النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة المائدة: الآية ٣١
الضخّاكِ ، عن ابنِ عباس ، قال : مکث یَحمِلُ أخاه فی جرابٍ على رقبته سَنَةً ، حتى
بعَث اللَّهُ جلَّ وعزَّ الغُرابَين، فرآهما يَتْحثان، فقال: أَعَجَزْتُ أن أكونَ مثلَ هذا
الغرابِ؟ فدفَن أخاه (١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ, كَيْفَ يُوَرِى
سَوْءَةَ أَخِيةٍ﴾: بعَث اللَّهُ جلَّ وعزَّ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ ، فجعَل الغرابُ الحىّ
يُوارى سَوْأَةَ الغرابِ الميّتِ ، فقال ابنُ آدمَ الذى قتل أخاه : ﴿يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ
أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ ﴾ الآية .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدىِّ، فيما ذكر عن أبى مالك ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ ، عن
عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَلَهِ: لَّ مات الغلامُ ترَكه بالعراءِ، ولا يعلَمُ
كيف يَدْفِنُ ، فبعَث اللَّهُ غرابين أخوين فاقْتَتَلا ، فقتل أحدُهما صاحبه ، فحفَر له ، ثم
حثا عليه، فلما رآه قال: ﴿ يَوَيْلَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوْرِىَ
سَوْءَةَ أَخِى﴾. فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ
يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ﴾(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنی عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْحَثُ﴾ قال: بعَث اللَّهُ غرابًا حتى حفَر لآخرَ إلى جنِهِ
مِيِّتٍ ، وابنُ آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه ، ثم بحَث عليه حتى غيَّبه (١).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٣ عن الضحاك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/٢ إلى المصنف،
وذكره ابن كثير في تفسيره ٨٤/٣ عن الضحاك به .
(٢) هو تمام الأثر المتقدم فى ص ٣٣٧.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣١٩.

٣٤٢
سورة المائدة: الآية ٣١
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ﴾ : حتى حفَر لآخرَ مِّتٍ إلی جَنْبِهِ ، فغيِّبه وابنُ
آدمَ القاتلُ ينظُرُ إليه حيثُ يبحَثُ عليه، حتى غيَِّه، فقال: ﴿ يَوَيْلَىَّ أَعَجَزْتُ أَنْ
أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ) الآية .
حدَّثنى الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ﴾. قال: بعَث اللَّهُ غرابًا
إلى غرابٍ فَاقْتَتَلا، فقتَل أحدُهما صاحبه، فجعَل يَحْثِى عليه الترابَ، فقال:
يَوَيَلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةً أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّدِمِينَ﴾.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبَحَثُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ . قال : جاء غرابٌ إلى غرابٍ
ميّتٍ، فتَحَثُ(١) عليه مِن الترابِ حتى واراه، فقال الذى قتل أخاه: ﴿يَوَيْلَتَّ
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾ الآية(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى ، عن فُضيلٍ بنِ مرزوقٍ ، عن
عطيةً، قال: لما قتَله ندِم، فضَمَّه إليه حتى أَرْوَحُ(١)، وعَكَفَتْ عليه الطيرُ والسبامُ
تنتظرُ متى يَزْمِى به فتأْكُلُهُ(٤).
(١) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((فحثى))، وفى ت ١: ((فيحث)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(٣) أرْوَح: أَنْتَنَ. تاج العروس (روح).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٣ عن عطية به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/٢ إلى المصنف
وعبد بن حميد .

٣٤٣
سورة المائدة: الآية ٣١
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا
يَبْحَثُ / فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ ﴾ أنه بعثَه اللَّهُ عَزَّ ذكرُه يَتْحَثُ فى الأرض. ذُكِر لنا أنهما ١٩٨/٦
غُرابان اقْتَتَلا ، فقتل أحدُهما صاحبه، وذلك ( بعَيْنَى ابنِ آدمَ، وجعَل الحىّ يَحْثِى
على الميّتِ الترابَ، فعندَ ذلك قال ما قال: ﴿يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
اُلْغُرَبِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿مِنَ النَّدِمِينَ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، قال: أما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا﴾. قال: قتَل غرابٌ غرابًا، فجعَل يَحْثو
عليه، فقال ابنُ آدمَ الذى قتَل أخاه حينَ رآه: ﴿يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ فَبَعَثَ
اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُوَرِى سَوْءَةَ أَخِذً ﴾ . قال : وارَى
الغرابُ الغرابَ . قال: كان يَحْمِلُه على عاتِقِه مائةَ سنةٍ ، لا يَدْرِى ما يَصْنَعُ به،
يَحْمِلُهُ ويَضَعُه إلى الأرضِ حتى رأى الغرابَ يَدْفِنُ الغرابَ، فقال: ﴿يَوَيَّلَتَ
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىِّ فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّدِمِينَ﴾(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ ، قال: ثنا خالدٌ ، عن محُصينٍ، عن أبى
مالكِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾. قال: بعَث
اللَّهُ غرابًا، فجعَل يَبْحَثُ على غرابٍ مَيِّتٍ الترابَ. قال: فقال عندَ ذلك:
(١ - ١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يعنى ابن آدم ينظر))، وفى ت ١: ((يعنى ابن آدم)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٢٣ .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٣ عن ليث به، وعزاه إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٣٤٤
سورة المائدة: الآية ٣١
﴿ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىِّ فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّدِمِينَ﴾.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : أخبرنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سَمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى
الْأَرْضِ﴾: بعَث اللَّهُ غرابًا حيًّا إلى غرابٍ ميِّتٍ، فجعَل الغرابُ الحىُّ يُوارى سَوْأَةً
الغرابِ الميّتِ، فقال ابنُ آدمَ الذى قتل أخاه: ﴿يَوَيْلَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
هَذَا الْغُرَّبِ﴾ الآية .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابن إسحاقَ فيما يذكُرُ عن بعضِ أهلِ
العلم بالكتابِ الأولِ قال: لمّ قتَله سُقِط فى يديه، ولم يدرِ كيف يُوارِيه، وذلك أنه
كان - فيما يزعمون - أَوَّلَ قَتِيلٍ مِن بنى آدمَ وأَوَّلَ ميَّتٍ؛ (١ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا
يَبْحَثُ فِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ, كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيِلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ
مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى) الآية(١). قال(٢): ويَزْعُمُ أهلُ التوراةِ أن قابيلَ
حینَ قتل أخاه هابيلَ قال له جلَّ ثناؤه : یا قابيلُ ، أين أخوك هابيلُ ؟ قال : ما أدرى ، ما
كنتُ عليه رقيبًا. فقال اللَّهُ جلَّ وعزَّله: إن صوتَ دمٍ أخيك لَيْنادينى(٤) من الأرضِ،
الآنَ أنت ملعونٌ من الأرضِ التى فَتَحَتْ فاها فتلقَّتْ(٥) فِبَلَعَتْ دمَ أخيك من يدِك ، فإذا
أنتَ عَمِلت فى الأرضِ، فإنها لا تَعُودُ تُعطيك حَوْثَها حتى تكونَ فزِعًا تائهًا فى
(١ - ١) سقطت من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف.
(٢) فى تاريخ المصنف: ((إلى قوله: ﴿ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون﴾)).
(٣) سقط من: النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لينادى)).
(٥) فى م: ((فبلعت)).
٠

٣٤٥
سورة المائدة: الآية ٣١
الأرضِ. قال قابيلُ: عَظُمَتْ خَطِيئَتِى مِنْ(١) أن تغفِرَها، قد أَخْرَجْتَنى اليومَ عن وجهِ
الأرضِ ، وأَتَوَارَى مِن قُدَّامِك، وأكونُ فزعًا تائهًا فى الأرضِ ، وكلُّ مَنْ لَقِيَنى قتَلنى .
فقال اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ليس ذلك كذلك. ولا يكونُ كلُّ مَنْ قَتَل قَبِيلًا يُجْزَى بواحدٍ
سبعةً(٢) ، ولكنْ (مَنْ قَتَل قابيل٣َ) يُجْزَى سبعةً. وجعَل اللَّهُ فى قابيلَ آيَةً لِلَّا يَقْتُلَه كلُّ
مَن وَجَدَه . وخرَج قابيلُ مِن قُدَّامِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ من شَرْقِيٌّ عَدْنِ الجَنَّةِ(٤) .
/ حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوح، قال: ثنا الأعمشُ، عن خَيْثَمَةَ، ١٩٩/٦
قال: لَّ قتَل ابنُ آدَمَ أخاه نَشِفَتِ (٥) الأرضُ دمَه، فَلُعِنَتْ، فلم تَنْشِفِ الأرضُ دمًا
و(٦)
بعدُ(٦).
فتأويلُ الكلام: فأثار اللَّهُ للقاتلِ إذ لم يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتولِ ﴿غُرَبًا
يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ﴾. يقولُ: يَخْفِرُ فى الأرضِ فَيُثيرُ ترابَها ﴿لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُوَرِى
سَوْءَةَ أَخِيَةٍ﴾. يقولُ: لِيُرِيَه كيف يُوارى جِيفةً أخيه. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ عَنَى
بالسَّوْءَةِ الفَرْجَ . غيرَ أن الأغْلَبَ مِن معناه ما ذكرتُ مِن الجيفةِ ، وبذلك جاء تأويلُ
أهلِ التأويلِ . وفى ذلك محذوفٌ تُرِك ذكرُه اسْتِغْناءً بدَلالةِ ما ذُكِر منه، وهو : فأَرَاه
بأن بحَث فى الأرضِ لغرابٍ آخرَ ميِّتٍ ، فواراه فيها . فقال القاتلُ أخاه حينئذٍ :
يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾ الذى وَارَى الغُرَابَ الْآخَرَ
(١) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((عن)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قتيل قتيلًا يجزى واحدًا))، وفى م، س: (( قاتل قتيلًا يجزى
واحدًا)). والمثبت من تاريخ المصنف.
(٣ - ٣) سقط من: النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف مع تغيير قين إلى قابيل ليتسق مع ما هنا، وينظر ما
تقدم فى ص ٣٢١ .
(٤) تمام الأثر المتقدم فى ص ٣٢١، ٣٢٢ .
(٥) نشفت : شربت . الوسيط (ن ش ف).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٢ إلى المصنف.

٣٤٦
سورة المائدة: الآية ٣١
المَيِّتَ، ﴿ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىْ﴾. فواراه حينئذٍ ، ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ ، على
ما فرط منه مِن معصيةِ اللَّهِ عزَّ ذكرُه فى قَتْلِه أخاه .
وكلُّ ما ذكَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى هذه الآياتِ مَثَلٌ ضربه اللَّهُ لبنى آدمَ ، وَرَّض به
المؤمنين من أصحابِ رسولِ اللَّهِ يَِّهِ، على استعمالِ العفوِ والصفحِ عن اليهود الذين
كانوا هَمُّوا بقتلِ النبىِّ عَظِلّهِ وقَتْلِهِم مِن بنى النَّضِيرِ، إذ أَتَوْهم يَشْتَعينونهم فى دِيَةِ
قَتِيلَىْ عمرو بنِ أَميةَ الضَّمْرِىِّ، وعرَّفَهم جلَّ وعزَّ رَداءَةَ سَجِيَّةِ أوائِلِهم، وسوءَ
استقامتِهم على منهج الحقِّ(١)، مع كثرةٍ أياديه وآلائِه عندَهم، وضرّب مثلَهم فى
غَدْرِهم (١) ومثلَ المؤمنين فى الوفاءِ لهم والعفوِ عنهم، بابْنَىْ آدمَ المُقَرِّيَيْنِ قرابينَهما
اللذَيْن ذَكَرَهما اللَّهُ فى هذه الآياتِ .
ثم ذلك مثلٌ لهم على التَّأَسِّى بالفاضلِ منهما دونَ الطالح (٢) . وبذلك جاء
الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ عَلَه .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه ، قال :
قلتُ لبكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ: أَمَا بَلَغَك أن نبيَّ اللَّهِوَّهِ قال: ((إن اللَّهَ جلَّ وعزَّ ضرَّبَ لكم
اثْنَىْ آدمَ مَثَلًا، فخُذوا خيرَهما، ودَعُوا شرَّهما))؟ قال(٤): بلى(٥) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الحسنِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَله: ((إن ابْنَىْ آدمَ ضُرِبا مثلًا لهذه الأمةِ، فخُذوا
(١) فى م: ((الحج)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((عدوهم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الصالح)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قالوا)).
(٥) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٨٥، والسيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٢ إلى المصنف.

٣٤٧
سورة المائدة: الآيتان ٣١، ٣٢
بالخيرِ منهما)) (١).
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن عاصم
الأحولِ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللّهِ نَّهِ: ((إن اللَّهَ ضرَب لكمُ ابْنَىْ آدمَ
مثلاً، فخُذوا مِن خيرِهم، ودَعُوا الشرّ))(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن
قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَخْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾.
/ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: مِنْ جَرّ ذلك وجَرِيرَتِه ٢٠٠/٦
وجِنايتِه . يقولُ: مِن جَرِّ القاتلِ أخاه من اثْنَىْ آدمَ اللذَيْنِ اقْتَصَصْنا قصتهما - الجريرةَ
التى جَرَّها، وجنايتِه التى جَناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ﴾ .
يقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أى: جَرَرْتُه إليه، و کسَبْتُه. آجِلُه له أَجْلًا ،
كقولِك: أَخَذْتُه أخْذًا. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ(٣):
وأهلِ خباءٍ صالحٍ ذاتُ بِينِهِمْ
قد اخْتَرَبوا فى عاجِلِ أنا آجِلُهْ
يعنى بقوله: أنا آجِلُه : أنا الجارُّ ذلك عليهم والجانى .
فمعنى الكلامِ : من جنايةِ ابنِ آدمَ القاتلِ أخاه ظلمًا، حَكَمْنا على بنى إسرائيلَ
أنه من قتل منهم نفسًا ظلمًا بغيرِ نفسٍ قُتِلَتْ ، فقتل بها قِصاصًا ، ﴿ أَوْ فَسَادٍ فِى
(١) تفسير عبد الرزاق ١٨٧/١.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٥/٣ عن ابن المبارك به .
(٣) نسبه أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٦٣/١ إلى الخنوت توبة بن مضرس، ونسبه التبريزى فى تهذيب إصلاح
المنطق ١٤/١ إلى خوات بن جبير، وقال ابن برى - كما فى اللسان (أج ل) -: وقد وجدته أنا من شعر
زهير. وينظر خبر الخنوت فى المؤتلف والمختلف للآمدى ص ٩١ .

٣٤٨
سورة المائدة: الآية ٣٢
اُلْأَرْضِ﴾. يقولُ: أو قتل منهم نفسًا بغيرِ فسادٍ كان منها فى الأرضِ،
فاسْتَحَقَّتْ بذلك قَتْلَها، وفسادُها فى الأرضِ إنما يكونُ بالحربِ اللَّهِ ولرسولِه وإخافةٍ
السبيلِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنى عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سَمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ .
يقولُ : مِن أجلِ ابنِ آدمَ الذى قتَل أخاه ظلمًا(١).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ ، فكأنما
قتَل الناسَ جميعًا، ومن شدَّ على عَضُدٍ نبىٌّ، أو إِمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيا الناسَ
جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو عمارٍ حسينُ بنُ حُرَيْثِ المَرْوَزِىُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى ،
عن الحسين بنٍ واقدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَن قَتَلَ
نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَخْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن شدَّ على عَضُدِ نبيِّ ، أو
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى المصنف.

٣٤٩
سورة المائدة: الآية ٣٢
إِمام عَدْلٍ ، فكأنما أحيا الناسَ جميعًا، ومَن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ ، فكأنما قتل الناسَ
(١)
جميعًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىَ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن
قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةٌ حرَّمْتُها ،
فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ / جميعًا، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ . يقولُ : مَن ترك قَتْلَ نفسٍ
واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا(٢) أن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياءِ الناسِ جميعًا . يعنى
بذلك الأنبياءَ(٣) .
٢٠١/٦
وقال آخرون: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنََّا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المقتولِ فى الإثم، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فاسْتَنْقَذَها مِن
هَلَكَةٍ ، ﴿فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ عندَ الْمُسْتَنْقَذِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشدىِّ ،
فيما ذكَّر عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مرَّةَ الهَمْدانىّ ، عن
عبدِ اللَّهِ ، وعن ناسٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َه قوله: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عندَ المقتولِ، يقولُ:
فى الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فاسْتَنْقَذَها(٤) من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٧/٣ عن عكرمة به .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((استحياها)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٧/٣ عن العوفى به، إلى قوله: مثل من قتل الناس جميعًا .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((واستنقذها)).

٣٥٠
سورة المائدة: الآية ٣٢
جَمِيعًا﴾ عندَ الْمُسْتَتْقَذِ (١).
وقال آخرون : معنى ذلك أن قاتلَ النفسِ المحرَّم قَتْلُها ، يصْلَى النارَ كما يَصْلاها
لو قتَل الناسَ جميعًا، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من سلِم من قَتْلِها فقد سلِمَ مِن قتلِ الناسِ
جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا أبی ، عن سفيان"، عن خُصْفٍ ، عن مجاهدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾. قال: من
كفَّ عن قتلِها فقد أحياها. و﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا﴾. قال: مَن(٣) أَوْبَقَها(٤).
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن خُصَيْفٍ ، عن
مجاهدٍ، قال: من أَوْبَق °نفسًا فكما) لو قتل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾
ومَنْ سلِمٍ مِن ظُلْمِها(١) فلم يَقْتُلُها، فقد سلِم مِن قتلِ الناسِ جميعًاً).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت موافق لما تقدم ٥١٥/١، ٥١٢، ٤٥/٣، وهو كذلك أيضًا فى مصادر
التخريج ، وينظر الفتح ١٩٢/١٢.
(٣) فى م: ((ومن)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٣/٩ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٣٥٨/١٢ - عن وكيع به. وسقط من
المصنَّف ذكر خصيف. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٥ - ٥) فى ص، ت١: ((نفسه كما))، وفى س: ((نفسًا كما)).
(٦) فى م، ت ٢، ت ٣: ((طلبها)).
(٧) ينظر تفسير البغوى ٣/ ٤٦.

٣٥١
سورة المائدة: الآية ٣٢
شريكٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا﴾. قال: أوْبَقَ نفسَه حتى كأنما قتل الناسَ جميعًا)، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: لم يقتُلْها، وقد سلِم من الناسِ جميعًا لم يقتُلْ
أحدًا .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن الأُوْزَاعىِّ ، قال :
أخبرنا عَبْدُ بنُ أبى لُبابةَ ، قال: سألتُ مجاهدًا - أو سمِعتُه يُسْأَلُ - عن قولِه:
﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا﴾. قال: لو قتَل الناسَ جميعًا كان جزاؤُه جهنّم خالدًا فيها، وغضِب اللَّهُ
عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنٍ جريجٍ
قراءةٌ، على(١) الأعْرَج، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا﴾. قال: الذى يَقْتُلُ النفسَ المؤمنةَ متعمّدًا، جعَل اللَّهُ جزاءَهُ(٣)
جهنَّمَ، ( وغضِب اللَّهُ عليه) ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا. يقولُ: لو قتَل الناسَ جميعًا
لم يَزِدْ على مثلِ ذلك مِن العذابِ. / قال ابنُ جريج، قال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا ٢٠٢/٦
فَكَأَنَّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من لم يقتُلْ أحدًا فقد استراح(٥) الناسُ
(٦)
منه
.
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: ((عن)).
(٣) فى ت ١: ((عذابه)).
(٤ - ٤) فى ت ١: ((وغضب عليه)).
(٥) فى تفسير ابن كثير: ((حیی)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٧/٣ عن ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى المصنف
وعبد بن حميد وابن المنذر دون آخره .

٣٥٢
سورة المائدة: الآية ٣٢
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال : أَوْبَق نفسَه(١).
حدّثنا سفيانُ ، قال : ثنا یحیی بن یمانٍ ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ،
قال : فى الإثم .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿ وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ [النساء: ٩٣]. قال: يصيرُ إلى
جهنمَ بقتلِ المؤمنِ، كما أنه لو قتَل الناسَ جميعًا لصار إلى جهنمَ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: هو كما قال .
وقال: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ : فإحياؤُها لا يَقْتُلُ نفسًا
حرَّمها اللَّهُ، فذلك الذى أحيا الناسَ جميعًا . يعنى أنه مَنْ حرَّم قَتْلَها إلا بحقِّ حیی
الناسُ مِنه جميعًا(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حَكَّام ، عن عَنْبَسَةً ، عن العلاء بن عبد الكريم ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: ومَنْ حرَّمها فلم يَقْتُلُها .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن العلاءِ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ:
﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من كفَّ عن قتلِها فقد
(١) فى م، ت ٢، س: ((نفسا)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى التغليق ٢٠١/٤ - من طريق عبد الله بن صالح به .

٣٥٣
سورة المائدة: الآية ٣٢
أحياها(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
قال: هى كالتى فى ((النساءِ)): ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ
جَهَنَّمُ﴾ . فی جزائِه(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالتى فى سورةِ ((النساءِ)):
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾. فى جزائِه، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: ولم يقتُلْ
أحدًا فقد حَيِىَ الناسُ منه(٢).
حدَّثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا أبو معاويةً ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريم ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: الْتَفَت إلى
جلسائِه ، فقال : هو هذا وهذا .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ اُلْأَرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ لأنه يجبُ عليه من القِصاصِ به والقَوَدِ بقتلِه ،
مثلُ الذى يجبُ عليه مِن القَوَدِ والقِصاصِ لو قتَل الناسَ جميعًا .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ
ذَلِكَ كَتَبْنَا / عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٢٠٣/٦
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٣/٩ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٣٥٨/١٢ - عن وكيع به ، وأخرجه سعيد
ابن منصور فى سننه (٧٢٨ - تفسير) من طريق العلاء به .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣١٩ .
( تفسير الطبرى ٢٣/٨ )

٣٥٤
سورة المائدة: الآية ٣٢
اُلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: يجبُ عليه من القتل مثلُ لو أنه
قتَل الناسَ جميعًا. قال : كان أبى يقولُ ذلك .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: من عفا عمَّن وجَب له
القِصاصُ منه فلم يقتُلْه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ
أَخْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾. يقولُ: من أحياها أعطاه اللَّهُ جلَّ وعزّ
من الأجرِ مثلَ ما (١) لو أنه أحيا الناسَ جميعًا، إذا (١) أحياها فلم يَقْتُلْها وعفا عنها . قال:
وذلك ولُّ القتيلِ ، والقتيلُ نفسُه يعفو عنه قبلَ أن يموتَ. قال: كان أبى يقولُ ذلك(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال : ثنا مؤمَّلٌ، قال : ثنا سفيان ، عن يونسَ ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَنْ
عفا .
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من قُتِل حميمٌ له فعفا عن
(٣)
دمه(٢) .
حدّثنا ابنُ و کیع، قال : ثنا یحیی بن یمانٍ ، عن سفيان، عن يونسَ، عن
الحسنِ: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: العفوُ بعدَ
(١) سقط من: م.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٧/٣ عن المصنف نحوه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٣٥٥
سورة المائدة: الآية ٣٢
القدرةٍ(١).
٠
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَخْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا﴾: ومن أنجاها من غَرَقٍ أو حَرَقٍ(١) .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: من أنجاها من غرقٍ أو حرَقٍ أو هَلَكةٍ(٢) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّدٌ ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ،
عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ .
قال : مِن غرقٍ أو حَرَّقٍ أوْ هَدَمِ )) .
حدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. قال: أنجاها .
وقال الضَّّاكُ بما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا ابنُ يمانٍ ، عن سفيانَ ، عن أبى
عامرٍ، عن الضخَّاكِ، قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال: مَن تَوَرَّع أو لم
يَتَوَرَّعْ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : ثنى عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
(١) ينظر تفسير القرطبى ٦/ ١٤٧.
(٢) الحَرَّق: النار أو لَھَمُها . التاج (ح ر ق).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) الهَدَم : ما تهدم من جوانب البئر فسقط فيها ، وشهيد الهدم: الذى يقع فى بئر أو يسقط عليه جدار. ينظر
التاج (هـ د م).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٣/٩ - ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٣٥٨/١٢ - عن وكيع به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
:

٣٥٦
سورة المائدة: الآية ٣٢
سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾. يقولُ: لو
لم يَقْتُلْه لكان قد أحيا الناسَ فلم يَشْتَحلَّ محرَّمًا .
وقال قتادةُ والحسنُ فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، عن
يونسَ، عن الحسنِ: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾. قال :
عَظَّم ذلك(١).
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ أَنَّهُ, مَن قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: مَن قَتَلَها على
٢٠٤/٦ غيرِ نفسِ ولا فسادٍ / أَفْسَدَتْه، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. عَظّم واللَّهِ أُجرَها، وعَظّم وزرَها ، فأَحْيِها يا بنَ
آدمَ بمالِك، وأَخْيِها بعفوك إن استطعتَ، ولا قوةَ إلا باللّهِ ، وإنا لا نَعْلَمُه يحلُّ دمُ
رجلٍ مسلمٍ مِن أهلِ هذه القبلةِ إلا بإحدى ثلاثٍ؛ رجلٌ كفَر بعد إسلامِه فعليه
القتلُ، أو زنَى بعدَ إحصائِه فعليه الرجمُ، أو قتَل متعمِّدًا فعليه القَوَدُ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، قال :
تلا قتادةُ: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ - ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: عظّم واللَّهِ أجرَها، وعظّم
واللَّهِ وزرَها(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سويدُ بنُّ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن سَلَّام بنِ
مِسْكينٍ، قال : ثنى سليمانُ بنُ علىِّ الرَّبَعِىُّ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية: أهى لنا
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٨٧/٣، والفتح ١٩٢/١٢.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٨٨/١.

٣٥٧
سورة المائدة: الآية ٣٢
يا أبا سعيدٍ كما كانت لبنى إسرائيل؟ فقال: إِى والذى لا إله غيره، كما كانت
لبنى إسرائيلَ، وما جعَل دماءً بنى إسرائيلَ أَكْرَمَ على اللَّهِ مِنْ دمائِنًا(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن
سعيدِ بنِ زيدٍ ، قال: سَمِعتُ خالدًا أبا الفضل، قال: سَمِعتُ الحسنَ تلا هذه
الآيةَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَخْيَاهَا
فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ثم قال: عظّم واللَّهِ فى الوزرِ كما تَسْمَعون،
ورغَّب واللَّهِ فى الأجرِ كما تَسْمَعون ، إذا(١) ظننتَ يا بن آدمَ أنك لو قَتَلْتَ الناسَ
جميعًا، فإن لك مِن عملك ما تفوزُ به من النارِ، كَذَبَتْك واللَّهِ نفسك، وكذَبك
الشيطانُ(٣) .
حدَّثنا هنَّدُ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآَ
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ قال: أجرًا(٤).
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من قال : تأويلُ ذلك أنه من قتل نفسًا
مؤمنةً بغيرِ نفسٍ قَتَلَتْها، فاسْتَحَقَّتِ القوَدَ بها والقتلَ قِصاصًا، أو بغيرِ فسادٍ فى
الأرضِ بحربِ اللَّهِ ورسولِه وحربٍ المؤمنين فيها، فكأنما قتل الناسَ جميعًا فيما
اسْتَوْجَبَ مِن عظيم العقوبةِ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه، كما أَوْعَدَه ذلك مِن فِعْلِه ربُّه بقولِه :
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٩/٩، ٣٦٠ من طريق سلام به مختصرا. وينظر تفسير ابن كثير ٨٧/٣.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إذ)).
(٣) ينظر التبيان ٣/ ٥٠١.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٣٥٨
سورة المائدة: الآية ٣٢
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
وأما قولُه: ﴿وَمَنْ أَخْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾. فأولى
التأويلاتِ به قولُ مَن قال: مَن حرَّم قَتْلَ مَن حرَّم اللَّهُ عزَّ ذکرُه قتلَه على نفسِه ، فلم
یتقدّم على قتله، فقد حییَ الناسُ منه بسلامتهم منه ، وذلك إحياؤه إِيَّاها . وذلك
نظيرُ خبرِ اللَّهِ عَزَّ ذكرُه عمَّن حاجَّ إبراهيمَ فى ربِّه إذ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِىَ الَّذِى
يُحْيء وَيُمِيتُ﴾. قال: ﴿ أَنَاْ أُحِىءٍ وَأُمِيتٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فكان معنى الكافرِ(١)
فى قيلِه: ﴿ أَنَاْ أُحِىءٍ (٢)﴾: أنا أتركُ مَنْ قَدَرتُ على قتلِه. وفى قولِه:
﴿ وَأُمِيثٌ﴾: قَتْلُه مَن قَتَلَه. فكذلك معنى الإحياءِ فى قولِهِ: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾:
مَن سلِم الناسُ مِن قَتْلِهِ إِيَّاهم، إلا فيما أذِن اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ له فى قتلِه منهم،
فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
٢٠٥/٦
/وإنما قلنا : ذلك أولى التأويلاتِ بتأويلِ الآية؛ لأنه لا نَفْسَ يقومُ قتلُها فى
عاجلِ الضُّرِّ مَقَامَ قتلٍ جميعِ النفوسِ ، ولا إحياؤُها مقامَ إحياءِ جميعِ النفوسٍ فى
عاجلِ النفع. فكان معلومًا بذلك أن معنى الإحياءِ سَلامةُ جميع النفوسِ منه (١) ؛ لأنَّه
مَن لم يَتَقَدَّمْ على نفسٍ واحدةٍ فقد سلِم منه (١) جميعُ النفوسِ ، وأنَّ الواحدةَ منها التى
يقومُ قتلُها مقامَ جميعِها إنما هو فى الوِزْرِ ؛ لأنه لا نفسَ مِن نُفوسٍ بنى آدمَ يقومُ فَقْدُها
مَقامَ فقدِ جميعِها، وإن كان فقدُ بعضِها أعمَّ ضررًا مِن فقدِ بعضٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم
٣٢
بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
(١) فى ت ١: ((الكلام))، وفى س: ((انكار)).
(٢) بعده فى النسخ: (( وأميت)). والصواب حذفها من هذا الموضع.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((منها)) .

٣٥٩
سورة المائدة: الآيتان ٣٢، ٣٣
وهذا قَسَمٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه، أَقسم به أن رسلَه صلواتُ اللَّهِ عليهم قد أتَت بنى
إسرائيلَ الذين قصَّ اللَّهُ قَصصَهم، وذكَر نبأَهم فى الآياتِ التى تقدَّمَت مِن قولِه :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَأْ
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١]. إلى هذا الموضع - ﴿يِاَلْبَيِّنَتِ﴾؛ يعنى:
بالآياتِ الواضحةِ ، والحُجج البينةِ على حقيقةٍ(١) ما أُرسِلوا به إليهم، وصحةٍ ما
دعَوْهم إليهِ من الإيمانِ بهم ، وأداءٍ فرائضِ اللَّهِ عليهم. يقولُ اللَّه عزَّ ذِكرُه: ﴿ ثُمَّ إِنَّ
كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أن كثيرًا مِن بنى إسرائيلَ.
والهاءُ والمِيمُ فى قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم﴾. مِن ذِكْرِ بنى إسرائيلَ.
وكذلك ذلك فى قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتَّهُمْ﴾ .
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يعنى: بعدَ مَجىءٍ رسلِ اللَّهِ بالبيناتِ ﴿فِ اُلْأَرْضِ
لَمُسْرِفُونَ﴾. يعنى أنهم فى الأرضِ لعامِلون بمعاصِى اللَّهِ، ومُخالفون أمْرَ اللَّهِ
ونَهْيَه، ومُحادُّو اللَّهِ ورسلِه، باتِّباعِهم أهواءَهم، وخلافِهم على أنبيائهم، وذلك
كان إسرافَهم فى الأرضِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى
اُلْأَرْضِ فَسَادًا﴾ .
وهذا يَيانٌ مِن اللَّهِ عزَّ ذِكْرُه عن حكم الفسادِ فى الأرضِ الذى ذكّره فى قولِه :
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ﴾. أَعْلَمَ عِبادَه ما الذى يَسْتَحِقُّ المُفُسدُ فى الأرضِ مِن العُقويةِ
والتَّكَالِ ، فقال تبارك وتعالى: لا جزاءً له فى الدنيا إلا القتلُ والصَّلْبُ، وقطعُ اليدِ
والرّجلِ مِن خِلافٍ، أو النَّفْئُ مِن الأرضِ؛ خِزْيًا لهم، وأما فى الآخرةِ إن لم يَتُبْ فى
(١) فى م: ((حقية)).

٣٦٠
سورة المائدة: الآية ٣٣
الدنيا ، فعذابٌ عظيمٌ .
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ فى من نَزَلتْ هذه الآيةُ ؛ فقالَ بعضُهم : نَزَلتْ فى قومٍ
مِن أهلِ الكِتابِ، كانوا / أهلَ مُوادَعةٍ لرسولِ اللهِ عَظِلّهِ، فتَقَضوا العهدَ وأَفْسَدوا فى
الأرضِ، فعرّف اللَّهُ نبيَّه مَ ◌ّلِ الحكمَ فيهم.
٢٠٦/٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنی مُعاوِيةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ
فَسَادًا﴾. قال: كان قومٌ مِن أهلِ الكتابِ بينَهم وبينَ النبيِّ عَ ◌ِّ عهدٌ وميثاقٌ ،
فَقَضُوا العهدَ، وأفسدوا فى الأرضِ، فخيّر اللَّهُ رسولَه؛ إن شاءَ أن يَقْتُلَ(١)، وإن شاءَ
أن يُقَطِّعَ(١) أيديهم وأرجلهم مِن خِلافٍ(٣) .
حدَّثنی الُثَنَى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ ، قال : أخبرنا مُشیمٌ ، عن ◌ُوَئِیرٍ ، عن
الضََّّاكِ، قال: كان قومٌ بينَهم وبينَ رسولِ اللَّهِ عَ لَهِ مِيثاقٌ، فنقَضوا العهدَ،
وقطَعُوا السَّبِيلَ، وأفسَدوا فى الأرضِ، فخيّرَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ نبيَّه عَِّ فيهم؛ فإن شاءَ
قتَل، وإن شاء صلَب، وإن شاءَ قطّع أيديهم وأرجلَهم مِن خِلافٍ(٤) .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سَمِعْتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنى عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعْتِ الضَّحاكَ يقولُ . فذكر نحوه .
وقال آخرون : نَزَلتْ فى قومٍ مِن المشركين .
(١) فى س: ((يقتلوا)).
(٢) فى س: (( نقطع)) .
(٣) أخرجه الطبرانى فى الكبير (١٣٠٣٢) من طريق عبد الله بن صالح به مطولًا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. وستأتى بقيته فى ص ٣٨٥، ٣٩٢.