النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
سورة المائدة: الآية ٧
وأولى الأقْوالِ بالصوابِ فى تأويلٍ ذلك قولُ ابنِ عباسٍ، وهو أن معناه :
وَأَذْكُرُواْ﴾ أيّها المؤمنون ﴿نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيَّكُمْ﴾ التى أَنْعَمها عليكم بهدايته
إياكم للإسلام، ﴿ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَانَقَكُم بِهِ﴾. يعنى: وعهدَه الذى عاهَدَكم
به حينَ بايَعْتُم رسولَه محمدًا عَ لَّمِ على السمع والطاعةِ له فى المَشَطِ والمَكْرَهِ،
والعُشْرِ واليُشْرِ، ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا (١)﴾ ما قَلْتَ لنا، وأخَذْتَ علينا مِن المواثيقِ،
وأَطَعْناك فيما أمَرْتَنا به ونهَيْتَنا عنه. وأَنْعَم عليكم أيضًا بتوفيقِكم لقَبولِ ذلك منه
بقولِكم له: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. يقولُ: فَقُوا اللَّهِ أيُّها المؤمنون بميثاقِه الذى واتَّقَكم
به، ونعمته التى أَنْعَم عليكم فى ذلك بإقرارٍ كم على أنفسِكم بالسمع له والطاعةِ
فيما أمَرَكم به ، وفيما نهاكم عنه، يَفِ لكم بما ضمِن لكم الوفاءَ به - إذا أنتم وفَيْثُم
له بمیثاقِه - مِن إتمام نعمته علیکم، وبإڈخالِکم جنته وبإنعامِکم بالخلودِ فی دارِ
كرامته ، وإنقاذِ كم مِن عقابِهِ وأليمٍ عذابِه .
وإنما قلْنا : ذلك أولى بالصوابِ مِن قولٍ مَن قال: عنَى به الميثاقَ الذى أخذ
عليهم فى صُلْبٍ آدمَ صلواتُ اللَّهِ عليه. لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه ذكَر بعَقِبٍ تذكرةٍ
المؤمنين ميثاقَه الذى واثَقَهم به٢، ميثاقَه الذى واثَق به أهلَ التَّوراةِ بعدَ ما أَنْزَل
كتابَه على نبيِّه موسى عَّلَّه فيما أمَرَهم به ونهاهم فيها، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ
مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَّوِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآيات بعدَها
[المائدة: ١٣،١٢]. مُنَبِّهًا بذلك أصحابَ رسولِ اللَّهِ مَّلِ محمدٍ على مَواضعِ محُظوظِهم
مِن الوَفاءِ للَّهِ بما عاهَدَهم عليه، ومُعَرِّفَهم سُوءَ عاقبةِ أهلِ الكتابِ فى تَضْيِيعِهم ما
ضيَّعوا مِن ميثاقِه الذى واثَفَهم به فى أَمْرِه ونهِهِ ، وتَعْزيرِ أنبيائه ورسله ، زاجِرًا لهم عن
نَكْثِ عُهودِهم، فيُحِلُّ بهم ما أَحَلِّ بالناكِثين عهودَه مِن أهلِ الكتابِ قبلَهم .
(١) بعده فى ت ١، س: ((وأطعنا)).
(٢ - ٢) سقط من : م .
٢٢٢
سورة المائدة: الآيتان ٧ ، ٨
١٤١/٦
فكان - إذا كان الذى / ذكِّرَهم فوعَظَهم به ، ونهاهم عن أن يَوْكَبوا مِن الفعلِ
مثلَه ، ميثاقَ قومٍ أخَذ مِيثاقَهم بعدَ إرسالِ الرسولِ إليهم، وإنْزالِ الكتابِ عليهم -
واجبًا أن يَكونَ الحالُ التى أَخَذ فيها الميثاقَ والموعوظين، نظيرَ حالِ الذين وُعِظُوا
بهم. وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا صحةُ ما قلنا فى ذلك وفسادُ خلافِه .
وأما قولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيَهْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فإنه وَعيدٌ مِن اللَّهِ
جلَّ اسمُه للمؤمنين كانوا (١) برسولِه عَ لَه مِن أصحابِهِ، وَتَهَدُّدُ(١) لهم أن يَنْقُضوا
ميثاقَ اللَّهِ الذى واثقَهم به فى رسوله، وعهدهم الذى عاهدوه فيه ، بأن يُضْمِروا له
خِلافَ ما أَبْدَوْا له بألسنتِهم .
يقولُ لهم جلَّ ثناؤه: واتقوا اللَّهَ أيُّها المؤمنون، فخافُوه أن تُبَدِّلوا عهدَه،
وتَنْقُضوا ميثاقَه الذى واثَّقَكم به، أو تُخالِفوا ما ضمِنْتُم له بقولِكم: ﴿سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا﴾. بأن تُضْمِروا له غِيرَ الوَفاءِ بذلك فى أنفسكم، فإن اللَّهَ مُطَّلِعٌ على ضَمائرِ
صُدورِكم، وعالمٌ بما تُخْفِيه نفوسُكم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن ذلك، فيُحِلِّ بكم
مِن عقوبتِه ما لا قِبَلَ لكم به، كالذى حلَّ بَمَن قبلَكم مِن اليهودِ مِن الْمَسْخِ وصُنوفٍ
النِّفَمِ، وتَصِيروا فى مَعادِ كم إلى سَخَطِ اللَّهِ وأليمٍ عقابِهِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ
﴾.
یعنی بذلك جلَّ ثناؤه : یا أُّها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمدٍ ، لِيَكُنْ مِن
أخْلاقِكم وصِفاتِكم القيامُ للَّهِ شُهداء بالعدلِ فى أوليائِكم وأعْدائِكم ، ولا تَجُورُوا فى
احکامِکم وأفعالکم، فتُجاوزوا ما حدَّدْتُ لکم فی أعدائِکم لعداوتهم لکم ، ولا
تُقَصِّروا فیما حدّدت لکم من أحکامی وحدودی فی أولیائکم لولا یتھم لكم ، ولکنِ
(١) فى م: ((الذين طافوا)).
(٢) فى م: (( تهدیدا)) .
٢٢٣
سورة المائدة: الآية ٨
انْتَهُوا فى جميعِهم إلى حَدِّى، واعْمَلوا فيه بأمْرِى .
وأما قولُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ﴾ . فإنه يقولُ: ولا
يَحْمِلنَّکم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا فی حُكْمِكم فيهم ، وسيرتكم بينَهم ، فتجُورُوا
عليهم مِن أجلٍ ما بينكم وبينَهم مِن العداوةِ .
وقد ذكَوْنا الروايةَ عن أهلِ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ
شُهَدَآءَ لِلّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وفى قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ﴾
[المائدة: ٢]. واختلافَ المختلفين فى قراءةِ ذلك، والذى هو أولى بالصوابِ مِن
(١)
القولِ فيه والقراءةِ بالأدلةِ الدالةِ على صحتِه بما أَعْنَى عن إِعادتِهِ فى هذا الموضعِ.
وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلَت على رسولِ اللهِ عَلَه حينَ هَّت اليهودُ بقتلِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ ، عن عبد
اللهِ بنِ كثيرٍ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِّ وَلَا
يَجْرِمِنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ [٥٦٥٥/١] أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىَ﴾:
نزَلَت فى يهودَ حين(٢) أرادوا قتلَ النبيِّ عَلَه .
/وقال ابنُ مجريج: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: ذهَب رسولُ اللَّهِ عَ لَهِ إلى يهودَ ١٤٢/٦
يَسْتَعِينُهم( ١) فى ديةٍ ، فهمُّوا أَن يَقْتُلوه، فذلك قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمِنَّكُمْ شَنَّئَانُ قَوْمٍ
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٤٤ وما بعدها ، ٥٨٤/٧ وما بعدها .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حنين)). وهو تحريف، وفى م والدر المنثور: ((خيبر)). وأثبتناه كما
فى التبيان ٣/ ٤٦١، قال: نزلت فى يهود حين مضى النبى إلى حصن بنى قريظة. فذكره ويلاحظ أنه ذكر
بنى قريظة ولم يذكر خيبر ولا حنينًا . ولا وجه لكل ذلك فإن الصواب - كما سيأتى بعد قليل - أنهم بنو
النضير حين ذهب إليهم النبى عَلٍ يستعينهم فى دية الرجلين من بنى عامر، فتآمروا على قتله . راجع ذلك فى
سيرة ابن هشام ١٨٣/٣ - ١٩٠، وفى البداية والنهاية ٥٢٨/٥ - ٠٥٣٤
(٣) فى ت١: ((يستغيثهم))، وفى س: ((يستفتيهم)).
٢٢٤
سورة المائدة: الآ ية ٨
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ ﴾ الآية(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
٨
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَعْدِلُواْ﴾ أيُّها المؤمنون على كلِّ أحدٍ مِن الناسِ،
وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحْمِلوهم على ما أمَرْتُكم أن تَحْمِلوهم عليه مِن أحكامى،
ولا تَجُوزُوا بأحدٍ منهم عنه .
وأما قولُه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فإنه يعنى بقولِه: ﴿هُوَ﴾: العدلُ
عليهم أقربُ لكم أيُّها المؤمنون إلى التقوى. يعنى: إلى أن تكونوا عندَ اللَّهِ
باسْتِعِمالِكم إياه مِن أهلِ التقوى، وهم أهلُ الخوفِ والحذَرِ مِن اللَّهِ أن يُخالفوه فى
شىءٍ مِن أمرِه ، أو يَأْتوا شيئًا مِن مَعاصِیه .
وإنما وصَف جلَّ ثناؤه العَدْلَ بما وصَف به مِن أنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُّ﴾ مِن
الجَوْرِ ؛ لأن مَن كان عادلًا ، كان للَّهِ بعدلِهِ مُطيعًا، ومَن كان للَّهِ مُطيعًا، كان لاشكَّ
مِن أهلِ التقوى، ومَن كان جائرًا، كان للَّهِ عاصيًا ، ومَن كان للَّهِ عاصِيًا كان بعيدًا
مِن تَقْواه .
وإنما كنَى بقولِه: ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾. عن الفعلِ(١) ، والعربُ تَكْنِى عن الأفعالِ إذا
كَنَتْ عنها بـ ((هو)) وبـ ((ذلك))، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النحل: ٥٩]،
و﴿ذَلِكَ أَزَكَى لَمْ (﴾ ولو لم يكن فى الكلام ﴿ هُوَ﴾، لكان﴿ أَقْرَبُ ﴾ نصبًا ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٥/٢ إلى المصنف.
(٢) يريد المصدر.
(٣) فى النسخ: ((لكم)). وليس فى القرآن: ((ذلك أزكى لكم)). وإنما فيه: ﴿ذلكم أزكى لكم ﴾
[البقرة: ٢٣٢]. وفيه: ﴿هو أزكى لكم﴾ [النور: ٢٨] وما أثبتناه هو قول الله عزوجل فى سورة النور الآية: ٣٠.
٢٢٥
سورة المائدة: الآيتان ٨، ٩
[النساء: ١٧١ ] .
ج
ولقيل: اعْدِلوا أقْربَ للتقوى. كما قيل: ﴿أَنتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ﴾
وأما قولُه: ﴿ وَأَثَّقُواْ اللَّهَّ ◌ِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعْنى:
واخْذَروا أيُّها المؤمنون أن تَجُورُوا فى عبادِه، فتُجاوزوا فيهم حكمَه وقضاءَه الذى بينَّ
لكم، فيُحِلَّ بكم عقوبته، وتَسْتَوْجِبوا منه أليمَ نَكالِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إن اللَّهَ ذو خبرةٍ وعلم بما تَعْمَلون أيُّها المؤمنون فيما أمَرَ كم به،
وفيما نهاكم عنه مِن عملٍ به أو خلافٍ له، مُخْصٍ ذلكم عليكم كلَّه، حتى
يُجازِيَكم به جزاءَكم ؛ المحسنَ منكم بإحسانِهِ، والُسىءَ بإساءتِه، فاتقوا اللَّهُ(١) أن
تُسِيئوا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ
٩
مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾: وعَد
اللَّهُ أيُّها الناسُ الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأَقَرُّوا بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، وعمِلوا
بما واثَّقَهم اللَّهُ به ، وأَوْفَوْا بالعقودِ التى عاقَدَهم عليها بقولهم: لنَسْمَعَنَّ وَلَنُطِيعَنَّ اللَّهَ
ورسولَه. فسمِعوا أمرَ اللَّهِ ونهيَه، وأطاعوه فعمِلوا بما أمَرَهم اللَّهُ به، وانْتَهَوْا عما
نهاهم عنه .
ويعنى بقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾: لهؤلاء الذين وفَّوْا بالعقودِ والميثاقِ الذى
وائَّقَهم به ربّهم ، ﴿ مَّغْفِرَةٌ﴾ ، وهى سترُ ذنوبِهم السالفةِ منهم عليهم، وتَغْطيتُها
بعفوِه لهم عنها، وتركِه عقوبتَهم عليها، وفضيحتَهم بها، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
يقولُ: ولهم مع عفوِه لهم عن ذنوبهم السالفةِ منهم جزاءً على أعمالهم التى
(١) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ١٥/٨ )
٢٢٦
سورة المائدة : الآية ٩
عمِلوها ، ووفائِهم بالعقودِ التى عاقَدوا ربَّهم عليها أجرٌ عظيمٌ . والعظيمُ مِن خيرٍ غيرُ
محدودٍ مبلغُه ولا يَغْرِفُ مُنتهاه غيرُه تعالى ذكرُه .
١٤٣/٦
/ فإن قال قائلٌ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخْبَر فى هذه الآيةِ أنه وعَد الذين آمنوا وعملوا
الصالحاتِ، ولم يُخْبِرْ بما وعَدَهم، فأين الخبرُ عن الموعودِ ؟
قيل: بلى، إنه قد أخْبَر عن الموعودِ، والموعودُ هو قولُه: ﴿لَهُم ◌َغْفِرَةٌ وَأَجْرُ
عَظِيمٌ﴾ .
فإن قال(١): فإن قولَه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خبرٌ مبتدأ، ولو كان
هو الموعودَ لَقيل: وعَد اللَّهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ مغفرةً وأجْرًا عظيمًا. ولم
يَدْخُلْ فى ذلك ﴿لَمُم﴾ . وفى دخول ذلك فيه دلالةٌ على ابتداءِ الكلامِ وانْقضاءٍ
الخبرِ عن الوعدِ .
قيل : إن ذلك وإن كان ظاهرُه ما ذَكَوْتَ، فإنه مما اكتُفِى بدلالةٍ ما ظهَر مِن
الكلام على ما بطن مِن معناه، مِن ذکرٍ بعض قد تُرك ذ کژه فيه . وذلك أن معنی
الكلام: وعَد اللّهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ أن يَغْفِرَ لهم ويَأْجُرَهم أجْرًا عظيمًا .
لأن مِن شأنِ العربِ أن يُصْحِبوا الوعد ((أن(١))؛ يُعْمِلوه فيها، فتُرِكَت ((أن)) إذ
كان الوعدُ قولًا ، ومِن شأنِ القولِ(٢) أن يَكونَ ما بعدَه مِن جمل الأخبارِ مبتدأ،
وذُكِر بعدَه جملةُ الخبرِ اجْتِزاءً بدلالةِ ظاهرِ الكلامِ على معناه ، وصرفًا للوعدِ الموافقِ
للقولِ فى معناه - وإن كان للفظِهِ مُخالِفًا - إلى معناه، فكأنه قيل: قال اللَّهُ: للذين
آمنُوا وعمِلوا الصالحاتِ مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ .
وكان بعضُ نحوبى البصرةِ يقولُ: إنما قيل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) بعده فى م، ت ٢: ((قائل)).
(٢) فى م: ((وأن)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((القرآن)).
٢٢٧
سورة المائدة: الآيات ٩-١١
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فى ١ الوعدِ الذى وُعِدوا . فكان
معنى الكلامِ على تأويلِ قائلِ هذا القولِ: وعدُ اللَّهِ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ لهم
مغفرةٌ وأجرٌ عظيمٌ(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا بِشَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
١٠
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: والذين جحَدوا وحدانيةَ اللَّهِ ،
ونقَضوا ميثاقَه وعقودَه التى عاقَدوها إياه، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآَ﴾. يقولُ: [٦٥٥/١ظ]
وكذَّبوا بأدلةِ اللَّهِ وحُجَجِه الدالةِ على وحدانيتِهِ التى جاءَت بها الرسلُ وغيرُها ،
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم أهلُ
الجحيمِ. يعنى: أهلُ النارِ الذين يَخْلُدون فيها، ولا يَخْرُجون منها أبدًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أقَرُّوا بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةٍ
رسولِه عَ لَه وما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾:
اذكُروا النعمةَ التى أَنْعَم اللَّهُ بها عليكم، فاشْكُروه عليها بالوفاءِ له بميثاقِه الذى
واثَقَكم به، والعقودِ التى عاقَدْتُم نبيَّكم عَ لَّهِ عليها. ثم / وصَف نعمتَه التى أَمَرَهم ١٤٤/٦
جلَّ ثناؤُه بالشكرِ عليها مع سائرِ نعمِه، فقال: هى كفّه عنكم أيدىَ القومِ الذين
همُّوا بالبطْشِ بكم ، فصرَفَهم عنكم، وحال بينَهم وبينَ ما أرادوه بكم .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ هذه النعمةِ التى ذكّر اللَّهُ جلَّ ثناؤه أصحابَ
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣، س.
(٢) كذا فى النسخ، ولعل تمام السياق: فيما وعدهم فيه. وينظر تفسير القرطبى ٦/ ١١٠.
٢٢٨
سورة المائدة : الآية ١١
نبِّه عَ لَّه بها، وأمَرَهم بالشكرِ له عليها؛ فقال بعضُهم: هو استِنْقَاذُ اللَّهِ نبيّه
محمدًاً عَ ظله وأصحابَه مما كانت اليهودُ مِن بنى النَّضيرِ همُّوا به يومَ أتَوْهم
يَسْتَحْمِلونهم ديةَ العامريَّيْن اللذين قتلهما عمرُو بن أميةَ الضَّمْرىُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ ، عن عاصمِ بنِ
عمرَ بنِ قتادةَ وعبدِ اللَّهِ بنِ أبى بكرٍ، قالا: خرَج رسولُ اللَّهِ ع ◌َلَه إلى بنى النَّضيرِ
ليَسْتَعِينَهم على ديةِ العامريَّين اللذين قتَلَهما عمرُو بنُ أَميةَ الضَّمْرِىُّ، فلمَّا جاءَهم
خلا بعضُهم ببعضِ ، فقالوا : إنكم لن تَجِدوا محمدًا أقربَ منه الآنَ ، فمُروا رجلًا
يَظْهَرُ(١) على هذا البيتِ، فيَطْرَحُ عليه صخْرةً، فيُرِيكُنا منه. فقال(٢) عمرُو بنُ
جِخَاشِ ابنِ كعبٍ: أنا (١). فأتَى رسولَ اللَّهِ مَّمِ الخبرُ، وانْصَرَف عنهم، فأَنْزَل اللَّهُ
عز ذكرُه فيهم، وفيما أراد هو وقومُه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نَجيحِ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ .
قال: اليهودُ، دخَل عليهم النبىُّ عَّالِ حائطًا لهم، وأصحابُه مِن وراءِ جِدارِهِ،
فاسْتَعانهم فى مَغْرَمِ ديةٍ غرِمها، ثم قام مِن عندِهم، فاتْتَمّروا بينَهم بقتلِهِ ، فخرج
يَمْشِى القَهْقَرَى يَنْظُرُ إليهم، ثم دعا أصحابَه رجلا رجلاً حتى تَنَامُّوا إليه (٥).
(١) أى: يعلو سقفه، أو يعتلى ظهره.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فقام)).
(٣) سقط من النسخ ، والمثبت من مصادر التخريج .
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٦٣، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣٥٤/٣ من طريق ابن إسحاق قوله، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٢ إلى ابن المنذر.
مجاهد ٣٠٢ عداه السرط فى الدر المنثور ٢٦٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٥/تف محاهد
٢٢٩
سورة المائدة: الآية ١١
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ
فَكَفَ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾: يهودُ، حينَ دخَل النبيُّ ◌َّ لِ حائطًا لهم، وأصحابُه
مِن وراءِ جِدارٍ لهم، فاسْتَعانهم فى مَغْرَمٍ، فى ديةٍ ١ غرِمها، ثم قام مِن عندِهم،
فائْتَمَروا بينَهم بقتله، فخرج يَمْشِى مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم ، ثم دعا أصحابَه رجلًا
رجلًا حتى تَنَامُّوا إليه، قال اللَّهُ جل وعز: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَعَلَى
اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
حدَّثنا هَنَّدُ بنُ السَّرِىِّ، قال : ثنا يونُسُ بنُ بُكيرٍ ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن يزيدَ
ابنِ أبى زيادٍ ، قال: جاء رسولُ اللَّهِ مَّهِ بنى النَّضيرِ يَسْتَعِينُهم فى عَقْلِ أصابه، ومعه
أبو بكرٍ وعمرُ وعلىٍّ، فقال: ((أعِينونى فى عَقْلِ أصابنى)). فقالوا: نعم يا أبا
القاسم، قد آنَ لك أن تَأْتِيَنا وتَسْأَلَنَا حاجةٌ ، امْلِسْ حتى نُطْعِمَك ونُعْطِيَك الذى
تَسْأَلُنا. فجلس رسولُ اللّهِ عَلَه وأصحابُه يَنْتَظِرونه، وجاء حُبِىُّ بنُ أَخْطَبَ ، وهو
رأسُ القومِ، وهو الذى قال لرسولِ اللّهِ مَ ◌ّهِ ما قال، فقال حُبَيٌّ لأصحابِهِ: لا تَرَوْنَه
أقربَ منه الآنَ ، اطْرَحوا عليه حِجارةٌ فَاقْتُلوه، ولا تَرَوْن شرًا أبدًا. فجاءوا إلى رحَى
لهم عظيمةٍ / ليَطْرَحوها عليه، فأمْسَك اللَّهُ عنها أيديهم، حتى جاءه جبريلُ عَ لِّ، ١٤٥/٦
فأقامه مِن ثَمَّ ، فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ
عَلَيَكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُواْ
اَللَّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فأخْبَر اللَّهُ عَزَّ ذكرُه نبيّه عَّمِ ما أرادوا به (١).
حدَّثنى القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الدية)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٢ إلى المصنف.
٢٣٠
سورة المائدة: الآية ١١
قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَأْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. قال: يهودُ، دخَل عليهم النبيُّ عَ لَه
حائطًا ، فاسْتَعانهم فى مَغْرَمُ غرِمه ، فاتْتَمَروا بينَهم بقتلِه ، فقام من عندِهم ، فخرَج
مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إليهم خِيفتَهم، ثم دعا أصحابَه رجلًا رجلًا حتى تَتَامُّوا إليه (١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ، [١/
٦٥٦و] عن عكرمةَ، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ المنذرَ بنَ عمرٍو الأنصارىَّ أحدَ بنى
النجارِ، وهو أحدُ النُّقباءِ ليلةً العقبةِ - فبَعَته فى ثلاثين راكبًا مِن المهاجرين
والأنصارِ ، فخرجوا ، فلقُوا عامرَ بنَ الطَّفَيلِ بنِ مالكِ بنِ جعفرٍ على بئرِ مَعُونَ ، وهى
مِن مياهِ بنى عامرٍ ، فاقْتَتَلوا ، فَقُتِل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثةَ نَفَرٍ كانوا فى طلبٍ ضالَّةٍ
لهم فلم يَرُعْهم إلا والطيرُ تَحُومُ فى السماءِ، يَشْقُطُ مِن بينِ خَراطيمِها عَلَقُ الدمِ()،
فقال أحدُ النفرِ: قُتِل أصحابنا والرحمنِ. ثم تَوَلَّى يَشْتَدُّ حتى لقِى رجلاً، فاخْتَلَفا
ضربتَيْن ، فلمَّا خالَطَتْه الضربةُ ، رفَع رأسَه إلى السماءِ ففتح عينيه، ثم قال: اللَّهُ أكبرُ،
الجنةُ وربِّ العالمين . فكان يُدْعَى أَعْتَقَ لِيَمُوتَ (١) ، ورجَع صاحباه، فلقِيا رجلين مِن بنى
سُلَيمٍ، وبينَ النبىِّ ◌َّهِ وبينَ قومِهما مُؤَادِعةٌ، فانْتَسَبا لهما إلى بنى عامٍ،
فقتَلاهما، وقدِم قومُهما إلى النبيِّ عَ لِّ يَطْلُبون الديةَ، فخرج ومعه أبو بكرٍ وعمرُ
وعثمانُ وعلىٌّ وطلحةُ وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ، حتى دخَلوا على كعب بن الأشرفِ
ويهودٍ بنى النَّضيرِ، فاسْتَعانهم فى عَقْلِهما، قال: فاجْتَمَعَت (١) اليهودُ لقتلِ رسولِ
اللَّهِ ◌ِ لّهِ وأصحابِهِ، واعْتَلَّوا بصَنيعةِ الطعام، فأتاه جبريلُ عَِّ بالذى أجمعت(٥)
عليه يهودُ مِن الغَدْرِ، فخرَج ثم دعا عليًّا، فقال: ((لا تَبْرَعْ مَقامَك، فمَن خرَج عليك
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٢٤.
(٢) العلق: قطع الدم، الواحدة: علقة. النهاية ٣/ ٢٩٠.
(٣) أعنق ليموت: أى أن المنية أسرعت به وساقته إلى مصرعه. اللسان (ع ن ق ).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فرجع)).
(٥) فى م: ((اجتمعت)) .
٢٣١
سورة المائدة: الآية ١١
مِن أصحابى فسأَلك عنى، فقلْ: وَجَّه إلى (١) المدينةِ فأدْرِ كوه)). قال: فجعَلوا يَمُّون
على علىٍّ ، فيَأْمُرُّهم بالذى أمَرَه، حتى أَتَّى عليه آخِرُهم، ثم تبِعَهم، فذلك قولُه :
﴿ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].
حدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا إسرائيلُ، عن السدىِّ، عن أبى
مالكٍ فى قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمُ
أَنْ يَبْسُطُوَأْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾. قال : نزَلَت فى کعبٍ
ابنِ الأَشْرفِ وأصحابِهِ، حينَ أرادوا أن تَغْدِروا برسولِ اللَّهِ عَه(٣).
وقال آخرون: بل النعمةُ التى ذكرها اللَّهُ فى هذه الآيةِ، فأمَر المؤمنين مِن
أصحابٍ رسولِ اللهِ وَهِ / بالشُّكرِ له عليها، أن اليهودَ كانت هَمَّت بقتل النبيِّ عَ لِّ ١٤٦/٦
فى طعامٍ دعَوْه إليه، فأعْلَم اللَّهُ عز وجل نبيَّه ◌ِلَِّ ما هُّوا به ، فانْتَهى هو وأصحابُه
عن إجابتهم إليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ
عَلَيْكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَكَفَّ أَيَدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾: وذلك أن قومًا مِن اليهودِ
صنَعُوا لرسولِ اللَّهِ مَ له وأصحابِهِ طعامًا لِيَقْتُلوه إذا أتَى الطعامَ، فأوْحَى اللَّهُ إليه
بشأنِهم فلم يأتِ الطعامَ ، وأَمَر أصحابَه فأتَوْه(4) .
(١) سقط من : ص .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٩/٣ عن أبى مالك، وعزاه إلى ابن أبى حاتم ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٦/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٤) فى م: ((فأبوه))، وفى الدر المنثور: ((فلم يأتوه)). والمثبت من بقية النسخ موافق لما فى مخطوطة تفسير ابن
كثير، ومعنى: فأتوه: أتوا النبيَّ عَِّ. كما فى الآثار قبله.
٢٣٢
سورة المائدة: الآية ١١
وقال آخرون: عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بذلك النعمةَ التى أَنْعَمَها على المؤمنين بإطلاع
نبِّه ◌َِّمِ على ما همَّ به عدوُه وعدوُّهم مِن المشركين يومَ بَطْنِ نَخْلٍ مِن اغْترارِهم
إياهم والإيقاع بهم إذا هم اشْتَغَلوا عنهم بصلاتِهم، فسجدوا فيها، وتعريفِه
نبيَّه ◌ِ لِ الحِذارَ مِن عدوِّه فى صلاتِه بتعليمِه إياه صلاةَ الخوفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوَأْ
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنها نزَلَت على رسولِ اللهِ صَ لَّهِ وھو یبَطْنِ نخلٍ
فى الغَزْوةِ السابعةِ(١)، فأراد بنو ثعلبةَ وبنو مُحاربٍ أن يَفْتِكوا به ، فأطْلَعَه اللَّهُ على
ذلك. ذُكِر لنا أن رجلًا انْتَدَب لقتلِهِ، فأتَى نبيَّ اللَّهِ بِّهِ وسيفُه موضوعٌ، فقال :
آخُذُه يانبىَّ اللَّهِ؟ قال: ((خُذْه)). قال: أَسْتَلُّه؟ قال: ((نعم)). فسلَّه، فقال: مَن
يَمْنَعُك منى؟ قال: ((اللَّهُ يَمْتَعُنى منك)). فهدَّده أصحابُ رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ، وأَغْلَظوا
له القولَ، فشامَ(٢) السيفَ، وأمَر نبىُّ اللَّهِعَمِ أصحابَه بالرحيلِ، فَأَنْزِلَت عليه صلاةٌ
الخوفِ عندَ ذلك(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
الزهرىِّ، ذكَره عن أبى سلمةً، عن جابرٍ، أن النبيَّ عَ لِّ نزَل منزلًا، وتفَرَّق الناسُ فى
العِضاهِ(٤) يَشْتَظِلُّون تحتَها، فعلَّق النبىُ عَّمِ سلاحه بشجرةٍ ، فجاء أعرابيّ إلى سيف
= والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٩/٣ عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٦٦/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
(١) فى الدر المنثور: ((الغزوة الثانية)).
(٢) شام السيف يشيمه: غمده، وأيضًا: استله. فهو من الأضداد. والمراد هنا الأول تاج العروس (ش ی م).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٦/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) العِضاه : شجر أم غيلان ، وكل شجر عظيم له شوك ، الواحدة : عِضة بالتاء، وقيل واحدته : عضاهة .
النهاية ٣/ ٢٥٥.
٢٣٣
سورة المائدة: الآية ١١
رسولِ اللَّهِ يَِّلّهِ، وأَخَذَه فسلَّه، ثم أَقْبَل على النبيِّ عَظِلّه، فقال: مَن يَمْنَعُك منى؟
والنبىُ عَّمِ يقولُ: ((اللَّهُ)). فشامَ الأعْرابىُّ السيفَ، فدعا النبيُّ عَ لِ أصحابَه،
فأخْبَرَهم خبرَ الأعرابيّ ، وهو جالسٌ إلى جنبِه لم يُعاقِبْه .
قال مَعْمَرٌ: وكان قَتَادةُ يَذْكُرُ نحوَ هذا، وذكر أن قومًا مِن العربِ أرادوا أن
يَفْتِكُوا برسولِ اللَّهِ مَِّّهِ، فَأرْسَلوا هذا الأعرابيّ. وتأوَّل: ﴿ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية (١).
وأولى الأقوالِ بالصحةِ فى تأويلِ ذلك قولُ مَن قال : عنَى اللَّهُ بالنعمةِ التى ذكَر
فى هذه الآيةِ / نعمتَه على المؤمنين به وبرسولِه التى أَنْعَم بها عليهم فى استْنِقاذِه نبيَّهم ١٤٧/٦
محمدًاً مَّهِ، مما كانت يهودُ بنى النَّضِيرِ همَّت به مِن قتلِه وقتْلِ مَن معه ، يومَ سار
إليهم نبىُّ اللَّهِ عِ ظَه فى الديةِ التى كان تَحَمَّلَها عن قتيلَىْ عمرٍو بنٍ أميةً .
وإنما قلْنا : ذلك أولى بالصحةِ فى تأويلِ ذلك ؛ لأن اللَّهَ عقّب ذكْرَ ذلك برمي
اليهودِ بصَنائعِها، وقَبيح أفعالِها، وخيانتِها ربَّها وأنْبياءَها، ثم أمَر نبيَّه عَ لَّه بالعفوِ
عنهم والصَّفْحِ عن عظيم جهلهم، فكان معلومًا بذلك أنه عّ لّه لم يُؤْمَرْ بالعفوِ عنهم
والصَّفْحِ عَقِيبَ قولِه: ﴿ إِذْهَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. ومَن(٢) غيرهم
كان يَبْسُطُ الأيدىَ إليهم. لأنه لو كان الذين همُّوا ببسطِ الأيدى إليهم غيرَهم ،
لکان حَرِيًّا أن یکونَ الأمرُ بالعفو والصفحِ عنهم ، لا عمَّن لم يَجْرِ لهم بذلك ذکرٌ ،
ولكان الوصفُ بالخيانةِ فى وصفِهم فى هذا الموضعِ، لا فى وصفٍ مَن لم يَجْرِ لخيانتِه
ذكرٌ، ففى ذلك ما يُنْبِئُّ عن صحةِ ما قضَيْنا له بالصحةِ مِن التأويلاتِ فى ذلك دونَ
ما خالفه .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٨٥/١، ومن طريقه عبد بن حميد (١٠٨٢)، والبخارى (٤١٣٩)، ومسلم
(٨٤٣).
(٢) كذا فى النسخ، ولعل صواب الكلام أن يكون: وغيرهم بحذف ((من)).
٢٣٤
سورة المائدة: الآيتان ١٢،١١
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
يعنى جلَّ ثناؤه: واحْذَرُوا اللَّهَ أيُّها المؤمنون أن تُخالِفوه فيما أمَرَ كم ونهاكم أن
تَنْقُضوا الميثاقَ الذى واثَقَكم به، فتَسْتَوْجِبوا منه العقابَ الذى لا قِبَلَ لكم به،
( وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وإلى اللَّهِ فَلْيُلْقِ أَزِمَّةَ أَمورِهم ، ويَسْتَسْلِمْ
لقَضائِه ، ويَثِقْ بنصرتِه وعونِه ، المُقِرُون بوَحدانيّةِ اللَّهِ ورسالةِ رسولِه ، العامِلون بأمرِه
ونهِهِ، فإن ذلك مِن كمالٍ دينِهم وتَمَامِ إِيمانِهم، وأنهم إذا فعلوا ذلك كَلأهم
ورعاهم، وحفظهم ثمّن أرادهم بسوءٍ، كما حفِظكم ودافَع عنكم أيُّها المؤمنون
اليهود الذين همُوا بما هُّوا به مِن بسْطِ أیدیھم إلیکم ؛ کَلاءةً منه لکم ، إذ كنتم مِن
أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره ، فإن غیرَه لا يُطِیقُ دَفْعَ سوء أراد بکم رُّکم ، ولا
اجتلابَ نفع لكم لم يَقْضِه لكم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا
مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ .
وهذه الآيةُ أُنْزِلَتْ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه نبيّه محمدًا عِ لمِ والمؤمنين به ،
أخلاق الذین ھمُّوا ببسطِ أیدیھم إلیھم مِن اليهودِ .
كالذى حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مُبَارَكٌ ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِ إِسْرَّهِيلَ﴾. قال: اليهودُ مِن
أهلِ الكتابِ .
١٤٨/٦
وأن الذى همُوا به مِن الغدرِ ونقْضٍ / العهدِ الذى بينهم وبينَه مِن صفاتِهم
وصفاتِ أوائلِهم، وأخلاقِهم وأخلاقٍ أسلافهم قديمًا، واخْتِجاجًا لنبيّه عَ لِ على
اليهودِ بإطلاعِه إياه على ما كان علمُه عندَهم دونَ العربِ، مِن خَفِىٌّ أمورِهم،
ومَكْنونٍ علومِهم، وتَوْبيخًا لليهودِ فى تَمادِيهم فى الغَىِّ، وإصرارهم على الكفرِ مع
٢٣٥
سورة المائدة: الآية ١٢
علمِهم بخطأً ما هم عليه مُقِيمون .
يقولُ اللَّهُ عز ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَله: لا تَسْتَعْظِموا أمرَ الذين همُوا ببسطٍ
أيديهم إليكم مِن هؤلاء اليهودِ بما همُّوا به لكم ، ولا أمْرَ الغدرِ الذى حاولوه وأرادوه
بكم، فإن ذلك مِن أخلاقِ أوائلِهم وأسلافِهم، لا يَعْدُون أن يكونوا على مِنهاجٍ
أوَّلِهم وطريقٍ فَرَطِهم(١).
ثم ابْتَدَأُ الخبرَ عزَّ ذکرُه عن بعضِ غَدَراتِھم وخیاناتهم ، وجراءتهم على ربِّهم ،
ونقضِهم ميثاقَهم الذى واثقَهم عليه بارثُهم (١) ، مع نعمِه التى خصَّهم بها ، وكَراماتِه
التى طوَّقهم شكرَها ، فقال: ولقد أخَذ اللَّهُ ميثاقَ سَلَفٍ مَن همَّ ببسْطِ يدِه إليكم مِن
يهودِ بنى إسرائيلَ يا معشرَ المؤمنين ، بالوفاءِ له بعهودِه وطاعته ، فيما أمَرَهم ونهاهم .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا آدمُ العَسْقَلانِيُّ ، قال : ثنا أبو جعفرِ الرازىُّ، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَِّيلَ﴾ .
قال: أخَذ اللَّهُ مَواثيقَهم أن يُخْلِصوا له ولا يَعْبُدُوا غيرَهُ(١).
وَيَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾. يعنى بذلك: وبعَثْنا منهم اثنَىْ عشَرَ
كَفيلًا، كُفِّلوا عليهم بالوفاءٍ للَّهِ بما واثَّقُوه عليه مِن العهودِ فيما أمَرَهم به، وفيما
نهاهم عنه .
والنقيبُ فى كلامِ العربِ كالعَرِيفِ على القومِ ، غيرَ أنه فوقَ العَريفِ ، يقالُ
منه : نقَب فلانٌ على بنى فلانٍ ، فهو يَتْقُبُ نَقْبًا. فإذا أُرِيد أنه لم يَكُنْ نَقيبًا فصار
نقيبًا، قيل : قد نَقُب فهو يَنْقُبُ نَقَابَةٌ . ومِن العَريفِ: عَرِف عليهم يَعْرُفُ عَرَافَةً .
(١) فى م: ((سلفهم))، وهما بمعنّى.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بأدائهم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى المصنف.
٢٣٦
سورة المائدة: الآية ١٢
فأما المناكبُ فإنهم كالأعوانٍ يكونون مع العُرَفاءِ، واحدُهم مَنْكِبٌ .
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بالعربيةِ(١) يقولُ: هو الأمينُ الضامنُ على القومِ.
فأما أهلُ التأويل فإنهم قد اخْتَلَفوا بينَهم فى تأويله ؛ فقال بعضُهم: هو الشاهدُ
على قومِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ
اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كلِّ سِبْطِ
رجلٌ شاهدٌ على قومِه(٢).
وقال آخرون : النقيبُ الأمينُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قال : التُقباءُ الأُمناءُ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ مثلَه .
وإنما كان اللَّهُ عزَّ ذكرُه أمَر موسى نبيَّه عَ لِ ببعثِهِ النُّقباءَ الاثنَىْ عشَرَ مِن قومِه
بنى إسرائيلَ إلى أرضٍ الجبابرةِ بالشام ليتحسّسوا" لموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم،
وأن يُؤَرِّثَ أرضَهم وديارَهم موسى وقومَه ، وأن يَجْعَلَها مَساكنَ لبنى إسرائيلَ بعدَ ما
أنجاهم مِن فرعونَ وقومِه ، وأخْرَجَهم مِن أرضٍ مصرَ، فبعَث موسى الذين أمَرَه اللَّهُ
(١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٥٦/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى المصنف.
٢٣٧
سورة المائدة: الآية ١٢
ببعثهم إليها مِن النقباءِ .
/ كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسْباطُ، ١٤٩/٦
عن الشُدىِّ، قال : أمَر اللَّهُ بنى إسرائيلَ بالسيرٍ إلى أَرِيحًا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ،
فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منهم بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا مِن جميعِ أسْباطٍ بنى
إسرائيلَ ، فساروا يُرِيدون أن يَأْتُوه بخبرِ الجَبَابرةِ ، فلقِيهم رجلٌ مِن الجبّارِين، يُقالُ
له : عاجٌ. فأخَذ الاثنَىْ عشَرَ، فجعَلهم فى حُجْزَتِه، وعلى رأسِه حَمْلَةُ(١) حطبٍ،
فانْطَقَ بهم إلى امرأتِه ، فقال : انْظُرى إلى هؤلاء القوم الذين يَزْعُمون أنهم يُرِيدون أن
يُقاتِلونا . فطرَحَهم بينَ يديها، فقال: ألا أَطْحَنُهم برجلى؟ فقالت امرأتُه: بل خلِّ
عنهم حتى يُخْبِروا قومَهم بما رأوا. ففعَل ذلك، فلمَّا خرَج القومُ قال بعضُهم لبعضٍ :
يا قومٍ ، إنكم إن أخْبَرُم بنى إسرائيلَ خبرَ القومِ ارْتَدُّوا عن نبيِّ اللَّهِ عليه السلامُ، لكن
اكْتُموه وأُخْبِروا نبيَّى اللَّهِ فيكونان هما(٢) يَرَيان رأيهما. فأخَذ بعضُهم على بعضٍ
الميثاقَ بذلك لِيَكْتُموه، ثم رجَعوا فانْطَلَق عشرةٌ منهم فنكَثُوا العهدَ ، فجعَل الرجلُ
يُخْبِرُ أخاه وأباه بما رأَى مِنُ(١) عاج، وكتَم رجلان منهم، فأتَوْا موسى وهارونَ
فأخْبَرُوهما الخبرَ، فذلك حينَ يقُولُ اللَّهُ: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى
إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللهِ عز وجل: ﴿ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾: مِن كلِّ سِبْط
مِن بنى إسرائيلَ رجلٌ ، أَرْسَلَهم موسى إلى الجبّارِين، فوجَدُوهم(٥) يَدْخُلُ فى كُمّ
(١) فى م: ((حزمة)).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فيما)).
(٣) بعده فى تاريخ المصنف: (( أمر)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٤٢٨، ٤٢٩ .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فوجدهم)).
٢٣٨
سورة المائدة: الآية ١٢
أحدِهم اثنان منهم يُلقيهما إلقاءً)، ولا يَحْمِلُ عُنقودَ عنِهم إلا خمسةُ أنفسِ بينَهم
فى خشبةٍ ، ويَدْخُلُ فى شَطْرِ الرُّمَّانةِ إذا نُزِع حبُّها خمسةُ أَنفسٍ أو أربعٌ، فرجَع النُّقباءُ
كلُّهم(٢) يَنْهَى سِبْطَه عن قِتالِهم إلا يُوشَعَ بِنَ نُونٍ (٢ وكلابُ بن يافنةً) يَأْمُران الأسباطَ
بقتالِ الجبابرةِ وبجِهادِهم، فعصَوْا هذين وأطاعوا الآخَرِين(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شِئْلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيح ، عن
مُجاهدٍ بنحوِه ، إلا أنه قال: مِن بنى إسرائيلَ رجالٌ. وقال أيضًا: يلقونهما(١) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: أمَر موسى أن يَسِيرَ
ببنى إسرائيلَ إلى الأرضِ المقدَّسةِ، وقال: إنى قد كتبتُها لكم دارًا ( وقَرارًاُ ومَنْزِلًا،
فاخْرُجُ(١) إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإنى ناصرُكم عليهم ، وخُذْ مِن قومِك اثْنَىْ
عشَرَ نَقِيبًا ، مِن كلِّ ◌ِبْطِ نَقِيبًا يَكونُ على قومِه بالوفاءِ منهم على ما أُمِروا به ، وقلْ لهم:
إن الله يقولُ لكم: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ ﴾ إلى
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾. وأخَذ موسى منهم اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا اختارهم
مِن الأسْباطِ كُفَلاءَ على قومِهم بما هم فيه على الوفاءِ بعهدِه وميثاقِه، وأخَذ مِن كلِّ
سِبْطٍ منهم خيرَهم، وأَوْفاهم رجلًا، يقولُ اللَّهُ عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ
بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾. فسار بهم موسى إلى الأرضِ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يلقونهم إلقاء))، وفى م: ((يلفونهم لفا)). والمثبت من تفسير مجاهد.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أنفاس))، وبعده فى تفسير مجاهد: ((من قوم موسى )) .
(٣) فى م والدر المنثور: ((كل منهم)).
(٤ - ٤) فى م: ((كالب بن يوقنا)). وفى تفسير مجاهد: ((كالب بن يافنة)). وينظر ما تقدم فى ٤٣٧/٤.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((هذا)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٣٠٣، ٣٠٤ وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٧) فى م: ((يلففونهما)).
(٨ - ٨) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٩) فى ص، ت ١: ((فما خرج)).
٢٣٩
سورة المائدة: الآية ١٢
المقدسةِ بأمرِ اللَّهِ ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشام، وهى بلادٌ ليس فيها
حَمَرٌ(١) ولا ظلِّ، دعا موسى ربَّه حينَ آذاهم الحثّ، فظلّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم
بالرزقِ ، فَأَنْزَل اللَّهُ عليهم المنَّ والسَّلْوَى، وأمَر اللَّهُ موسى، فقال: / أرْسِلْ رجالاً ١٥٠/٦
يَتَحَسَّسون إلى أرضٍ كَتْعانَ التى وهَبْتُ(٢) لبنى إسرائيلَ، مِن كلِّ سِبْطِ [٦٥٧/١ظ]
رجلًا، فَأَرْسَل موسى الرءوسَ كلَّهم الذين فيهم، فبعث اللَّهُ جلّ وعزّ من بَرِّيَّةِ
فارانَ ، بكلامِ اللَّهِ، وهم رءوسُ بنى إسرائيلَ))، وهذه أسماءُ الرَّهْطِ الذين بعَث اللَّهُ
مِن بنى إسرائيلَ إلى أرضِ الشام، فيما يَذْكُرُ أهلُ التوراةِ ، لِيَجُوسُوها لبنى إسرائيلَ :
مِن سِبْطِ "روبيلَ، شامونُ بنُ ركونَ)، ومِن سبطِ شمعونَ ، (سافاطُ بنُ محرىْ)،
ومِن سبطٍ يهوذا، كالِبُ بنُ يوفنا، ومِن سبطِ "أبينَ يجائلُ بنُ يوسُفَ، ومِن سِبِطِ
يوسُفَ، وهو سِبْطُ أفرايِيمَ ، يُوشَعُ بنُ نُونٍ، ومِن سبطٍ بنيامينَ، ("فَلْطُ بنُ دَفُونَ)،
:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حر))، وفى م: ((شجر)). والمثبت كما تقدم فى ١ / ٧٠٨، وتقدم
تعريفه هناك .
(٢) فى ص، ت ١: ((وهب)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٢، س، وفى سفر العدد: ((فأرسلهم موسى من برية فاران، حسب قول
الرب)). وفاران: كلمة عبرانية معربة وهى من أسماء مكة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، معجم البلدان
٠٨٣٤/٣
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((روبيل سامول بن ركون))، وفى عرائس المجالس: ((روبيل شموع بن
ذكور))، وفى سفر العدد الأصحاح الثالث عشر: ((رأويين شموع بن زكور)).
(٥ - ٥) فى س: ((سافاط بن جزمى)). وفى م: ((سافاط بن حربى)). وفى عرائس المجالس: ((شوقط بن
حورى))، وفى سفر العدد الأصحاح الثالث عشر: ((شافاط بن حوری)).
(٦ - ٦) فى ص: ((أس محايل))، وفى م: ((كاذ ميخائيل))، وفى ت ١: ((س يحايل))، وفى عرائس
المجالس: ((جاد جابذ))، وفى سفر العدد: ((يساكر يجآل)).
(٧) فى م: ((أفراثيم))، وفى ت ٢: ((أفرايتم) وفى عرائس المجالس: ((أفراثيم))، وفى سفر العدد: ((أفرايم))
وينظر جمهرة أنساب العرب ص ٥٠٨.
(٨ - ٨) فى ت ١: ((فلط بن ديون))، وفى م: ((فلط بن ذنون))، وفى عرائس المجالس: ((ناظم بن زقون))،
وفى سفر العدد: ((فلطى بن رافو)).
٢٤٠
سورة المائدة: الآية ١٢
ومِن سِبْطِ زَبالونَ، حدى بن سُودی)، ومِن سِبطِ يوسفَ، وهو منشّا بنُ يوسُفَ،
حدِّى بنُ سُوسا٢ ، ومِن سبطِ دانٍ، ( حملائلُ بنُ حمل٣ٍ)، ومِن سبطِ أَشرَ، سابورُ
ابنُ ملكيل٤َ)، ومِن سبطِ نفتالى(٥)، بحُ(٢) بِنُ وَفْسِى(١)، ومِن سبطِ دارٍ(٨) حولايلُ بنُ
منكدً .
فهذه أسماءُ الذين بعَثهم موسى يَتحسَّسون له الأرضَ، ويومَئذٍ سَمَّی
هوشعَ(٩) بنَ نوٍ يوشعَ (١١) بنَ نونٍ. فأرْسَلَهم وقال لهم : ارْتَفِعوا قِبَلَ الشمسِ ، فارْقَوا
الجبلَ، وانْظُروا ما فى الأرضِ، وما الشَّعْبُ الذى يَشْكنونه، أقوياءُ (١) هم أم ضُعفاءُ،
أقليلٌ هم أم كثيرٌ؟ وانْظُروا أرضَهم التى يَسْكُنون (١٢ أسمِينَةٌ هى أم هزيلةٌ(١)، ذاتٌ
شجر أم لا؟ اجتازوا " وامحمِلوا إلينا من ثمرة تلك الأرضِ ، وكان ذلك فى أوّل
(١ - ١) فى م: ((بالون كرابيل بن سودی))، وفى ت ٢: ((ريالون حدنى بن سوشى))، وفى عرائس
المجالس: ((ریالون حدی بن سوری))، وفى سفر العدد: ( زبولون جدیئیل بن سودی)).
(٢ - ٢) فى م: ((منشا بن يوسف حدى بن سوشا))، وفى ت ٢: (( يوسف وهو ميشا بن يوسف حدننى بن
سوشا))، وفى ت ٢: ((سبط يوسف وهومشا بن يوسف حدى بن سوسا))، وفى سفر العدد: ((سبط يوسف
من سبط منسی جدی بن سوسی )) .
(٣ - ٣) فى عرائس المجالس: ((حمل بن وكيل بن خمل))، وفى سفر العدد: ((عمثيل بن جملى)).
(٤ - ٤) فى م: ((أشار سابور بن ملكيل))، وفى عرائس المجالس: ((أشير شايون بن مليكيك))، وفى سفر
العدد: ((أشيرستور بن ميخائيل)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ثفثانى))، وفى عرائس المجالس: ((يقالى)).
(٦) فى م: ((محر))، وفى عرائس المجالس: ((حيى))، وفى سفر العدد: ((نحى)).
(٧) فى ص: ((دمسى))، وفى م وعرائس المجالس: ((وقسى)).
(٨) فى م: ((يساخر)).
(٩) فى النسخ: ((يوشع)). والمثبت من سفر العدد.
(١٠) فى سفر العدد: ((يشوع)).
(١١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أحرا)). وينظر سفر العدد .
(١٢ - ١٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((أشمسة هى أم)). والمثبت من سفر العدد .
(١٣ - ١٣) سقط من: م، وفى ت١: ((أم لا احباروا)).