النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة المائدة: الآية ١٢ ما سَمَّى بِكُ(١) ثمرةِ العنبٍ() حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾: فهم مِن بنى إسرائيلَ، بعَثهم موسى ليَنْظُرُوا له إلى المدينةِ، فانْطَلَقوا فتَظَروا إلى المدينةِ ، فجاءوا بحبَّةٍ مِن فاكهتِهم، وِقْرَ رَجُلٍ، فقالوا: اقدُروا (١) قوةَ قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم . فعندَ ذلك فُتِنوا، فقالوا: لا نستطيعُ القتالَ: ﴿ فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾(٤) [المائدة: ٤) حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج المَرْوَزىِّ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: أمَرِ اللَّهُ بنى إسرائيلَ أن يَسِيروا إلى الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى عَ لَّه، فلمَّا كانوا قريبًا مِن المدينةِ قال لهم موسى : ادْخُلوها. فأبَوْا وجَبُنوا، وبعَثوا اثْنَىْ عشَرَ نَقيبًا لِيَنْظُرُوا إليهم، فانْطَلَقوا فنظَروا، فجاءوا بحبةٍ مِن فاكهتِهِم بِقْرِ الرَّجُلِ، فقالوا: (أقدُروا قُدرةً) قومٍ وبأسَهم هذه فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿فَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا ﴾ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. (١) فى م: ((لهم من ذلك)). وينظر سفر العدد . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٠/٣ عن ابن إسحاق مختصرًا، وتقدم فى ٧٠٨/١ مختصرا، وينظر عرائس المجالس ص ٢١٣، وسفر العدد الأصحاح الثالث عشر ص ٢٣٢. (٣) فى م: ((قدروا)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم . (٥ - ٥) فى م: ((قدروا قوة)). ( تفسير الطبرى ١٦/٨ ) ٢٤٢ سورة المائدة: الآية ١٢ يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: وقال اللهُ لبنى إسرائيلَ: ﴿ إِنِّ مَعَكُمْ﴾. يقولُ: إنى ناصرُكم على عدوّكم وعدوى الذين أمَرْتُكم بقتالِهِم إن قاتَلْتُموهم، ووفُّم بعهدى ومِيثاقى الذى أخَذْتُه عليكم . وفی الکلام محذوفٌ اسْتُغْنِی بما ظهَر مِن الكلام عما خُذِف منه، وذلك أن معنى الكلام: وقال اللَّهُ لهم: إنى معكم. فترَك ذكرَ ((لهم))؛ اسْتغناءً بقولِه: وَلَقَدْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَءِ يلَ ﴾. وإذ كان مُتَقدِّمُ الخبرِ عن قومٍ مُسَمَّيْنْ بأعيانِهم، كان معلومًا أن سياقَ ما فى الكلامِ مِن الخبرِ عنهم، إذ لم یکنِ الكلامُ ١٥١/٦ مصروفًا عنهم إلى / غيرِهم . ثم ابتدأ ربُّنا جلَّ ثناؤه القسمَ، فقال: قسمًاً) لئن أقَمْتُم معشرَ بنى إسرائيلَ الصلاةَ، ﴿وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ﴾. أى(٢): أعْطَيْتُموها مَن أَمَرْتُكم بإعطائِها، ﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِيٍ﴾. يقول: وصدَّقتُم بما أتاكم به رسلى مِن شرائعٍ دینی . وكان الربيعُ بنُ أنسٍ يقولُ: هذا خطابٌ مِن اللَّهِ للنُقباءِ الاثْنَىْ عِشَرَ. حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، أن موسى عَِّ قال للنُّقباءِ الاثنَىْ عشَرَ: سِيروا إليهم - يعنى إلى الجبّارِين - فحدِّثونى حديثَهم، وما أَمْرُهم، ولا تَخافوا، إن اللَّهَ معكم ما أقَمْتُم الصلاةَ وآتيتُم الزكاةَ وآمنتُم بِرُسُلى وعزّرْتُموهم وأقْرَضْتُم اللهَ قرضًا (٣) حسنًا (٣). (١) فى م: ((قسم)). (٢) فى ص، ت ١: ((إن)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى ابن أبى حاتم. ٢٤٣ سورة المائدة: الآية ١٢ وليس الذى قاله الربيعُ فى ذلك ببعيدٍ مِن الصوابِ ، غيرَ أن مِن قضاءِ اللَّهِ فی جميع خلقِه أنه ناصرُ مَن أطاعَه، وولىُ مَن ◌َّبَع أمرَه، وتجَّب معصيتَه، وعافَى(١) ذنوبَه . فإذا كان ذلك كذلك، وكان مِن طاعتِه إقامُ الصلاةِ ، وإيتاءُ الزكاةِ ، والإيمانُ بالرسلِ ، وسائرُ ما نُدِب القومُ إليه، كان معلومًا أن تكفيرَ السيئاتِ بذلك، وإدخالَ الجناتِ به ، لم يَخْصُصْ به النُّقباءُ دونَ سائرٍ بنى إسرائيلَ غيرِهم ، فكان ذلك بأن يكونَ ندبًا للقومِ جميعًا، وحضًّا لهم على ما حضَّهم عليه - أحقَّ وأولى مِن أن يكونَ ندبًا لبعضٍ، وحصَّا لخاصّ دونَ عام . واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك : ونَصَرْتُموهم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجيجٍ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نَصَرُوهم(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْباطُ ، عن السدىِّ قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: نصَرْتُموهم بالسيفِ. وقال آخرون : هو الطاعةُ والنُّصْرةُ . (١) فى م: ((جافى)). (٢) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر . ٢٤٤ سورة المائدة: الآية ١٢ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيد يقولُ فى قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال: التَّعزيرُ والتوقير الطاعةُ والنُّصرةُ(١). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى تأويلِه؛ فذُكِر عن يونُسَ النحوىّ(٢) أنه كان يقولُ: تأويلُ ذلك : أثْنَيُم عليهم . حُدِّثْتُ بذلك عن أبى عُبيدةَ مَعْمَرٍ بنِ المُثُنَّى عنه(٣). وكان أبو عُبيدةً يقولُ: معنى ذلك: نصَرُوهم وأَعَنْتُموهم ووقَُّوهم وعظّمْتُموهم وأيَّدْتُموهم. وأَنْشَد فى ذلك(٤): أوكم مِن(٥) ماجدٍ لَهُمُ كَرِيمٍ وَمِن لَيْثِ يُعَزَّرُ فِى النَّدِىِّ ١٥٢/٦ وكان الفَرَّاءُ يقولُ: العَزْرُ: الردُّ . عَزَرْتُه: ردَدْتُه. إذا رأيْتَه يَظْلِمُ ، فقلتَ: اتَّقِ اللَّهَ . أو نهَيْتَه ، فذلك العَزْرُ. وأولى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك : نصَرُوهم. وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال فى سورة الفتح: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى ابن أبى حاتم . (٢) فى ص: ((الحرمرى))، وفى م، س: ((الحرمزى)). وفى ت ١: ((الجريرى))، وفى ت ٣: ((الحريرى)). ويونس هو ابن حبيب ، نسبته النحوى، ونسبته فى ولائه : الضبى . ينظر ترجمته فى إنباه الرواة ٤ / ٦٨، وبغية الوعاة ٢/ ٣٦٥، وتاريخ علماء النحويين ص ١٢٠. (٣) مجاز القرآن ١/ ١٥٧. (٤) مجاز القرآن ١٥٦/١، ١٥٧، وينظر الأضداد لابن الأنبارى ص ١٤٧، وتفسير القرطبى ٦ /٠١١٤ (٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢. ٢٤٥ سورة المائدة: الآية ١٢ لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٨، ٩]. وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا فالتوقيرُ هو التعظيمُ . وإذا كان ذلك كذلك، كان القولُ فى ذلك إنما هو بعضُ ما ذكّوْنا مِن الأقوالِ التى حكَيْناها عمَّن حكَيْنا عنه، وإذا فسَد أن يكونَ معناه التعظيمَ، وكان النصرُ قد يكونُ باليدِ واللسانِ، فأما باليدِ فالذَّبُّ بها عنه بالسيفِ وغيرِهِ ، وأما باللسانِ ، فحُسْنُ الثناءِ والذَّبُّ عن العِرْضِ - صحَّ أنه النصرُ، إذ كان النصرُ يَحْوِى معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولًا مما حكَيْنا عنه. وأما قولُه: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا﴾ . فإنه يقولُ : وأنْفَقْتُم فى سبيلٍ اللَّهِ. وذلك فى جهادٍ عدوّه وعدوِّكم، ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. يقولُ: وَأَنْفَقْتُم ما أَنْفَقْتُم فى سبيله، فأصَبْتُم الحقَّ فى إنفاقِكم ما أنْفَقْتُم فى ذلك، ولم تَتَعَدَّوْا فيه حدودَ اللَّهِ ، وما ندَبكم إليه وحثّكم عليه، إلى غيرِه . فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. ولم يَقُلْ: إِقْراضًا حسنًا. وقد علِمْتَ أن مصدرَ ((أَقْرَضْتَ)) ((الإِقْراضُ))؟ قيل: لو قيل ذلك كان صوابًا، ولكنَّ قولَه: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾. أُخْرِج مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه، وذلك أن فى قوله: أَقْرَضَ . معنى ((قرَض))، كما فى معنى ((أَعْطَى)) ((أخَذَ))، فكان معنى الكلام: وقرَضْتُمُ اللَّهَ قرضًا حسنًا . ونظيرُ ذلك: ﴿ وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [ نوح: ١٧]. إذ كان فى ﴿ أَنْبَتَكُمْ﴾ معنى (( فنبتُّم)). وكما قال امرؤُ القيسِ(٢) : (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فكان)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أقرضتم). (٣) ديوانه ص ٣٢، وهو عجز بيت صدره : وصِرنا إلى الحسنى ورقَّ كلامُنا ٢٤٦ سورة المائدة: الآية ١٢ ورُضْتُ فذلَّتْ صَعْبةٌ أَّ إِذْلالٍ * إذا كان فى ((رُضْتُ)) معنى ((أَذْلَلْتُ))، فخرَج الإذلالُ مصدرًا مِن معناه لا مِن لفظه . القولُ فى تأويل قولِه: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يعنى جلَّ ثناؤه بذلك بنى إسرائيلَ، يقولُ لهم جلَّ ثناؤه: لئن أَقَمْتُم الصلاةَ أيّها القومُ الذين أعْطَوْنى ميثاقَهم بالوفاءِ بطاعتى، واتِّباع أمرى ، وآتَيْتُم الزكاةَ، وفعَلْتُم سائرَ ما وعَدْتُكم عليه جنتى، ﴿لَأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ سَيْئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: لأُغَطِّنَّ بعفوى عنكم، وصَفْحى عن عقوبتكم، على سالفِ أجْرامِكم التى أجْرَمْتُموها فيما بينى وبينَكم، على ذنوبِكم التى سلَفَت منكم مِن عبادةِ العِجْلِ وغيرِها مِن مُوبِقاتٍ ذنوبِكم، ﴿ وَلَأَدْخِلَنَّكُمْ﴾ - مع تغطيتى على ذلك منكم ج بفضلى يومَ القيامةِ - ﴿ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. فالجناتُ البساتينُ. /وإنما قلتُ: معنى قولِه: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ﴾: لأُغَطِّيَنَّ؛ لأن الكفرَ معناه الجحودُ والتغطيةُ والسترُ، كما قال لَبيدٌ (٢): ١٥٣/٦ * فى ليلةٍ كفَر النُّجومَ غَمامُها » يعنى : غطَّاها. فالتكفيرُ التفعيلُ مِن الكَفْرِ. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى معنى اللامِ التى فى قولِهِ: ﴿لَّأُكَفِرَنَّ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ : اللامُ الأولى على معنى القسم. يعنى اللامَ التى فى قوله : ﴿ لَيِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ﴾. قال : والثانيةُ معنى قسم آخرَ . (١) تقدم البيت فى ٢٦٢/١. : سورة المائدة: الآية ١٢ ٢٤٧ وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: بل اللامُ الأولى وقَعَت موقعَ اليمينِ، فاكْتُفِى بها عن اليمينِ، يعنى باللامِ الأولى: ﴿لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوةَ﴾ . قال: واللامُ الثانيةُ ، يعنى قولَه: ﴿لَّأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ﴾ . جوابٌ لها ، يعنى اللامَ التى فى قوله: لَكِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾. واعتلَّ لقيلِه ذلك بأن قوله: ﴿لَكِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾. غيرُ تامّ ولا مُشْتَغْنٍ عن قولِه: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ قولُه: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قسمًا مبتدأٌ، بل الواجبُ أن يَكونَ جوابًا لليمينِ، إذ كانت غيرَ مُسْتَغْنیةٍ عنه . وقولُه: ﴿ تَجْرِى مِن ◌َحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ أشجارٍ هذه البساتينِ التى أُدْخِلُكُموها ، الأنهارُ. القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَبِيلِ ١٢ يقولُ عَزَّ ذكرُه: فمَن جحَد منكم يا معشرَ بنى إسرائيلَ [٦٥٨/١ظ] شيئًا مما أَمَرْتُه به فترَكه، أو ركِب ما نهَيْتُه عنه فعمِله، بعدَ أخْذِى الميثاقَ عليه بالوفاءِ لى بطاعتى واجتنابٍ معصيتى، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: فقد أخْطَأ قَصْدَ الطريقِ الواضحِ، وزلَّ عن منهجٍ السبيلِ القاصدِ . والضلالُ الركوبُ على غيرِ هُدّى، وقد بيًَّّا ذلك بشَواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ(). وقولُه: ﴿سَوَآءَ﴾. يعنى به: وسطَ. " والسبيلُ الطريقُ) . وقد بيَّنا تأويلَ (١) ينظر ما تقدم فى ١٩٠/١ - ١٩٩، ٤١٥/٢، ٤١٦. (٢ - ٢) فى م: ((السبيل)). ٢٤٨ سورة المائدة: الآيتان ١٢، ١٣ ذلك كلِّه فى غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى عن إعادته فى هذا الموضع(١). القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: يا محمدُ، لا تَعْجَبَنَّ مِن هؤلاء اليهودِ الذين همُّوا أن يَبْسُطوا أيديهم إليك وإلى أصحابِك، ونكَئوا العهدَ الذى بينك ١٥٤/٦ وبينَهم؛ غَدْرًا منهم بك وبأصحابِك، فإن ذلك / مِن عاداتِهم، وعاداتٍ سلَفِهم، ومِن ذلك أنى أُخَذْتُ ميثاقَ سلِفِهم على عهدٍ موسى عَ لَِّ على طاعتى، وبعَثْتُ منهم اثنَى عشَرَ نَقيبًا، قد تُخُيِّروا مِن جميعِهم لِيتحسَّسوا(٢) أخبارَ الجَبَابرةِ ، ووعَدْتُهم النصرَ عليهم، وأن أَورِثَهم أرضَهم وديارَهم وأموالَهم، بعدَ ما أَرَيْتُهم مِن العِبَرِ والآياتِ - بإهلاكِ فرعونَ وقومِه فى البحرِ ، وفلْقِ البحرِ لهم ، وسائرٍ العبرِ - ما أرَيْتُهم، فنقضوا ميثاقَهم الذى واتَّقونى، ونكثوا عهدى، فلعَنْتُهم بنقضِهم ميثاقَهم ، فإذا كان ذلك مِن فعلِ خيارِهم مع أيادىَّ عندَهم، فلا تَسْتَنْكِنُ(١) مثلَه مِن فعلٍ أراذلِهم . وفى الكلامِ محذوفٌ اكْتُفِى بدَلالةِ الظاهرِ عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: فمَن كفَر بعدَ ذلك منكم فقد ضلّ سواءَ السبيلِ ، فنقَضوا الميثاقَ، فلعَنْتُهم ، فبما نَقْضِهم ميثاقَهم لعنَّهم. فاكْتُفِى بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّينَقَهُمْ﴾. مِن ذكرٍ : فنقَضوا . ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾: فبنقضِهم ميثاقَهم . كما قال قتادةٌ . (١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٤١٦. (٢) فى ص، م، ت ١: ((ليتجسسوا)). (٣) فى ص: ((تستنكروا))، وفى س: (( تتنكروا)). ٢٤٩ سورة المائدة: الآية ١٣ حدَّثنا بشرٌ(١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَفَهُمْ لَعَنَّهُمْ﴾. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْج، قال : قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾. قال: هو ميثاقٌ أَخَذَه اللَّهُ على أهلِ التوراةِ (٢) فنقَضوه (١) . وقد ذكَّرْنا معنى اللعنِ فى غيرِ هذا الموضعِ . والهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمٍ﴾ عائدتان على ذكرِ (( بنى إسرائيلَ)) قبلُ . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ ﴾ . اخْتَلَفَتِ القَرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتَه عامةُ قرَأَةِ أهلِ المدينةِ ، وبعضُ أهلِ مكةً والبصرةِ والكوفةِ: ﴿قَسِيَةٌ﴾ بالألفِ (٤)، على تقديرٍ ((فاعلة))، مِن قَسْوةٍ القلبِ ، مِن قولِ القائلِ: قَسَا قلبُه، فهو يَقْسُو، وهو قاسٍ. وذلك إذا غلُظ واشْتَدَّ وصار يابسًا صُلْبًا، كما قال الراجزُ(٥): وقد قَسَوْتُ وقَسَا(٩) لِدَاتِى فتأويلُ الكلام على هذه القراءةِ : فلعنا الذين نقضوا عهدى ولم يَقُوا بميثاقى من بنى إسرائيلَ، بنقضِهم ميثاقَهم الذى واثَّقُونى ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ ﴾ : (١) فى النسخ: (( کثیر)). وهو إسناد دائر. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف. (٣) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٢٣١، ٢٣٢. (٤) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٣. (٥) تقدم فى ١٢٩/٢. (٦) فى م، س: ((قست). ٢٥٠ سورة المائدة: الآية ١٣ غليظةً يابسةٌ عن الإِيمانِ بى، والتوفيقِ لطاعتى، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمةُ . وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وجعلْنا قلوبَهم قَسِيئَةٌ)(١). ثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك كذلك فى تأويله ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك معنى القسوةِ ؛ لأن ((فَعِيلةً))(٢) فى الذمِّ أَبْلغُ مِن ((فاعلةٍ ))، فاختَرْنا قراءتَها (قَسِيَّةً) على ﴿ قَسِيَةٌ﴾ لذلك. وقال آخَرون منهم: بل معنى (قَسِيَّة) غيرُ معنى القسوة، وإنما القِيَّةُ فى هذا الموضعِ القلوبُ التى لم يَخْلُصْ إيمانُها باللّهِ، ولكن يُخالِطُ إيمانَها كُفْرٌ، كالدراهمِ القَسِيَّةِ، وهى التى يُخالِطُ فضتَها غشِّ مِن نُحاس أو رَصاصٍ وغير ذلك، كما قال أبو زُبَيْدِ الطائىُّ(٣): الها صَوَاهِلُ() فى صُمِّالسّلَامِ كما صاحِ القَسِيَّاتُ(*) فى أَيْدِى الصَّارِيفِ(٩) ١٥٥/٦ يَصِفُ بذلك وَقْعَ مَسَاحِى (٢) الذين حفَرُوا قبرَ عثمانَ على الصخورِ، وهى السّلامُ . وأعْجَبُ القراءتَيْنْ إِلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن قرأ: (وجعَلْنا قلوبَهم قَسِيَّةً). على ((فَعِيلةٍ))؛ لأنها أَبْلَّغُ فى ذمِّ القومِ مِن قاسيةٍ . (١) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة ص ٢٤٣. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فعلية)). (٣) دیوانه ص ٣٨. (٤) الصواهل: جمع الصاهلة مصدر على فاعلة بمعنى الصهيل وهو الصوت. اللسان (ص هـ ل). (٥) القسيات: ضرب من الزيوف أى فضته صلبة رديئة ليست بلينة . اللسان (ق س و). (٦) الصياريف والصيارِف، جمع الصرّاف والصَّيْرف والصيرفى، وهو النَّقاد من المصارفة. اللسان (ص ر ف ). (٧) المساحى، جمع مِسحاة وهى المجرفة من الحديد والميم زائدة لأنه من السّخو، الكشف والإزالة . النهاية ٣٤٩/٢. ٢٥١ سورة المائدة: الآية ١٣ وأولى التأويلين فى ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن تَأَوَّله فَعيلةٌ(١) مِن القَسْوةِ، كما قيل: نفسٌ زَكِيَّةٌ وزاكيةٌ ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشَهيدةٌ ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه وصَف القومَ بنقْضِهم ميثاقَهم، وكفرِهم به، ولم يَصِفْهم بشىءٍ مِن الإيمانِ فتكونَ قلوبُهم مَوْصوفةً بأن إيمانَها يُخالِطُهُ(٢) كفرٌ، كالدَّراهمِ القَسِيَّةِ التى يُخالِطُ فضَّتَها غشٍّ. القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿يُحرَّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ . يقولُ عزَّ ذكرُه: وجعَلْنا قلوبَ هؤلاء الذين نقَضُوا عهودَنا مِن بنى إسرائيلَ قَسِيَّةً ، مَنْزوعًا منها الخيرُ، مرفوعًا منها التوفيقُ ، فلا يُؤْمِنون ، ولا يَهْتَدون ، فهم لنزعِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ التوفيقَ مِن قلوبِهم والإيمانَ، يُحرِّفون كلامَ ربِّهم الذى أَنْزَله على نبيِّهم موسى عَِّ، وهو التوراةُ، فيُبَدِّلونه ويَكْتُبون بأيدِيهم غيرَ الذى أَنْزَلَه اللَّهُ جلَّ وعزَّ على نبيّهم، ثم(٢) يقولون لجُهَّالِ الناسِ: هذا هو كلامُ اللَّهِ الذى أَنْزَله على نبيّه موسى عَلَه، والتوراةُ التى أَوْحاها إليه. [٦٥٩/١و] وهذا مِن صفةِ القرونِ التى كانت بعدَ موسى مِن اليهودِ، ممّن أدرَك بعضُهم عصرَ نبيّنا محمدٍ عَ لَه، ولكنَّ اللَّهَ عزَّ ذكرُه أَدْخَلَهم فى عِدَادِ الذين ابْتَدَأُ الخبرَ عنهم، ثمّن أَدْرَك موسى منهم، إذ كانوا مِن أبنائِهم، وعلى مِنهاجِهم فى الكذبِ على اللَّهِ، والفِرِيةِ عليه، ونَقْضِ المواثِيقِ التى أَخَذَها عليهم فى التوراةِ . كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ، ﴾. يعنى: حُدودَ اللَّهِ فى التوراة ، ويقولون: إنْ أمَرَ كم محمدٌ بما أنتم عليه فاقْبَلُوه، وإن خالَفَكم فاحْذَروا(1). (١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فعلية)). (٢) فى ص، ت ١، س: ((يخالطها))، وفى ت ٢: ((تخالطها)). (٣) فى م: (( و)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف. ٢٥٢ سورة المائدة: الآية ١٣ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَا ذُكِرُوا بِهِ ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَنَسُواْ حَظًا﴾: وتركوا نصيبًا. وهو كقوله: نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. أى: تَركوا أَمْرَ اللَّهِ فترَكَهم اللَّهُ. وقد مضى بيانُ ذلك بشَواهدِه فى غيرِ هذا الموضعِ، فَأَعْنَى ذلك عن (١) إعادته (١) . وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدِّىّ: ﴿وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾. يقولُ: تركوا نصيبًا(١). ١٥٦/٦ /حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِّرُواْ بِهِ،﴾. قال: ترَكوا غُرَى دينهم ووظائفَ اللَّهِ جلَّ ثناؤه التى لا تُقْبَلُ الأعمالُ إلا بها (٢). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِلًا مِنْهُمْ يقولُ تبارك وتعالى لنبيّه محمدٍ مَِّلّهِ: ولا تَزالُ يا محمدُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ الذین اُنْبُتُك نباًهم - مِن نقضِهم میثاقی ، ونگئِھم عَهْدی، مع ایادئً عندهم، ونغمتی عليهم - على مثلٍ ذلك مِن الغدرِ والخيانةِ، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ﴾(١). يقولُ: إلا قليلًا ٣) (٤, منهم (٤ لم يخونوا) . (١) ينظر ما تقدم فى ١٥٦/٥، ١٥٧. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف. (٣ - ٣) سقط من : م ، س. ٢٥٣ سورة المائدة: الآية ١٣ والخائنةُ فى هذا الموضع الخيانةُ، وهو اسمٌ وُضِع مَوْضعَ المصدرِ ، كما قيل : خاطئةٌ . للخطيئةِ(١)، وقائلةٌ. للقَيْلولةِ. وقولُه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. استثناءٌ مِن الهاءِ والميم اللتين فى قوله: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ . وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِّنْهُمْ﴾. قال: على خيانةٍ و كذبٍ (٢) وفجورٍ (٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمروٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾. قال: هم يهودُ، مثلُ الذى(٢) همُّوا به مِن النبيِّ ◌َّهِ يومَ دَخَل حائطَهم(٤). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مُجاهدٍ بنحوه . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ مجرَيْج ، قال مجاهدٌ وعكرمةُ قولَه: ﴿ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: مِن يهودَ ، مثلُ (١) فى م: ((للخطأة)) . (٢) تفسير عبد الرزاق ١٨٦/١. (٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((الذين)). (٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٢٥٤ سورة المائدة: الآية ١٣ الذى(١) هُوا بالنبيِّ عَلَه يومَ دخَل عليهم. وقال بعضُ القائلين (٢): معنى ذلك: ولا تَزالُ تَطَّلِعُ على خائٍ منهم. قال: والعربُ تَزِيدُ الهاءَ فى آخرِ المُذَكَّرِ، كقولهم: هو راويةٌ للشعرِ، ورجلٌ علَّمَةٌ . ،(٣) وأنشدَ(٣): للغَدْرِ خائِنةٌ مُغِلَّ الإِصْبَعِ حدَّثْتَ نفسَك بالوَفاءِ ولم تَكُنْ فقال : خائنةً . وهو ◌ُخاطِبُ رجلًا. ١٥٧/٦ /والصوابُ مِن التأويلِ فى ذلك القولُ الذى روَيْناه عن أهلِ التأويل؛ لأن اللَّهَ عنَى بهذه الآيةِ القومَ مِن يهودِ بنى النَّضيرِ الذين همُّوا بقتلِ رسولِ اللَّهِ عَ لَه وأصحابِهِ، إذ أتاهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يَسْتَعِينُهم فى ديةِ العامرَّين، فَأَطْلَعَه اللَّهُ عزَّ ذکرُه على ما قد هتُوا به، ثم قال(٤) جلَّ ثناؤه بعدَ تعريفِه أخبارَ أوائلِهم، وإعْلامِه منهجَ أسلافِهم، وأن آخرَهم على منهاج أولِهم فى الغدرِ والخيانةِ ؛ لئلا يَكْبُرَ فعلُهم ذلك على نبيِّ اللَّهِ عَلَّهِ ، فقال جلَّ ثناؤه: ولا تزالُ تَطَّلِعُ مِن اليهودِ على خيانةٍ وغدرٍ ونقضٍ عهدٍ. ولم يُرِدْ أنه لا يَزالُ يَطْلِعُ على رجلٍ منهم خائنٍ، وذلك أن الخبرَ ابُدِئ به عن جَماعتِهم، فقيل: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ [ المائدة: ١١]. ثم قيل: ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾. فإذا كان الابتداءُ عن الجماعةِ، فالخَتْمُ(٥) بالجماعةِ أولى . ج القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣ (١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((الذين)). (٢) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٥٨/١. (٣) نسبه فى مجاز القرآن ١٥٨/١ إلى الكلابى، وفى إصلاح المنطق ص ٢٦٦، والكامل للمبرد ٣٥٩/١ غير منسوب . (٤) بعده فى ص: (( له)). (٥) فى م: ((فلتختم)). ٢٥٥ سورة المائدة: الآية ١٣ وهذا أمْرٌ مِن اللَّهِ عَزَّ ذكرُه نبيَّه محمدًا ◌َ لِ بالعفو عن هؤلاء القومِ الذين همُوا أن يَبْسُطوا أيديهم إليه مِن اليهودِ ، يقولُ اللَّهُ جلَّ وعزَّ له : اغْفُ يا محمدُ عن هؤلاء اليهودِ الذين همُوا بما همُّوا به مِن بَسْطِ أيديهم إليك وإلى أصحابِك بالقتل، واصْفَخْ لهم عن جُرْمِهم بتركِ التعرُّضِ لمكروهِهم، فإنى أَحِبُّ مَن أَحْسَن العفوَ والصَّفْحَ إلى مَن أساء إليه . وكان قتادةُ يقولُ: هذه منسوخةٌ. ويقولُ: نسَخَّتها الآيةُ فى ((براءةَ)): ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ [٦٥٩/١ ظ] اُلْأَخِرِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أْبرَنا مَعْمٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾. قال: نسَخَتها: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُ﴾(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ولم يُؤْمَرْ يومَئذٍ بقتالِهِم، فأمَرَه اللَّهُ عز ذكرُه أن يَعْفُوَ عنهم ويَصْفَحَ، ثم نسخ ذلك فى ((براءةً))، فقال: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حََّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾. وهم أهلُ الكتابِ. فأمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبيَّه عَّهِ أن يُقاتِلَهم حتى يُسْلِموا أو يُقِرُّوا بالجزيةِ . حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: ثنا عَبدةُ بنُ سليمانَ (١) ، قال : قرَأَتُ على ابنِ أبى (١) تفسير عبد الرزاق ١٨٥/١، ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٣٨١، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٣٠٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى م: ((سليم)). وتقدم فى ٣٥٧/٤، ٣٦٤. ٢٥٦ سورة المائدة: الآيتان ١٣، ١٤ عَروبةً، عن قتادةً نحوَه . والذى قاله قتادةُ غيرُ مدفوع إمكانُه، غيرَ أن الناسخَ الذى لا شكَّ فيه مِن الأمرِ هو ما كان نافيًا كلَّ معانى خلافِه الذى كان قبلَه ، فأما ما كان غيرَ نافٍ جميعَه ، فلا سبيلَ إلى العلم بأنه ناسخٌ إلا بخبرٍ مِن اللَّهِ جلَّ وعَّ، أو مِن رسوله ێم ، وليس فى قولِه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ دَلالةٌ على الأُمرِ بنفي معانى الصَّفْحِ والعفوِ عن اليهودِ . ١٥٨/٦ وإذا كان ذلك كذلك ، وكان / جائزًا - مع إقرارهم بالصَّغَارِ، وأدائِهم الجزيةَ بعدَ القتالِ - الأمرُ بالعفو عنهم فى غَدرةٍ هُّوا بها ، أو نَكْثَةٍ عزَموا عليها، ما لم يَنْصِيبُوا(١) حَرْبًا دونَ أداءِ الجزيةِ، ويمتنعوا من الأحكامِ اللازمتِهم(١) - لم يكنْ واجبًا أن يُحْكَمَ لقولِه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية . بأنه ناسخٌ قولَه: ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ،﴾ . يقولُ عزَّ ذكرُه: وأخَذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتى، وأداءٍ فرائضی ، واتباعٍ رسلى، والتصديقِ بهم ، فسلَكوا فى ميثاقى الذى أخَذتُه عليهم منهاجَ الأمةِ الضالةِ من اليهودِ، فبدّلوا كذلك(٣) دينَهم، ونَقَضُوه(٤) نقضَهم، وترَكوا حظّهم من ميثاقى الذى أخَذْتُه عليهم بالوفاءِ بعهدى ، وضيَّعوا أمرى . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنَ (١) فى م: ((يصيبوا)). (٢) فى م، ت٢، ت٣، س: ((اللازمة منهم))، وفى ت ١: ((اللازمة)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بذلك)). (٤) فى م: ((نقضوا)). ٢٥٧ سورة المائدة: الآية ١٤ اَلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ،﴾ : نسُوا كتابَ اللَّهِ بينَ أظهرِهم، وعهدَ اللَّهِ الذى عهِده إليهم، وأمرَ اللَّهِ الذى أمَرهم (١) به(١). به حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّ، قال: قالت(٢) النصارى مثلَ ما قالت(٢) اليهودُ، ونشُوا حظّا مما ذُكِّروا به. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأَغْرَّبَا بَيْنَهُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَمَةِ ﴾ . يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ فَأَغْرَّبَا بَيْنَهُمُ﴾: حرَّشنا بينَهم وأَلْقَينا. كما تُغْرِى(٢) الشىءَ بالشىءٍ. يقولُ جلّ ثناؤه: لما ترَك هؤلاء النصارى الذين أخَذتُ ميثاقَهم بالوفاءِ بعهدى، حظّهم مما عهِدت إليهم من أمرى ونهبى ، أَغْرِيتُ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ . ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ إغراءِ اللَّهِ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ؛ فقال بعضُهم: كان إغراؤُه بينَهم بالأهواءِ التى حدثت بينَهم . ذكرُ من قال ذلك حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال : أخبرنا العوَّامُ بنُ حَوْشبٍ ، عن إبراهيمَ النَّخَعَىِّ فى قولِه: ﴿فَأَغْرِيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾. قال: هذه الأهواءُ المختلفةُ والتباغضُ، فهو الإغراءُ(٤) . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((قال)). (٣) فى ص، س: ( یغری )). (٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٢١ - تفسير )، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم (١٧٧٢) = (تفسير الطبى ٧/٨ ٢٥٨ سورة المائدة: الآية ١٤ حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العوَّام بنٍ حَوْشَبٍ ، قال: سمِعتُ النَّخَعِىَّ يقولُ: ﴿فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ﴾. قال: أَغْرى بعضهم ببعضٍ بخصوماتٍ ، بالجدال فی الدینِ " . : حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ بنُ ١٥٩/٦ حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ / النَّخَعَىِّ، أو(١) التَّيْمِيِّ قولَه: ﴿فَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ ﴾. قال: ما أَرَى الإغراءَ فى هذه الآيةِ إلا الأهواءَ المختلفةَ. وقال معاويَةُ ابنُّ قُرَّةَ : الخصوماتُ فى الدينِ تُخْبِطُ الأعمالَ(٣). وقال آخرون : بل ذلك هو العداوةُ التى بينَهم والبغضاءُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ اُلْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية: إن القومَ لما ترَكوا كتابَ اللَّهِ، وعَصَوا رسلَه، وضيّعوا فرائضَه، وعطَّلوا حدودَه، أَلْقَى بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ بأعمالهم؛ أعمالِ السُّوءِ، ولو أخَذ القومُ كتابَ اللَّهِ وأمْرَه ما افْتَرقوا ولا تَبَاغَضواً" . =من طريق هشيم به، ولفظ ابن عبد البر: الخصومات والجدال فى الدين. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى عبد بن حميد. (١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٢٢ - تفسير) عن يزيد بن هارون به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى أبى عبيد وابن المنذر. (٢) فى م: ((و)). (٣) أثر معاوية بن قرة أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧٢٣ - تفسير)، والآجرى فى الشريعة (١١٥) من طريق هشيم به، وأخرجه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم (١٧٧٣) من طريق هشيم، عن العوام قوله، وأخرجه ابن عبد البر (١٧٨٠)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ١٢٩/٢ من طريق العوام عن معاوية به ، ووقع عنده : معاوية بن عمرو بدلًا من: معاوية بن قرة . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر. ٠ ٢٥٩ سورة المائدة: الآية ١٤ وأولى التأويلين فى ذلك عندَنا بالحقِّ تأويلُ من قال: أَغْرَى بينَهم بالأهواءِ التى حدثت بينَهم. كما قال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ؛ لأن عداوةَ النصارى بينَهم إنما هى باختلافِهم فى قولهم فى المسيحِ، وذلك أهواءٌ لا وحىّ من اللَّهِ . واختلف أهلُ التأويلِ فى المعنىّ بالهاءِ والميمِ اللتين فى قولِه: ﴿فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك اليهود والنصارى . فمعنى الكلامِ على قولهم وتأويلهم : فأَغْرَينا بينَ اليهود والنصارى لنسيانِهم حظًا مما ذُكِّروا به . ذکرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشدىِّ: وقال فى (١) النصارى أيضًا: ﴿فَنَسُواْ حَظّا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ فلما فعَلوا [٦٦٠/١و] ذلك أَغْرَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ بينَهم وبينَ اليهودِ العداوةَ والبغضاءَ إلى يومٍ القيامة (٢) حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى. قال ابنُ زيدٍ : كما تُغْرِى(٢) بينَ اثنين من البهائمِ . حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی نَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾. قال: اليهودُ والنصارى (٤) . حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن (١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. (٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٤٧/٣ بنحوه. (٣) فى ص، ت ١، س: ((يغرى)). (٤) تفسير مجاهد ص ٣٠٤. ٢٦٠ سورة المائدة : الآية ١٤ مجاهدٍ مثلَه . حدثنى القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ ، عن قتادةً ، قال: هم اليهودُ والنصارى، أَغْرَى اللَّهُ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ إلى يومِ القيامةِ. وقال آخرون : بل عنَى اللَّهُ بذلك النصارى وحدَها. وقالوا: معنى ذلك : فَأَغْرَينا بينَ النصارى عقوبةً لها بنسيانِها حظًّا مما ذُكِّرت به . قالوا: وعليها عادت الهاءُ والميمُ فى ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ دونَ اليهودِ . ذكرُ من قال ذلك حدثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ(٢) اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، ١٦٠/٦ عن أبيه، عن الرّبيع/ قال: إن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه تقدَّم(١) إلى بنى إسرائيلَ، ألا تشتروا بآياتٍ اللَّهِ ثمنًا قليلًا، وعَلِّموا الحكمةَ ولا تأخُذوا عليها أجرًا ، فلم يفعَلْ ذلك إلا قليلٌ منهم، فأخذوا الرِّشوةَ فى الحكم، وجاوزوا (4) الحدودَ ، فقال فى اليهودِ حيث حكموا بغيرِ ما أَمَرِ اللَّهُ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال فى النصارى: ﴿فَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ (٥). وأولى التأويلين بالآيةِ عندى ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ ، وهو أن المعنىَّ بالإغراءِ بينَهم النصارى فى هذه الآيةِ خاصَّةٌ ، وأن الهاءَ والميمَ عائدتان على النصارى دونَ اليهودِ ؛ (١) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ٣٢، وأبو حيان فى البحر المحيط ٤٤٧/٣. (٢) فى النسخ: ((عبيد))، وتقدم مرارًا ينظر مثلا ٢٠٩/١. (٣) فی س: ((عهد)) . (٤) فى ص: ((حابوا))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: ((خانوا)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٨/٢ إلى المصنف.