النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة المائدة : الآية ٤١
يَأْتُوكَ يُحِرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، ﴾. قال: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ :
إن أُوتِيثُم هذا فخُذُوه(١).
وقال آخرون : المعنىُ بذلك قومٌ مِن اليهودِ، كان أهلُ المرأةِ التى بغَتْ(٢) بعَثوا
بهم يَسْأَلُون رسولَ اللَّهِ نَّمِ عن الحكم فيها، والباعثون بهم هم القومُ الآخَرون،
وهم أهلُ المرأةِ الفاجرةِ، لم يَكُونوا أتَوْا رسولَ اللَّهِ عَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ قوله: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَقَدْعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ
يَأْتُولٌ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: ( فإِن بنى٣) إسرائيلَ أَنْزَل اللَّهُ عليهم: إذا زنَى منكم أحدٌ
فارْ جُمُوه. فلم يَزالوا بذلك حتى زنَى رجلٌ مِن خِيارِهم، فلمَّا اجتَمَعَت بنو
إسرائيلَ يَوْجُمونه، قام الخيارُ والأشرافُ فمنَعوه، ثم زنَى رجلٌ مِن الضعفاءِ،
فاجتَمَعوا لِيَرْجُموه، فاجْتَمَعَت الضُّعفاءُ فقالوا : لا تَرْجُموه حتى تَأَتُّوا بصاحبِكم
فَتَرْجُمونهما جميعًا. فقالت بنو إسرائيلَ: إن هذا الأمرَ قد اشْتَدَّ علينا، فتَعَالَوْا
فَلْتُصْلِحْه. فترَكوا الرجمَ، وجعلوا مكانَه أربعين جَلْدةً بحبلِ مُقَتَّرٍ () ، ويَحْمِلونه
على حمارٍ، ووجْهُه إلى ذَنَبِهِ، ويُسَوِّدون وجهَه، ويَطُوفون به، فكانوا يَفْعَلون
ذلك حتى بُعِث النبيُّ عَّه وقدِمِ المدينةَ، فزنَت امرأةٌ مِن أشرافِ اليهودِ، يقالُ
لها: بُشْرةُ. فبعَث أبوها ناسًا مِن أصحابِه إلى النبيِّ عَّهِ، فقال: سَلُوه عن
(١) أخرجه الحميدى (١٢٩٥) - ومن طريقه ابن أبى حاتم ٤ / ١١٣٠، ١١٣١ (٦٣٥٤، ٦٣٥٧) - عن
ابن عيينة ، عن زكريا وحده به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٢/٢ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.
(٢) فى س: ((زنت)).
(٣ - ٣) فى م، س: ((كان بنو)).
(٤) بعده فى م: ((ويحممونه )) .

٤٢٢
سورة المائدة : الآية ٤١
الزِّنى وما نزَل إليه فيه، فإنا نَخافُ أَن يَفْضَحَنا وَيُخْبِرَنا بما صنَعْنا، فإن
أعطاكم الجلدَ فخُذُوه، وإن أمَرَكم بالرجم فاحْذَروه. فأَتَوْا رسولَ اللَّهِ عَ لَه
فسألوه، فقال: ((الرجمُ)). فَأَنْزَل اللّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَمَّعُونَ
لِلْكَذِبِ سَفَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌَ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾:
حينَ حرَّفوا الرجْمَ فجعَلوه جلدًا(١) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال : إن السمّاعِین للكذبِ
هم السمَّاعون لقومٍ آخَرِين، وقد يجوزُ أن يكونَ أولئك كانوا مِن يهودٍ
المدينةِ ، والمسموعُ لهم مِن يهودٍ فَدَكَ، ويَجوزُ أن يكونَ كانوا مِن غيرِهم. غيرَ أنه
أىُّ ذلك كان، فهو مِن صفةٍ قومٍ مِن يهودَ سمِعوا الكذبَ على اللَّهِ فى حكم المرأةِ
التى كانت بَغَتْ فيهم وهى مُحْصَنةٌ، وأن حكمَها فى التوراةِ التَّحْميمُ والجلدُ ،
وسألوا رسولَ اللَّهِ عْظَه عن الحكم اللازم لها، وسمِعوا ما يَقولُ فيها قومُ المرأةِ الفاجرةِ
قبلَ أن يَأْتُوا رسولَ اللَّهِ / ◌ِِّ مُحْتَكِمين إليه فيها. وإنما سألوا رسولَ اللَّهِ يَ الٍ عن
ذلك لهم ليُعْلِموا أهلَ المرأةِ الفاجرةِ ما يكونُ مِن جوابِهِ لهم، فإن(١) لم يَكُنْ مِن
محكمِہ الرجم ، رضُوا به حَگمًا فیھم ، وإن كان مِن حكمه الرجمُ ، حَذِروه وترَ کوا
الرضا به وبحکمِه .
٢٣٦/٦
وبنحوِ الذى قلنا كان ابنُ زيدٍ يقولُ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾. قال: لقومٍ آخَرِين لم يَأْتُوكَ(٣) مِن
أهلِ الكتابِ، هؤلاء سمَّاعون لأولئك القومِ الآخَرِين الذين لم يَأَتُّوه، يقولون لهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ٤/ ١١٣٠، ١١٣١ (٦٣٥٦، ٦٣٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( کی إن)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يأتوه)).
؛

٤٢٣
سورة المائدة : الآية ٤١
الكذبَ : محمدٌ كاذبٌ، وليس هذا فى التوراةِ فلا تُؤْمِنوا به (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِلِتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن ◌َّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ .
يقولُ تعالى ذكره : يُحَرِّفُ هؤلاء السمَّاعون للكذبِ السَّاعون لقومٍ آخرين
منهم ولم يَأْتُوك بعدُ مِن اليهودِ - الكَلِمَ . وكان تحريفُهم ذلك تَغْبِيرَهم حكمَ اللَّهِ
تعالى ذكرُه الذى أَنْزَله فى التوراةِ فى المحْصَناتِ والمحصَنِين مِن الزُّناةِ، بالرجمِ إلى
الجلدِ والتَّحميمِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿يُحِّفُونَ الْكَلِمَ﴾. يعنى: هؤلاء اليهودُ .
والمعنِىُّ حكمُ الكلمِ. فَاكْتُفِى بذكرِ الخبرِ مِن (١) تحريفِ الكلم عن(١) ذكرِ الحكمِ؛
لمعرفةِ السامعين لمعناه. وكذلك قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ،﴾. والمعنى: مِن
بعدِ وضْع اللَّهِ ذلك مَواضِعَه. فاكتُفِى بالخبرِ مِنَ ذكرِ مواضعِه عن ذكرٍ
وضْع اللهِ(٤) ذلك، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآَخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والمعنى: ولكنَّ البِرَّ بُرُّ مَن آمَن باللّهِ واليومِ الآخِرِ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يَكونَ معناه: يُحَرِّفون الكلمَ عن(٥) مواضعِه. فتكونُ ((بعد)»
وُضِعَت موضعَ ((عن))، كما يقالُ: جئتُك عن فَراغی مِن الشُّغل. يريدُ ) : بعدَ
فَراغِى مِن الشُّغلِ .
ويعنى بقولِه: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾. يقولُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٣١/٤ (٦٣٥٩) من طريق أصبغ بن الفرج، عن ابن زيد به ، بزيادة فى آخره ،
وسیأتی تمامه فی ص ٤٢٧.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عن)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من بعد)).
(٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بمعنى)).

٤٢٤
سورة المائدة : الآية ٤١
قولُ هؤلاء الباغون السمَّاعون للكذبِ : إن أقْتاكم محمدٌ بالجلدِ والتَّحْميمِ فى
صاحبِنا، ﴿ فَخُذُوهُ﴾. يقولُ: فاقْتَلوه منه . وإن لم يُفْتِكم بذلك وأقْتاكم بالرّجْمِ
ج
فَاحْذَرُواْ﴾ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى
الزُّهرىُّ، قال: سمِعْتُ رجلًا مِن مُزَيْنةَ يُحَدِّثُ سعيد بن المسيبِ ، أن أبا هريرةَ
حدَّثهم فى قصةٍ ذكَرَها: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوْاْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ [٦٨٢/١ و]
سَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ﴾. قال: بعثوا وتخَلَّفوا، وأمروهم بما أمروهم به
مِن تحريفِ الكلم عن مواضعِه، فقال: ﴿يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ
إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ للتجْبِهِ ) ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾ أى الرجمَ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ أُوْتِثُمْ هَذَا﴾: إن وافَقكم هذا،
﴿ فَخُذُوهُ ﴾ . يهودُ تَقولُه للمنافِقِين .
/ حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
مُجاهدٍ: ﴿ إِنْ أُوْتِثُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: إن وافَقَكم هذا فخُذُوه ، وإن لم يُوافِقْكم
فاحْذَروه . يهودُ تَقولُه للمُنافِقِينَ(٣).
٢٣٧/٦
(١) فى م: (( للتحميم)) ..
(٢) من تمام الأثر المتقدم فى ص ٤١٤، ٤١٥ وهو هنا بنحو ما فى هذه المصادر، وسياقها أوضح.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١١٣٢/٤ (٦٣٦٦، ٦٣٦٩) من طريق ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٨٣/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.

٤٢٥
سورة المائدة : الآية ٤١
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا
أَشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿يُحِرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ﴾: حينَ حرَّفوا
الرجمَ فجعَلوه جلدًا، يقولون: ﴿إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ
ج (أ)
فَأَحْذَرُواْ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ ، عن ابنِ عُيَيْنةَ ،
قال: ثنا زكريا ومُجالِدٌ، عن الشَّعْبىِّ، عن جابرٍ: ﴿يُحِرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ
مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾: يهودُ فَدَكَ يقولون ليهودِ المدينةِ :
إن أُوتِيتُم هذا الجلدَ فخُذُوه، وإن لم تُؤْتَوْه فاحْذَروا الرجمَ(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ أُوتِلِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَهُ
ج
فَأَحْذَرُواْ﴾: هم اليهودُ، زنَت منهم امرأةٌ ، وكان اللَّهُ قد حكم فى التوراةِ فى الزِّنى
بالرجم، فنفِسوا (١) أن يَوْجُموها، وقالوا: انْطَلِقوا إلى محمدٍ، فعسَى أَن يَكونَ عندَه
رُخْصةٌ، فإن كانت عندَه رُخْصةٌ فاقْتَلوها. فأتَوْه فقالوا: يا أبا القاسم ، إن امرأةٌ منا
زنَت، فما تقولُ فيها؟ فقال لهم النبيُّ عَّهِ: (( كيف حكمُ اللَّهِ فى التوراةِ فى
الزانى(٤)؟)). فقالوا: دَعْنا مِن التوراة، ولكن ما عندَك فى ذلك؟ فقال: ((اثْتُونى
بأَعْلمِكم بالتوراةِ التى أَنْزِلَت على موسى)). فقال لهم: (( بالذى نجّكم مِن آلٍ فرعونَ،
وبالذى فَلَق البحرَ فَأَنْجاكم وأغْرَق آلَ فِرْعونَ، إلا أخْبَرُمونى ما حُكْمُ اللَّهِ فى الثَّوراةِ فی
(١) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٤٢١، ٤٢٢ .
(٢) تقدم ص ٤٢٠، ٤٢١.
(٣) نفِس بالشىء: ضنّ وبخل. اللسان (ن ف س).
(٤) فى الكبير للطبرانى: ((الزنى)).

٤٢٦
سورة المائدة : الآية ٤١
الزانى(١)؟)). قالوا: حكمُه الرجمُ(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿لَمْ يَأْتُوَةٌ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوْتِلْتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ
ج
وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ﴾: ذُكِر لنا أن هذا كان فى قَتَيلِ مِن بنى قُرَيظةَ قتَلَتْه التَّضِيرُ،
فكانت النَّضيرُ إِذا قتَلَت مِن بنى قريظةً لم يَقِيدوهم ، إنما يُعْطُونهم الدِّيَّةَ؛ لفضلِهم
عليهم، وكانت قُرِيظةُ إذا قتَلَت مِن النَّضيرِ قتيلاً لم يَرْضَوْا إلا بالقَوَدِ؛ لفضلِهم
عليهم فى أنفسِهم تعَزُّزًا، فقدِم نبىُّ اللهِ عَّمِ المدينةَ على تَفِئَةٍ(٣) فعلِهم(٤) هذا،
فأرادوا أن يَرْفَعوا ذلك إلى رسولِ اللَّهِ وَهِ، فقال لهم رجلٌ مِن المنافقين: إن قَتيلَكم
هذا قَتِيلُ عَمْدٍ ، متى ما تَرْفَعوه إلى محمدٍ أَحْشَى عليكم القَوَدَ ، فإن قَبِل منكم الديةَ
فخُذُوه، وإلا فكونوا منه على حَذَرٍ (٥) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يُحِرِّفُونَ
اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ،﴾. يقولُ: يُحَرِّفُ هؤلاء الذين لم يَأْتُوك الكلمَ عن
مَواضعِه، لا يَضَعونه على ما أَنْزَله اللَّهُ. قال: وهؤلاء كلُّهم يهودُ، بعضُهم مِن
(٦)
بعضٍ().
(١) فى الكبير للطبرانى: ((الزنى)).
(٢) بعده فى م، والدر المنثور: ((فأمر بها رسول الله عَلَّ فرجمت)).
والأثر أخرجه الطبرانى (١٣٠٣٣) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٢/٢
إلی ابن مردویه .
(٣) فى م: ((هيئة))، وفى س: ((تقية)). وتقدم تعريف هذه الكلمة فى ٦/ ٩٨.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فقتلهم))، وأثبتها الشيخ شاكر: ((قتيلهم)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٢ إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٢/٤ (٦٣٦٤) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد، وأخرج
أوله فى آخر الأثر المتقدم فى ص ٤٢٣.

٤٢٧
سورة المائدة : الآية ٤١
٢٣٨/٦
حدَّثنَا هَنَّادٌ ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ وعَبيدةُ بنُ محُميدٍ ، عن الأعمش ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ مُرَّةَ ، عن البَراءِ / بنِ عازبٍ: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ
فَاحْذَرُواْ﴾. يقولون: اثْتُوا محمدًا، فإن أقْتاكم بالتَّخْميم والجَلْدِ فَخُذُوه، وإن
أقْناكم بالرجْمِ فاخذَروا (١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا﴾ .
وهذا تَسْلِيةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا عَ لِّ مِن حزنِه على مُسارَعةِ الذين
قصَّ قصتَهم مِن اليهودِ والمنافقين فى هذه الآيةِ ، يقولُ له تعالى ذكرُه : لا يَحْزُنْك
تَسَرُّعُهم إلى مجحودِ نبوتِك ، فإنى قد حتَمْتُ عليهم أنهم لا يَتُوبون مِن ضَلالتِهم ،
ولا يَرْجِعون عن كفرِهم، للسابقِ مِن غضَبِى عليهم ، وغيرُ نافعِهم محُزْنُك على ما
تَرَى مِن تسُعِهم إلى ما جعَلْتُه سببًا (١) لهلا کھم، واستحقاقهم وَعِيدى .
ومعنى ((الفتنةِ)) فى هذا الموضع الضلالةُ عن قَصْدِ السبيلِ، يقول تعالى ذكرُه :
ومَن يُرِدِ اللهُ يا محمدُ مَرْجِعَه بضَلالِتِه عن سبيلِ الهُدَى، فلن تَمْلِكَ له مِن اللهِ
استِئْقاذًا مّا أراد اللَّهُ به مِن الحِيرةِ والضَّلالةِ، فلا تُشْعِرْ نفسَك الحزْنَ على ما فاتك
مِن اهتدائِه للحقِّ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا
أشْباطُ ، عن السدىِّ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا﴾(٣).
(١) جزء من الحديث المتقدم فى ص ٤١٥، ٤١٦.
(٢) فى م: ((سبيلا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٣/٤ عقب الأثر (٦٣٧٠) من طريق أسباط به، ولفظ الأثر قبله :
من يرد الله ضلالته .

٤٢٨
سورة المائدة : الآيتان ٤٢،٤١
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُزَّ لَهُمْ
٤١
فِي الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ مَّ ◌َله: لا يَحْزُنْك الذين يُسارِعون فى الكفرِ مِن
اليهودِ الذين وصَفْتُ لك صفتَهم، فإن مُسارَعتَهم إلى ذلك أن اللَّهَ قد أراد فتنتَهم،
وطبَع على قلوبِهم ، فلا يَهْتَدون أبدًا، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ
قُلُوبَهُمَّ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين لم يُرِدِ اللَّهُ أن يُطَهِّرَ مِن دَنَسِ الكفرِ وَسَخِ الشركِ
قلوبهم، بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان فیتوُوا، بل أراد بهم الخزْىَ فى الدنيا ،
وذلك الذلَّ والهَوانُ، وفى الآخرةِ عذابُ جَهنمَ خالدين فيها أبدًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى ((الخزْي)) رُوِى القولُ عن عكرمةَ.
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، [٦٨٢/١ظ] قال: ثنا سفيان ، عن علىِ بنِ
الأَقْمَرِ(١) وغيرِهِ، عن عكرمةَ: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمَّ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ
لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِىٌ﴾. قال: مدينةٌ فى الرومِ تُفْتَحُ فَيُسْبَوْنَ().
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ
٢٣٩/٦
/ يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء اليهودُ الذين وصَفْتُ لك يا محمدُ صفتَهم،
سمَّاعون لقِيلِ الباطلِ والكذبِ ، مِن قيلِ بعضِهم لبعضٍ : محمدٌ كاذبٌ ليس بنبىٌّ.
وقِيلِ بعضِهم: إن حكمَ الزانى المحْصَنِ فى التوراةِ الجلدُ والتحميمُ. وغيرِ ذلك مِن
الأباطيلِ والإِفْكِ، وَيَقْتَلون الرِّشَا، فيأْكُلونها على كَذِيهم على اللَّهِ وفِرْيَتِهم عليه .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقِيلٍ، قال :
(١) فى م: ((الأرقم)). وسيأتى على الصواب فى ٣٥/١٠، ٥٦٦/١١، ٥٨٨/١٥. وينظر تهذيب الكمال
٣٢٣/٢٠.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر وأبى الشيخ .

٤٢٩
سورة المائدة : الآية ٤٢
سمِعْتُ الحسنَ يقولُ فى قوله: ﴿ سَنَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ ﴾ . قال :
تلك الحُكَّامُ، سَمِعوا كِذْبَةً ، وأكَلوا رِشْوةً(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
سَمَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾. قال: كان هذا فى حُكَامِ اليهودِ بينَ
أيديكم، كانوا يَسْمَعون الكذِبَ ويَقْبَلون الرّشَا(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
تَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَكَّلُونَ لِلشَّحْتِّ﴾. قال: الرَّشْوةُ فى
الحكمِ، وهم يهودُ(٢).
حدَّثْنَا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدثنا سُفيانُ بنُ وَكيع، قال : ثنا أبى
وإسحاقُ الأَزْرِقُ ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ ،
عن عاصم، عن زِرِّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾. قال: السُّحْتُ
ء (٤)
الرِّشْوةُ(٤) .
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن
الأعمشِ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن سالمِ بنِ أبى الجَعْدِ ، قال: قيل لعبدِ اللَّهِ : ما
الشُّحْتُ ؟ قال : الرّشْوةُ . قالوا: فى الحكم؟ قال : ذاك الكفر.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) ينظر تفسير البغوى ٣/ ٥٨.
(٣) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ١/ ٥٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٥/٤ (٦٣٨٧) من طريق ابن أبى
نجیح به. وليس فى أخبار القضاة: (( وهم يهود )).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٨٨/٦، ووكيع فى أخبار القضاة ٥٠/١، ٥١ من طريق وكيع به .

٤٣٠
سورة المائدة : الآية ٤٢
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا غُتْدَرٌّ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةً، عن منصورٍ ،
عن سالم بنِ أبى الجَغْدِ، عن مَشْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الشّحْتُ
الرِّشْوةُ(١).
حدَّثنَا هَنَّادٌ ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن حُرَيْثٍ ،
عن عامٍ، عن مسروقٍ ، قال: قلنا لعبدِ اللَّهِ: ما كثَّا نُرَى السُّخْتَ إلا الرِّشْوةَ فى
الحكم. قال عبدُ اللَّهِ: ذاك الكفر(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
منصورٍ، عن سالم بنِ أبى الجَعْدِ ، عن مَشْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال(٢): الشُّحْتُ
الرّشَا؟ قال : نعم .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمارٍ
الدُّهْنيّ، عن سالم بنِ أبى الجَغْدِ ، عن مَشْروقٍ ، قال: سأَلْتُ عبدَ اللَّهِ عن السُّحْتِ،
فقال: الرجلُ يَطْلُبُ الحاجةَ للرجلِ فِيَقْضِيها، فيُهْدِى إليه فيَقْبَلُها(٤).
حدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ وسليمانَ
الأَعْمشِ، عن سالم بن أبى الجعدِ ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: السّحْتُ الرِّشَا .
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ، عن
(١) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ١/ ٥٢، وابن بطة فى الإبانة (١٠١٣)، والبيهقى ١٣٩/١٠ من طريق
شعبة بنحوه . وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٤٦٦٦)، ومسدد - كما فى المطالب العالية ( ٢٣٧٨،
٢٣٧٩) - ، ووكيع فى أخبار القضاة ٥٢/١ ، وأبو يعلى (٥٢٦٦) من طريق منصور بنحوه.
(٢) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٥١/١، وابن بطة فى الإبانة (١٠٠٣) من طريق وكيع به .
(٣) كذا فى النسخ، ولعل الصواب : قيل.
(٤) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٥١/١ من طريق شعبة بنحوه، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه
(٧٤١ - تفسير)، والبيهقى ١٣٩/١٠، وفى الشعب (٥٥٠٤) من طريق عمار الدهنى به .

٤٣١
سورة المائدة : الآية ٤٢
عبدِ اللَّهِ : السُّخْتُ ، قال: الرَّشْوةُ فى الدينِ ().
/ حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن خَيْثَمةَ، قال: ٢٤٠/٦
قال عمرُ: بابان(٢) مِن السُّخْتِ، الرِّشَا ومَهْرُ الزانيةِ(٣).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ،
قال : الشّخْتُ الرّشْوةُ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾. قال: الرَّشَا(٥).
حدَّثَنَا هَنَادٌ ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن طلحةً ،
عن أبى هريرةَ، قال: مَهْرُ الْبَغِىِّ سُحْتٌ، وعَسْبُ الفَحْلِ سُخْتٌ، وكَسْبُ
الحَجَامِ سُخْتٌ، وثمنُ الكلبِ سُختَ(٧).
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٤٦٦٤)، ووكيع فى أخبار القضاة ١/ ٥١، وابن أبى حاتم ١١٣٤/٤
(٦٣٨١)، والطبرانى (٩٠٩٩) من طريق سفيان به. وسقط من مصنف عبد الرزاق : سفيان .
(٢) فى النسخ: (( ما كان)) . والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٤٥/٦ عن أبى معاوية به. وأخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٥٠/١ من طريق عمرو
ابن شرحبيل، عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٤/٢ إلى عبد بن
حميد، وفيه ابن عمر. بدلا من : عمر .
(٤ - ٤) فى م: ((أكالون للسحت)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٩١.
(٦) عسب الفحل: ماؤه، فرسا كان أو بعيرا أو غيرهما، وعسبه أيضًا: ضرابه، والمنهى عنه الكراء الذى
يؤخذ عليه . ينظر النهاية ٣/ ٢٣٤.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ١٤٦، والنسائى فى الكبرى (٤٦٩٥ - ٤٦٩٧)، وابن حزم فى المحلى ٦١٨/٩
من طرق عن أبى هريرة نحوه . وليس فى المصنف: ثمن الكلب . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٢ إلى
الفريابي .

٤٣٢
سورة المائدة : الآية ٤٢
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جُوَثِيرِ، عن الضَّحَاكِ ، قال :
الشّحْتُ الرَّشْوةُ فى الحكمِ (١) .
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو غَشَانَ ، قال : ثنا إسرائيلُ ، عن حكيم بنِ جُبيرٍ ، عن
سالمِ بنِ أبى الجَعْدِ ، عن مسروقٍ ، قال : سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ ، قال :
الرِّشَا. فقلتُ : فى الحكم؟ قال: ذاك الكفرُ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿أَكَّلُونَ لِلشُّحْتِّ﴾. يقولُ: للرِّشَا .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرَنا عبدُ
الملكِ بنُ أبي سليمانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مَشْروقٍ و علقمةَ، أنهما
سأَلا ابنَّ مسعودٍ عن الرّشْوةِ، فقال: هى السُّخْتُ. قالا: فى الحكم؟ قال : ذاك
الكفرُ. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ﴾(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن الْمَشْعودىِّ، عن
بُكَيْرِ(٥) مِنِ أبى ◌ُكَفِرٍ(٢)، عن مسلمٍ(٢) بنِ صُنِيحٍ، قال: شفَع مَشْروقٌ لرجلٍ فى حاجةٍ،
(١) أخرجه و کیع فى أخبار القضاة ٥٣/١ من طريق جويبر به .
(٢) أخرجه الطبرانى (٩١٠١)، وابن بطة فى الإبانة (١٠٠٤) من طريق إسرائيل به .
(٣) فى النسخ: (( عن )) . والسياق يدل على خطئه .
(٤) أخرجه ابن بطة فى الإبانة (١٠٠٢) من طريق هشيم بن بشير به .
(٥) فى ص، س: ((بكر)).
(٦) فی س: (( بکر)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هشام))، وفى م: ((هاشم)). وسيأتى على الصواب فى الصفحة
القادمة ، وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢٠.

٤٣٣
سورة المائدة : الآية ٤٢
فأهْدَى له جاريةً ، فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: لو علِمْتُ أنك تَفْعَلُ هذا ما كلَّمْتُ
فى حاجتِك، ولا أَكَلِّمُ فيما بقِى مِن حاجتِك، سمِعْتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شفَع
شَفاعةٌ لِيَرُدَّ بها حقًّا ، أو يَوْفَعَ بها ظلمًا ، فأُهْدِى له فقِل ، فهو سُختٌ . فقيل له : يا أبا
عبدِ الرحمنِ ، ما كنا نُزَى ذلك إلا الأخذَ على الحكم. قال: الأُخْذُ على الحكم كفرٌ.
حدّٹنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : [٦٨٣/١و] ثنی أبى ، قال: ثنی عمى ، قال : ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿سَفَعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَلُونَ لِلِسُّحْتَّ﴾:
وذلك أنهم أخذوا الرّشْوةَ فى الحكم، وقضَوْا بالكذبِ (١).
حدَّثْنَا هَنَّدٌ ، قال: ثنا عَبِيدةُ ، عن عمارٍ، عن مسلمٍ بنِ صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ ،
قال : سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ ، أهو الرِّشَا فى الحكم؟ فقال: لا ، مَن لم
يَحْكُمْ بما أَنْزَل اللَّهُ فهو كافرٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أَنْزَل اللَّهُ فهو ظالمٌ ، ومَن لم يَحْكُمْ
بما أَنْزَل اللَّهُ فهو فاسقٌ، ولكنَّ الشّخْتَ؛ يَسْتَعِينُك الرجلُ على المَظْلِمةِ فتُعِينُه
عليها، فيُهْدِى لك الهديةَ فتَقْبَلُها(٢).
/ حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلِ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ ٢٤١/٦
هُبَيْرةَ السَّبَعْىِّ، قال: مِن السّحْتِ ثلاثةٌ؛ مَهْرُ الْبَغِىِّ، والرّشْوةُ فى الحكم، وما كان
يُعْطَى الْكُمَّانُ فى الجاهليةِ(٤) .
حدَّثْنَا هَنَّدٌ ، قال : ثنا ابنُ مُطِيعٍ، عن حمادٍ بن سلمةَ، عن عطاءِ الخُراسانىّ،
عن ضَمْرةَ ، عن علىّ بن أبى طالبٍ أنه قال فى كسبِ الحَجَّامِ ، ومَهْرِ البَغِىِّ ، وثمنٍ
(١) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٥٣/١ عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٤/٤ (٦٣٨٢)، والطبرانى (٩٠٩٨)، والبيهقى (٥٥٠٤) من
طريق مسروق به . وعزاه السيوطى ٢٨٣/٢ إلى أبى الشيخ .
(٣) فى النسخ: ((عبيد)). وتقدم على الصواب فى ٤/ ٣٧٢.
(٤) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٥٤/١ من طريق يحيى بن سعيد به مقتصرًا على قوله : الرشوة فى الحكم .
( تفسير الطبرى ٢٨/٨ )

٤٣٤
سورة المائدة : الآية ٤٢
الكلبٍ، والاسْتِجْعالِ (١) فى القضيةِ، وحُلْوانِ الكاهنِ(٢)، وعَشْبٍ(٣) الفحلِ،
والرّشْوةِ فى الحكم، وثمنٍ الخمرٍ، وثمنِ المَيْتَةِ: مِن السُّخْتِ(٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿أَكَّلُونَ لِلشُّحْتِّ﴾ . قال: الرِّشْوةُ فى الحكم .
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أُخْبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى
الموَالِ، عن عمرَ بنِ حمزةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِعَلَّمِ قال: ((كُلُّ لحمٍ
أَنْبَتَه السُّحْتُ فالنار أولى به)). قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما الشّخْتُ؟ قال: ((الرّشْوةُ فى
(٥)
الحكم)) (٥).
حدّثنی یونُسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : أخبرنى عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ ، عن
الحكم بن عبدِ اللَّهِ ، قال: قال لى أنسُ بنُ مالكِ: إذا انْقَلَبْتَ إلى أبيك فقُلْ له : إياك
والرّشْوةَ، فإنها سُخْتٌ . وكان أبوه على شُرَطِ المدينةِ .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن سالم ، عن مسروق ، عن
عبدِ اللَّهِ ، قال: الرِّشْوةُ سُحْتٌ . قال مَشْروقٌ: فقلْنا لعبدِ اللَّهِ: أفى الحكم؟ قال:
(١) فى م: ((الاستعجال)). والاستجعال من الجُعل: وهو ما جعل للإنسان من شىء على الشىء يفعله. ينظر
الصحاح (ج ع ل ).
(٢) حلوان الكاهن: ما يعطاه من الأجر والرشوة على كهانته. النهاية ٤٣٥/١.
(٣) فى م: ( عسيب)).
(٤) ذكره الحافظ فى التغليق ٢٨٥/٣ إلى المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٢ إلى أبى الشيخ،
ولم يذكر الاستجعال فى القضية .
(٥) ذكره الحافظ فى التغليق ٢٨٥/٣، ٢٨٦ عن المصنف، وأخرجه عبد بن حميد كما فى التغليق ٢٨٦/٣
من طريق ابن أبى الموال به ، ووقع فيه محمد بن حمزة . وذكره الزيلعى فى تخريج الكشاف ٤٠٠/١ عن
المصنف وفيه عن عمر بن حمزة عن عبد الله بن عمر ، وأخرجه ابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف
٤٠٠/١ من طريق ابن أبى الموال به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن
مردویه من حديث ابن عمر .

٤٣٥
سورة المائدة : الآية ٤٢
لا. ثم قرأ: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَّمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧] .
وأصلُ الشُخْتِ كَلَبُ الجوع، يُقالُ منه: فلانٌ مَشْحوتُ المَعِدةِ . إذا كان
أَكولا لا يُلْفَى أبدًا إلا جائعًا. وإنما قيل للرّشْوةِ: السُّحْتُ. تَشْبِيهًا بذلك، كأنّ
بالْمُسْتَزْشِى مِن الشَّرَهِ إلى (١) أخْذِ ما يُعْطاه مِن ذلك، مثْلَ الذى بالمَسْحوتِ المَعِدةِ مِن
الشَّرَهِ إلى الطعام . يقالُ منه: سَحَتَه وأُسْحَتَه . لغتان مَحْكِيَّتان عن العربِ ، ومنه قولُ
الفرزدقِ بنِ غالبٍ (٢) :
وَضُّ زمانٍ يابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ
مِن المالِ إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ (٣)
يعنى بالمسحَتِ الذى قد اسْتَأْصَله هَلاكًا بأْلِه إياه وإِفْسادِه. ومنه قولُه
تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]. وتقولُ العربُ للحالقِ: أَسْحِتِ الشعرَ.
أى : اسْتَأْصِلْه .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن ٢٤٢/٦
تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ
٤٢
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِن جَاءُ وَكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ﴾: إن
جاء هؤلاء القومُ الآخرون الذين لم يَأْتُوك بعدُ، وهم قومُ المرأةِ البَغِيَّةِ، مُحْتَكِمين
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الذى)).
(٢) ديوانه ص ٥٥٦.
(٣) فى الديوان: ((مجرف)). والمجلف والمجرف: الذى ذهب ماله، والمجلف أيضًا: الذى أخذ من جوانبه.
ینظر اللسان (چ ر ف، ج ل ف ).

٤٣٦
سورة المائدة : الآية ٤٢
إليك، فاحْكُمْ بِينَهم إن شئْتَ، بالحقِّ الذى جعله اللَّهُ حُكْمًا له فى مَن فعَل فِعْلَ (١)
المرأةِ البَغِيةِ منهم ، أو أعْرِضْ عنهم فدَع الحُكْمَ بينَهم إن شئْتَ ، والخيارُ إليك فى
ذلك .
وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ﴾: يهودُ، زنَى رجلٌ منهم له نَسَبٌ حَقِيرٌ
فرجَموه، ثم زنَى منهم شَريفٌ فحمَّموه ثم طافوا به، ثم استَفْتَوْا رسولَ اللَّهِ عَّهِ
ليُوافِقَهم. قال: فأقْتاهم فيه بالرجم، فأنْكَروه، فأمَرهم أن يَدْعوا أخبارَهم
ورُهْبانَهم، فناشَدَهم باللّهِ: ((أَجِدونه فى التوراةٍ؟)) فكتَموه إلا رجلًا مِن أصغرِهم
أغورَ، فقال: كذَبوك يا رسولَ اللَّهِ، إنه لَفى التوراةٍ(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى الليثُ ، عن ابنِ شِهابٍ ،
أن الآيةَ التى فى سورةِ ((المائدةِ)): ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ . كانت فى شأنٍ
(٣)
الرجْمِ (٣).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : إنهم أتَوْه - يعنى اليهودَ - فى امرأةٍ منهم زنَت يَسْأَلونه
عن عُقويتِها، فقال لهم رسولُ اللَّهِ عَ لمِ: ((كيف تَجِدونه مَكْتوبًا عندَكم فى
التَّوْراةِ ؟)). فقالوا: نُؤْمَرُ برجم الزانيةِ. فأمَر بها رسولُ اللَّهِ مَِّ فَرُجِمَت، وقد
(١) سقط من: ت ١، وفى س: ((مثل)).
(٢) تفسير مجاهد ص٣٠٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٦/٤ (٦٣٨٩).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٢ إلى المصنف.

٤٣٧
سورة المائدة : الآية ٤٢
قال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تُعْرِضِ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ
فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطٍ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، [٦٨٣/١ظ] عن ابنٍ
مُجرَيْجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كَثِيرٍ قولَه: ﴿فَإِن جَهُ ولَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمٌ﴾. قال: كانوا يَحُدُّون فى الزنى، إلى أن زنَى شابٌّ منهم ذو شَرفٍ، فقال
بعضُهم لبعضٍ: لا يَدَعُكم قومُه تَرْجُمونه، ولكن اجْلِدوه ومَثِّلوا به . فجلَدوه
وحملوه على (إكافٍ حمارٍ()، وجعلوا وجهَه مُسْتَقْبِلَ ذَنَبِ الحمارِ، إلى أن زنَى آخرُ
وَضيعٌ ليس له شرفٌ ، فقالوا: ارْجُموه. ثم قالوا : فكيف لم تَرْجُموا الذى قبلَه ؟ ولكن
مثلَ ما صنَعْتُم به فاصْنَعوا بهذا. فلما كان النبىُّ عَ لَّهِ قالوا: سَلُوه، لعلكم تَجِدون
عندَه رُخْصةٌ. فَنزَلَت: ﴿فَإِن جَلَهُوَكَ فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ﴾ . إلى قولِه :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى قَتَيلِ قُتِل فى يهودَ منهم ، قتله بعضُهم .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٢٤٣/٦
حدّثنا هنَّادُ بنُ السّرِئِّ وأبو ◌ُرَيْبٍ ، قالا : ثنا یونُسُ بنُ بُگیْرٍ ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، قال : ثنى داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: إن الآياتِ فى
((المائدةِ)) قوله: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمٌّ﴾ إلى قولِه: ﴿اَلْمُقْسِطِينَ﴾. إنما
نزَلَت فى الدينَةِ فى بنى النَّضيرِ وبنى قُريظةً، وذلك أن قَتْلى بنى النَّضيرِ - و(١)كان
لهم شرفٌ - تُودَی الدیةً كاملةً، وإن قریظةً کانوا یُودوْنَ نصفَ الدیة ، فتحاگموا فى
ذلك إلى رسولِ اللهِ يَّهِ، فَأَنْزَل اللَّهُ ذلك فيهم، فحمّلهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ على الحقِّ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حمار إكاف)). والإكاف: البرذعة. التاج (أك ف).
(٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.

٤٣٨
سورة المائدة : الآية ٤٢
فى ذلك، فجعَل الديةَ فى ذلك سواءً. واللَّهُ أعلمُ أىُّ ذلك كان(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ(٢) اللَّهِ بنُ موسى، عن علىٍّ بنٍ صالحٍ،
عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت قريظةُ والنَّضيرُ، وكان
النَّضيرُ أشْرفَ مِن قُرِيظةَ، فكان إذا قتَل رجلٌ مِن قُرِيظةً رجلًا مِن النَّضيرِ قُتِل
به، وإذا قتَل رجلٌ مِن التَّضيرِ رجلًا مِن قُريظةَ وَدَى(٢) مائةَ وَسْقِ تمرٍ، فلمَّا يُعِث
رسولُ اللَّهِ وَ طَهِ قتَل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا مِن قُرِيظةً، فقالوا: ادْفَعوه إِلينا(4).
فقالوا: بيننا وبينَكم رسولُ اللَّهِ مََّه. فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم
بِاَلْقِسْطِّ﴾(٥).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان فى حكم
حُتِىٌّ بنِ أَخْطَبَ : لِلنَّضَرِىِّ دِيَتان، وللقُرَظِيِّ دِيَةٌ؛ لأنه كان مِن الَّضيرِ. قال: وأخْبَر
اللَّهُ نبيَّه عَ لَه بما فى التوراةِ، قال: ﴿وَكَثَبِنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخرِ
الآيةِ. قال: فلمَّا رأت ذلك قُرَيْظةُ ، لم يَرْضَوا بحكم ابنٍ أُخْطَبَ ، فقالوا: نَتَحاكَمُ
إلى محمدٍ. فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
عَنْهُمٌ﴾ فخيَّره، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية كلها .
(١) سيرة ابن هشام ١ / ٥٦٦. وبين أن الجملة الأخيرة من قول ابن إسحاق . وأخرجه الطحاوى فى المشكل
(٤٤٦٧)، والطبرانى (١١٥٧٣) من طريق يونس بن بكير به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٤/٢ إلى
ابن المنذر وأبی الشیخ وابن مردويه .
(٢) فى النسخ: ((عبد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) فى م: ((أدى)).
(٤) فى ص، ت ١، س: ((إليه)).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٤٩٤) عن محمد بن العلاء به، وأخرجه النسائى (٤٧٤٦)، وابن الجارود (٧٧٢)،
وابن حبان (٥٥٧٠)، والدار قطنى ١٩٨/٣ (٣٤٤)، والطحاوى فى المشكل (٤٤٦٨، ٤٤٦٩)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ١١٣٦/٤ (٦٣٩١)، والحاكم ٣٦٦/٤، ٣٦٧ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٢ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.

٤٣٩
سورة المائدة : الآية ٤٢
وكان الشريفُ إذا زنَى بالدَّنيئةِ رجَموها هى، وحمَّمُوا وجه الشريفِ ، وحملوه على
البعيرِ، و(١)جعَلوا وجْهَه مِن قِبَلٍ ذَنَبِ البعيرِ، وإذا زنَى الدَّنىُ بالشريفةِ رجَموه،
وفعَلوا بها هى ذلك، فتَحاكموا إلى النبيِّ مَ لِ فرجَمَها. قال: وكان النبيُّ عَ لَّم قال
لهم: ((مَن أَعْلَمُكم بالتوراةِ؟)) قالوا: فلانٌ الأغورُ(١) . فأَرْسَل إليه فأتاه، فقال:
((أنت أَعْلَمُهم بالتوراةِ؟)). قال: كذاك تَزْعُمُ يَهودُ. فقال له النبيُ مٍَّ: « أَنْشُدُك
باللَّهِ وبالتوراةِ التى أَنْزَلَها على موسى يومَ طُورٍ سَيْناءَ، ما تَجِدُ فى التوراةِ فى
الزانِتَيْنِ؟)). فقال: يا أبا القاسم، يَرْمجمون الدَّنِيئةَ، ويَحْمِلون الشريفَ على بعيرٍ ،
ويُحَمِّمون وجهَه ، ويَجْعَلون وجهَه مِن قِبَلٍ ذَنَبِ البعيرِ ، ويَرْجُمون الدَّنىءَإذا زنَی
بالشريفةِ، ويَفْعَلون بها هى ذلك. فقال له النبىُّ عَّهِ: « أَنْشُدُك باللّهِ وبالتَّوراةِ التى
أَنْزَلَها على موسى يومَ طُورٍ سَيْناءَ، ما تَجِدُ فى الثَّوراةِ؟)). فجعَل يَروعُ والنبيُّ ◌ِ ◌َله
يَنْشُدُه باللَّهِ وبالتَّوراةِ التى أَنْزَلها على موسى يومَ طُورٍ سَيْناءَ، حتى قال: يا أبا
القاسم، الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما الْبَّةَ. فقال رسولُ اللهِ يَّهِ: ((فهو
ذاك، اذْهَبوا بهما فارْجُمُوهما)). قال عبدُ اللَّهِ : فكنتُ فى مَن رجَمهما ، فما زال
يُخْنِى عليها (٢) ويَقِيها الحجارةَ بنفسِه حتى مات(٤) .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى حكم هذه الآيةِ ، هل هو ثابتٌ اليومَ؟ وهل للحُكّامِ
مِن الخيارِ فى الحكم والنظَرِ / بينَ أهلِ الذمةِ والعهدِ إذا احتَكموا إليهم مثلُ الذى
جَعَل لنبيّه عَِّ فى هذه الآيةِ ، أم ذلك مَنْسوخٌ؟ فقال بعضُهم: ذلك ثابتٌ اليومَ لم
يَنْسَخْه شىءٌ، وللحُكَامِ مِن الخيارِ فى كلِّ دهرٍ بهذه الآيةِ مثلُ ما جعَله اللَّهُ
٢٤٤/٦
(١) فى م: ((أو)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الأعمى)).
(٣) يحنى عليها: يُكِبُّ عليها. اللسان (ح نى) وقد ورد بالجيم أيضًا: يجنا. ينظر الفتح ١٢٩/١٢، ١٦٩.
(٤) قوله: قال عبد الله. هو ابن عمر، كما أخرج حديثه البخارى (٦٨١٩، ٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩)،
وأبو داود (٤٤٤٦) بسياق آخر وفيه قوله هذا .

٤٤٠
سورة المائدة : الآية ٤٢
لرسوله څ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ مُمیدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن عمرو بنِ أبی قیسٍ، عن
مغيرةَ ، عن إبراهيمَ والشعبىِّ : إن رُفِع إليك أحدٌ مِن المشركين فى قَضاءٍ، فإن شئتَ
فاحْكُمْ بِينَهم بما أَنْزَل اللَّهُ ، وإن شئتَ أَعْرَضْتَ(١) عنهم .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ وإبراهيمَ ، قالا: إذا
أتاك المشركون فحكّموك، فاحْكُمْ بينَهم أو أَعْرِضْ عنهم ، وإن حكَمْتَ فاحكُمْ
بحكم المسلمين، ولا تَغْدُه إلى غيرِه .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّدٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ ،
عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبىِّ: ﴿فَإِن جَآءُ وَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمِّ ﴾
قالا (٢) : إن شاء حكَم، وإن شاء لم تَخْكُمْ(٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ،
قال : إن شاء حكَم، وإن شاء لم يَحْكُمْ(٤) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا جَريرٌ، عن محمدِ بنِ سالم ، عن الشعبىِّ، قال : إذا
أتاك أهلُ الكتابِ بينَهم أمرٌ، فاحْكُمْ بينَهم بحكم المسلمين، أو خلِّ عنهم وأهلَ
[٦٨٤/١ و] دينهم يَحْكُمون فيهم، إلا فى سَرِقٍ أو قتلٍ.
(١) فى م: ((أعرض)).
(٢) فى النسخ: ((قال)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣٦/٤ (٦٣٩٠)، والنحاس فى ناسخه ص٣٩٦ من طريق وكيع به .
(٤) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣١٣، ٣١٤ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٠/٦
عن وكيع ، عن عكرمة بن عمار ، عن عطاء، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/٢ إلى عبد بن حميد .