النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة المائدة: الآية ٢٧
حدثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿ وَتَّلُ عَلَهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ
مِنَ الْآَخَرِ﴾: كان رَجُلانِ مِن بنى آدمَ، فتُقُبِّل من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلْ من
الآخرِ .
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن فُضَيلِ بنِ مرزوقٍ ، عن عطيةً:
وَأَتَّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كان أحدُهما اسمُه قابيلُ، والآخَرُ
هابيلُ ؛ أحدُهما صاحبُ غنم ، والآخرُ صاحبُ زرعٍ، فقَرَّب هذا من أمْتَلِ غنمِه
حَمَلًا، وقرّب هذا من أَرْذَلِ (١) زرعِه. قال: فنزَلتِ النارُ فَأْكَلت الحَمَلَ، فقال لأخيه:
لَأَنْتُلَّك .
حدثنا ابنُّ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ العلم عن
الكتابِ) الأولِ، أن آدمَ أمَر ابنَه قابيلَ(٢) أن يُنْكِحَ أختَه تُؤْمَهُ(٤) هابيلَ، وأَمَر هابيلَ أن
◌ُنكِح أخته تُؤْمَہ(١) قابیلَ ، فسَلَّم لذلك هابيلُ ورَضِی ، وأبی قابيل ذلك و گره؛ تکُّمًا
عن أختِ هابيلَ، ورَغِب بأختِه عن هابيلَ ، وقال : نحن ولادةُ الجنةِ وهما من ولادةٍ
الأرض ، وأنا أَحَقُّ بأختى . ويقولُ بعضُ أهلِ العلم بالكتابِ(*) الأولِ : كانت أختُ
قابيلَ من أحسنِ الناسِ، فضنَّ بها على أخيه، وأرادها لنفسِه. فاللَّهُ أعلمُ أَىُّ ذلك
(١) فى م: ((أرداً)).
(٢ - ٢) فى م: ((بالكتاب)). والمثبت موافق لما فى تاريخ المصنف، وإن استبدل به محققه ما فى المطبوعة
عندنا .
(٣) فى تاريخ المصنف: ((قين))، وكذا فيما سيأتى.
(٤) فى م: ((توأمة))، وفى تاريخ المصنف ((تُؤْمَتَه)). والتُّؤْم والتَّوْءم من جميع الحيوان: المولود مع غيره فى
بطن واحد، من الاثنين إلى ما زاد ؛ ذكرا كان أو أنثى، يقال: هما تؤءمان ، وهذا توعم هذا، وهذه توومة
هذه. ينظر لسان العرب، وتاج العروس (ت أم، وأم).
( تفسير الطبرى ٢١/٨ )
(٥) فى التاريخ: (( من أهل الكتاب)).

٣٢٢
سورة المائدة: الآية ٢٧
كان . فقال له أبوه: يا بُنَىَّ، إنها لا تَحِلُّ لك. فأبى قابيلُ أَن يَقْبَلَ ذلك من قولِ أبيه ،
فقال له أبوه: يا بُنَىَّ، فقَرِّبْ قربانًا ، ويُقَرّب أخوك هابيلُ قربانًا، فأيُّكما قَبِل اللَّهُ
قُرْبانَه فهو أحقُّ بها. وكان قابيلُ على بَذْرِ الأرضِ، وكان هابيلُ على رعايةِ الماشيةِ ،
فقرّب قابيلُ قمحًا، وقَرَّب هاييلُ أبكارًا من أبكارٍ غنمِه، وبعضُهم يقولُ: قرّب
بقرةً . فَأَرْسَل اللَّهُ نارًا بيضاءَ فَأَكَلَتْ قربانَ هابيلَ ، وتَرَكتْ قربانَ قابيلَ ، وبذلك
كان يَقْبَلُ القربانَ إذا قَبِلَهُ(١).
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ فيما ذَكَر عن أبى مالكِ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةً ، عن
ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَّهِ: و(١) كان لا يُولَدُ لآدمَ مولودٌ إلَّ وُلِد
معه جاريةٌ ، فكان يُزوّجُ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ هذا البطنِ الآخرِ ، ويُزوَّجُ جاريةَ هذا
البطنِ غلامَ البطنِ الآخرِ، حتى وُلِد له ابنان يقالُ لهما : قابيل وهابيلُ . وكان قابيلُ
صاحبَ زرعٍ، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْعٍ، وكان قابيلُ أكبرَهما ، وكان له أختٌ
أَحْسَنُ من أختِ هابيلَ ، وإن هابيلَ طَلَب أن ينكِحَ أختَ قابيلَ ، فأبى عليه وقال : هى
أختى وُلدِتْ معى، وهى أحسنُ من أختكِ، وأنا أحقُّ أن أتزوَّجَها . فأمَره أبوه أن
يُرُوِّجَها هابيلَ، فأبى ، وإنهما قرّبا قربانًا إلى اللَّهِ ، أيّهما أحقُّ بالجاريةِ ، و كان آدمُ يومئذٍ
قد غاب عنهما إلى مكةَ ينظُرُ إليها، قال اللَّهُ عز وجل لآدمَ: يا آدمُ، هل تَعْلَمُ أن لى بيتًا
١٨٩/٦ فى الأرض؟ قال: اللهمَّ لا. قال: فإن لى بيتًا بمكةَ فَأَتِهِ . فقال آدمُ للسماءِ: /احْفَظى
وَلَدِى بالأمانةِ . فَأَبَت ، وقال للأرضِ، فَأَبَت ، وقال للجبالِ ، فَأَبَت ، وقال لقابيلَ ،
فقال: نعم، تذهَبُ وترجِعُ، وتجدُ أهْلَك كما يَسْؤُك. فلما انطلَق آدمُ قرَّبا قربانًا ،
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٤٠، ١٤١.
(٢) سقط من : م .

٣٢٣
سورة المائدة: الآية ٢٧
وكان قابيلُ يَفْخَرُ عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك(١)؛ هى أختى، وأنا أكبرُ منك، وأنا
وَصِىُّ والدى. فلما قرَّبا، قرّب هابيلُ جَذَعَةٌ سمينةً، وقرّب قابيلُ حزمةٌ(١) سُنْبُلٍ،
فوجَد فيها سنبلةٌ عظيمةٌ ، فَفَرَكَها فأكَلَها ، فَزَلَتِ النارُ فأكَلَتْ قربانَ هابيلَ، وَتَرَكتْ
قربانَ قابيلَ ، فغضِب وقال: لأقتُلَنَّك حتى لا تَنْكِحَ أختى. فقال هابيلُ: إنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ
من المُتَّقِينَ(٢) .
حدثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَاَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
أَبْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِّ﴾: ذُكِر لنا أنهما هابيلُ وقابيلُ، فأما هابيلُ فكان صاحبَ
ماشيةٍ ، فَعَمَد إلى خيرٍ ماشيتِهِ فَتَقَرَّب بها ، فَتَزَلَتْ عليه نارٌ فأكَلَتْه ، وكان القُرْبانُ إِذا
تُقُبِّل منهم نَزَلتْ عليه نارٌ فأكَلَتْه، وإذا رُدَّ عليهم أكَلَتْه الطيرُ والسّباعُ، وأما قابيلُ
فكان صاحبَ زرعٍ، فَعَمَد إلى أَرْدَاً زرعِه فَتَقَرَّب به ، فلم تَنْزِلْ عليه النارُ، فحسَد
أخاه عندَ ذلك فقال: لَأَقْتُلَنَّك. قال: إنما يتَقَبَّلُ اللَّهُ من المُتَّقِين.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَأَثّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ ﴾. قال: هما قابيلُ وهابيلُ.
قال: كان أحدُهما صاحبَ زرع، والآخرُ صاحبَ ماشيةٍ، فجاء أحدُهما بخيرِ
مالِهِ، وجاء الآخرُ بشرّ مالِهِ، فجاءتِ النارُ فأكَّلَتْ قُرْبانَ أحدِهما - وهو هابيلُ -
وترَكت قربانَ الآخرِ ، فحسَده، فقال: لأَقْتُلَّكَ(٤).
حدثنا سفيانُ ، قال : ثنا یحیی بن آدمَ ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ :
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((و)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((حزيمة)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٣٧، ١٣٨.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٨٧/١، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٧/٤٩ .

٣٢٤
سورة المائدة: الآ ية ٢٧
﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: قَرَّب هذا زرعًا، وذا عَناقًا، فتَرَكَتِ النارُ الزرعَ ، وأَكَلَتِ
(١)
العَنَاقَ(١) .
وقال آخرون : اللذان قرّبا قربانًا ، وقصَّ اللَّهُ عَزَّ ذكرُه قَصَصَهما فى هذه الآيةِ ،
رجلان من بنى إسرائيلَ، لا مِن وَلَدِ آدمَ لصُلْبِهِ .
ذكر من قال ذلك
حدثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا سهلُ بنُ يوسفَ ، عن عمرٍو، عن الحسنِ، قال :
كان الرجلان اللذان فى القرآنِ، اللذان [٦٦٨/١ظ] قال اللّهُ: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىَّ
ءَدَمَ بِالْحَقِّ﴾. من بنى إسرائيلَ، ولم يكونا اثْنَىْ آدمَ لصُلْبِهِ، وإنما كان القربانُ فى
بنى إسرائيلَ، وكان آدمُ أَوَّلَ مَنْ مات(٢) .
وأَوْلَى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ أن اللذَيْن قرَّبا القربان كانا اثْنَىْ آدمَ
الصُّلْبِهِ، لا من ذُرِّيَّتِه مِن بنى إسرائيلَ، وذلك أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يَتَعالَى عن أن يُخاطِبَ
عبادَه بما لا يُفيدُهم به فائدةً ، والمخاطَبون بهذه الآيةِ كانوا عالمين أن تقريبَ القربانِ للَّهِ
لم يكنْ إلا فى ولَدِ آدمَ ، دونَ الملائكةِ والشياطينِ وسائرِ الخَلْقِ غيرِهم. فإذا كان
معلومًا ذلك عندَهم ، فمعقولٌ أنه لو(٢) لم يكنْ مَغْنِيًّا باثْنَىْ(٤) آدمَ اللذَيْن ذَكَرَهما اللَّهُ
عز وجل فى كتابِه ابناه لصُلْبِهِ، لم(٥) يُفِدْهم بذِكْرِه جلَّ جَلالُه إِيَّاهما فائدةً لم تكنْ
(١) تقدم بنحوہ فی ص ٣٢٠.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٤٣. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٣/٢ إلى عبد بن حميد، وقال
ابن كثير فى تفسيره ٨٥/٣ عقب الأثر: وهذا غريب جدًّا، وفى إسناده نظر. وسيأتى رد المصنف هذا القول
فى ص ٣٣٥، ٣٤٠ .
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( به ابنى)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فلم)).

٣٢٥
سورة المائدة: الآية ٢٧
عندَهم ، وإذا كان غيرَ جائزٍ أن يُخاطِبَهم خطابًا لا يُفيدُهم به معنًى، فمعلومٌ أنه عنَى
اثْنَىْ (١) آدمَ لصُلْبِهِ، لا(٢)اثْنَىْ بَنِيهِ الذين بَعُدَ منه نَسَبُهم، مع إجماعٍ / أهلِ الأَخْبارِ ١٩٠/٦
والسِّيَّرِ والعِلْم بالتأويلِ على أنهما كانا ابْنَىْ آدمَ لصُلْبِهِ ، وفى عهدِ آدمَ وزمانِهِ، وكفَی
بذلك شاهدًا. وقد ذَكَوْنا كثيرًا ممن نُصَّ عنه القولُ بذلك، وسنَذْكُرُ كثيرًا ممن(٣) لم
يُذْكَرْ إِن شاء اللّهُ .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال : ثنا حسامُ بنُ مِصَكٌّ ،
عن عَمَّارِ الدُّهْنىِّ، عن سالم بنِ أبى الجَعْدِ ، قال: لما قتَل ابنُ آدمَ أخاه، مكَث آدمُ
مائةَ سنةٍ حزينًا لا يَضْحَكُ، ثم أُتِىَ فقيل له : حيَّك اللَّهُ ويَّاك. فقال: يَّاك:
أَضْحَكك (٤) .
حدثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، "عن غياثِ بنِ إبراهيمَْ)، عن أبى إسحاقَ
الهَمْدانىٌ ، قال: قال علىٍّ بن أبى طالبٍ رضوانُ اللَّهِ عليه: لَمَّا قتَل ابنُ آدم أخاه، بكَى
آدمُ ، فقال :
فلَوْنُ(٦) الأرضِ مُغْبَرٌّ قبيحُ
تَغَيَّرتِ البلادُ ومَن عَلَيْها
وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ
تغيّر كلُّ ذى لَوْنٍ وَطَعْمٍ
فَأُجِيب آدمُ عليه السلامُ :
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بابنى)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، ت ٢: ((ما)).
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٩٨١/١٧ من طريق حسام بن مصك به نحوه .
(٥ - ٥) سقط من النسخ ، والمثبت من تاريخ المصنف .
(٦) فى التاريخ: ((فوجه)).

٣٢٦
سورة المائدة: الآية ٢٧
وصار الحىُّ كالميْتِ(١) الذَّبِيحِ
أبا هابيلَ قد قُتِلا جميعًا
علی خوفٍ فجاء بھا یَصيحُ
وجاء بشرّةٍ قد كان منها
وأما القولُ فى تقريبِهما ما قرّبًا ، فإن الصوابَ فيه من القولِ أن يقالَ: إن الله عزَّ
ذكرُه أَخْبَر عبادَه عنهما أنهما قد قرَّبا ، ولم يُخْبِرْ أن تَقْرِيتَهما ما قرَّبا كان عن أمرِ اللَّهِ
إياهما به ، ولا عن غيرِ أمرِهِ، وجائزٌ أن يكونَ كان عن أمرِ اللَّهِ إياهما بذلك، وجائزٌ
أن يكونَ عن غيرِ أمرِهِ ، غيرَ أنه أىُّ ذلك كان، فلم يُقَرِّبا ذلك إلا طَلَبَ قُرْبةٍ إلى اللَّهِ
عز ذكره إن شاء اللّهُ .
وأما تأويلُ قولِه : ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ﴾. فإن معناه: قال الذى لم يُتَقَبَّلْ منه
قُرْبانُه للذى تُقُبَّلَ منه قربانُه: لَأَقْثُلَنَّك. فتَرَكِ ذِكْرَ المُتْقَبَّلِ قربانُه، والمردودِ عليه
قربانُه ؛ استغناءً بما قد جرَى مِن ذكرِهما عن إعادتِه. وكذلك ترَك ذكرَ المتقبّلِ قربانُه
مع قوله: ﴿ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾.
وبنَحوِ ما قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ﴾: فقال له أخوه: ما ذَنْبى؟ إنما يتقبّلُ اللَّهُ
من المُتَّقِينُ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّمَا
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بالميت)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٤٥/١.
وقال ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٢١/١ بعد إيراده هذه الأبيات: وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم
عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته، فألَّفه بعضهم إلى هذا، وفيه إِقواء ، واللَّه أعلم .
(٣) تقدم بتمامه فى ص ٣١٩.

٣٢٧
سورة المائدة: الآية ٢٧
يَتَقَبَّلُ اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾. قال: يقولُ: إنك لو اتَّقَيْتَ اللَّهَ فى قُرْبانِك تَقَبَّل منك؛
جئتَ بقربانٍ مغشوشِ بأَشَرّ ما عندَك ، وجئتُ أنا بقربانٍ طيِّب بخيرٍ ما عندى . قال :
وكان قال : يَتَقَبَّلُ اللَّهُ منك ولا يَتَقَبَّلُ منى؟
ويَعْنى بقولِه: ﴿مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾: مِن الذين اتَّقَوا اللَّهَ وخافوه بأداءِ ما كَلَّفهم
مِن فرائضِه، واجتنابٍ ما نهاهم عنه من مَعَاصِيه (١١).
/وقد قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ: المتقون فى هذا الموضع الذين اتقوا الشركَ. ١٩١/٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، عن
الضَّحَّاكِ قوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾: الذين يتقون الشركَ(٢) .
وقد بيَّنا معنى ((القُرْبانِ)) فيما مضَى(٢) ، وأنه الفُعْلانُ من قولِ القائلِ: قَرَّب .
كما ((الفرقانُ)) ((الفُعْلانُ)) من: فرَق. و(( العُدْوانُ)) من: عدَا .
وكانت قرابينُ الأمم الماضيةِ قبلَ أُمَّتِنا كالصَّدَقاتِ والزَّكَواتِ فينا، غيرَ أنَّ
قرابينَهم كان يُعْلَمُ المتْقَبَّلُ منها وغيرُ المتقبَّلِ، فيما ذُكِر، بأكْلِ النارِ ما تُقُبِّل منها ،
وتَرْكِ النارِ ما لم يُتَقَبَّلْ منها. والقربانُ فى أمتِنا الأعمالُ الصالحةُ؛ مِن الصلاةِ ،
والصيامٍ ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكَنَةِ ، وأداء الزكاةِ المفروضةِ . ولا سبيلَ لها إلى
العلمِ فى عاجلٍ بالمُتَّقَبَّلِ منها والمردودِ .
وقد ذُكِر عن عامرِ بنِ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِىِّ أنه حينَ حَضَرَتْه الوفاةُ بكَى ، فقيل له :
(١) فى م: ((معصيته)) .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٨١/١٣، ٥٨٢ من طريق أبى الفيض ، عن الضحاك.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٨٤/٦.

٣٢٨
سورة المائدة: الآيتان ٢٧ ، ٢٨
ما يُْكِيك، فقد كنتَ وكنتَ؟ فقال: يُتْكِينى أنى أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ .
حدَّثنى بذلك محمدُ بنُ عمرَ المُقُدَّمِىُّ، قال: ثنى سعيدُ بنُ عامٍ، عن همَّامٍ،
عمن ذكره، عن عامٍ(١).
وقد قال بعضُهم: قربانُ المتقين الصلاةُ .
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال : ثنا حفصُ بنُ غِياتٍ ، عن عِمْرانَ بنِ سُلَيمانَ(٣)، عن
عَدِىٌّ بنِ ثابتٍ ، قال: كان قُرْبانُ المتقين الصلاةَ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ لَيِنَّ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ
٢٨
لِأَقْتُلَكٌّ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عن المقتولِ من اثْنَىْ آدمَ، أنه قال لأخيه حين(4)
قال له أخوه القاتلُ: لأَقْتُلَنَّك: واللَّهِ ﴿لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَ يَدَكَ﴾. يقولُ: مَدَدْتَ إلىَّ
يدَك ﴿ لِنَقْتُلَنِ مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَّ﴾. يقولُ: ما أنا بمادٍّ يدىَ إِليك
لأقْتُلَك .
وقد اختلف فى السبب الذی مِن أجلِه قال المقتولُ ذلك لأخيه، ولم يُمَانِعه ما
فَعَل به؛ فقال بعضُهم: قال ذلك إعلامًا منه لأخيه القاتل أنه لا يَسْتَحِلُّ قَتْلَه ، ولا
بَسْطَ يَدِه إليه، بما لم يأذنِ اللَّهُ له به .
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى المحتضرين (١٧٩) من طريق سعيد بن عامر، عن همام بن يحيى قال: بكى
عامر ... فذكره. وينظر طبقات ابن سعد ٧/ ١٠٦، والدر المنثور ٢/ ٢٧٤.
(٢) فى م: ((سليم)). وينظر التاريخ الكبير ٤٢٦/٦، والجرح والتعديل ٦/ ٢٩٩.
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٣٥/٦.
(٤) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: ((لما)).

٣٢٩
سورة المائدة: الآية ٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا عوفٌ ، عن أبى
المغيرةِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمٍو، أنه قال: وائُمُ اللَّهِ، إن كان المقتولُ لَأَشدَّ الرَّجُلَيْنِ،
ولكنْ مَنَعَه التَّحَرُُّ أن يَبْسُطَ إلى أخيه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَبِنْ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ﴾: لا
أنا بمنتصرٍ، وَلَأُمْسِكَنَّ يدىَ عنك(٢).
/وقال آخرون: لم يَمْنَعْه مما أراد مِن قَتْلِه، وقال ما قال له مما قصَّ اللَّهُ فى كتابِه، ١٩٢/٦
أن اللَّهَ عَزَّ ذكرُّهِ فَرَض عليهم ألّا يَمْتَنِعَ مَن أُرِيد قتلُه ممن أراد ذلك منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى الحارثُ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ فى
قوله: ﴿لَيِنْ بَسَطِتَ إِلَىَ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ﴾.
قال مجاهدٌ: كان كُتِب(٢) عليهم: إذا أراد الرجلُ أن يقتُلَ رجلًا ترَكه ولا يَمْتَنِعُ
(٤)
منه (٢) .
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله عزَّ ذکرُه قد كان حرّم عليهم
قَتْلَ نفسٍ بغيرِ نفسٍ ظلمًا، وأن المقتولَ قال لأخيه: ما أنا بباسطٍ يدىَ إليك إن
(١) تقدم مطولًا فى ص ٣١٨.
(٢) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٦٢.
(٣) فى م: (( كتب اللَّه)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٤/٢ إلى المصنف.

٣٣٠
سورة المائدة: الآيتان ٢٨ ، ٢٩
بَسَطْتَ إلىَّ يدك . لأنه كان حرامًا عليه مِن قَتْلِ أَخيه مثلُ الذى كان حرامًا على أخيه
القاتلِ مِن قتلِه، فأما الامتناعُ مِن قَتْلِه حينَ أراد قَتْلَه، فلا دَلالةَ على أن القاتلَ حينَ أراد
قتلَه وعزَم عليه، كان المقتولُ عالماً بما هو عليه عازِمٌ منه ومُحاوِلٌ من قتلِه ، فتَرَكُ دَفْعَه
عن نفسِه . بل قد ذكّر جماعةٌ مِن أهلِ العلم أنه قتَله غِيلَةً ؛ اغتاله وهو نائمٌ، فشَدَخِ (١)
رَأْسَه بصَخْرةٍ . فإذا كان ذلك ممكنًا ، ولم يكنْ فى الآيةِ دلالةٌ على أنه كان مأمورًا بتَرْكِ
مَنْعٍ أخيه مِن قتله، لم يكنْ جائزًا ادّعاءُ ما ليس فى الآيةِ إلّا ببرهانٍ يجِبُ تَسْلِيمُه .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. () فَإِنَّه: إنى٢) أخافُ
اللَّهَ فِى بَسْطِ يدىَ إِليك إن بَسَطْتُها لقَتْلِك، ﴿ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. يعنى: مالكَ
الخلائقِ كلِّها أن يُعاقِبَنى على بسطِ يدىَ إليك .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِثِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبٍ
٢٩
النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُأُ الظَّلِينَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إنى أُريدُ أن تَبُوءَ
ياثمى مِن قتلِك إِيَّىَ، وإثمِك فى معصيتِك اللَّهَ، ( وغيرِ" ذلك مِن معاصيك.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثْنى موسى(٤) بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ فى حديثِه، عن أبى مالكِ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةً ،
عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابٍ رسولِ اللهِ عَهِ: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَن تَبُوَاَ
(١) شدخ رأسه : شَجُه .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنى)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بغير))، وفى س: ((يعنى)). والمثبت هو الصواب.
(٤) فى م: ((محمد)).

٣٣١
سورة المائدة: الآية ٢٩
بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾. يقولُ: إثم قتلى، إلى إثمِك الذى فى عنقِك، ﴿فَتَكُونَ مِنْ
أَصْحَبِ النَّارِ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ
تَبُوَّ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾. يقولُ: بقتلِك إياىَ، وإثمِك قبلَ ذلك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَاَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾. قال: بإثمٍ قتلى وإثمِك(٢).
١٩٣/٦
/حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِنَّكَ﴾. يقولُ: إنى أُريدُ
أن يكونَ عليك خطيئتُك ودمى، تبوءُ بهما جميعًا (١).
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾. يقولُ: إنى أُريدُ أن تبوءَ بقتلِك إيَّىَ،
﴿ وَإِنَّكَ﴾. قال: بما كان منك(٤) قبلَ ذلك(٥) .
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سَمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال :
ثنى عبيدُ بنُ سُلَيمانَ(٢)، عن الضخَاكِ قولَه: ﴿إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ .
قال: أما إثمُك، فهو الإثمُ الذى عمِل قبلَ قَتْلِ النفسِ - يعنى أخاه - وأما إثمُه:
(١) ذكره الحافظ فى تغليق التعليق ٢٠١/٤ عن المصنف بإسناد ابن عباس وحده، وينظر التبيان ٤٩٥/٣،
والبحر المحيط ٤٦٣/٣، وتفسير ابن كثير ٣/ ٨١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٨٧/١.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣١٩ .
(٤) فى ص، ت ١: ((فيك)) .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨١/٣ عن سفيان به .
(٦) فى م: ((سليم)).

٣٣٢
سورة المائدة: الآية ٢٩
فقتلُه أخاه(١).
وكأنَّ قائلى هذه المقالةِ وَجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِثِى
وَإِنْكَ ﴾. أَىْ: إنى أريدُ أن تبوءَ ياثم قتلى. فحَذَف (( القتلَ))، واكْتَفَى بذِكْرِ
(الإثم))، إذ كان مفهومًا معناه عندَ المخاطَبين به .
وقال آخرون : معنى ذلك: إنى أريدُ أن تبوءَ بخطيئتى، فتتَحَمَّلَ وِزْرَها،
وإثمِك فى قتلِك إِيَّاىَ .
وهذا قولٌ وَجَدتُه عن مجاهدٍ، وأخشى أن يكونَ غلطًا؛ لأن الصحيحَ مِن
الرواية عنه ما قد ذَكَرْنا قبلُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّ أُرِيدُ أَن تَبُوَاَ بِإِثْمِى وَإِنْكَ﴾. يقولُ: إنى أُريدُ أن تكونَ عليك
خطيئتى ودمى ، فتَبُّوءَ بهما جميعًا(٢) .
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن تأويلَه: إنى أريدُ أن تَنْصَرِفَ
بخطيئتك فى قتلِك إيَّاىَ. وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى﴾ .
وأما معنى ﴿ وَإِّكَ﴾. فهو إثمُه بغيرِ قتله ، وذلك معصيةُ اللهِ جلَّ ثناؤه فى أعمالٍ
سواه .
وإنما قلنا: ذلك هو الصوابُ؛ لإجماع أهلِ التأويلِ عليه، لأن الله عزَّذکرُه قد
أَخْبَرَنا أن كلَّ عاملٍ فجزاءُ عملِه له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمَه فى خَلْقِهِ ، فغيرُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٤/٢ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٨١/٣ عن شبل به .

٣٣٣
سورة المائدة: الآية ٢٩
جائزٍ أن يكونَ آثامُ المقتولِ مأخوذًا بها القاتلُ، وإنما يُؤْخَذُ القاتلُ بإثمِه بالقتلِ المحرَّمِ،
وسائرٍ آثامِ معاصِيه التى ارْتَكَبَها بنفسِه دونَ ما رَكِبه قتيلُه .
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس قتلُ المقتولِ من بنى آدمَ كان معصيةٌ للَّهِ مِن القاتلِ؟
قيل : بلى ، وأَعْظِمْ بها معصيةٌ .
فإن قال: فإذا كان للَّهِ جلَّ وعزَّ معصيةً، فكيف جاز أن يريدَ ذلك منه
المقتولُ ، ويقولَ: ﴿ إِنَّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِئْمِى﴾ . وقد ذكرتَ أن تأويلَ ذلك : إنى
أُريدُ أن تبوءَ ياثم قتلى ؟
فمعناه(١) : إنى أُريدُ أن تبوءً ياثم قتلى إن قتلتنى؛ لأنى لا أفقتُلُك، فإن أنت
قَتَلْتَنِى فإنى مُرِيدٌ أن تبوءَ ياثم معصيتِك اللَّهَ فى قتلِك إِيَّاىَ. وهو إذا قتَله فهو لا محالةً
بَاءَ به فى محُكْمِ اللَّهِ، فإرادتُه ذلك غيرُ موجبةٍ له الدخولَ فى الخطأ .
ويَعْنى بقولِه: ﴿ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَّوُاْ الظَّلِينَ﴾. يقولُ:
فتكونَ بقتلِك إِيَّىَ مِن سُكّانِ الجحيم ، ووَقودِ النارِ الخُلَّدين فيها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ
الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: والنارُ ثوابُ التاركين طريقَ / الحقِّ، الزائلين عن قَصْدِ ١٩٤/٦
السبيل، المُتُعَدِّين ما يُجُعِل لهم إلى ما لم يُجْعَلْ لهم. وهذا يدلُّ على أن اللَّهَ عَزَّ ذکرُه
قد كان أمَرَ ونَهَى آدمَ بعدَ أن أَهْبَطه إلى الأرضِ، ووَعَدَ وَأَوْعَدَ ، ولولا ذلك ما قال
المقتولُ للقاتلِ: فتكونَ مِن أصحابِ النارِ بقتلِك إيَّىَ. ولا أَخْبَرَه أن ذلك جزاءُ
الظالمين .
فكان مجاهدٌ يقولُ : عُلِّقَتْ إحدی رِ جلَی القاتلِ بساقها إلی فَخِذِها من يومئذٍ
إلى يومِ القيامةِ، ووجهُه فى الشمسِ حيثما دارت دار (١) ، عليه فى الصيفِ حَظيرةٌ
(١) فى ص، ت ١: ((ومعناه).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((دارت)).

٣٣٤
سورة المائدة: الآية ٢٩
مِن نارٍ ، وعليه فى الشتاءِ حظيرةٌ من ثلج .
حدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، قال: قال ابنُ
جريج: قال مجاهدٌ ذلك. قال: وقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو: إنّا لَنَجِدُ ابنَ آدمَ القاتلَ
يُقاسمُ أهلَ النارِ قسمةً صحيحةً العذابَ، عليه شَطْرُ عذابِهم(١)
وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ مَّه بنحوِ ما رُوِى عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو خبرٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، و(١٢) حدثنا سفيانُ، قال: ثنا جريرٌ
وأبو معاويةً (ح، وحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةً ) ووكيع، جميعًا عن الأعمشِ،
عن عبدِ اللهِ بنِ مرَّةً، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال النبىُ عَلَّهِ: ((ما مِنْ
نفسٍ تُقْتَلُ ظلمًا إلَّا كان على ابنِ آدمَ الأوَّلِ كِفْلٌ(٤) منها؛ ذلك بأنه أَوَّلُ مَنْ سَنَّ
(٥)
القتلَ))(٥).
حدَّثنا سفيانُ ، قال: ثنا أبى ح، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ،
جميعًا عن سفيانَ ، عن الأعمشِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةً، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ،
عن النبيِّ ◌ِظَالِ نحوَه١) .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٣/٣ عن المصنف، وقول ابن عمرو أخرجه البيهقى فى الشعب (٥٣٢٣)،
وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٥/٤٩، ٤٦ من طريق هشام بن عروة ، عن عبد الله بن عمرو، وتقدم قول
مجاهد فى ص ٣٢١ من طريق أخرى .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قال)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) الكِفْل، بالكسر: الضّعْف من الأجر والإثم، وعمَّ به بعضُهم. والكفل أيضًا: النصيب والحظ. ينظر تاج
العروس (ك ف ل).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ١٤٤، وأخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٣٦٤، و١٢٦/١٤، وأحمد ١٣٦/٦
(٣٦٣٠)، ومسلم (١٦٧٧) من طريق أبى معاوية به .
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٤٤/١، وأخرجه النسائى (٣٩٩٦)، وفى الكبرى (٣٤٤٧)، =

٣٣٥
سورة المائدة: الآية ٢٩
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى ، عن حسنٍ بن صالحٍ، عن إبراهيم بنِ مُهاجِرٍ ،
عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ ، قال: ما من مقتولٍ يُقْتَلُ ظلمًا، إلا كان على ابنِ آدمَ الأُولِ
والشيطان كِفْلٌ منه (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن حكيم بن حكيم ، أنه
حُدِّث عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أنه كان يقولُ : إن أشقى الناسِ رجلاً لَابْنُّ آدمَ الذى قتَل
أخاه؛ ما سُفِك دم فى الأرضِ منذ قتل أخاه إلى يوم القيامةِ ، إلا لحق به منه شىءٌ ،
وذلك أنه أولُ مَنْ سنَّ القتلَ(٣).
وهذا (٣) الخبرُ الذى ذَكَوْنا عن رسولِ اللَّهِ عَلِ يُبَينُ(٤) أنَّ (٥) القولَ الذى قاله
الحسنُ فى ابنى آدمَ اللذَيْن ذَكَرهما اللَّهُ فى هذا الموضع أنهما ليسا بابنى آدمَ
لصُلْبِهِ، ولكنهما رجلان من بنى إسرائيلَ، و(١) أنَّ القولَ الذى حُكِى عنه أَنَّ أولَ
مَنْ مات آدمُ ، وأن القربانَ الذى كانت النارُ تأكُلُه لم يَكُنْ إلا فى بنى إسرائيلَ -
خطأٌ ؛ لأنَ رسولَ اللَّهِ مِّ الِمِ قد أَخْبَر عن هذا القاتلِ الذى قتل أخاه ، أنه أوَّلُ من سنَّ
= وأبو نعيم ٢٨/٩ من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه أحمد ٤٠٩٢/٧ (٤٠٩٢)، والبخارى (٦٨٦٧)،
والترمذى (٢٦٧٣)، والطحاوى فى المشكل (١٥٤٣) من طريق سفيان به ، وأخرجه معمر فى جامعه
(١٩٧١٨)، والحميدى (١١٨)، والبخارى (٣٣٣٥، ٧٣٢١)، وابن ماجه (٢٦١٦)، والترمذى
(٢٦٧٣)، والنسائى فى الكبرى (١١١٤٢)، وأبو يعلى (٥١٧٩)، والطحاوى فى المشكل (١٥٤٤)،
والطبرانى (١٠٤٢٩)، والبيهقى ١٥/٨، والبغوى (١١١)، وفى تفسيره ٤٦/٣ من طريق الأعمش به.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٤/٣ عن إبراهيم .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٣/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/٢ إلى المصنف.
(٣) فى م: (( بهذا)).
(٤) فى م: (تبین)) .
(٥) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((عن).
(٦) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((على)) .

٣٣٦
سورة المائدة: الآيتان ٢٩، ٣٠
القتلَ، وقد كان لا شكَّ القتلُ قبلَ بنى (١) إِسرائيلَ، فكيف قبلَ ذُرِّيَّتِه؟ وخطأ
من القول أن يقالَ: أولُ مَن سنَّ القتلَ رجلٌ من بنى إسرائيلَ. وإذا كان ذلك
كذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن القولِ هو قولُ مَنْ قال: هو ابنُ آدَمَ لصلبِه .
لأنه(٢) أولُ مَن سنَّ القتلَ، فَأَوْجَب اللَّهُ له من العقوبةِ ما رَوَيْنا عن رسولِ اللَّهِ
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ
اْخَسِرِينَ
٣٠
/يَغْنِى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ﴾: فَتَتْهُ(١) وساعَدَتْه عليه. وهو
((فَعَّلَتْ)) مِن الطَّوْعِ، مِن قولِ القائلِ: طَاعَنِى هذا الأمرُ. إذا انْقادَ له .
١٩٥/٦
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه : فشَجَّعَتْ له نفسُه
قتل أخيه .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِىُّ ومحمدُ بنُ حميدٍ ، قالا : ثنا حكامُ بنُ
سَلْم، عن عَنْبسةَ ، عن (٤) ابنٍ أبى ليلى، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ :
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: شَجَّعَتْ.
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
(١) سقط من: م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أنه)).
(٣) فى م: ((فأقامته))، وفى س: ((فسولت له )). وآتاه على الأمر: طاوعه، وآتيته على ذلك الأمر مؤاتاة، إذا
وفقته وطاوعته ، والعامة تقول : واتيته . وهى لغة أهل اليمن . ينظر اللسان (أت ى).
(٤) سقط من : النسخ ، وتقدم فى ١ /٥٠٨ .

٣٣٧
سورة المائدة: الآية ٣٠
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾. قال: فَشَجَّعَتْهُ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. قال: شَجَّعَتْه على قتلِ أخيه .
وقال آخرون : معنى ذلك : زَيَّنَتْ له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ
نَفْسُهُ قَثْلَ أَخِيهِ﴾. "قال: زَيَّنَتْ له نفسُه٢ قتل أخيه فقَتَلَهُ(٣) .
ثم اخْتَلَفوا فى صفةٍ قَتْلِهِ إِيَّه، كيف كانت، والسببِ الذى مِن أجلِه قَتَلَه ؛
فقال بعضُهم: وجَدَه نائمًا فشدَخ رأسَه بصَخْرَةٍ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ، فيما ذكَر عن أبى مالكِ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مرَّةً ، عن
عبدِ اللهِ ، وعن ناسٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَ الِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ
أَخِيهِ﴾: فطَلَبَه ليقتُلَه، فراغ الغلامُ منه فى رءوسِ الجبالِ، وأتاه يومًا من الأيامِ وهو
يرعى غنمًا له فى جبلٍ وهو نائمٌ، فرفَع صخرةٌ فشدَخ بها رأسَه، فمات، فتركه
(٤)
بالعراءِ(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٣٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن
المنذر. وتقدم أوله فى ص ٣١٩ .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ٢٢/٨ )
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٣٨، وسيأتى تمامه فى ص ٣٤١.

٣٣٨
سورة المائدة: الآية ٣٠
وقال بعضهم ما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ، قال: سَمِعتُ أَشْعَثَ
السّجِسْتانيَّ، يقولُ: سَمِعتُ ابنَ جُرَيج قال: ابنُ آدمَ الذى قتَل صاحبه لم يَدْرِ
كيف يَقْتُلُه، فَتَمَثَّل إبليسُ له فى هيئةٍ طيرٍ، فأخَذ طيرًا فقطَعُ(١) رأسَه، ثم وضّعه بينَ
حَجَرَيْن، فشدَخِ رَأْسَه، فعَلَّمَه القتلَ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجَّاجْ، عن ابن جريج، قال : قتَله
حيثُ يرعى الغنمَ ، فأتاه (١) فجعَل لا يدرى كيف يَقْتُلُهُ، فَلَوَى برقبته وأَخَذ برأْسِه،
فنزَل إبليسُ ، وأَخَذ دابَّةٌ أَو طيرًا، فوضَع رأسَه على حجرٍ، ثم أخَذ حجرًا آخرَ فَرَضَخ به
رأسَه ، وابنُّ آدمَ القاتلُ يَنْظُرُ، فأخَذ أخاه، فوضَع رأسَه على حجرٍ ، وأخَذ حجرًا آخرَ
فرضَخ به رأسه .
/حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا يقولُ.
١٩٦/٦
فذكر نحوه (٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لَّ أَكَلَتِ النارُ قُرْبانَ ابنِ آدمَ الذى تُقُبَّل قربانُه ، قال الآخَرُ
لأخيه : أَتَمْشى فى الناسِ وقد علِموا أنك قَرَّبتَ قربانًا فتُقُبِّل منك ورُدَّ علىَّ ! واللَّهِ لا
يَنْظُرُ الناسُ إِلىَّ وإليك وأنت خيرٌ منى . فقال: لأَقْتُلَّك. فقال له أخوه : ما ذنبي ؟
إنما يتقبّلُ اللَّهُ من المتقين. فخوَّفه بالنارِ، فلم يَنْتَهِ ولم يَنْزَجِرْ، ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُمُ نَفْسُهُ
(١) فى م: ((فقصع)). وقَصَع الغلامَ أو قصَع هامَتَه: ضرَبّه أو ضَرَبَها ببسط كَفِّه على رأسه. تاج
العروس (ق ص ع).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/٢ إلى المصنف.
(٣) فى م: ((فأتى)).
(٤) ينظر التبيان ٤٩٧/٣.

٣٣٩
سورة المائدة: الآية ٣٠
قَثْلَ أَخِيهِ فَقَتْلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِينَ﴾(١).
حدَّثنى القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيِمٍ ، قال : أقبلتُ مع سعيدِ بنِ جبيرٍ أرمى الجَمْرَةَ
وهو مُتَقَنِّعٌ مُتَوَكَّىٌ على يدى، حتى إذا وازَيْنا بمنزلِ سَمُرَةَ الصرّافِ(١) ، وقَف
فَحَدَّثنى(٢) عن ابنِ عباسٍ، قال: نهى أن يَنْكِحَ المرأةَ أخوها تُؤْمُها (٤) ، ويَنْكِحُها غيرُه
مِن إخوتِها، وكان يُؤَلَّدُ فى كلِّ بطنِ رجلٌ وامرأةٌ ، فؤُلِدَت امرأةٌ وَسِيمَةٌ ، ووُلِدت امرأةٌ
دَميمةٌ قَبيحةٌ ، فقال أخو الدَّميمةِ: أَنْكِحْنى أُحْتَك وأَنْكِحَك أختى . قال: لا ، أنا أحقُّ
بأختى. فقرَّبًا قُرْبانًا، فتُقُبُّل مِن صاحبِ الكبشِ، ولم يُتَقَبَّلْ من صاحبِ الزرعِ،
فقَتَلَه، فلم يَزَلْ ذلك الكبشُ محبوسًا عندَ اللَّهِ حتى أَخْرَجه فى فداءِ إسحاقَ (١ ، فذبحه
على هذا الصفا فى ثَبِيرٍ ١ عندَ منزلٍ سَمُرَةَ الصرّافِ، وهو على يمينِك حينَ تَزْمی
الجمارَ. قال ابنُ نجريج: وقال آخرون بمثلِ هذه القصةِ. قال: فلم يَزَلْ بنو آدمَ على
ذلك حتى مضَى أربعةُ آباءٍ، فنكَح ابنةَ عمِّه، وذهَب نكاح الأخواتِ(١).
وأؤْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ عزَّ ذكرُه قد أَخْبَر عن القاتلِ
أنه قتل أخاه ، ولا خبرَ عندَنا يَقْطَعُ العذرَ بصِفَةٍ(٤) قَتْلِهِ إِيَّاه، وجائزٌ أن يكونَ على نحوٍ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣١٩ .
(٢) فى تاريخ المصنف: ((الصواف))، وسمرة الصراف هذه ذكرها الفاكهى فى أخبار مكة ١٢٤/٥ .
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: (( يحدثنى)).
(٤) فى م: ((توءمها)). وينظر ما تقدم فى ص ٣٢١.
(٥) الصحيح أن المفدىّ هو إسماعيل وليس إسحاق، عليهما السلام، وستأتى الآثار بذلك فى موضعها فى
تفسير سورة (( الصافات))، وينظر تعليقنا عليه هناك .
(٦) ثبير : جبل بظاهر مكة . ينظر التاج ( ث ب ر).
(٧) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٣٩، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩/٤٩ من طريق عبد الله بن
عثمان بن خثيم عن أبيه عن سعيد بن جبير بنحوه .
(٨) فى م، ت ٢، ت ٣: (( بصفته)).

٣٤٠
سورة المائدة: الآيتان ٣٠، ٣١
ما قد ذكَر الشُّدىُّ فى خبرِه، وجائزٌ أن يكونَ كان على ما ذكره مجاهدٌ ، واللهُ أعلمُ
أىُّ ذلك كان، غيرَ أن القتلَ قد كان ، لا شَكَّ فيه .
وأما قولُه: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾. فإن تأويلَه: فَأَصْبَح القاتلُ أخاه مِن
اثْنَىْ آدمَ ، مِن حزبٍ الخاسرين، وهم الذين باعوا آخرتَهم بدنياهم ، بإيثارِهم إِيَّاها
عليها، فؤُكِسوا فى بَيْعِهِمُ(١) وغُبِنوا فيه، وخابوا فى صَفْقَتِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِّيَهُ كَيْفَ
يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوْرِىَ سَوْءَةً
٣١
أَخِىّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا أحدُ الأدلةِ على أن القول فى أمرٍ اثنی آدمَ بخلافٍ ما
رواه عمرٌو، عن الحسنِ؛ لأن الرجلين اللذين وصَف اللَّهُ صِفَتَهما فى هذه الآيةِ لو
کانا من بنى إسرائيل ، لم يَجْهَلِ القاتلُ دَفْنَ أخيه، ومواراةَ سوأةِ أُخیه ، ولکنهما كانا
مِن ولدِ آدمَ لصُلْبِهِ، ولم يكنِ القاتلُ منهما أخاه علِمِ سُنََّ اللَّهِ فى عادةٍ() الموتى، ولم
يَدْرِ ما يَصْنَعُ بأخيه المقتولِ، فذُكِر أنه كان يَحْمِلُه على عاتقِه حينًا حتى أَرَاحَتْ(١)
جِيفتُه، فأحبَّ اللَّهُ تعريفَه السنةَ فى موتى خَلْقِهِ، فَقَيَّضَ له الغُرابَينْ اللذَيْن وصَف
صفتَهما فى كتابه .
/ذكرُ الأخبارِ عن أهلِ التأويلِ بالذى كان مِن
١٩٧/٦
فِعْلِ القاتلِ مِن ابْنَىْ آدمَ بأخيه المقتولِ بعدَ قتلِه إياه
حدّثنا سفيانُ بنُ و کیع، قال : ثنا يحيى بن أبى رَوق الهمدانئُ ، عن أبيه ، عن
(١) فی ص، س: ( سعیھم ) .
(٢) فى س: ((إعادة)).
(٣) أراحت: أنتنت. تاج العروس (روح).