النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة المائدة : الآية ٣
عليها مِن القرآنِ ، فبرَكتْ ، فأتيتُه فسجَيتُ عليه بُرْدًا كان علىَّ ".
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
مَكَث النبىُّ ◌َمِ بعدَ ما نزَلت هذه الآيةُ إحدى وثمانين ليلةً. قوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .
حدَّثنا سفيانُ ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن هارونَ بنِ عنترةَ ، عن أبيه ، قال : لما
نزَلْت: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . وذلك يومُ الحجّ الأكبرِ، بكى عمرُ، فقال
له النبىُّ عَلَه: ((ما يُتْكِيكَ؟)) قال أبكانى أَنَّ كنا فى زيادةٍ مِن دينِنا، فأما إذا
[١٢٨/١٣ ظ٢ كمَل فإنه لم يَكْمُلْ شىءٌ إلا نقَص. فقال: ((صَدَقْتَ))(١).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال : ثنا أحمدُ بنُّ بشيرٍ ، عن هارونَ بنِ أبی وكيع، عن أبيه،
فذكر نحوَ ذلك .
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: حَجّكم، فأُفِدْتُم
بالبلدِ الحرام ، تَحُجُونه أنتم أيها المؤمنون دونَ المشركين، لا يُخالِطُكم فی حَجّكم
مُشركٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا يحيى بنُ أَبِى غَنِيَّةً، عن أبيه، عن الحَكَم: ﴿اَلْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أكمَل لهم دينَهم أن حَبُوا ولم يَحُجَّ معهم مُشْرِكٌ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. قال: أَخْلَص اللـهُ لهم دينَهم، ونفَى
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣/٣ عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣/ ٢٥٠، ٢٥١ عن محمد بن فضيل به .
( تفسير الطبرى ٦/٨ )

٨٢
سورة المائدة : الآية ٣
المشركين عن البيتِ(١).
حدّثنا أحمدُ بنُ حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا قیس ، عن أبی حَصِین ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ : ﴿ اَلْيَوْمَ أَ كُمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ . قال : تمامُ الحج ونَفْئ المشر کین عن
(٢)
البيتِ(٢).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللهَ عزَّ وجلَّ أخبَر نبيّه عَّم.
والمؤمنين به أنه أكمل لهم يومَ أَنْزَل هذه الآيةَ على نبيّه دينَهم ؛ پافرادِهم بالبلدِ
الحرام، وإجلائِه عنه المشركين، حتى حَبَّه المسلمون دونَهم "لا يُخالِطُهم
٠٠ ٣)
مشرك٣).
فأما الفرائضُ والأحكامُ فإنه قد اختُلِف فيها ؛ هل كانت أَكْمِلت ذلك اليومَ أم
لا؟ فرٌّوِى عن ابنِ عباسٍ والسدِّىِّ ما ذكرنا عنهما قبلُ. ورُوِى عن البرَاءِ بنِ عازبٍ
أن آخِرَ آيةٍ نزَلت مِن القرآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَّةِ
(٤)
[النساء: ١٧٦].
ولا يَدْفَئُ ذو علم أن الوحیّ لم ینقَطِئْ عن رسولِ اللهِ ێ إلی أن قُِّض ، بل
كان الوحىُ قبلَ وفاتِه أكثرَ ما كان تَتَابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾ آخِرَها نزولًا، وكان ذلك مِن
الأحكام [١٢٩/١٣ و] والفرائض، كان معلومًا أن معنى قوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾ على خلافِ الوجهِ الذى تأوَّله مَن تأوَّله أنه عُنِى به كمالُ العباداتِ
(١) تفسير عبد الرزاق ١٨٤/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لا يخالطونهم المشركون)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٧١٦/٧.

٨٣
سورة المائدة : الآية ٣
والأحكامِ والفرائضِ .
فإن قال قائلٌ: فما جعَل قولَ مَن قال : قد نزَل بعدَ ذلك فرضّ . أُولَى مِن قولِ
مَن قال : لم يَنْزِلْ ؟
قيل: / لأن الذى قال: لم يَنْزِلْ. مُخْبِرٌ أنه لا يَعْلَمُ نُزُولَ فرضٍ، والنفىُ لا ٨١/٦
يَكُونُ شهادةً ، والشهادةُ قولُ مَن قال : نزَل . وغيرُ جائزِ دفعُ خبرِ الصادقٍ فيما أمكن
أن يَكُونَ فیه صادقًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأنْمَمْت نعمتى أيُّها المؤمنون بإظهارٍ كم
على عدوّی وعدو کم مِن المشر کین ، ونفیی إیاهم عن بلادٍ كم ، وقَطعی طمعهم مِن
رجوعِكم وعودِ كم إلى ما كنتم عليه مِن الشركِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: كان المشركون والمسلمون يَحُُون جميعًا، فلما نزَلت ((براءةُ)) فنفى
المشركين عن البيتِ، وحَّ المسلمون لا يُشارِكُهم فى البيتِ الحرامِ أحدٌ مِن
المشركين، فكان ذلك مِن تمامِ النعمةِ: ﴿وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
(١) أخرجه الآجرى فى الشريعة (١٩٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٨/٢
إلی ابن المنذر .

٨٤
سورة المائدة : الآية ٣
لَكُمْ دِينَكُمْ [١٢٩/١٣ ظ] وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ الآية: ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت
على رسولِ اللهِ عَ لَّمِ يومَ عرفةَ يومَ مُمُعةٍ، حين نفَى اللهُ المشركين عن المسجدِ
الحرامِ، وأخلَص للمسلمين حجَّهم (١).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعْبِىِّ، قال:
نزلت هذه الآيةُ بعرفاتٍ ، حيث هُدِم منارُ الجاهليةِ، واضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، ولم يَحُجّ
معهم فى ذلك العامِ مُشْرٌ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامٍ فى هذه
الآيةِ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ . قال: نزلت على رسولٍ
اللهِ عَّهِ وهو واقفٌ بعرفاتٍ وقد أطاف به الناسُ، وتهدَّمت منارُ الجاهليةِ
ومناسكُهم، واضْمَحَلَّ الشِّركُ ، ولم يَطُفْ حولَ البيتِ عُرْيانٌ، فأنزل اللهُ جل
ذكرُه: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبىِّ بنحوِه ◌ُ(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَ﴾ .
قال أبو جعفر محمدُ بنُ جریٍ رحمه اللهُ : یعنی بذلك جلَّ ثناؤه : ورضِيتُ
لكم "﴿اَلْإِسْلَ دِينًا﴾. أى": الاستسلامَ لأمرى، والانقيادَ لطاعتى، على ما
شرَعتُ لكم مِن حدودِهِ وفرائضِه ومعالِه ﴿دِينًا﴾ . يعنى بذلك: طاعةً منكم
لی .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/٢، ٢٥٨ إلى المصنف.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٧١٣ - تفسير) عن ابن علية به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.

٨٥
سورة المائدة : الآية ٣
فإن قال قائلٌ: أَوما كان اللهُ راضيًا الإِسلامَ دينًا(١) لعبادِه إلا يومَ أَنْزَل هذه الآيةَ؟
قيل له : لم يَزَلِ اللهُ جلّ ثناؤه راضيًا لخلقِه الإِسلامَ دينًا ، ولكنه جلَّ ثناؤُه لم
◌َزَلْ يُصَرِّفُ نبيّه محمدًا عِلَهِ وأصحابَه فى درجاتِ الإِسلامُ(١) ومراتبِه درجةٌ بعدَ
درجةٍ، [١٣٠/١٣و] ومرتبةٌ بعدَ مرتبةٍ ، وحالا بعدَ حالٍ، حتى أكمَل لهم شرائعَه
ومعالمه، وبلغَ بهم أقصى درجاتِهِ ومراتبِهِ ، ثم قال حينَ أَنْزَل عليهم هذه الآيةَ :
وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ (١). بالصفةِ التى هو بها اليومَ، والحالِ التى أنتم عليها
اليوم منه، ﴿ دِينًا﴾ فالزَمُوه ولا تُفارِقُوه .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ ، قال: ذُكِر / لنا أنه يَمْثُلُ لأَهلِ كلِّ دينٍ دينُهم يومَ القيامةِ ، فأما الإِيمانُ فِيُبَشِّرُ
أصحابَه وأهله ويَعِدُهم فى الخيرِ، حتى يَجِىءَ الإِسلامُ، فيقولَ : ربِّ، أنت السلامُ
وأنا الإِسلامُ. فيقولَ : إياك اليومَ أَقْبَلُ ، وبك اليومَ أَجْزِى .
٨٢/٦
وأحسبُ أن قتادةَ وجَّه معنى الإيمانِ بهذا الخبرِ إلى معنى التصديقِ والإقرارِ
باللسانٍ ؛ لأن ذلك معنى الإيمانِ عندَ العربِ، ووجَّه معنى الإسلامِ إلى استسلامِ
القلبِ وخضوعِه للهِ بالتوحيدِ ، وانقيادِ الجسدِ له بالطاعةِ فيما أمَر ونهَى ، فلذلك
قال(٤) للإسلام : إياك اليومَ أقبَلُ، وبك اليومَ أَجْزِى .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) سقط من: م.
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( دينا)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( قيل).

٨٦
سورة المائدة : الآ ية ٣
ذكرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ بعرفةً فى
حَجَّةٍ الوداعِ على رسولِ اللهِ ێه
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ،
عن قيسٍ بنٍ مسلمٍ ، عن طارقٍ بنِ شهابٍ ، قال: قالت اليهودُ لعمرَ : إنكم تَقْرَءون
آيَةً لو أُنْزِلت فينا لاَّخَذْناها عيدًا. فقال عمرُ: إنى لأعْلمُ حينَ أَنْزِلتَ، وأين أُنْزِلت،
وأينَ رسولُ اللهِ عَهِ حِينَ أُنْزِلت؛ أُنْزِلَت يومَ عرفةً ورسولُ اللهِ بِهِ واقفٌ بعرفةً.
قال سفيانُ: وأشكُ، كان يومَ الجُمُعةِ أم لا؛ ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينَ﴾(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعت أبى، عن
قيسٍ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ ، قال: قال يهودىٌّ لعمرَ: لو " علينا معشرَ
اليهودِ نزلت هذه الآيَةُ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْهُمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ
لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾. لو نَعْلَمُ ذلك اليومَ اتَّخَذْنا ذلك اليومَ عيدًا. فقال عمرُ: قد
علِمتُ اليومَ الذى نزَلت فيه ، والساعةَ ، وأَينَ رسولُ اللهِ عَّهِ حينَ نزَلت ؛ نزَلت ليلةً
الجُمُعةِ ونحن مع رسولِ اللهِ مَّهِ بعرفاتٍ(١) . لفظُ الحديثِ لأبى كريب، وحديثُ
ابنِ وکیعٍ نحوُه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا جعفرُ بنُّ عونٍ، عن أبى العُمَيسِ، عن قيسٍ بنِ
(١) أخرجه البخارى (٤٦٠٦)، عن ابن بشار به. وأخرجه أحمد ٣٧٥/١، ٣٧٦ (٢٧٢)، ومسلم
(٣/٣٠١٧) من طريق عبد الرحمن به . وأخرجه البخارى (٤٤٠٧) ، من طريق سفيان به .
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، م، س: ((علمنا معشر اليهود حين نزلت)).
(٣) أخرجه مسلم (٣٠١٧) عن أبى كريب به. وأخرجه مسلم (٣٠١٧)، والنسائى (٣٠٠٢)، وابن حبان
(١٨٥)، والآجرى فى الشريعة (١٩٩)، والبيهقى ١١٨/٥ من طريق عبد الله بن إدريس به .

٨٧
سورة المائدة : الآية ٣
مسلمٍ، عن طارقٍ ، عن عمرَ نحوَهُ(١) .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن حمادِ بنِ سلمةً، عن عمارٍ مولى بنى
هاشم، قال: قرأ ابنُ عباسٍ: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . وعندَه رجلٌ مِن أهلِ
الكتابِ، فقال: لو علِمنا أىَّ يوم نزَلت هذه الآيةُ لاتَّخَذْناه عيدًا . فقال ابنُ عباسٍ :
فإِنها نزَلت يومَ عرفةً يومَ مجُمُعةٍ(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةً، عن عمارٍ ، أن
ابنَ عباسٍ قَرَأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ
اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾. فقال يهودىٌّ: لو نزلت هذه الآيةُ علينا لاتَّخَذْنا يومَها عيدًا. فقال
ابنُ عباسٍ: فإنها نزَلت فى يومٍ عيدين اثنين؛ يومٍ عيدٍ ويومٍ مُجُمُعةٍ (٢) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاج بنُ المنهالِ ، قال : ثنا حمادٌ ، عن عمارِ بنِ أبى
عمارٍ، عن ابن عباسٍ نحوَه (٣).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عليةً، قال: ثنا رجاءُ بنُّ أَبِى سَلَمةَ،
قال: أخبرنا عُبادةُ بنُ نُسَيٍّ، قال: ثنا أميرنا إسحاقُ (*بنُ قَبيصةً) ، قال: قال
(١) أخرجه أحمد ٣٢٠/١ (١٨٨)، وعبد بن حميد (٣٠)، والبخارى (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧)،
والنسائى (٥٠٢٧)، وابن المنذر فى الأوسط ٣٣/٤، والبيهقى ١١٨/٥ من طريق جعفر بن عون به.
وأخرجه الحميدى (٣١)، والبخارى (٧٢٦٨)، ومسلم (٣٠١٧)/ ٤، ٥، والترمذى (٣٠٤٣)، والنسائى
(٣٠٠٢)، من طريق قيس بن مسلم به .
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٨٣٢)، والترمذى (٣٠٤٤)، والطبرانى فى الكبير (١٢٨٣٥)، والواحدى فى
أسباب النزول ص ١٤١ من طريق حماد بن سلمة به .
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٤٦/٥ من طريق الحجاج بن المنهال به .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((يعنى أبا حرشة، عن قبيصة))، وفى ص، م، ت ٢، ت ٣: (( قال أبو جعفر:
إسحاق هو ابن حرشة، عن قبيصة))، وفى ت ١: ((قال أبو جعفر: إسحاق بن حراشة عن قبيصة))
والصواب : إسحاق بن قبيصة ، كما أثبتناه، وينظر مصادر التخريج.

٨٨
سورة المائدة : الآية ٣
٨٣/٦ كعبّ: / لو أن غيرَ هذه الأُمّةِ نزلت عليهم هذه الآيةُ لنظَروا اليومَ الذى أَنْزِلَت فيه
عليهم [١٣١/١٣ و] فَاتَّخَذُوه عيدًا يَجْتَمِعُون فيه . فقال عمر : أُّ آيَةٍ يا كعبُ ؟ فقال :
اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾. فقال عمرُ: قد عَلِمتُ اليومَ الذى أَنْزِلَت فيه،
والمكانَ الذى أَنْزِلَت فيه؛ يومُ جُمُعَةٍ ، ويومُ عرَفَةَ، وكلاهما بحمدِ اللهِ لنا عيدٌ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن عيسى بنِ حارثةَ
الأنصارىِّ، قال: كنا جُلوسًا فى الديوانِ ، فقال لنا نصرانيٌّ: يا أهلَ الإسلامِ، لقد
أُنْزِلت عليكم آيةٌ لو أَنْزِلت علينا لاتَّخَذْنا ذلك اليومَ وتلك الساعةَ عيدًا ما بقى منا
اثنان: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. فلم يُجِبْه أحدٌ منا، فلقِيتُ محمدَ بنَ کعبٍ
القُرَظِىَّ فسألتُه عن ذلك، فقال: ألا رَدَدتم عليه؟ فقال: قال عمرُ بنُ الخطابِ :
أَنْزِلت على النبيِّ عَ لَه وهو واقفٌ على الجبلِ يومَ عَرَفةَ ، فلا يَزالُ ذلك اليومُ عيدًا
للمسلمين ما بقِى منهم أحدٌ(٢).
حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعدةَ ، قال: ثنا بشرُ بنُّ المفضَّلِ ، قال : ثنا داودُ ، عن عامٍ ،
قال: أَنْزِلَت على رسولِ اللهِ مَّهِ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾. عَشِيةَ عرفةَ وهو فى الموقِفِ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، قال: قلت لعامٍ: إن
اليهودَ تقولُ: كيف لم تَحْفَظِ العربُ هذا اليومَ الذى أكمَّل اللهُ لها دينَها فيه ؟ فقال
عامرٌ: أو ما حَفِظتَه؟ قلتُ له: فأُّ يومٍ هو؟ قال: يومُ عرفةَ، أَنزَل اللهُ فى يومٍ عرفةً.
(١) أخرجه مسدد - كما فى فتح البارى ١٠٥/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٨/ ٢٧١ - عن
ابن علية به بنحوه. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط ( ٨٣٠، ٣٩٠٠) من طريق رجاء بن أبى سلمة به بنحوه،
والموضع الثانى ليس فيه ذكر كعب الأحبار.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٨/٢ إلى المصنف.

٨٩
سورة المائدة : الآية ٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ ، قال: بَلَغنا أنها نزلت يومَ عرفةً ، ووافَق يومَ الجُمُعةِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ
حبيبٍ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن عِكْرِمةً، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال : نزلت سورةُ
((المائدةِ)) يومَ عرفةَ، ووافق يومَ الجُمُعةِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ
عُيَيْنَةَ، عن ليثٍ، عن شهرِ بنِ حوشَبٍ، قال: نزَلت سورةُ ((المائدةِ)) على
النبيِّ عَِّ وهو واقفٌ بِعَرَفَةَ [١٣١/١٣ظ] على راحلته، فتَنَوَّخَت(٢) لأن تُدَقَّ
(٢)
ذراعُها(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أسماءَ
بنتٍ يزيدَ، قالت: نزَلت سورةُ ((المائدةِ)) جميعًا وأنا آخِذةٌ بزِمام ناقةِ رسولِ اللهِ عَ لَّه
العضباءِ. قالت : فكادَت مِن ثِقَلِها أن تَدُقَّ عَضُدُ الناقةِ(٤).
حدَّثنى أبو عامرٍ إسماعيلُ بنُ عمرو السَّكونىُ ، قال : ثنا هشامُ بنُ عمارٍ ، قال :
ثنا ابنُ عياشٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسِ الكِنْدىُّ(١) ، أنه سمِع معاويةَ بنَ أبى سفيانَ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٤.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨١.
(٣) أى : استناخت وبركت .
(٤) أخرجه إسحاق بن راهوية (١٦) عن جرير به، وأخرجه أحمد فى المسند ٤٥٥/٦، ٤٥٨
(الميمنية)، والطبرانى فى الكبير ١٧٨/٢٤ (٤٤٨)، والبيهقى فى الشعب (٢٤٣٠)، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٥٢/٢ إلى عبد بن حميد وابن نصر فى كتاب الصلاة وأبى نعيم فى الدلائل. من طريق
لیٹ بن أبی سلیم به .
(٥) فى م: ((السكونى)) وهما صواب، ينظر ترجمته فى تهذيب الكمال ١٩٥/٢٢.

٩٠
سورة المائدة : الآية ٣
على المنبرِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ (١): ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ . حتى ختمها ، فقال :
نزَلت فى يومٍ عرفةَ، فى يومٍ مُجُمُعٍ (١).
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيةُ - أعنى قوله: ﴿اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾ - يومَ الاثنين. وقالوا: أُنْزِلت سورةُ ((المائدةِ)) بالمدينةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا ابنُ
لَهیعةً، عن خالدِ بنِ أبی عِمرانَ، عن خَنَشٍ ، عن ابن عباسٍ: وُلِد نبئكم ێ يومَ
الاثنين، وخرَج مِن مكةَ يومَ الاثنين، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنين، وأَنْزِلَت سورةُ
((المائدةِ)) يومَ الاثنين: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفَع الوُكْنَ(٣) يومَ
(٤)
الاثنين(٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاج بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ ، قال :
((المائدةُ)) مَدَنيةٌ(٥) .
وقال آخرون : نزَلت على رسولِ اللهِ ◌َ له فى مسيرِه فى حَجَّةِ الوداعِ .
(١) ينتزع بهذه الآية : يتمثل. ينظر التاج (ن زع ).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير ٣٩٢/١٩ (٩٢١) من طريق هشام بن عمار به .
(٣) فى النسخ، وتفسير ابن كثير: ((الذكر)). والمثبت من المعجم الكبير، وفى المسند: ((الحَجَرَ)). والركن
هو الحجر الأسود، وذلك عندما اختلفت قريش فى رفعه، فرفعه النبى معَ اجٍ. وينظر مصادر التخريج.
(٤) أخرجه أحمد فى المسند ٣٠٤/٤ (٢٥٠٦)، والمصنف فى تاريخه ٢١٧/٣، والطبرانى فى الكبير
(١٢٩٨٤)، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٢٥/٣ - والبيهقى فى دلائل النبوة ٢٣٣/٧، ٢٣٤ من
طريق ابن لهيعة به بنحوه. وليس فى المسند ولا تاريخ المصنف ذكر نزول سورة ((المائدة)). قال ابن كثير: أثر
غريب وإسناده ضعيف .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٢ إلى المصنف وابن المنذر.

٩١
سورة المائدة : الآية ٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ،
عن [١٣٢/١٣ و] الربيع بن أنس، قال: نزلت سورةُ ((المائدةِ)) على رسولِ اللهِ عَ لَّه فى
الَسيرِ فى حَجَّةِ الوداعِ وهو راكبٌ راحلته، فبرَكت به راحلتُه مِن ثِقَلِها(١).
وقال آخرون : ليس ذلك بيومٍ معلومٍ عندَ الناسِ ، وإنما معناه: اليومُ الذى أعلَمُه
أنا دونَ خلقِى ، أكمَلتُ لكم دينكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباس: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقولُ: ليس بيومٍ معلومٍ يَعْلَمُه
(٢)
الناسُ(٤).
قال أبو جعفر : وأولی الأقوال فى وقت نزول هذه الآية القولُ الذی رُوِى عن
عمرَ بنِ الخطابِ، أنها نزَلت يومَ عرفةً ، يومَ جُمُعَةٍ ؛ لصحةٍ سندِه ووَهْي أسانيدِ
غيره .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جرير رحِمه اللهُ: يعنى تعالى ذكرُه بقوله : ﴿ فَمَنِ
اضْطُرَ﴾ : فمن أصابه ضُرِّ ﴿فِي مَخَْصَةٍ ﴾ . يعنى: فى مجاعةٍ .
وهى مَفْعَلَةٌ ، مثلُ المَجَبَنةِ والمَتَخَلَةِ والمَنَجَبةِ ، مِن خَمْصِ البطنِ ، وهو اضْطمارُه،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ٢٥/٣.
(٢) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٣/ ٢٥.

٩٢
سورة المائدة : الآية ٣
وأظنُّه هو فى هذا الموضعِ معنىٌّ به اضْطِمارُه مِن الجوع وشدةِ السَّغَبِ (١). وقد يكونُ
3
فى غيرِ هذا الموضعِ اضْطِمارًا منٍ غيرِ الجوعِ والسَّغَبِ ، ولكن مِن خِلْقَةٍ، كما قال
نابغةُ بنى ذُبيانَ فى صفةِ امرأةٍ بِخَمْصٍ البطنِ :
والبَطْنُ ذِو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيِّنّ والنَّخْرُ تَنْفُجُه بِشَدْي مُفْعَدٍ ().
٨٥/٦
[١٣٢/١٣ ظ] / فمعلومٌ أنه لم يُرِدْ صِفَتَها بقولِه: خَمِيصٌ. بالهُزالِ والضُّرِّ مِن
الجوع، ولكنه أراد وصفَها بلطافةٍ طَيِّ ما علا الأوراكَ والأفخاذَ مِن جسدِها؛ لأن
ذلك مما يُحْمَدُ مِن النساءِ، ولكنَّ الذى فى معنى الوصفِ بالاضْطِمارِ والهُزالِ مِن
الضُّرِّ مِن ذلك قولُ أعشَى بني ثعلبةً(٤) :
وجاراتُكم غَرْنَى بَبِثْنَ خَمَائِصًا
تَبِيتُون فى المَشْتَى مِلاءً بُطونُكُمْ
يَعْنى بذلك: تَبِثْنَ مُضْطَمِراتِ البطونِ مِن الجوع والسَّغَبِ والضُّرِّ. فمن هذا
المعنى قولُه: ﴿فِي مَخَصَةٍ﴾ .
وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ : المَحْمَصةُ المصدرُ مِن خَمَصه الجوعُ.
وكان غيرُه مِن أهلِ العربيةِ يَرَى أنها اسمٌ للمصدَرِ وليست بمصدرٍ ، ولذلك
تَقَعُ المَفْعَلةُ اسمًا فى المصادرِ للتأنيثِ والتذكيرِ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) السغب: الجوع مع التعب . اللسان (س غ ب ).
(٢) ديوان النابغة ص ٣٨.
(٣) العُكَن: الأطواء فى البطن من السّمَن، وتنفجه: ترفعه، والمقعد من الثدى: الناهد الذى لم يثن بعد
ولم یتکسر. اللسان (ن ف ج ، ق ع د ، ع ك ن).
(٤) ديوانه ص ١٤٩.
(٥) غرثى : جوعى .

٩٣
سورة المائدة : الآية ٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ ﴾. يَعْنى: فى مجاعةٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي
مَخْمَصَةٍ ﴾ . أى : فى مجاعةٍ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال أخبرنا معمرٌ، عن
.(٣)
قتادةَ مثلَهُ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْبَصَةٍ﴾. قال: ذَكَر المََّةَ وما فيها، فأحلَّها فى
الاضطرارِ، ﴿ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. يقولُ: فى مجاعةٍ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ فى قولِه :
فَمَنِ اضْطُرَ فِى مَخْمَصَةٍ ﴾. قال: المخمصةُ الجوعُ.
[١٣٣/١٣ ,] القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمَن اضْطَُّّ فى مَخْمَصَّةٍ إلى
أكلِ ما حرَّمتُ عليه منكم أيُّها المؤمنون مِن المَيَّةِ والدم ولحم الخِيْزِيرِ وسائرِ ما حرَّمتُ
عليه بهذه الآيةِ، ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّئْمٌ﴾. يقولُ: لا(4) مُتَجانِفًا لإثم .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٩/٢ إلى المصنف ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٩/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى م: ((إلا)).

٩٤
سورة المائدة : الآية ٣
فلذلك نصَب ((غيرَ )) لخروجِها مِن الاسم الذى فى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ﴾.
وهى بمعنى ((لا )))، فنُصِب بالمعنى الذى كان به منصوبًا ((المتْجَانفُ)) لو جاء
الكلامُ : لا (١) مُتَجَانِفًا .
وأما ((المتجانفُ للإِثم))، فإنه المتمايلُ له المنحرفُ إليه، وهو فى هذا الموضعِ
مرادٌ به المُتْعَمِّدُ له القاصدُ إليه، مِن: جَنَف القومُ علىَّ، إذا مالوا، وكلّ أعوجَ فهو
أجنفُ عندَ العربِ .
وقد بيَّنا معنى ((الجَنَفِ)) بشواهدِه فى قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ
جَنَفًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع(١).
٨٦/٦
وأما تَجَانُفُ آكلِ المَةِ فى أكلِها وفى غيرِها مما حرَّم اللهُ أكلَه على المؤمنين / بهذه
الآيةِ ، للإثم فى حالٍ أكلِه ، فهو تَعَمُّدُهُ أُكلَ ذلك لغيرِ دفع الضرورةِ النازلةِ به، ولكنْ
المعصيةِ اللهِ وخلافٍ أمرِه فيما أمره به مِن تركٍ أکلٍ ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنا معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَ فِى مَخَْصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّائْمٍ﴾. يعنى: إلى ما حرَّم مما
سَمَّى فى صدرِ هذه الآيةِ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٌ﴾. يقولُ: غيرَ متعمَّدٍ لإثمٍ ().
(١) فى م: ((إلا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٤٧/٣ - ١٥٢.
(٣) سقط من: الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .

٩٥
سورة المائدة : الآية ٣
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٌ﴾: غيرَ مُتَعَمِّدٍ لإثم. قال: لَّ (١) حرَّم اللهُ ما حرَّم،
رخّص للمضطرّ إذا كان غيرَ متعمّدٍ لإثم أن يَأْكُلَه مِن جَهْدٍ ، فمَن بغَى أُو عَدا أو
خرَج فى معصيةِ اللهِ ، فإنه محرَّمٌ عليه أن يَأْكُلَه(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ
لَائِمٌ﴾. أى: غيرَ مُتَعَرّضٍ لمعصيةٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾: غيرَ متعمِّدٍ لإثمٍ، غيرَ متعرِّضٍ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٌ﴾. يقولُ: غيرَ متعرِّضٍ لإثم؛ أن(٤) يَبَتَغِىَ فيه
شهوةً ، أو يَعتَدِی فی أکلِه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٌ﴾: لا يَأْكُلُ ذلك ابتغاءَ الإثمِ ولا جَرَاءةٌ عليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: وفى هذا الكلام متروك ا کتُفِى بدلالةِ ما ذُكِر عليه
منه . وذلك أن معنى الكلام: فمَن اضْطُرَّ فى مَخْمَصةٍ إلى ما حرَّمتُ عليه مما ذكرتُ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((إلى)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٩/٢ إلى المصنف.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٩٣ .
(٤) فى م: (( أى )).

٩٦
سورة المائدة : الآية ٣
فى هذه الآيةِ، غيرَ مُتَجانفٍ لإِثم فأكَلَه، فإن اللهَ له (١) غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَتَرَكَ ذِكْرَ
((فأكَله))، وذِكْرَ (له ))؛ لدلالةِ سائرٍ ما ذكّر مِن الكلامِ عليهما .
وأما قولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فإن معناه: فإن الله لمن أكّل ما حرَّمتُ
عليه بهذه الآيةِ أَكْلَه، فى مَخْمصةٍ غيرَ متجانفٍ لإِثم، ﴿غَفُورٌ﴾. يقولُ: يَسْتُرُله
عن أكله ما أكل مِن [٣٤/١٣ ١ و] ذلك بعفوه عن مؤاخذته إياه ، وصفحِه عنه، وعن
عقويتِه عليه، ﴿رَّحِيمٌ﴾. يقولُ: وهو به رفيقٌ، ومِن رحمته ورِفقِه به أباح له أكلَ
ما أباح له أكْلَه مِن المَيْتَةِ وسائرٍ ما ذكَّر معها فى هذه الآيةِ ، فى حالٍ خوفِه على نفسِه
من كَلَبِ الجوعِ وضُرِّ الحاجةِ العارضةِ بيَدَنِه .
فإن قال قائلٌ: وما الأكلُ الذى وعَد اللهُ الْمُضْطَرَّ إِلى المَيَّةِ وسائرِ المحرَّماتِ معها
بهذه الآيةِ غفرانَه إذا أَكَل منها ؟
قيل: ما حدَّثنى عبدُ الأعلى بنُ واصلِ الأسَدِىُّ، قال : ثنا محمدُ بنُ القاسم
الأسدگُ، عن الأوزاعى ، عن حسان بن عطيةً ، عن أبی واقد الليثيّ ، قال : قلنا : يا
٨٧/٦ رسولَ اللهِ، إِنّا بأرضِ تُصيبُنا فيها / مَخْمَصَةٌ، فما يَصْلُحُ لنا مِن المَيْئَةِ؟ قال: ((إذا
لم تَصْطَبِحُوا، أو تَغْتَبِقوا، أو تَخْتُفِئُوا بقلًا(١)، فشأنَكم بها))().
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) قال أبو عبيد: وأما قوله: مالم تصطبحوا أو تغتبقوا. فإنه يقول: إنما لكم منها الصبوح، وهو الغداء، أو
الغبوق ، وهو العشاء. يقول: فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة .
قال الأزهرى: قد أُنكر هذا على أبى عبيد، وفُشر أنه أراد: إذا لم تجدوا ◌ُبينَة تصطبحونها ، أو شرابا تغتبقونه، ولم
تجدوا بعد عدمكم الصبوح والغبوقَ بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة . قال: وهذا هو الصحيح. وتحتفئوا بقلا : هو من
الخَفَأ ، مهموز مقصور، وهو أصل البردىّ الأبيض الرطب منه، وهو يؤكل. يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه .
ينظر غريب الحديث لأبى عبيد ٦٠/١، ٦١، وتهذيب اللغة ٢٦٤/٤، والنهاية ١/ ٤١١، ٥/٣، ٦.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٨/٥ (الميمنية)، والبيهقى ٣٥٦/٩ من طريق محمد بن القاسم به=

٩٧
سورة المائدة : الآ ية ٣
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الخَصِيبِ بنِ زيدِ التميمىٌّ،
قال: ثنا الحسنُ، أن رجلاً سأل رسولَ اللهِ عَه، فقال: إلى متى يَحِلُّ
لى الحرام؟ قال: فقال: ((إلى أن يَرْوَى أهلُك مِن اللبَنِ، أَو تَجِىءَ
(١)
مِيرَتُهم ))(١).
حدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا هشیمٌ، قال : أخبرنا خَصِيبُ بنُ زید
التميمىُّ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلاً سأل النبيُّ عَّهِ. فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: ((أو
تُجْبَى(٢) مِيرَتُهم))(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال : ثنى عمرُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ عروةَ، عن جدِّه عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عمن حدَّثه، أن رجلًا مِن الأعرابِ أتى
النبىَّ ◌َِّ يَشْتَفتِيه فى الذى حرَّم اللهُ عليه والذى أحلِّ له، فقال له النبيُّ عَلَّهِ:
((يَحِلُّ لك الطبيباتُ، ويَحْرُمُ عليك الخبائثُ، إلَّا أَن تَفْتَقِرَ إلى طعامٍ(٢) لك، فتَأْكُلَ
منه حتى تَسْتَغْنِىَ عنه)). فقال الرجلُ: وما فقرى الذى يُحِلُّ لى، وما غِناى
الذى يُغْنِينى عن ذلك؟ فقال النبيُّ عَِّ: ((إذا كنت تَرْجو نِتاجًا فَتَبَلَّغْ بلحوم
ماشِيَتِك إلى نِتاجِك، أو كنت تَرْجُو غِنَّى تَطْلُبُه فتَبَلَّغْ مِن ذلك شيئًا، فَأَطْعِمْ أهلَك
مابدًا لك حتى تَشْتَغْنِىَ عنه)). فقال الأعرابيّ: ما غِناى الذى أُدَعُه إذا وَجَدْتُه؟
فقال النبىُّ عَ لَهِ: ((إذا أَرْوَيتَ [١٣٤/١٣ ظ] أهلَك غَبُوقًا مِن الليلِ فاجْتَنِبْ ما حرَّم اللهُ
= وأخرجه أحمد ٢١٨/٥ (الميمنية)، والدارمى ٢/ ٨٨، والطبرانى فى الكبير (٣٣١٦)، والحاكم ١٢٥/٤،
والبيهقى ٩/ ٣٥٦، والبغوى فى شرح السنة (٣٠٠٧) وفى التفسير ٦/ ١٤، من طريق الأوزاعى به .
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧/٣ عن المصنف .
(٢) فى م: (( تحيا)).
(٣) بعده فى المعجم الكبير وكشف الأستار: (( لا يحل)). والحديث بدون هذه الزيادة ذكره ابن كثير
والسيوطى عن المصنف .
( تفسير الطبرى ٧/٨ )

٩٨
سورة المائدة : الآية ٣
عليك مِن طعامٍ، ( وأمَّا) مالُك فإنه مَيْسورٌ كلُّه، ليس فيه حرامٌ)) (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُّ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ ، قال : وَجَدتُ
عندَ الحسنِ كتابَ سَمُرَةً ، فَقَرَأَتُه عليه، وكان فيه : ويُجْزِئُ مِن الاضطرارِ غَبوقٌ أو
(٣)
صَبوحٌ() .
حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو هشام الرفاعىُّ ، قالا : ثنا يحيى بنُ أبى زائدةً، عن ابنِ عونٍ ،
قال : قَرَأْتُ فى كتابٍ سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ: يَكْفِى مِن الاضْطِرَارِ - أو مِن الضرورةِ -
غَبوقٌ أو صَبوحٌ . .
حدّثنی علیُ بنُ سعید الکندىُّ وابو کریبٍ ، قالا : ثنا عبدُ الله بن إدريسَ ، عن
هشامٍ بنِ حسانَ، عن الحسنِ، قال: إذا اضْطُرَّ الرجلُ إلى المَنَةِ أكَل منها قُوتَه .
يعنى : مُسْكَتَه(٤) .
حدَّثنا هنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال: ثنا ابنُ مباركٍ، عن الأوزاعىِّ ، عن حسانَ بنِ
عطيةَ ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، إِنّا بأرضِ مَخْمَصَةٍ ، فما يَحِلُّ لنا مِن المَّةِ؟
ومتى تَمِلُّ لنا المَةُ؟ قال: ((إذا لم تَصْطَبِحوا، ولم(٥) تَغْتَبِقوا، ولم تَحْتُفِئُوا بَقلًا،
فشأنكم بها )) (٦).
(١ - ١) سقط من النسخ، ولم يذكرها ابن كثير عن المصنف، والمثبت من المعجم الكبير والدر المنثور.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧/٣ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر ٢٦٠/٢ إلى المصنف وحده،
وأخرجه الطبرانى فى الكبير (٧٠٤٦) ، والبزار (٢٨٦١ - كشف) - مختصرًا - من طريق خبيب بن سليمان
ابن سمرة ، عن سمرة بن جندب بنحوه. وقال الهيثمى فى المجمع ٤ / ١٦٣: رواه الطبرانى فى الكبير، والبزار
باختصار كثير، وفى إسناد الطبرانى مساتير، وإسناد البزار ضعيف .
(٣) أخرجه أبو عبيد فى غريب الحديث ٦١/١ - ومن طريقه البيهقى ٣٥٦/٩ - من طريق ابن عون به .
(٤) المسكة: ما يُمسك الأبدان من الطعام والشراب. اللسان (م س ك ).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أو)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره عن المصنف ٢٧/٣.

٩٩
سورة المائدة : الايتان ٣ ، ٤
حدَّثنا هنَّدُ بنُ السَّرِىِّ، قال : ثنا عيسى بنُ يونسَ ، عن الأوزاعىِّ، عن حسانَ
ابنِ عطيةَ، عن رجلٍ قد سُمِّ له(١)، أن رجلًا قال للنبيِّ عَه: إنا نكونُ بأرضٍ
مَحْمَصةٍ ، فمتى تَحِلُّ لنا المَةُ؟ قال: ((إذا لم تَعْتَبِقُوا، ولم تَصْطَبِحُوا، ولم تَحَتَفِئُوا
بقلًا ، فشأنكم بها))(٢) .
" قال أبو جعفر : يُؤْوَى هذا على أربعةِ أوجهٍ : تحْتَفِئُوا بالهمزِ، وتَحْتَفِيوا بتخفيفِ
الياءِ ، والحاءِ، وتَحْتَقُوا بتشديدِ الفاءِ، وتَخْتَفُوا بالحاءِ والتخفيفِ، ويَحْتَمِلُ الهمزُ ).
لا
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ
وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ .
قال أبو جعفر رحمه اللّهُ : يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه : يَسألُك يا محمدُ أصحابُك ما
الذى أُحِلَّ لهم أكلُهُ مِن المطاعمِ والمآكلِ، (٢فقل لهم) : أُحِلَّ لكم منها الطيباتُ،
وهى الحلالُ الذى أَذِن لكم ربّكم فى أكلِهِ مِن الذبائحِ، وأُحِلَّ لكم أيضًا مع ذلك صيدُ ما
علَّمتم مِن الجوارحِ، وهن الكواسِبُ مِن سباع البهائم والطيرِ. [١٣٥/١٣ و].
سُمِّيت جوارعَ لجرحِها لأربابِها، وكسبِها إياهم أقواتَهم مِن الصيدِ. يقالُ
منه : جرّح فلانٌ أهلَه خيرًا . إذا أكسبهم خيرًا، و: فلانٌ جارحةُ أهلِه . يَعْنى بذلك
كاسبَهم، و: لا جارِحةَ لفلانةَ. إذا لم يكن لها كاسبٌ. ومنه قولُ أَعْشَى بنى
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( لنا)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره عن المصنف ٢٧/٣.
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
وتختفيوا من : احتفى البقلَ: إذا اقتلعه من الأرض، وتحتفُّوا من: احتففت الشىء، إذا أخذته کله کما تحفُ
المرأة وجهها من الشعر. ينظر اللسان (ح ف ی). وتقدم معنى (( تختفئوا)) فى ص ٩٦.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فقال)).
(٥) فى الأصل: ((وهی)).

١٠٠
سورة المائدة : الآية ٤
.(١)
ثَعْلبةً(١) :
ذاتَ خدٍّ(٢) مُنْضِج مِيسَمُها(٣) تُذْكِرُ الجارحَ ما كان اجْتَرَعْ
يعنى : اكتسب .
وتُرِك مِن قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾: وصيدُ ما علَّمتم مِن الجوارح. اكتفاءً
بدَلالةِ ما ذُكِر مِن الكلام على ما تُرِك ذكرُه ، وذلك أن القومَ ، فيما بلغنا ، كانوا سأَلُوا
رسولَ اللَّهِ عَّهِ - حينَ أمرَهم بقتلِ الكلابِ - عما يَحِلُّ لهم اتخاذُه منها وصيدُه،
فأنزل اللَّهُ عَزَّ ذكرُّه فيما سأَلُوا عنه مِن ذلك هذه الآيةَ، فاستَنْنَى عََّ(٤) مما كان حرَّم
اتخاذَه منها وأمَر بقَتْلِه(١) ، كلابَ الصيدِ وكلابَ الماشيةِ وكلابَ الحرثِ ، وأذِن لهم
باتخاذٍ ذلك .
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حبابِ العُكْلِيُ، قال: ثنا موسى بنُ
تُبيدةَ، قال: "حدَّثنى أبانُ بنُ" صالح، عن القعقاع بنِ حكيم، عن سَلْمَى أمُّ(٧)
رافعٍ، ("عن أبى رافعٍ))، قال: جاء جبريلُ إلى النبيِّ ◌َّمِ يَسْتَأْذِنُ عليه، فأذن له
(١) ديوانه ص ٢٤٥، وروايته :
ذا جُبَار مُنضِجا مِيسَمُه
يُذكِرُ الجارمَ ما كان اجترح
(٢) فى ص، ت ١: ((حد)). والخد: الشق فى الأرض، والتأثير فى الشىء. التاج (خ د د).
(٣) فى الأصل: ((مبسمها))، وفى م: ( میسمه )).
والميسم : المكواة أو الشىء الذى يوسم به الدواب . اللسان (وس م).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بقنية)).
(٦ - ٦) فى ص: ((أنا)، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أخبرنا)).
(٧) فى الأصل: ((ابن)).
(٨ - ٨) سقط من: الأصل.