النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة المائدة : الآية ٥٤
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال
ابنُ جُرَيْجٍ: ازْتَدُّوا حينَ تُؤُفِّى رسولُ اللّهِ ◌ِّهِ، فقاتَلَهم أبو بكرٍ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم(١) ، قال: أَخْبرَنا
سيفُ بنُ عمرَ(٢)، عن أبى رَوْقٍ، عن الضََّّاكِ ، عن أبى أيوبَ ، عن علىٍّ فى قولِه :
﴿يَُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَن دِينِهِ﴾. قال: علِمِ اللَّهُ المؤمنين، ووقَعُ(٤) معنى
السُّوءِ على الحَشْوِ الذى فيهم مِن المنافقين ومَن فى علمِه أن يَرْتَذُوا. قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ ﴾ المُؤْتَدَّةَ فِى دُورِهِمْ ﴿بِقَوْمٍ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُمْ﴾ بأبى بكرٍ وأصحابِهِ .
/ وقال آخرون : يعنى بذلك قومًا مِن أهلِ اليمنِ. وقال بعضُ مَن قال ذلك ٢٨٤/٦
منهم: هم رَهْطُ أبى موسى الأشْعَرىِّ عبدِ اللهِ بنِ قیسٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن سِماكٍ
ابنِ حربٍ، عن عِياضِ الأشْعَرىِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَنْ
يَرْتَّدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللّهُ بِقَوْمٍ يُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أوْمَأْ رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ
إلى أبى موسى بشىءٍ كان معه، فقال: ((هم قومُ هذا))(١).
(١) ينظر التبيان ٥٤٦/٣.
(٢) فى م: ((هشام)).
(٣) سقط من: ص، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: ((عمرو)).
(٤) فى م: (( أوقع )).
(٥ - ٥) فى ص: ((فى دينهم))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عن دينهم))، والمثبت مما سيأتى فى ص ٥٢٥.
(٦) أخرجه ابن سعد ١٠٧/٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٠/٤ (٦٥٣٥)، والطبرانى فى الكبير ٣٧١/١٧
(١٠١٦)، والحاكم ٣١٣/٢، والخطيب فى تاريخه ٣٩/٢، وأبو نعيم فى أخبار أصبهان ٥٩/١، وابن
عساكر فى تاريخ دمشق ٢٥٣/٤٧ من طريق شعبة به .

٥٢٢
سورة المائدة : الآية ٥٤
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا أبو الوليدِ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن سِمائِ بنِ حربٍ ،
قال: سمِعْتُ عِياضًا يُحَدِّثُ عن أبى موسى، أن النبيَّ مَ اله قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَوْفَ
يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْرِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: (( يعنى قومَ أبى موسى))(١).
حدَّثنى أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن شعبةً - قال أبو
السائبٍ : قال أصحابنا: هو عن سماكِ بنِ حربٍ، وأنا لا أَخْفَظُ سِماكًا - عن
◌ِياضِ الأشْعَرىِّ، قال رسولُ اللّهِ يَّمِ: ((هم قومُ هذا)). يعنى أبا موسى(١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُّ إدريسَ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ ، عن
عِياضِ الأشْعَرَىِّ، قال النبىُّ مَ لِ لأبى موسى: ((هم قومُ هذا)). فى قوله: ﴿فَوْفَ
يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .
حدَّثنا مُجاهدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أُخْبِرَنا شعبةُ ، عن سِماكِ بنِ
حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا الأَشْعَريَّ يقولُ: لما نزَلَت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسولُ اللَّهِ عَه: ((هم قومُك يا أبا موسى)). أو قال: ((هم قومُ
هذا)) . یعنی أبا موسى .
حدّثنا ابنُ وَ کیع، قال : ثنا أبو سفيان الحِمْیریُّ ، عن حُصَيْنِ ، عن عِیاضٍ أو ابنِ
عياضٍ: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْرِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ . قال: هم أهلُ اليمنِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صَفْوانُ ، قال: ثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ جُبيرٍ ، عن شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ، قال: لَّ أَنْزَل اللَّهُ: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال عمرُ: أنا وقومى هم يا رسولَ اللَّهِ؟
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٥٣/٤٧ من طريق أبى الوليد به .
(٢) أخرجه ابن سعد ١٠٧/٤، وابن أبى شيبة ١٢٣/١٢، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٥٣/٤٧ من طريق
ابن إدريس به، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥/ ٣٥١، ٣٥٢ من طريق ابن إدريس، عن أبيه، عن سماك به بنحوه .

٥٢٣
سورة المائدة : الآية ٥٤
قال: ((لا ، بل هذا وقومُه)). يعنى أبا موسى الأشعرىّ(١).
وقال آخرون منهم: بل هم أهلُ [٦٩٥/١ و] اليمنِ جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
تَحِيحٍ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿يُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾. قال: أُناسٌ مِن أهلِ اليمنِ().
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
/ حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليث، عن مُجاهِدٍ، قال: هم قومُ ٢٨٥/٦
؛(٣)
سَبًا.
حدَّثنا مَطَرُ بنُ محمدِ الضَّبِّىُ، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: أخْبرَنا شعبةُ ، قال :
أُخْبرَنى مَن سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ ، قال : هم أهلُ اليمنِ .
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أُخْبِرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ ، عن
أبى صَخْرٍ ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىّ ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أَرْسَل إليه يومًا وهو
أميرُ المدينةِ يَسْأَلُه عن ذلك، فقال محمدٌ: ﴿ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهلُ اليمنِ. قال
عمرُ: يا ليْتَنى منهم . قال : آمِين .
وقال آخرون: هم أنصارُ رسولِ اللَّهِ عَهِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٢ إلى المصنف.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٣١١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦١/٤ (٦٥٤٠) من طريق ابن إدريس به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩٢/٢ إلى أبى الشيخ .

٥٢٤
سورة المائدة : الآية ٥٤
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أشْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ بَأْتِىِ اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾: يَزْعُمُ أنهم الأنصارُ(١) .
وتأويلُ الآيةِ على قولٍ مَن قال: عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ﴾. أبا بكرٍ وأصحابَه فى قتالِهم أهلَ الرِّدَّةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ حَ لِّ -: يا أيُّها
الذين آمنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فلن يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا، وسيَأْتِى اللَّهُ مَن ارْتَدَّ منكم عن
دينِه بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه ، يَنْتَقِمُ بهم منهم على أيديهم.
وبذلك جاء الخبرُ والرّوايةُ عن بعضٍ مَن تأوَّل ذلك كذلك .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم(٢) ، قال: أخبرَنا
سيفُ بنُ عمرَ ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىٍّ فى قولِه: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ بَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُهُمْ﴾. قال: يقولُ: فسوف يَأْتِى اللَّهُ
المُؤْتَدَّةَ فى دُورِهِم ﴿بِقَوْمٍ ثُحُهُمْ وَيُحِبُّونَهٌُ﴾ بأبى بكرٍ وأصحابِهِ .
وأما على قولٍ مَن قال: عنى اللَّهُ بذلك أهلَ اليمنِ. فإن تأويلَه: يا أيُّها الذين
آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينه فسوف يَأْتِى اللَّهُ المؤمنين الذين لم يَرْتَدُّوا بقومٍ يُحُهم
ويُحِبُونه ، أُغْوانًا لهم وأنْصارًا .
وبذلك جاءت الرّوايةُ عن بعضِ مَن كان يَتَأَوَّلُ ذلك كذلك .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٌّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَنْ دِينِ، ﴾
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/ ٥٤٦.
(٢) فى النسخ: ((هشام)). والمثبت مما تقدم فى ص ٥٢٢، ومما تقدم فى ٥٤٠/٥ .

٥٢٥
سورة المائدة : الآية ٥٤
الآية: وَعيدٌ مِن اللَّهِ أنه مَن ارْتَدَّ منكم (١) أنه سيَسْتَبْدِلُ خيرًا منهم ".
وأما على قولٍ مَن قال: عُنِى بذلك الأنْصَارُ. فإن تأويلَه فى ذلك نَظیرُ تأويلٍ
مَن تَأَوَّله أنه ◌ُنِى به أبو بكرٍ وأصحابُه .
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ ما رُوِى به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ عَمِ
أنهم أهلُ اليمنِ قومُ أبى موسى الأشعرىِّ، ولولا الخبرُ الذى رُوِى فى ذلك عن
رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َهِ بالخبرِ الذى رُوِى عنه، ما كان القولُ عندى فى ذلك إلا قولَ مَن
قال: هم أبو بكرٍ وأصحابُه . وذلك أنه لم يُقاتِلْ قومًا كانوا أَظْهَروا الإسلامَ على عهد
رسولِ اللَّهِ مَه، ثم ارْتَدُّوا على أعْقابِهم كُفارًا، غيرُ / أبى بكرٍ ومَن كان معَه مَمَّن ٢٨٦/٦
قاتَل أهلَ الرِّدةِ معه بعدَ رسولِ اللهِ وَه، ولكنا تَرَكْنا القولَ فى ذلك للخبرِ الذى
رُوِى فيه عن رسولِ اللَّهِمَّ ◌َهِ؛ أن كان عَلَّ مَعْدِنَ(٣) البيانِ عن تأويل ما أَنْزَل اللَّهُ مِن
ويه وآي کتابه .
فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان القومُ الذين ذكر اللَّهُ أنه سيَأْتِى بهم عندَ ارْتِدادِ مَن
١
ارْتَدَّ عن دينِه ممّن كان قد أُسْلَم على عهدِ رسولِ اللَّهِ صَ الِ هم أهلَ اليمنِ، فهل كان
أهلُ اليمنِ أيامَ قتالٍ أبى بكرٍ رضى اللَّهُ عنه أهلَ الرَّّةِ ، أَعْوانَ أبى بكرٍ على قتالِهم
حتى(٤) تَسْتَجِيزَ أن تُوَجّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ما وَجَّهَت إليه ؟ أم لم يَكُونوا أعْوانًا له
عليهم، فكيف اسْتَجَزْتَ أَن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ذلك، وقد علِمْتَ أنه لا خُلْفَ
لوعدِ اللَّهِ ؟
قيل له : إن اللَّه تعالى ذكرُه لم يَعِدِ المؤمنين أن يَُدِّلَهم بالمرتدِّين منهم يومئذٍ
(١) فى تفسير ابن أبى حاتم: (( منهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٠/٤ (٦٥٣٦) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
(٣) المعدن : مكان كل شىء يكون أصله ومبدؤه. اللسان (ع د ن ).
(٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٥٢٦
سورة المائدة : الآية ٥٤
خيرًا مِن المرتدِّين لقتالِ المرتدِّين، وإنما أُخْبَر أنه سيَأْتِيهم بخيرٍ منهم بدلًا منهم،
فقد (١) فعَلَ ذلك بهم قريبًا غيرَ بعيدٍ ، فجاء بهم على عهدِ عمرَ، فكان موقعُهم مِن
الإسلامِ وأهلِه أحسنَ موقعٍ، وكانوا أعْوانَ أهلِ الإسلامِ، وأنْفعَ لهم ممّن كان ارْتَدَّ
بعدَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ مِن طَغَامِ الأَعْرابِ وجُفاةِ أهلِ البَوادِى الذين كانوا على أهلٍ
الإسلام کَلَّا لا نفعًا .
واخْتَلَفَتِ القَرَأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾؛
فقرَتَه قَرأَةُ أهلِ المدينةِ : ( يا أيُّها الذين آمنوا من يَرْتَدِدْ منكم عن دينهِ ) . بإظهارٍ
التَّضْعيفِ بدالين، مَجْزومةَ الدالِ الآخِرةِ(٢) ، وكذلك ذلك فى مَصاحِفِهم .
وأما قَرأةُ أهلِ العراقِ فإنهم قرَءوا ذلك: ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ﴾. بالإدغامِ
بدالٍ واحدةٍ ، وتَحْرِيكِها إلى الفتح بناءً على التَتْنيةِ()؛ لأن المجزومَ الذى يَظْهَرُ
تَضْعِيفُه فى الواحدِ إذا ثُنِّى أَدْغِم ، ويقالُ للواحدِ : ارْدُدْ يا فلانُ إلى فلانٍ حقَّه . فإذا
◌ُنِّى قيل: رُدًّا (٥) إليه حَقَّه. ولا يُقالُ: ارْدُدا. [٦٩٥/١ظ] وكذلك فى الجمعِ:
رُدُّوا. ولا يُقالُ: ارْدُدوا. فتَثِنِى العربُ أحيانًا الواحدَ على الاثنين، وتُظْهِرُ أحيانًا فى
الواحدِ التَّضْعيفَ لسكونِ لامِ الفعلِ ، وكلتا اللغتين فَصيحةٌ مشهورةٌ فى العربٍ (١).
والقراءةُ فى ذلك عندَنا على ما هو به فى مَصاحفِنا ومَصاحِفٍ أهل المشرقِ (٢)
بدالٍ واحدةٍ مُشَدَّدةٍ ، بتركِ إظهارِ التَّضْعيفِ ، وبفتح الدالِ ؛ للعلَّةِ التى وصَفْتُ(٧).
(١) فى م: (يعد).
(٢) وهى قراءة نافع وأبى جعفر وابن عامر. النشر ١٩١/٢.
(٣) المصاحف لابن أبى داود ص ٣٩.
(٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف . ينظر المصدر السابق.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((رد)).
(٦) فى النسخ: ((العرف)).
(٧) والقراءتان متواترتان ، ولا سبيل لتضعيف إحداهما من جهة الرواية ولا من جهة اللغة .

٥٢٧
سورة المائدة : الآية ٥٤
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَرِقَّاءَ عليهم، رُحَماءَ بهم.
مِن قولِ القائلِ: ذَلَّ فلانٌ لفلانٍ. إذا خضع له واسْتَكان .
ويعنى بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: أشدَّاءَ عليهم، غُلَظاءَ بهم . مِن قولٍ
القائلِ: قد عزَّنى فلانٌ. إذا أَظْهَر العِزَّةَ مِن نفسِه له، وأَبْدَى له الجَفْوَةَ(١) والغِلْظةَ.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشم، قال : أخبرنا
سيفُ(١٢) بنُ عمرَ، عن / أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىٌّ فى قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلى ٢٨٧/٦
اَلْمُؤْمِينَ﴾: أهلِ رِقَّةٍ على أهلِ دينِهم، ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: أهلِ غِلْظةٍ على مَن
خالفهم فی دینھم .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: يعنى
ـ ـ (٤)
بِالذِّلَّةِ(٤) الرحمةَ(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ فى
قولِه: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: رُحماءَ بينَهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾. قال:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الحقوة)).
(٢) فى النسخ: (( سفيان)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٢ إلى المصنف.
(٤) فى ت١: (( الأذلة)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦١/٤ (٦٥٤١) من طريق أبى صالح به .
١

٥٢٨
سورة المائدة : الآية ٥٤
أشِدَّاءَ عليهم(١).
حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثناعبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: سمِعْتُ الأَعْمشَ
يقولُ فى قولِهِ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾: ضُعَفاءَ عن (٢) المؤمنين.
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَّةً لَآَيِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ
اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيُ هَا﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هؤلاء المؤمنين الذين وعَد
اللَّهُ المؤمنين أن يَأْتِيَهم بهم إن ارْتَدَّ منهم مُؤْتَّدٌّ بدلًا منهم، يُجاهِدون فى قتالِ أَعْداءٍ
اللَّهِ على النحوِ الذى أمَر اللَّهُ بقتالِهم والوجهِ الذى أذِنَ لهم به ، ويُجاهِدون عدوَّهم،
فذلك مُجاهَدتُهم فى سبيلِ اللَّهِ، ﴿ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيٍِّ ﴾ يقولُ : ولا يخافون فى
ذاتِ اللَّهِ أحدًا ، ولا يَصُدُّهم(١) عن العملِ بما أمَرَهم اللَّهُ به مِن قتالِ عدوّهم لَوْمةُ لائم
لهم فى ذلك .
وأما قولُه: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ ﴾. فإنه يعنى: هذا النعتُ الذی نعتهم به تعالى
ذكرُه مِن أنهم أذلةٌ على المؤمنين ، أعزَّةٌ على الكافرينِ، يُجاهِدون فى سبيلِ اللَّهِ ، ولا
يَخافون فى اللَّهِ لومة لائم - فضلُ اللَّهِ الذى تفَضَّل به عليهم، واللَّهُ يُؤْتِى فضلَه مَن
يَشاءُ مِن خلقِه، مِنَّةٌ عليه وتَطَوُّلًا .
﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ﴾ يقولُ: واللّهُ جَوَادٌ بفضلِه على مَن جاد به عليه ، لا يَخافُ نَفادَ
خَزائِهِ " فتلفَ فى عطائِه، ﴿عَلِيمُ﴾ بموضع جُودِه وعَطائِه، فلا يَتْذُلُهُ إِلا ◌َن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى م: ((على)). وينظر التبيان ٤٨٥/٣.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يضرهم)).
(٤ - ٤) فى م: ((فيكف من))، وفى س: (( فكيف فى )).

٥٢٩
سورة المائدة : الايتان ٥٤، ٥٥
اسْتَحَقَّه ، ولا يَبْذُلُ لَنِ اسْتَحَقَّه إلا على قَدْرِ المَصْلحةِ؛ لعلمِه بموضعٍ صَلاحِه له مِن
موضعٍ ضُرِّه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَّةَ
وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ : ليس لكم
أيُّها المؤمنون ناصرٌ إلا اللَّهُ ورسولُه والمؤمنون الذين صِفَتُهم ما ذكَر تعالی ذکرُه ، فأما
اليهودُ والنصارى الذين أمَرَ كم اللَّهُ أَن تَبَُّوا مِن وَلايتهم ، ونها كم أن تَتَّخِذوا منهم
أولياءَ ، فليسوا لكم أولياءَ ولا نُصَراءَ، بل بعضُهم أولياءُ بعضٍ ، ولا تَتَّخِذوا منهم وليًّا
ولا نَصِيرًا .
وقيل : إن هذه الآيةَ نزَلَت فى عبادة بن الصامتِ ، فى تبژُئِه مِن ولایة یهودِ بنی
قَيْنُقَاعَ وحِلْفِهم إلى رسولِ اللهِ ◌َّهِ والمؤمنين.
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٢٨٨/٦
حدَّثْنا هَنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابنُ إِسْحاقَ ، قال:
ثنى والدى إسحاقُ بنُ يَسارٍ، عن عُبادةَ بنِ ( الوليدِ بنِ عُبادةَ بنٍ" الصامتِ ، قال: لما
حارَبَت بنو قَيْثُقَاعَ رسولَ اللّهِ ◌َه، مشَى عبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللهِ ◌َّهِ،
وكان أحدَ بنى عوفٍ بِنِ الخَزْرِجِ، فخلَعَهم(٢) إلى رسولِ اللَّهِ، وتَبَوَأَ إلى اللَّهِ وإلى
رسولِهِ مِن حِلِفِهم، وقال: أَتَوَلَّى اللَّهَ ورسوله والمؤمنين، وأَبْرَأُ مِن حِلْفِ الكفارِ
ووَلايَتِهِم . ففيه نزَلَت: ﴿ إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اَللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم فى ص ٥٠٥، ٥١١ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فجعلهم)).
( تفسير الطبرى ٣٤/٨ )

٥٣٠
سورة المائدة : الآية ٥٥
اُلَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾. لقولِ عُبادةَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ ورسوله والذين آمنوا . وتَبُّئُه مِن بنى
١)
فَيْنُقَاعَ وَلايتِهم، إلى قولِه: ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عَطِيةَ بنِ
سعدٍ، قال: جاء عُبادةُ بنُ الصامتِ إلى رسولِ اللهِ ◌َّهِ. ثم ذكَر نحوَه(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: [٦٩٦/١ و] ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ بنٍ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾: يعنى أنه مَن أسْلَم توَلَّى اللَّهَ ورسولَهُ(٣).
وأما قولُه: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ . فإنَّ
أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فى المعنِىِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِى به علىُّ بن أبى طالبٍ .
وقال بعضُهم : عُنِى به جميعُ المؤمنين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: ثم أُخْبرَهم بمَن يَتَوَلَّاهم، فقال: ﴿ إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ﴾ : هؤلاء جميعُ المؤمنين، ولكنَّ علىَّ
ابنَ أبى طالبٍ مرَّ به سائلٌ وهو راكعٌ فى المسجدِ فأعطاه خاتَمَه (٤).
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٠٥ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٧/١٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٣/٤ (٦٥٥٢) من طريق عبد الله بن
إدریس . وتقدم أوله فی ص ٥٠٤ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٢/٤ (٦٥٤٦) من طريق أبى صالح به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٢/٤ (٦٥٤٨) من طريق عمر بن عبد الرحمن، عن السدى بمعناه ،
وينظر تفسير البغوى ٧٣/٣ .

٥٣١
سورة المائدة : الآيتان ٥٦،٥٥
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال : ثنا عَبدةُ، عن عبدِ الملكِ ، عن أبى جعفرٍ ، قال :
سأَلْتُه عن هذه الآيةِ: ﴿ إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَّكِعُونَ﴾. قلْنا: مَن الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلَغَنا أنها نزَلَت
فى علىّ بن أبى طالبٍ. قال: علىٍّ مِن الذين آمنوا(١).
حدَّثنا ابنُ وَكَبِعٍ، قال: ثنا المحارِىُّ، عن عبدِ الملكِ، قال : سأَلْتُ أبا جعفرٍ عن
قولِ اللَّهِ: ﴿ إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ . وذكَر نحوَ حديثٍ هَنَّدٍ ، عن عَبْدَ .
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إِسرائيلَ الرَّمْلىُ ، قال : ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ ، قال : ثنا عُتْبةُ بنُ
أبى حَكِيمٍ فى هذه الآيةِ: ﴿إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: علىُ بنُ أبى
(٢)
طالبٍ(٢) .
/ حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا غالبُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ، قال: ٢٨٩/٦
سمِعْتُ مُجاهِدًا يقولُ فى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿ إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ﴾ الآية . قال:
نزَلَت فى علىّ بن أبى طالبٍ، تصَدَّق وهو راكعٌ(٣).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَمَن يَتَوَلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٢/٤ (٦٥٤٧) من طريق عبد الملك به ببعضه، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٩٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٢/٤ (٦٥٤٩) من طريق أيوب به .
(٣) ذكره الحافظ ابن كثير فى تفسيره ٣/ ١٣٠، وقال قبله فى ١٢٩/٣ مضعفا هذا القول: وأما قوله :
﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة فى موضع الحال من قوله: ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أى فى
حال ر کوعھم، ولو کان ھذا کذلك لکان دفع الزكاة فى حال الر کوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح ، ولیس
الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى .
وقال أيضًا فى البداية والنهاية ٩٤/١١ بعد أن أورد حديثين مرفوعين فى ذلك: وهذا لا يصح بوجه من
الوجوه؛ لضعف أسانيده، ولم ينزل فى على شىء من القرآن بخصوصيته .

٥٣٢
سورة المائدة : الآية ٥٦
٥٦
اُلْغَالِبُونَ
وهذا إِعْلامٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه جميعًا - الذين تبَرَّءُوا مِن حلفٍ ) اليهودِ
وخلَعوهم(٢)؛ رِضًا بولايةِ اللَّهِ ورسوله والمؤمنين، والذين تمَشَّكوا بحلفِهم وخافوا
دَوائرَ السَّوْءِ تَدُورُ عليهم فسارَعوا إلى مُوالاتِهم - (بأن مَن وثِق باللّه٣ِ) وتوَلَّى اللَّهَ
ورسوله والمؤمنين، ومَن كان على مثلِ حالِهِ مِن أولياءِ اللَّهِ مِن المؤمنين، لهم الغَلَبةُ
والدَّوائرُ والدَّوْلةُ على مَن عاداهم وحادَّهم؛ لأنهم حِزْبُ اللَّهِ، وحِزْبُ اللَّهِ هم
الغالبون دونَ حزب الشيطانِ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ، قال: أخْبرَهم - يعنى الربَّ تعالى ذكرُه - مَن الغالبُ ، فقال: لا
تَخافوا الدَّوْلَةَ ولا الدَّائرةَ. فقال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ﴾(٤).
والحِزْبُ هم الأنصارُ، ويعنى بقولِه: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الَّهِ ﴾: فإن أنصارَ اللَّهِ .
ومنه قولُ الراجزِ(٥) :
و کیف أَضْوَی وبلالٌ حِزْبی
يعنى بقولِه: أَضْوَى: أُسْتَضْعَفُ وأُضامُ . مِن الشىءِ الضاوِى . ويعنى بقولِه :
وبِلالٌ حِزْبی. يعنى : ناصرِى .
(١) سقط من: م ..
(٢) فى م: (( حلفهم)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ووثقوا)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٣/٤ (٦٥٥٤) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٥) هو رؤبة بن العجاج والرجز فى ديوانه ص ١٦، وفيه: ((ولست)) مكان ((وكيف)).

٥٣٣
سورة المائدة : الآية ٥٧
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ يَيُّها الِّينَ ءَامَنُواْلَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواْ وَلَعِبًا مِّنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُم مُّؤْمِنِينَ
٥٧
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به وبرسوله محمدٍ عَ له: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾.
أىْ: صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿لَ تَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبَّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾. يعنى اليهودَ والنصارى الذين جاءَتهم الرسلُ والأنْبياءُ، وَأُنْزِلَت
عليهم الكتبُ مِن قبلٍ يُبْعَثُ(١) نبيِّنَا عَلٍ، ومِن قبلِ نُزولٍ كتابِنا، ﴿أَوْلَ﴾ يقولُ:
لا تَتَّخِذوهم أيُّها المؤمنون أنصارًا وإخوانًا وحلفاءً؛ فإنهم لا يَأْلونكم خَبالاً وإن
أَظْهَروا لكم مَوَدَّةٌ وصَداقةٌ .
وكان اتِّخاذُ هؤلاء اليهودِ الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم المؤمنين / أنهم اتَّخَذوا دينَهم ٢٩٠/٦
هُزُوًا ولعِبًا - الدينَ على ما وصَفَهم به ربُّنا تعالى ذكرُه، أن أحدَهم كان يُظْهِرُ
للمؤمنين الإيمانَ وهو على كفرِهِ مُقِيمٌ، ثم يُراجِعُ الكفرَ بعدَ يَسيرٍ مِن المدةِ بإظْهارِ
ذلك بلسانِه قولًا، بعدَ أن كان يُنْدِى بلسانِهِ الإِيمانَ قولاً وهو للكفرِ مُسْتَبْطِنٌ، تَلَعُبًا
بالدِّين واسْتِهزاءً به، كما أُخْبَر تعالى ذكرُه عن فعلٍ بعضِهم ذلك بقوله: ﴿ وَإِذَا
لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِءُونَ ﴿﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى تُغْيَكِنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥].
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك جاء الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، قال : ثنى ابنُ
إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال : ثنى سعيدُ بنُ
جُبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان رِفاعةُ بنُ زيدِ بنِ التابوتِ وسُوَيْدُ بنُ
(١) فى م: ((بعث))، وفى ت ١: ((مبعث)).

٥٣٤
سورة المائدة : الآية ٥٧
الحارثِ قد أَظْهَرا الإِسلامَ [٦٩٦/١ظ] ثم نافَقًا، وكان رجالٌ من المسلمين يُوادُّونهما ،
فَأَنْزَل اللَّهُ فيهما: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِيَتَّكُمْ هُزُواْ وَلَعِيًّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَءُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُونَ﴾(١).
فقد أبان هذا الخبرُ عن صحةٍ ما قلْنا مِن أن اتِّخاذَ مَن أَنَّخَذ دينَ اللَّهِ هُزُوًا وَلَعِبًا
مِن أهلِ الكتابِ الذين ذكَرَهم اللَّهُ فى هذه الآيةِ ، إنما كان بالنّفاقِ منهم ، وإظهارِهم
للمؤمنين الإيمانَ ، واسْتِبْطانِهِم الكفرَ ، وقيلِهم لشياطينهم مِن اليهودِ إذا خلَوْا بهم:
إنا معكم. فنهَى اللَّهُ عن مُوادَّتِهم ومُخالَّتِهم(١٢) ، والتمسك بحلفهم، والاغْتِدادِ بهم
أولياءَ، وأَعْلَمَهم أنهم لا يَأْلونهم خَبالاً، وفى دينهم طَعْنًا، وعليه إزْراءً.
وأما الكفارُ الذين ذكَرَهم اللَّهُ تعالى ذكرُه فى قوله: ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءٍ ﴾. فإنهم المشركون مِن عَبَدةِ الأَوْثانِ، نهَى اللَّهُ المؤمنين أن
يَتَّخِذوا مِن أهلِ الكتابِ ومِن عَبَدةِ الأُوْثانِ وسائرِ أهلِ الكفرِ أولياءَ دونَ المؤمنين .
وكان ابنُ مسعودٍ - فيما حدَّثنی به أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال : ثنا القاسمُ بنُ
سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن ابنٍ مسعودٍ - يَقْرَأَ: (من الذين أُوتُوا
الکتاب من قبلکم ومن الذین أشرَ کوا )(٣).
ففى هذا بيانُ صحة التأويلِ الذى تأوَّلْناه فى ذلك .
واخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن أهلِ الحجازِ والبصرةِ
(١) سيرة ابن هشام ٥٦٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٣/٤ (٦٥٥٦) من طريق ابن إسحاق ،
عن محمد بن أبى محمد قوله، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٤/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى م: (( محالفتهم)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣١/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٤/٢ إلى المصنف
وأیی عبيد .

٥٣٥
سورة المائدة : الآية ٥٧
والكوفةِ: (والكفارِ أولياءَ). بخَفْضِ ((الكفارِ)) (١)، بمعنى: يا أيُّها الذين آمنوا لا
تَتَّخِذوا الذين اتَّخَذوا دينكم هُزُوًا وَلَعِبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم ومِن
الكفارِ أولياءَ .
وكذلك ذلك فى قراءة أبيّ بنِ كعبٍ فيما بلَغَنا: ( مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن
قبلكم ومِن الكفارِ أولياءَ)(٢).
وقرَأَ ذلك عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والكُوفِةِ: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَةً﴾ بالنصبِ()،
بمعنى: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا الذين اتَّخَذُوا دينَكم هُزُوًا ولعبًا والكفارَ. عطفًا
بـ ((الكفارِ)) على ﴿الَّذِينَ آَّخَذُواْ﴾(٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مُتَّفِقَتا المعنى صَحِيحتا
المَخْرَجِ، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما عُلماءُ مِنِ القَرَأَةِ ، فبأىِّ ذلك قرأ القارئُ فقد
أصاب؛ لأن النهىَ عن اتِّخاذِ ولىٍّ مِن الكفارِ نَهْىّ عن اتِّخاذٍ جميعِهم أولياءَ، والنهىَ
عن اتخاذٍ جميعِهم أولياءَ نهىٌّ عن اتخاذِ بعضِهم وليًّا، وذلك أنه غيرُ /مُشْكِلٍ على ٢٩١/٦
أحدٍ مِن أهلِ الإِسلام أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا حرَّم اتِّخاذَ ولىٍّ مِن المشركين على
المؤمنين، أنه لم يُخْ لهم اتخاذَ جميعِهم أولياءَ ، ولا إذا حرَّم اتِّخاذَ جميعِهم أولياءَ،
أنه لم يَخْصُص إباحةَ اتِّخاذِ بعضِهم وليًّا ، فيَجِبُ مِن أجلٍ إِشْكالِ ذلك عليهم طلبُ
الدليل على أولى القراءتين فى ذلك بالصوابٍ، وإذ كان ذلك كذلك ، فسواءٍ قرَأ
القارئُ بالخفضِ أو بالنصبِ ؛ لما ذَكَرْنا مِن العلةِ .
وأما قولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُ مُؤْمِنِينَ﴾ . فإنه يعنى: وخافوا اللَّهَ أيُّها المؤمنون
(١) وهى قراءة أبى عمرو والكسائى وأنى جعفر. ينظر النشر ١٩٢/٢.
(٢) البحر المحيط ٥١٥/٣ . وهى قراءة شاذة .
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة ويعقوب وخلف. ينظر النشر ١٩٢/٢.

٥٣٦
سورة المائدة : الآيات ٥٧ - ٥٩
فى هؤلاء الذين اتَّخَذوا دِينَكم هُزُوًّا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ ومِن الكفارِ ، أن
تَتَّخِذُوهم أولياءَ أو (١) نُصَراءَ، وارْهَبوا عُقويتَه فى فعلِ ذلك إن فعَلْتُموه، بعدَ تقدُّمِهِ
إليكم بالنهي عنه، إن كنتم تُؤْمِنون باللّهِ وتُصَدِّقونه على وَعيدِه على معصيتِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْءٌ لَّا يَعْقِلُونَ
٥٨
يقولُ تعالى ذكره: وإذا أُذَّن مُؤَذِّنُكم أيُّها المؤمنون بالصلاةِ، سخِرٍ مِن
دعوتِكم إليها هؤلاءِ الكفارُ مِن اليهود والنصارى والمشركين، ولعبوا مِن ذلك،
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾ : فعلُهم
الذى يَفْعَلونه، وهو هُزُؤُهم ولعِبُهم مِن الدعاءِ إلى الصلاةِ ، إنما يَفْعَلونه بجهلهم
بربِّهم ، وأنهم لا يَعْقِلون ما لهم فى إجابتهم إن أجابوا إلى الصلاةِ، وما عليهم فى
اسْتِهْزائِهم ولعبهم بالدعوةِ إليها، ولو عقَلوا ما لمَن فعَل ذلك منهم عندَ اللَّهِ مِن
العِقابِ ما فعَلوه .
وقد ذُكِر عن السدىِّ فى تأويلِه ما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال : ثنا أحمدُ
ابنُّ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا
وَلَعِبَّ﴾: كان رجلٌ مِن النصارى بالمدينةِ إذا سمِع المنادِى يُنادِى: أَشْهَدُ أن محمدًا
رسولُ اللَّهِ . قال: حُرِّق الكاذبُ. فدخَلَت خادِمُه ذاتَ ليلةٍ مِن الليالى بنارٍ وهو
نائمٌ(٢) وأهلُه نِيامٌ، فسقَطَت شَرارَةٌ، فَأَحْرَقَت البيتَ، فاحْتَرَق هو وأهلُهُ(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنَّا إِلََّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ
(١) فى م: ((و)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قائم)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٦٤/٤ (٦٥٥٧) من طريق أحمد بن مفضل به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٩٤/٢ إلى أبى الشيخ .

٥٣٧
سورة المائدة : الآية ٥٩
٥٩
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَلِ: قلْ يا محمدُ لأَهلِ الكتابِ مِن اليهودِ
والنصارى: يأهلَ الكتابِ هل تَكْرَهون منا أو تَجِدُون علينا [٦٩٧/١ و] فى شىءٍ إذ
تَسْتَهْزِئون(١) بديننا، " وإذ) أنتم إذا نادَيْنا إلى الصلاةِ اتَّخَذْتُم نداءَنا ذلك هُزُوًا ولعبًا ،
﴿ إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِلَهِ ﴾ يقولُ: إلا أن صدَّقْنَا وَأَقْرَرْنا بِاللَّهِ فوخَدْناه، وبما أَنْزِل إلينا مِن
عندِ اللَّهِ مِن الكتابِ، وما أَنْزِل إلى أنبياءِ اللَّهِ مِن الكتبِ مِن قبلِ كتابِنا، ﴿ وَأَنَّ أَكْتَرَكُمْ
فَسِقُونَ﴾ يقولُ: إلا أن أكثرَكم مُخالِفون أمْرَ اللَّهِ، خارجون عن طاعتِه، تَكّذِبون
عليه .
والعربُ تقولُ: نَقَمْتُ عليك كذا / أَنْقِمُ - وبه قرَأْ القَرَأَةُ مِن أهلِ الحِجازِ ٢٩٢/٦
والعراقِ وغيرِهم - ونَقِمْتُ أَنْقَمُ، لغتان، ولا نَعْلَمُ قارئًا قرَأ بهما (١)، بمعنى: وجَدْتُ
وكرِهْتُ . ومنه قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ قِيسِ الرُقَاتِ(٤) :
أنهم يَحْلُمون إن غضِبوا
ما نقَموا مِن بنى أميةً إلا
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت بسببٍ قومٍ مِن اليهودِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال : ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال : ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنی سعیدُ بنُ جبيرٍ ، أو
عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَتَّى رسولَ اللَّهِ عَمِ نفَرٌ مِن اليهودِ ، فيهم أبو ياسرِ بنُ
(١ - ١) فى م: ((حتى تستهزءوا)).
(٢ - ٢) فى م: ((إذا)).
(٣) فى م: بها. ويعنى بقوله: بهما. أى: بـ ((نقَمت، أنقَم)). ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٧١ .
(٤) ديوانه ص ٤.

٥٣٨
سورة المائدة : الآيتان ٥٩، ٦٠
أَخْطَبَ، ورافعُ بنُ أبي رافع ١، وعازَرُ، وزيدٌ، وخالدٌ ، وإزارُ بنُ أبى إزارَ، وأَشْيَعُ،
فسألوه عمَّن يُؤْمِنُ به مِن الرسلِ. قال: ((أُومِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل إلينا، وما أُنْزِل إلى إبراهيمَ
وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأشباطِ ، وما أُوتِى موسى وعيسى، وما أُوتِى النَّبيون
مِن ربِّهم ، لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ منهم، ونحن له مُسْلِمون)) . فلما ذكر عيسى جحدوا
نبوته وقالوا: لا تُؤْمِنُ بَمَنْ آمَن به. فأَنْزَل اللَّهُ فيهم: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنَقِمُونَ مِنَّا
إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِفُونَ﴾(١).
عطفًا بها(١) على ﴿ أَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ﴾. لأن معنى
الكلامِ : هل تَنْقِمون منا إلا إيمانَنا باللَّهِ وفسقَكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلّ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ الَّهُ
وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَاْخَزِيَرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين اتَّخَذوا دينكم
هُزُوًا ولعبًا مِن الذين أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم والكفارِ: هل أنتِثُكم يا معشرَ أهلِ
الكتابِ بشرٌّ مِن ثوابٍ(٤) ما تَنْقِمون منا مِن إيمانِنا باللّهِ ، وما أُنْزِل إلينا مِن كتابِ اللَّهِ،
وما أُنْزِل مِن قبلِنا مِن كتبِه؟
(*وتقديرُ ((مئويةٍ)) مفعولةٌ)، غيرَ أن عينَ الفعلِ لما سقطت نُقِلَت حركتُها إلى
الفاءِ، وهى الثاءُ مِن ((مَثُوبةٍ))، فخرَجَت مَخْرَجَ ((مَقُولةٍ))، و(مَحُورةٍ)) (١)، و((مَضُوفةٍ))(٧)،
(١) فى النسخ: ((نافع))، وقد تقدم على الصواب .
(٢) تقدم تخريجه فى ٢/ ٥٩٦.
(٣) أى عطفا بـ (( أن)) التى فى قوله ﴿وأن أكثركم فاسقون ﴾ .
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الله)).
(٥ - ٥) زيادة يقتضيها السياق. وينظر مجاز القرآن ١/ ١٧٠.
(٦) فى م: ((محوزة)). والمحورة من المحاورة، وهى الجواب.
(٧) المضوفة : الأمر يشفق منه ويخاف .

٥٣٩
سورة المائدة : الآية ٦٠
(١)
كما قال الشاعر
:
أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِثْزَرِى
وكنتُ إذا جارِى دعا لمَضُوفةٍ
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
/ذكْرُ مَن قال ذلك
٢٩٣/٦
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَِّّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَّةً عِنْدَ اللهِ ﴾. يقولُ: ثوابًا عندَ اللَّهِ(٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَلْ
أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَنُوبَةٌ عِندَ اللَّهِ﴾. قال: المَثُوبةُ الثَّوابُ ؛ مَثُوبةُ الخيرِ ومَثُوبةٌ
الشرّ. وقرأ : شرٌّ ثوابًا(٢).
وأما ﴿مَن﴾ فى قوله: ﴿ مَن لَّعَنَهُ اُللَّهُ﴾ . فإنه فى موضع خفضٍ ، ردًّا على
قوله: ﴿بِشَرِّ مِّن ذَلِكَ﴾. فكأن تأويلَ الكلام إذ كان ذلك كذلك: قل هل أُنَبِّعُكم
بشرٌّ مِن ذلك مَثُوبةٌ عندَ اللَّهِ بِمَنْ لعَنه اللَّهُ .
ولو قیل : هو فی موضع رفع . لَکان صوابًا على الاستئناف ، بمعنى : ذلك مَن
لعَنه اللَّهُ. أو: هو مَن لعَنه اللَّهُ .
ولو قيل: هو فى موضع نصبٍ . لم يَكُنْ فاسدًا ، بمعنى : قل هل أُنَبِّئُكم من
(١) هو أبو جندب الهذلى، والبيت فى أشعار الهذليين ٣/ ٩٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٦٤، (٦٥٦٠) من طريق أحمد بن مفضل به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٩٥/٢ إلى أبى الشيخ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩/٢ إلى المصنف. وقوله شرثوابا. هكذا فى النسخ والدر المنثور، وليس.
هناك آية هكذا . وأثبته الشيخ شاكر : ﴿ خير ثوابا﴾. من الآية ٤٤ من سورة الكهف .

٥٤٠
سورة المائدة : الآية ٦٠
لِعَنه اللَّهُ. فَيَجْعَلُ ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ عاملًاً) فى ﴿مَن﴾ واقعًا عليه .
وأما معنى قوله: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ فإنه يعنى: مَن أَبْعَدَه اللَّهُ وأَشْحَقه مِن
رحمته، ﴿ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَزِيَرَ﴾ يقولُ: وغضِب عليه
وجعَل منهم المُسوخَ؛ القِرَدةَ والخَازيرَ، غضَبًا منه عليهم وسُخْطًا، فعجَّل لهم
الخِزْىَ والنَّكالَ فى الدنيا .
وأما سببُ مَسْخ اللَّهِ مَن مسَخ منهم قِرَدةً ، فقد ذكَرْنا بعضَه فيما مضى مِن
كتابنا هذا، وستَذْكُرُ بقيتَه إن شاء اللَّهُ فى مكانٍ غيرِ هذا(١) .
وأما سببُ مَسْخ اللَّهِ مَن مسَخ منهم خَنازيرَ، فإنه كان فيما حدّثنا ابنُ محُميدٍ ،
قال: ثنا سلَمةُ بنُّ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عمرُ(١) بنِ كَثِيرِ بنِ أَفْلَحَ مولى أبى
أيوبَ الأَنْصارىِّ، قال: حُدِّثْتُ أن المسخَ فى بنى إسرائيلَ مِن الخنازيرِ كان أن امرأةٌ
مِن بنى إسرائيلَ كانت فى قريةٍ مِن قُرى بنى إسرائيلَ ، وكان فيها مَلِكُ بنى إسرائيلَ،
وكانوا قد اسْتَجْمَعوا على الهَلَكةِ ، إلا أن تلك المرأةَ كانت على بقيةٍ مِن الإسلامِ
مُتَمَسِّكَةٌ به ، فجعَلت تَدْعُو إلى اللَّهِ حتى اجْتَمَع إليها ناسٌ فتابَعوها [٦٩٧/١ظ] على
أمْرِها ، قالت لهم: إنه لابدَّ لكم مِن أن تُجاهِدوا عن دينِ اللَّهِ ، وأن تُنادُوا قومَكم
بذلك، فاخْرُجوا فإنى خارجةٌ . فخرَجَت وخرَج إليها ذلك الملِكُ فى الناسِ ، فقتَل
أصحابها جميعًا، وَانْفَلَتَت مِن بينهم. قال: ودَعَت إلى اللَّهِ حتى تَجَمَّعَ الناسُ إليها ،
حتى إذا رضِيَت منهم أمَرَتْهم بالخروجِ، فخرَجوا وخرَجَت معهم، وأصيبوا جميعًا
وانْفَلَتَت مِن بينهم. ثم دَعَت إلى اللَّهِ، حتى إذا اجْتَمَع إليها رجالٌ، واسْتَجابوا لها،
(١) فى ص: ((علاما))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((على ما)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩/٢ - ٦٥، وما سيأتى فى ٥١٢/١٠ وما بعدها .
(٣) فى النسخ: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ٤٩١.