلَّ اللَّهُ له ، أو أُحلَّ ما حرَّم اللَّهُ عليه ، أو تجاوز حدًّا حدَّه اللَّهُ له. وذلك أن الذين
هَمُّوا بما هَمُّوا به من تحريم بعضٍ ما أحَلَّ لهم على أنفسِهم ، إنما ◌ُوتِبوا على ما هَمُّوا به
من تجاوزِهم ما سنَّ لهم وحَدَّ ، إلى غيرِهِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْاللّهَ اُلَّذِىّ أَنْتُم
M
بِهِ، مُؤْمِنُونَ
يقولُ تعالى ذِكرُه لهؤلاء المؤمنين الذين نهاهم أن يُحرِّموا طيباتِ ما أحلَّ اللَّهُ
لهم: كُلوا أيها المؤمنون من رزقِ اللَّهِ الذى رزَقكم وأحلَّه لكم، حلالًا طيبًا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٨٨/٤ (٦٦٩٦) من طريق عاصم به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٢/٢ .

٦١٦
سورة المائدة : الآيتان ٨٨ ، ٨٩
کما حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج، عن ابنٍ جریج ، عن
عكرمةَ: ﴿ وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾. يعنى: ما أحلَّ اللَّهُ لهم من
الطعام .
وأما قولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾ . فإنه يقولُ : وخافوا أيها
المؤمنون أن تَعتدوا فى حدودِه، فتُحلُّوا ما حرَّم عليكم، أو تُرِّموا ما حلَّل لكم،
١٣/٧ واحذَروه فى ذلك أن تخالفوه، فينزِلَ بكم / سَخَطُه، أو تستوجِبوا به عقوبتَه ،
﴿ الَّذِىَ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: الذى أنتم بوحدانيتِه مُقِرُّون ، وبربوبيِّه
مُصَدِّقون .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَلِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ .
يقولُ تعالى ذِكرُه للذين كانوا حثّموا على أنفسِهم الطيباتِ من أصحابٍ
رسولِ اللَّهِ مَّهِ، وكانوا حرَّموا ذلك بأيمانٍ حلَفوا بها، فنهاهم عن تحريمها، وقال
لهم : لا يُؤاخذُ کم ربُکم باللغوِ فی أيمانكم .
کما حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فى القومِ الذين كانوا حرَّموا النساءَ واللحمَ على
أنفسِهم ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، كيف نصنعُ بأيمانِنا التى حلَفنا عليها؟ فأنزل اللَّهُ
تعالى ذِكرُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنَّكُمْ﴾ الآية(١).
فهذا يدُلُّ على ما قلنا من أن القومَ كانوا حرَّموا ما حرَّموا على أنفسِهم بأيمانٍ
حَلَفوا بها ، فنزلت هذه الآيةُ بسببِهم .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦١١ .

٦١٧
سورة المائدة : الآية ٨٩
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الحجازِ وبعضُ البصريين: ﴿ وَلَكِن
يُؤَِّدُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيَْنِّ﴾ بتشديدِ القافِ(١)، بمعنى: وَّدتم الأيمانَ وردَّد تموها .
" وقرَأَه عامة٢ُ الكوفيين: (بِمَا عقَدْتُمُ الأيمَانَ) بتخفيفِ القافِ (١) ، بمعنى:
أوجبتموها على أنفسكم، وعزَمت عليها قلوبُكم .
وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك قراءةُ من قرَأ بتخفيفِ القافِ ، وذلك أن
العربَ لا تكادُ تستعملُ ((فَعَّلت)) فى الكلام إلا فيما يكونُ فيه ترَددٌ مرةً بعدَ مرةٍ ،
مثلَ قولهم: شدَّدتُ على فلانٍ فى كذا . إذا كرَّر عليه الشِّدةَ مرةً بعدَ أُخرى ، فإذا
أرادوا الخبرَ عن فعلِ مرةٍ واحدةٍ ، قيل: شدَدْتُ عليه. بالتخفيفِ . وقد أجمع الجميعُ
لا خلافَ بينَهم ، أن اليمينَ التى تجبُ بالحِنْثِ فيها الكفارةُ ، تلزمُ بالحِنْثِ فى حَلِفٍ
مرةٍ واحدةٍ وإن لم يكرِّرْها الحالفُ مرّاتٍ ، وكان معلومًا بذلك أن اللَّهَ مؤاخذٌ الحالفَ
العاقدَ قلبَه على حَلِفِه ، وإن لم يُكرِّرْه ولم يُردِّدْه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكنْ
لتشديدِ القافِ من ﴿ عَقَّدتُمُ﴾ وجة مفهومٌ .
فتأويلُ الكلام إذن : لا يؤاخذُ كم اللَّهُ أيها المؤمنون من أيمانِكم بما لَغَوْتُم فيه ،
ولكن يُؤاخذُكم بما أوجبتُموه على أنفسِكم منها ، وعَقَدَت عليه قلوبكم .
وقد بيَّّ اليمينَ التى هى لغوٌ، والتى اللَّهُ مؤاخذٌ العبدَ بها ، والتى فيها الحِئْثُ ، والتى
لا حِنْثَ فيها، فيما مضى من كتابِنا هذا، فكرِهنا إعادةَ ذلك فى هذا الموضع " .
/ وأما قولُه: ﴿بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ فإن هنّادًا حدَّثنا، قال: ثنا وكيعٌ، عن ١٤/٧
سفيانَ ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدِتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾
(١) وهى قراءة نافع، وحفص عن عاصم، وابن كثير وأبى عمرو . السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧ .
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وقرأه))، وفى م: ((وقراء)). والمثبت هو الصواب.
(٣) وهى قراءة أبى بكر عن عاصم ، وحمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٧ .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١٤/٤، وما بعدها .

٦١٨
سورة المائدة : الآية ٨٩
قال: بما تَعَمَّدتم (١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
(١)
مثله(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ يقولُ: ما تعمّدتَ فيه المأثمَ، فعليك فيه الكفارةُ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى الهاءِ التى فى قوله: ﴿ فَكَفَّرَتُهُ﴾ علام هى عائدةٌ،
ومن ذكرٍ ما؟ فقال بعضُهم: هى عائدةٌ على ((ما)) التى فى قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ
اُلْأَيْمَنَّ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ(٢) ، عن الحسنٍ فى هذه
الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِّكُمْ﴾. قال: هو أن تحلِفَ على الشىءٍ وأنت
يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلَفتَ، وليس كذلك، فلا يؤاخذُ كم اللَّهُ، فلا كفارةً ، ولكنَّ
المؤاخذةَ والكفارةَ فيما حلَفتَ عليه على علم .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيع، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مغيرةً، عن
الشعبىٌّ، قال: اللغؤُ ليس فيه كفارةٌ، ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩١/٤ (٦٧١٢) من طريق وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق فى
المصنف (١٥٩٥٣)، والبيهقى ۵٠/١٠ من طريق سفيان به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٠/٢ عقب الأثر (٢٦١٣) معلقًا .
(٣) فى النسخ: ((عدى)). وتقدم على الصواب فى ٧٥/١، ١٧٥، ٢١٤، ٢٢٦.
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٠/٤ .

٦١٩
سورة المائدة : الآية ٨٩
قال: ما عقَد فيه يمينَه فعليه الكفارةُ (١) .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا محُصيٌ، عن أبى مالكِ ، قال :
الأيمانُ ثلاثٌ ، يِمِينٌ تُكَفَّرُ، ويمينٌ لا تُكَفَّرُ، ويميٌ لا يؤاخَذُ بها صاحبُها؛ فأما اليمينُ
التى تُكفرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ لا يفعلُه ثم يفعَلُه، فعليه الكفارةُ ، وأما اليمينُ
التى لا تُكفَّرُ، فالرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يتعمَّدُ فيه الكذبَ ، فليس فيه كفارةٌ ، وأما
اليمينُ التى لا يؤاخَذُ بها صاحبُها ، فالرجلُ يَحلِفُ على الأمرِ يرَى أنه كما حلَف
عليه ، فلا يكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغؤُ(١) .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا ابنُ أبي ليلى ، عن عطاءٍ ، قال:
قالت عائشةُ : لغوُ اليمينِ ما لم يَعقِدْ عليه الحالفُ قلبَه(١) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةً، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن
إبراهيمَ ، قال: ليس فى لغوِ اليمين كفارةٌ().
حدّثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنی یونسُ،
عن ابنٍ شهابٍ ، أن عروةَ حدَّثه، أن عائشةَ قالت : أيمانُ الكفارةِ ؛ كلُّ یمینِ حَف
فيها الرجلُ على جِدٍّ من الأمورِ فى غضبٍ أو غيرِهِ، ليفعلنَّ، ليترُكنَّ، فذلك عقدُ
الأيمانِ التى فرض اللَّهُ فيها الكفارةَ، وقال تعالى ذِكرُه: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيِّ
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾(٥).
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ١٧/٤.
(٢) تقدم تخريجه فى ٢٤/٤.
(٣) تقدم تخريجه فى ١٦/٤ .
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٠/٤.
(٥) تقدم تخريجه فى ٣١/٤.

٦٢٠
سورة المائدة : الآية ٨٩
١٥/٧
/حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن يحيى بن سعيد ١، وعن علىِّ بن أبى طلحةَ، قالا: ليس فى لغوِ اليمين
(٢)
کفارةٌ(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا جامعُ بنُ حمادٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾. يقولُ: مَا تَعَّدتَ
فيه المأثَمَ فعليك فيه الكفارةُ . قال : وقال قتادةُ : أما اللغو فلا كفارةً فيه .
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال : لا
كفارةً فى لغوِ اليمينِ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عمرو العَنْقَزِىُّ(١)، عن أسباطَ ، عن السدىِّ : ليس
فى لغوِ اليمين كفارةٌ() .
فمعنى الكلام على هذا التأويل: لا يؤاخذُكم اللَّهُ باللغو فى أيمانكم، ولكن
يؤاخذُ كم بما عقدتم الأيمانَ ، فكفارةُ ما عقدتم منها إطعامُ عشَرةٍ مساكينَ .
وقال آخرون: الهاءُ فى قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ عائدةٌ على ((اللغوِ))، وهى كنايةٌ
عنه .
قالوا: وإنما معنى الكلام: لا يؤاخذُكم اللَّهُ باللغوِ فى أيمانكم إذا كفَّرْتُمُوه،
ولكن يُؤاخذُ كم إذا عقدتم الأيمانَ فأقمتم على المضىِّ عليه بتركِ الحنثِ والكفارةِ فيه ،
والإقامةُ على المضىِّ عليه غيرُ جائزةٍ لكم، فكفَّارُ اللغوِ منها إذا حنَئتم فيه إطعامُ
(١) فى ص، م: ((سعد)).
(٢) تقدم فى ٢٥/٤ .
(٣) فى م: ((العبقرى)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٢٤/٤ .