النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة المائدة: الآيتان ١٤، ١٥
لأن ذكرَ الإغراءِ فى خبرِ اللَّهِ عن النصارى بعدَ تقَضِّى خبرِه عن اليهودِ ، وبعدَ ابتدائِه
خبرَه عن النصارى، " فأن لا يكونَ ذلك معنيًّا به إلا النصارى خاصَّةً ، أولى من أن
یکون معنًّا به الحزبان جمیعًا ؛ لما ذكرنا .
فإن قال قائلٌ : وما العداوةُ التى بينَ النصارى فتكونَ مخصوصةٌ بمعنى ذلك ؟
قيل: ذلك عداوةُ النَّسْطوريَّةِ واليعقوبيَّةِ المَكِيَّةَ(١)، والملَكِيةِ(٢) النَّسْطوريةَ
واليعقوبيَّةَ. وليس الذى قاله من قال: معنىٌّ بذلك إغراءُ اللَّهِ بينَ اليهودِ
والنصارى - ببعيدٍ، غيرَ أن هذا أقربُ عندى وأشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لما ذكرنا .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿وَسَوّفََ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ
١٤
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَِّ: اعفُ عن هؤلاء الذين همُّوا ببسطِ أيديهم
إليك وإلى أصحابِك ، واصْفَعْ ، فإن اللَّهَ من وراءِ الانتقام منهم، وسينبُهم اللَّهُ عندَ
ورودهم
هم(٤) عليه فى مَعادِهم بما كانوا فى الدنيا يصنَعون، من نقضِهم ميثاقَه،
ونکثهم عهده، وتبدیلھم کتابه، وتحریفهم أمره ونھیه ، فیُعاقبهم على ذلك حَسَبَ
استحقاقهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
يُبَيُِّ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اُلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرٍ﴾.
يقولُ عزَّ ذكرُه لجماعةِ أهل الكتابِ من اليهود والنصارى، الذين كانوا فى
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فلا)).
(٢) سقط من: م، س، وفى ث ١: ((الملايكة)).
(٣) فى س: ((الملكانية)).
(٤) بعده فى م: ((الله)).

٢٦٢
سورة المائدة: الآية ١٥
عصرِ رسولِ اللَّهِ مَ لِ: ﴿يَتَأَهْلَ اَلْكِتَبِ﴾ من اليهود والنصارى، ﴿ قَدْ
جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، يعنى محمدًا عَلَّه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَكَأَهْلَ
اُلْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: وهو محمدٌ عَمَّ (١).
وقولُه: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُحْفُونَ مِنَ
اُلْكِتَبِ﴾. يقولُ: يبيِّنُ لكم محمدٌ رسولُنا كثيرًا مما كنتم تكتُمونه الناسَ
ولا تُبَيِّنُونه لهم مما فى كتابِكم. وكان مما يُخْفُونه من كتابِهم فبيَّنِه رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ
للناسِ، رجمُ الزانتين المحصَنين .
وقيل : إن هذه الآيةَ نزَلت فى تبيينِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ ذلك للناسِ من إخفائِهم
ذلك من كتابهم .
١٦١/٦
/ذكرُ من قال ذلك
:
حدثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح ، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: من كفَر بالرجم فقد كفَر بالقرآنِ
من حيثُ لا يَخْتسِبُ. قوله: ﴿يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا
يُبَيِّبُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾. فكان الرجمُ مما
(٢)
أَحْفَوا(٢) .
حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُويَة ، أخبرنا علىُّ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا الحسينُ،
قال : ثنا يزيدُ ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١١٣٩)، والحاكم ٣٥٩/٤ من طريق الحسين بن واقد به .
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧١٦٢، ١١١٣٩)، وابن حبان (٤٤٣٠) من طريق على بن الحسين به =

٢٦٣
سورة المائدة: الآية ١٥
حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ الثقفىُ، عن خالدٍ
الحذَّاءِ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿يَكَأَهْلَ اُلْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيُِّ
لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . قال : إن نبي الله أتاه اليهودُ يسألونه عن
الرجم ، واجْتَمعوا فى بيتٍ ، قال: ((أيُّكم أعلمُ))؟ فأشاروا إلى ابنِ صُورِيا ، فقال :
((أنت أعلمُهم))؟ قال: سَلْ عمَّا شئتَ. [٦٦٠/١ظ] قال: ((أنت أعلمُهم))؟ قال:
إنهم ليزعمون ذلك. قال : فناشَده بالذى أنزل التوراةً على موسى ، والذى رفَع الطورَ ،
وناشَده بالمواثيقِ التى أُخِذت عليهم، حتى أخَذه أَفْكَلُ(١). فقال: إن نساءَنا نساءٌ
حِسانٌ، فكثُر فينا القتلُ، فاخْتَصرنا أُخْصُورةً(٢)، فجلَدنا مائَةً ، وحلَقنا الرءوسَ،
وخالفنا بین الرءوسِ إلى الدواب - أحسبُه قال: الإبلِ. قال : فحكم علیھم بالرجم ،
فأنزل اللّهُ فيهم: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ الآية.
وهذه الآية: ﴿ وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَآجُوكُم بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾(٢) [ البخـ
[ البقرة : ٧٦] .
وقولُه: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٌ﴾. يعنى بقولِه: ﴿وَيَعْفُواْ﴾: ويتركُ
أخذَكم بكثيرٍ مما كنتم تُخْفُون من كتابِكم الذى أنزله اللَّهُ إليكم، وهو التوراةُ ، فلا
تعملون به حتى يأمُرَه اللَّهُ بأخذِ کم به .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿قَدْ جَاءَ كُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌٌ
١٥
يقولُ جلَّ ثناؤه لهؤلاء الذين خاطَبهم من أهلِ الكتابِ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾
= وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى ابن الضريس.
(١) الأُفكل، على أَفْعَل: الرَّعْدة، ولا يبنى منه فعل. اللسان (ف ك ل).
(٢) المراد بالأخصورة هنا: الاختصار فى الشىء، ولم نجد هذه اللفظة فى المعاجم، وإنما يوجد الاختصار
والخُصَيْرى، وهما بمعنى ما يراد من الأخصورة هنا. وينظر اللسان (خ ص ر).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٦٨، ٢٦٩ إلى المصنف.

٢٦٤
سورة المائدة: الآيتان ١٥، ١٦
يا أهلَ التوراة والإنجيلِ ﴿مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾. يعنى بالنورِ محمدًا مَ الِ الذى أنارِ اللَّهُ
به الحقَّ، وأَظْهَر به الإسلامَ، ومحَق به الشركَ، فهو نورٌ لمن استنار به، يبيِّنُ الحقَّ،
ومن إنارتِه الحقَّ تبيينُه لليهودِ كثيرًا مما كانوا يخفُون من الكتابِ .
وقولُه: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ . يقولُ جلُّ ثناؤه: قد جاءكم من اللَّهِ تعالى
النورُ الذى أنار لكم به معالمَ الحقِّ، ﴿وَكِتَبُ مُبِيرٌ﴾ . يعنى كتابًا فيه بيانُ ما
اخْتَلفوا فيه بينَهم من توحيدِ اللّهِ، وحلالِه وحرامِه، وشرائع دينه ، وهو القرآنُ الذى
أنزله على نبيِّنا محمدٍ سِلَه، بيِّنُ للناسِ جميعَ ما بهم الحاجةُ إليه (١) من أمرٍ دينهم،
ويوضِّحُه لهم حتى يعرِفوا حقّه من باطلِه .
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَامِ﴾.
١٦٢/٦
/ يقولُ(١) عزَّ ذكرُه: يَهْدِى بهذا الكتابِ المبينِ الذى جاء من اللَّهِ جلَّ جلالُه.
ويعنى بقوله: ﴿يَهْدِى بِهِ اٌللَّهُ﴾: يرشِدُ به اللَّهُ ويسدِّدُ به. والهاءُ فى قوله:
بِهِ﴾. عائدةٌ على ﴿الْكِتَبِ﴾. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. يقولُ: من
اتَّبَع رضا اللَّهِ .
واخْتُلِف فى معنى الرِّضا من اللَّهِ جلَّ وعزَّ؛ فقال بعضُهم: الرضا منه بالشىءِ
القَبولُ له، والمدحُ والثناءُ. قالوا: فهو قابلٌ الإيمانَ ومزكُ له، ومُثْنٍ على المؤمنِ
بالإِيمانِ، وواصفٌ الإِيمانَ بأنه نورٌ وهدَى وفضلٌ .
وقال آخرون : معنى الرضا من اللَّهِ جلَّ وعزَّ معنّى مفهومٌ، هو خِلافُ السَّخَطِ ،
وهو صفةٌ من صفاتِه، على ما يُعْقَلُ من معانى الرضا الذى هو خِلافُ السَّخَطِ ،
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى م: ((يعنى)).

٢٦٥
سورة المائدة: الآية ١٦
وليس ذلك بالمدح؛ لأن المدح والثناءَ قولٌ، وإنما يُثْنِى وَيَمِدَحُ ما قد رَضِى. قالوا :
فالرضا معنّى ، والثناءُ والمدخُ معنّى ليس به (١) .
ويعنى بقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ ﴾: طرُقَ السلامِ. والسلامُ هو اللَّهُ عَزَّ ذكرُه.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِىِّ: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ﴾: سبيلُ(٢) اللَّهِ الذى شرَعه
لعبادِه، ودَعاهم إليه، وابْتَعث به رسلَه، وهو الإسلامُ الذى لا يَقْبَلُ من أحدٍ عملًا إلا
به، لا اليهودية ، ولا النصرانية، ولا المجوسية(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ .
يقولُ عزَّ ذكرُه : يهدى اللَّهُ بهذا الكتابِ المبينِ من اتَّبَع رضوانَ اللَّهِ إلى سبلٍ
السلامِ وشرائع دينه، ﴿وَيُخْرِجُهُم﴾. يقولُ: و(٤) يُخْرِجُ مَن اتَّبع رضوانَه - والهاءُ
والميمُ فى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾(١). مِن ذِكْرٍ: ﴿مَنِ﴾(١) - ﴿مِّنَ الُلُمَتِ
إِلَى النُّورِ ﴾. يعنى: من ظلماتِ الكفرِ والشركِ إلى نورِ الإسلامِ وضيائِه،
بِإِذْنِهِ﴾. يعنى: بإذنِ اللهِ جلَّ وعزَّ. وإذنُه فى هذا الموضع تحبيبُه إِيَّاه الإيمانَ
برفعٍ طابَعِ الكفرِ عن قلبِهِ ، وخاتَمَ الشركِ عنه، وتوفيقِه لإبصارِ سبلِ السلامِ .
(١) وهذا مذهب السلف ، إثبات صفة الرضا وغيرها من الصفات كالغضب والحب والبغض التى ورد بها
الكتاب والسنة ، ويمنعون تأويلها الذى يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى . ينظر شرح العقيدة الطحاوية
٦٨٤/٢، وفهارس مجموع الفتاوى .
(٢) فى ص: ((الله هو السلام وسبل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( وسبل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى المصنف .
(٤) بعده فى م: ((من)).
(٥) بعده فى م: ((إلى)).
(٦) سقط من: م. ويقصد بـ((من)) التى فى قوله تعالى: ﴿ من اتبع رضوانه ﴾
.

٢٦٦
سورة المائدة: الآيتان ١٦، ١٧
17
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ
يعنى عزَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾: ويُؤْشِدُهم ويسدِّدُهم، ﴿إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: إلى طريقٍ مستقيم، وهو دينُ اللَّهِ القويمُ الذى لا
اعوجاج فيه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ
أَبْنُ مَرْيَمٌ﴾.
هذا ذمّ من اللَّهِ عَزَّ ذكرُه للنصارى والنصرانيةِ الذين ضلُّوا عن سبلِ
١٦٣/٦ السلام، واحتجاجٌ منه لنبيِّه / محمدٍ عَ لَه فى فريتهم عليه بادِّعائِهم له ولدًا.
يقولُ جلَّ ثناؤه: أُقْسِمُ لقد كفر الذين قالوا: إن اللَّهَ هو المسيحُ ابنُ مريمَ. وكفرهم
فى ذلك تغطيتُهم الحقَّ فى تركِهم نفىَ الولدِ عن اللَّهِ جلَّ وعزَّ، وادِّعائِهم أن المسيح
هو اللَّهُ، فريةٌ وَكَذِبًا عليه .
وقد بيَّنا معنى ((المسيح )) فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه فى هذا
(٣)
الموضع(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ
اُلْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: قلْ يا محمدُ للنصارى الذين افْتَرَوا علىَّ،
وضلُّوا عن سواء السبيلِ بقيلهم: إن اللَّه هو المسيح ابنُ مريمَ -: ﴿فَمَن
يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ: من الذى يُطِيقُ أن يدفَعَ من أمرِ اللَّهِ جلَّ وعزّ
(١ - ١) فى س: ((سبيل الإسلام)).
(٢) فى س: (( وادعائهم)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٠٩/٥، ٤١٠.

٢٦٧
سورة المائدة: الآية ١٧
[٦٦١/١و] شيئًا فيردَّه إذا قضاه. من قولِ القائل: ملَكتُ على فلانٍ أمرَه. إذا صار لا
يقدِرُ أن ينفّذَ أمرًا إلا به .
وقولُه: ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ, وَمَن فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: من ذا الذى يقدِرُ أن يردَّ من أمرِ اللَّهِ شيئًا إن شاء أن
يُهْلِكَ المسيحَ ابنَ مريمَ، بإعدامِه من الأرضِ وإعدامِ أمَّه مريمَ وإعدامِ جميعٍ مَن فى
الأرضِ من الخلقِ جميعًا. يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ عَّمِ: قلْ لهؤلاء الجَهَلةِ من
النصارى: لو كان المسيح كما يزعمون أنه هو اللَّهُ - وليس كذلك - لقدَر أن
يُؤُدَّ أمرَ اللَّهِ إِذا جاءه بإهلاكِه و(١) إهلاكِ أمّه، وقد أَهْلَك أمَّه فلم يقدِرْ على دفعٍ
أمرِه فيها إذ نزَل ذلك. ففى ذلك لكم مُعْتَبَرٌ إن اعْتَبرتُم، وحجةٌ عليكم إن
عقَّلتم، فى أن المسيحَ بشرٌ كسائرٍ بنى آدمَ ، وأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ هو الذى لا يُغْلَبُ
ولا يُقْهَرُ ولا يُرَدُّ له أمرٌ، بل هو الحىُّ الدائمُ القيُّومُ الذى يُحیی ويميتُ، ويُنْشِئُ
ويُفْنِى، وهو حىٍّ لا يموتُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ
مَا يَشَآءُ﴾ .
يعنى تبارك وتعالى بذلك: واللَّهُ له تصريفُ ما فى السماواتِ والأرضِ،
﴿ وَمَا بَيْنَهُمَأَ﴾. يعنى: وما بينَ السماءِ والأرضِ. يُهْلِكُ ما(٢) يشاءُ من ذلك،
ويُثْقِى ما يشاءُ منه، ويُوجِدُ ما أراد ، ويُعْدِمُ ما أحبَّ، لا يمنَعُه من شىءٍ أراد من ذلك
مانعٌ، ولا يدفَعُه عنه دافعٌ، يُنْفِذُ فيهم محُكمَه، ويُخْضِى فيهم قضاءَه - لا المسيح
الذى إن أراد إهلاكَه ربُّه، وإهلاكَ أمّه، لم يملِكْ دفعَ ما أراد به ربُّه من ذلك .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أو)).
(٢) فى م: ((من)).

٢٦٨
سورة المائدة: الآية ١٧
يقولُ جلَّ وعزَّ: كيف يكونُ إلهًا يُعْبَدُ من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به
غيرُه من السُّوءِ، وغيرَ قادرٍ على صرفٍ ما نزَل به من الهلاكِ، بل الإلهُ المعبودُ
الذى له ملكُ كلِّ شيءٍ، وبيدِه تصريفُ كلِّ مَن فى السماءِ والأرضِ وما
بينَهما، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَأَ﴾. وقد ذكَر السماواتِ بلفظِ الجمعِ ،
ولم يقُلْ : وما بينَهن؛ لأَن المعنى: وما بينَ هذين النوعين من الأشياءِ. كما قال
الراعى(١) :
قُلُصًا (٣) لَوَاقِعَ(٤) كالقِسيّ وحُولًا(٥)
طَرَقًا فتلك هَمَاهِمى(٢) أُقْرِيهِما
فقال: طَرَقًا . مخبرًا عن شيئين، ثم قال: فتلك هَمَاهِمى . فرجع إلى معنى
الكلام .
١٦٤/٦
/وقولُه: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويُنْشِئُ ما يشاءُ ويُوجِدُه،
ويُخْرِجُه من حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، ولن يقدِرَ على ذلك غيرُ اللَّهِ الواحدِ
القهَّارِ. وإنما يعنى بذلك أن له تدبيرَ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، وتصريفَه ،
وإفناءَه وإعدامَه، وإيجادَ ما يشاءُ مما هو غيرُ موجودٍ ولا مُنْشَاً. يقولُ: فليس ذلك
لأحدٍ سواىَ، فكيف زعَمتم أيها الكَذَبةُ أن المسيح إلهٌ ، وهو لا يُطيقُ شيئًا من ذلك،
بل لا يقدِرُ على(١) دفع الضَّرَرِ عن نفسِه ولا عن أمِّه، ولا اجتلابٍ نفعٍ إليها إلا
بإذنی ؟
(١) ديوانه ص ١٩٩.
(٢) الهماهم: الهموم. اللسان (هـ م م ).
(٣) القَلوص: الفتِيَّة من الإبل. اللسان (ق ل ص ).
(٤) اللواقح : الحوامل. اللسان (ل ق ح ).
(٥) الحُول، جمع حائل: وهى الناقة التى حُمل عليها فلم تَلْفَح. اللسان (ح ول).
(٦) سقط من: ص، ت ١، س.

٢٦٩
سورة المائدة: الآيتان ١٧، ١٨
١٧
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يقولُ عزَّ ذكرُه : اللَّهُ المعبودُ هو القادرُ على كلِّ شيءٍ، والمالكُ كلَّ شيءٍ ،
الذى لا يُعْجِزُه شىءٌ أراده، ولا يَغْلِبُه شىءٌ طَلَبه، المقتدِرُ على هلاكِ المسيحِ وأمّه
ومن فى الأرضِ جميعًا ، لا العاجزُ الذى لا يقدِرُ على منع نفسِه من ضُرِّ نزَل به من
اللَّهِ ، ولا منعِ أمّه من الهلاكِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ قُلْ
فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمْ﴾
وهذا خبرٌ من اللَّهِ جلَّ وعزَّ عن قومٍ من اليهودِ والنصارى أنهم قالوا هذا القولَ .
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ تسميةُ الذين قالوا ذلك من اليهودِ .
حدثنا أبو گُریب ، قال : ثنا یونسُ بنُ بُکیرٍ ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: أتى رسولَ اللَّهِ وَهِ " نعمانُ بنُ أضا، وبَخْرِىُّ بنُ عمرو )، وشَأْسُ
ابنُ عَدِىٍّ، فكلَّموه، فكلَّمهم رسولُ اللّهِ وَهِ، ودعاهم إلى اللَّهِ، وحذَّرهم نِقْمتَه،
فقالوا : ما تُخَوِّفُنا يا محمدُ ، نحن واللَّهِ أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه! كقولِ النصارى ، فأنزل
اللَّهُ جلَّ وعزَّ فيهم: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُؤُهُ﴾ إلى آخرٍ
_(٢)
الآيةِ(٢) .
وكان الشُّدِّىُّ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ
مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ: ﴿ وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبَْوُاْ اللَّهِ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عثمان بن أصار ونحوى بن عمرو)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٦٣/١، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٣٣/٢ - ٥٣٦ من طريق يونس بن بكير به
مطولًا ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .

٢٧٠
سورة المائدة: الآية ١٨
وَحِبَّتُهُ﴾: أما أبناءُ اللَّهِ فإنهم قالوا: إن اللَّهَ أَوْحَى إلى(١) إسرائيلَ أن (٢ ولدًا من
وَلَدِك أُدْخِلُهم٢) النارَ فيكونون فيها أربعين يومًا حتى تطهِّرَهم وتأكُّلَ خطاياهم، ثم
ينادى منادٍ: أَنْ أَخْرِجوا كلَّ مختونٍ مِن وَلَدِ إسرائيلَ. فَأُخْرِيجهم. فذلك قوله:
﴿لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾(١) [آل عمران: ٢٤]. وأما النصارى فإن فريقًا
منهم قال للمسيح : ابنُ اللهِ .
١٦٥/٦
والعربُ قد تُخْرِجُ الخبرَ إذا افْتَخَرت مُخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، [٦٦١/١ظ] وإن
كان ما افْتَخَرت به من فعلٍ واحدٍ منهم١٢، فتقولُ: نحن الأجوادُ الكِرامُ . وإنما
الجَوادُ فيهم واحدٌ منهم، وغيرُ المتكلِّمِ الفاعلُ ذلك، كما قال جرير(٥):
نَدَسْنَا(٢) أبا مَنْدوسةَ القَيْنَ() بالقَنَا(٨)
ومارَ(١) دَمٌّ من جارٍ بَيْبَةً ناقِعُ(١٠)
فقال: نَدَسْنَا. وإنما النادِسُ رجلٌ من قوم جريرٍ غيرُه . فأَخْرَج الخبرَ مُخْرَجَ الخبرِ
عن جماعةٍ هو أحدُهم . فكذا أَخْبَرِ اللَّهُ عَزَّ ذكره عن النصارى أنها قالت ذلك على
هذا الوجهِ إن شاء اللَّهُ .
وقولُه: ﴿ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾. وهو جمعُ حَبيبٍ. يقولُ اللَّهُ جلَّ وعزَّ لنبيّه
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( بنى)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ولدك من الولد فأدخلهم)).
(٣) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٦٥/٣ إلى المصنف وابن أبى حاتم دون آخره .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منها)).
(٥) ديوانه ٢/ ٩٢٧.
(٦) الندْس: الطعن. اللسان (ن د س).
(٧) القين : العبد . اللسان (ق ی ن ).
(٨) القنا أو القناة : الرمح. اللسان (ق ن و ).
(٩) مار الدم: سال وجرى. التاج (م و ر).
(١٠) الناقع: الطری. التاج (ن ق ع ).

٢٧١
سورة المائدة: الآية ١٨
محمدٍ عَ اهِ: قلْ لهؤلاء الكذبةِ المفترِين على ربِّهم: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ ربكم
بِذُنُوبِكُمْ﴾(١) . يقولُ: فلأىِّ شىءٍ يعذِّبُكم ربُّكم بذنوبِكم، إن كان الأمر كما
زعَمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه، فإن الحبيبَ لا يُعَذِّبُ حبيبه، وأنتم ( مقرُّون أنه
معذِّبُكم٢). وذلك أن اليهودَ قالت: إن اللَّهَ معذِّبُنا أربعين يومًا، عددَ الأيامِ التى
عبدنا فيها العجلَ، ثم يُخْرِبُنا جميعًا منها. فقال اللَّهُ عزّ وجلّ لمحمدِ نَّهِ : قلْ لهم:
إن كنتم كما تقولون: أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه. فلم يعذَّبُكم بذنوبِكم؟ يُعْلِمُهم عزَّ ذکرُه
أنهم أهلُ فِرِيةٍ وكذبٍ على اللَّهِ جلَّ وعزَّ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يَشَآءَ﴾ .
يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ عَظِلّهِ: قلْ لهم: ليس الأمر كما زعَمتم أنكم أبناءُ
اللَّهِ وأحباؤه، ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ﴾. يقولُ: خلقٌ من بنى آدمَ ، خَلَقكم اللَّهُ
مثلَ سائرٍ بنى آدمَ ، إِن أَحْسَنتم جُوزِيتم بإحسانِكم، كما سائرُ بنى آدمَ مَجْزِيُّون
بإحسانِهم، وإن أسأتم مجوزِيتم بإساءتكم، كما غيرُ كم مَجْزِىٌّ بها ، ليس لكم عندَ
اللَّهِ إلا ما لغيرِ كم من خلقِه، فإنه يَغْفِرُ لمن يشاءُ من أهلِ الإِيمانِ به ذنوبَه، فيصفَحُ عنه
بفضله، ويستژُها عليه برحمته فلا يعاقبه بها .
وقد بيَّنا معنى ((المغفرةِ)) فى موضعٍ غيرِ هذا بشواهدِه، فأَغنَى ذلك عن إعادته
فى هذا الموضعِ " .
﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٍ﴾. يقولُ: ويَعْدِلُ على من يشاءُ من خلقِه ، فيعاقبُه على
ذُنوبِه، ويفضَحُه بها على رءوس الأشهادِ، فلا يستُرُها عليه. وإنما هذا من اللَّهِ عَّ
(١) سقط من: م، ص، ت ١، ت ٢، ت٣.
(٢ - ٢) فى س: ((تقرون أن الله يعذبكم)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٧٢٠، ٧٢١.

٢٧٢
سورة المائدة: الآية ١٨
وجلَّ وعيدٌ لهؤلاء اليهودِ والنصارى، المتَّكِلين على منازلٍ سَلَفِهم الخيارِ عندَ اللَّهِ ،
الذين فضَّلهم اللَّهُ بطاعتِهم إياه، واجْتَباهم (١) لمسارعتهم إلى رضاه ، واصطبارِهم
على(٢) ما نابهم فيه . يقولُ لهم: لا تَقْتَرُّوا بمكانٍ أولئك منى، ومنازلهم عندى،
فإنهم إنما نالوا ما نالوا منى بالطاعةِ لى ، وإيثارِ رضاىَ على محابّهم، لا بالأمانيّ،
فجِدُّوا(٤) فى طاعتى، وانْتَهُوا إلى أمرى، وانْزَجِروا عما نُهِيتُهم عنه، فإنى إنما أَغْفِرُ
ذنوبَ من أشاءُ أن أَغفِرَ ذنوبَه من أهلِ طاعتى، وأعذِّبُ من أشاء تعذيبه من أهلِ
معصيتى، لا لمن قَرُبتْ زُلْفةُ آبائِه منى، وهو لى عدوٌّ، ولأمرى ونهى مخالفٌ .
وكان السُّدىُّ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ
١٦٦/٦ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، / عن الشّدىِّ قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن
يَشَآءُ﴾. يقولُ: يَهْدِى منكم من يشاءُ فى الدنيا فيغفِرُ له، ويُميتُ من يشاءُ منكم
على كفرِه فيعذّبُه(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ
اُلْمَصِيرُ
١٨
يقولُ : للَّهِ تدبيرُ ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ وما بينَهما وتصريفُه ، وبيدِه
أمرُه، وله مُلْكُه، يصرِّفُه كيف يشاءُ، ويدبِّرُه كيف أحبَّه، لا شريكَ له فى شىءٍ
منه، ولا لأحدٍ معه فيه مُلْكٌ، فاعْلَموا أيها القائلون: نحنُ أبناءُ اللَّهِ وأحباؤُه . أنه إن
عذَّبكم بذنوبِكم ، لم يكنْ لكم منه مانعٌ، ولا لكم عنه دافعٌ ؛ لأنه لا نسبٌ بينَ أحدٍ
(١) فى م: ((اجتنابهم معصيته)).
(٢) فى ص، س: ((إلى)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((إلا)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فأذنوا)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى المصنف.

٢٧٣
سورة المائدة: الآيتان ١٨، ١٩
وبينَه فيحابيَه بسببٍ (٢) ذلك، ولا لأحدٍ فى شىءٍ دونَه مُلْكٌ فيحولَ بينَه وبينَه إن أراد
تعذيبه بذنبه (٢) ، وإليه مصير كلِّ شىءٍ ومرجِعُه، فاتقوا أيها المفترون(٢) عقابَه إيَّكم
على ذنوبِكم بعدَ مرجِعِكم إليه ، ولا تَعْتَرُّوا بالأمانيّ وفضائلِ الآباءِ والأسلافِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةِ
مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾. اليهودَ الذين كانوا بين ظَهْرانَیْ
مُهاجَرٍ رسولِ اللهِ عَ لَهِ يومَ نزلت هذه الآيةُ، وذلك أنهم أو بعضَهم، فيما ذُكِر ،
لما(٤) دعاهم رسولُ اللّهِ عَه إلى الإيمانِ به، وبما جاءهم به من عندِ اللَّهِ، قالوا: ما
بعَث اللَّهُ من نبيِّ بعدَ موسى ، ولا أَنْزَل بعدَ التوراةِ كتابًا .
حدثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنى
محمدُ بنُّ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن
ابنِ عباسٍ ، قال: قال معاذُ [٦٦٢/١و] بنُ جبلٍ وسعدُ بنُ عُبادةً وعقبةُ بنُ وهبٍ لليهودِ :
يا معشرَ اليهودِ ، اتقوا اللَّهَ، فواللَّهِ إنكم لتعلّمون أنه رسولُ اللَّهِ ، لقد كنتم تذكُرونه لنا
قبلَ مبعَثِهِ، وتصِفونه لنا بصفتِه. فقال رافعُ(٢) بنُ حُرَيملةَ (١) ووهبُ بنُ يَهودًا : ما(٧) قلنا
هذا لكم، وما أَنْزَل اللَّهُ من كتابٍ بعدَ موسى، ولا أَرْسَل بشيرًا ولا(٨) نذيرًا بعده.
(١) فى م: ((لسبب)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بدونه)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المقرون)).
(٤) فى ت ١، س: ((لنا)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نافع)).
(٦) فى النسخ: ((حرملة)). وتقدم على الصواب فى ٤٠٩/٢ .
(٧) فى م: ((أما)).
(٨) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
( تفسير الطبرى ١٨/٨ )

٢٧٤
سورة المائدة: الآية ١٩
فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى قولِهما: ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ فَدْ جََّكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَقِ
مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(١).
ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ قَّدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: قد جاءكم محمدٌ عَلِّ
رسولُنا، ﴿يُبَيِنُ لَكُمْ﴾. يقولُ: يعرِّفُكم الحقَّ، ويوضِّحُ لكم أعلامَ الهدى،
ويُؤْشِدُكم إلى دينِ اللَّهِ الْمُرْتَضَى .
كما حدثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَّدْ
◌َجَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾: وهو محمدٌ عَّهِ، جاء بالفرقانِ
الذى فرّق اللَّهُ به بينَ الحقِّ والباطل، فيه بيانُ اللَّهِ ونورُه وهُدَاه، وعصمةٌ لمن أخَذ
(٢)
به(٢) .
به
١٦٧/٦
﴿ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾. يقولُ: على / انقطاعٍ من الرسلِ . والفَتْرةُ فى هذا
الموضعِ الانقطاعُ . يقولُ: قد جاءكم رسولُنا ببيِّنُ لكم الحقَّ والهُدَى على انقطاع
من الرسلِ .
والفَتْرةُ الفَعْلةُ، من قولِ القائلِ: فَتَر هذا الأمرُ يَفْتُرُ فُتُورًا. وذلك إِذا هدَأ
وسكَن، وكذلك الفَتْرةُ فى هذا الموضع معناها السكونُ، يرادُ به سكونُ مجىءٍ
الرسلِ، وذلك انقطاعُها .
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قَدْرٍ مدة تلك الفترة ، فاختُلِف فى الرواية فى ذلك
عن قتادةَ ؛ فروَى معمرٌ عنه ما حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ،
قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ﴾. قال: كان بینَ
(١) هذا الأثر طرف من الأثر المتقدم فى ص ٢٦٩.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٢٧٥
سورة المائدة: الآية ١٩
عيسى ومحمدٍ عَ لِّ خمسمائةٍ وستون سنةٌ(١).
وروَى سعيدُ بنُ أبى عَرُوبةً عنه ما حدثنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ، قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى ومحمدٍ عَّلِ ، ذُكِر لنا أنها كانت ستَّمائةٍ
سنةٍ، أو ما شاء اللَّهُ من ذلك، اللَّهُ أعلم(٣) .
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمر ، عن أصحابِه
قولَه: ﴿قَّدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ﴾ . قال: كان بينَ عیسی
ومحمدٍ عَ لِ خمسمائةِ سنةٍ وأربعون سنةً . قال معمرٌ: قال قتادةُ : خمسمائة سنةٍ
=(٣)
وستون سنة
وقال آخرون بما حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعت أبا معاذِ الفضلَ بنَ
خالدٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّّاكَ يقولُ فى قولِه :
﴿عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ الرُّسُلِ﴾. قال: كانت الفترةُ بينَ عيسى ومحمدٍ عَلِ أربعمائةِ
سنةٍ وبضعًا وثلاثين سنةً(٥).
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيٍِّ﴾: ألّا تقولوا، وكى لا
تقولوا. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦].
بمعنى : أَلَّا تضِلُّوا، وكى لا تضِلُّوا.
فمعنى الكلام : قد جاءكم رسولُنا يبيّنُ لكم على فترةٍ من الرسلِ، کی لا
تقولوا: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ. يُعْلِمُهم عزَّ ذكرُه أنه قد قطَع عُذْرَهم برسولِه
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) طرف من الأثر المتقدم فى ص ٢٧٤.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٦٥.
(٤) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( بين).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٦٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى المصنف.

٢٧٦
سورة المائدة: الآيتان ١٩، ٢٠
عََّهِ، وَأَبْلَغَ إليهم فى الحجةِ. ويعنى بالبشيرِ المبشِّرَ من أطاع الله، وآمن به وبرسولِه،
وعمِل بما أتاه من عندِ اللَّهِ، بعظيم ثوابه فى آخرِه . وبالنذيرِ المُنْذِرَ مَن عصاه،
وكذَّب رسولَه عَظَه، وعمِل بغيرِ ما أتاه من عندِ اللَّهِ من أمرِه ونهِهِ ، بما لا قِبَلَ له به
من ألیم عقابه فى معادِه، وشدیدِ عذابِه فى قيامتِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيْرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ
١٩
يقولُ جلَّ ثناؤه لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفنا صفتَهم: قد أَعْذَرنا إليكم،
واحتجَجنا عليكم برسولنا محمدٍ عَ لَه إليكم، وأَرْسَلناه إليكم ليبين لكم ما أَشْكَل
عليكم من أمرٍ دينكم، كى لا تقولوا : لم يأتِنا من عندِك رسولٌ يبين لنا ما نحن عليه
من الضلالةِ. فقد جاءكم من عندى رسولٌ يبشِّرُ من آمن بى وعمِل بما أمَرتُه وانتهَى
عما نهَيته عنه، وينذِرُ من عصانى وخالَف أمرى، وأنا القادرُ على كلِّ شيءٍ ، أَقدِرُ
على عقابٍ من عصانى ، وثوابٍ من أطاعنى ، فاتَّقوا عقائى على معصيتِكم إيَّىَ،
وتكذيبِكم رسولی، /واطْلُبوا ثوابى على طاعتِكم إيَّىَ، وتصديقكم بشیری
ونذيرى، فإنى أنا الذى لا يُعْجِزُه شىءٌ أراده، ولا يفوتُه شىءٌ طلَبه .
١٦٨/٦
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ ﴾ .
وهذا أيضًا من اللَّهِ عز وجلّ تعريفٌ لنبيِّه محمدٍ عَ لِّ قديمَ تمادى(١) هؤلاء
اليهودِ فى الغىّ ، وبعدِهم عن الحقِّ، وسوءِ اختيارِهم لأنفسِهم، وشدةِ خلافِهم
لأنبيائِهم ، وبطءٍ إنابتِهم إلى الرشادِ ، مع كثرةٍ نعم اللَّهِ عندَهم ، وتتابع أياديه وآلائِه
عليهم، مُسَلِّيًّا بذلك نبيَّه محمدًا عَلِ عمَّا يَحِلّ به من علاجِهم، وينزِلُ به من
(١) فى م: (( بتمادى)).

٢٧٧
سورة المائدة: الآية ٢٠
مقاساتِهم فى ذاتِ اللَّهِ . يقولُ اللَّهُ عز ذِكرُه [٦٦٢/١ظ] له عَ لَّمِ: لا تأسَ على ما
أصابك منهم، فإن الذهابَ عن اللَّهِ والبعدَ من الحقِّ وما فيه لهم الحظّ فى الدنيا
والآخرةِ ، من عاداتِهم وعاداتِ أسلافِهم وأوائلِهم ، وتعزَّ بما لاقى منهم أخوك موسى
صلى اللهُ عليه، واذكُرْ إذ قال موسى لهم: ﴿يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .
يقولُ : اذكُروا أيادىَ اللَّهِ عندَ كم، وآلاءَه قِبَلَكم .
كما حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبیرِ، عن ابنِ
عُبِينَةَ: ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال: أيادىَ اللَّهِ عندَكم وأيامَه .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابن عباسٍ
قولَه: ﴿ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: عافيةَ اللَّهِ(١).
وإنما اخترنا ما قلنا؛ لأن اللَّهَ جلَّ وعزَّ لم يَخْصُصْ من النِّعَم شيئًا ، بل عمَّ ذلك
بذكرِ النعم، فذلك على العافيةِ وغيرِها ، إذ كانت العافيةُ أحدَ معانى النعم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوگًا
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه أن موسى ذكَّر قومَه من بنى إسرائيلَ بأيامِ اللَّهِ عندَهم،
وبآلائِهِ قِبَلَهم، مُحَرِّضهم(٢) بذلك على اتباع أمرِ اللَّهِ فى قتالِ الجبارين ، فقال لهم:
اذكُروا نعمةَ اللَّهِ عليكم إذ(١) فضَّلكم بأن جعَل فيكم أنبياء يأتونکم بوحیه،
ويُخْبِرونكم بآياتِه (٤) بالغيبِ ، ولم يُعطِ ذلك غيرَ كم فى زمانكم هذا. فقيل: إن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٤/٣ (٣٩٢٢) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) فى م: ((فحرضهم))، وفى ت ٢: ((يحرضهم)) .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أن)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بآياتنا)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الغيب)). وأثبت الشيخ شاكر هاتين الكلمتين: بأنباء الغيب.

٢٧٨
سورة المائدة: الآية ٢٠
الأنبياء الذين ذكرهم موسى أنهم جُعِلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى ، إذ صار إلى
الجبلِ، وهم السبعون الذين ذكّرهم اللَّهُ فقال: ﴿ وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
لِمِيقَئِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾: سخّر لكم من غيرِ كم خدَمًا يخدُمونكم .
وقيل : إنما قال ذلك لهم موسى لأنه لم يكنْ فى ذلك الزمانِ أحدٌ سواهم
يخدُمُه أحدٌ من بنى آدمَ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ / أُذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوَكًا ﴾.
قال: كنا نُحدَّثُ أنهم أولُ من سُخِّر لهم الخدَمُ من بنى آدمَ وملكوا (١).
١٦٩/٦
وقال آخرون: کلُّ من ملك بيتًا وخادمًا وامرأةً ، فهو مَلِكٌ ، کائنا من كان من
لناسٍ .
ذکژ من قال ذلك
حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنا أبو هانيٌّ، أنه
سمِع أبا عبدِ الرحمنِ الحُثُلِيَّ يقولُ : سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصِ وسألَه
رجلٌ ، فقال : ألسنا من فقراءِ المهاجرين؟ فقال له عبدُ اللَّهِ: ألك امرأةٌ تأوى إليها؟
قال : نعم. قال : ألك مسكنٌ تسكُنُه؟ قال: نعم . قال: فأنت من الأغنياءِ . قال :
إن لى خادمًا . قال: فأنت من الملوكِ(٢).
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣٥/٣ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٢٦ - تفسير)، ومسلم (٢٩٧٩) من طريق ابن وهب به .

٢٧٩
سورة المائدة: الآية ٢٠
حدثنا الزُّبِيرُ بنُّ بِكَّارٍ ، قال: ثنا أبو ضَمْرةَ أَنسُ بنُ عِياضٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ
أسلمَ يقولُ: ﴿وَجَعَلَكُمْ تُلُوكًا﴾. فلا أعلمُ إلا أنه قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ:
((من كان له بيتٌ وخادمٌ فهو مَلِكٌ))(١).
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا العلاءُ بنُ عبدِ الجبارِ، عن حمادِ بنِ سَلَمةً ،
عن حُميدٍ ، عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةً: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. فقال: وهل الملكُ
إلا مَوْكَبٌ وخادمٌ ودارٌ(٣)؟
فقال قائلو هذه المقالةِ : إنما قال لهم موسى ذلك لأنهم كانوا يملكون الدورَ
والخدمَ، ولهم نساءٌ وأزواجٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع وابنُ محُميدٍ ، قالا : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، قال : أَرَاه
عن الحكم: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ إذا كان للرجلِ منهم
بيتٌ وامرأةٌ وخادمٌ عُدَّ مَلِكًا(٣).
حدثنا هنَّادٌ ، قال : ثنا وكيع، عن سفيانَ، ح وحدثنا سفيانُ ، قال : ثنا أبى ،
عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن الحكم: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: الدارُ والمرأةُ
والخادمُ. قال سفيان: أو (٤) اثنتين من الثلاثةِ .
حدثنا محمدُ بنُ بشارِ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش،
(١) أخرجه الزبير بن بكار فى الموفقيات - كما فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ - وأخرجه أبو داود فى المراسيل
(٢١٣) من طريق أبی ضمرة أنس بن عياض به بنحوه وقال ابن كثير فى تفسيره ٦٨/٣: وهذا مرسل غريب .
(٢) عزاه ابن كثير فى تفسيره ٣/ ٦٨، والسيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٢٥ - تفسير ) عن أبى عوانة ، عن منصور به دون قوله: وامرأة .
(٤) فى م: ( و)).

٢٨٠
سورة المائدة: الآية ٢٠
عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: البيتُ
(١)
والخادمُ(١) .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، عن الحكم أو غيرِه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ . قال :
الزوجةُ والخادمُ والبيتُ(٢) .
حدثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: جعَل لكم أزواجًا
وخدَمًا وبيونًا(٣).
حدثنا المثنى، قال: ثنا علىُ بنُ محمدِ الطَّنَافِسىُ(٤)، قال: ثنا أبو معاويةً، عن
حجَّاجِ بنِ تميم ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ : ﴿ وَجَعَلَكُمْ
مُلُوكًا﴾. قال: كان الرجلُ من بنى إسرائيلَ إذا كانت له الزوجةُ والخادمُ والدارُ
يُسَمَّى مَلِكًا(٢).
/حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
١٧٠/٦
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال: ملَّكهم الخدَمَ . قال قتادةُ: كانوا أوَّلَ
(١) تفسير سفيان ص ١٠٠، ١٠١، وأخرجه الحاكم ٣١٢/٢، والبيهقى فى الشعب (٤٦١٨) من طريق
سفيان ، عن الأعمش، عن مجاهد ، عن ابن عباس بلفظ: المرأة والخادم. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٦٩/٢ إلى الفريابى وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٧. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الطيالسى)). وينظر تهذيب الكمال ٢١/ ١٢٠.
(٥) فى النسخ: ((نعيم)). والمثبت من مصادر ترجمته، وينظر تهذيب الكمال ٥/ ٤٢٨.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٨/٣ عن ميمون بن مهران به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٩/٢ إلى
المصنف .