النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة المائدة : الآ ية ٢ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: يعنى بقولِه: ﴿يَبْتَغُونَ﴾: يطلُبون ويلتمِسون. والفضلُ الأرباح) فى التجارةِ. والرضوانُ رضا اللهِ عنهم، فلا يُحِلَّ بهم من العقوبةِ فى الدنيا ما أحلّ بغَيرِهم من الأمم فى عاجلٍ دنياهم بحجّهم بيتَه . وبنحوِ الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ من قال ذلك [١٤/١٣ ١ظ] حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾. قال: ((هى ج للمشْرِ کین) ؛ يلتمسون فضلَ الله ورضوانه فیما يُصْلِخ لهم دنياهم . أخبرنا ابنُ وكيع، قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ ، قال: قرأتُ على ابنٍ أبى عَرُوبةَ ، فقال: هكذا سمِعتُه من قتادةَ فى قولِه: ﴿ يَبْثَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾ : والفضلُ والرِّضوانُ اللذان يَتَغون أن يُصْلِحَ معايشَهم فى الدنيا، ( وألا" يعجّلَ لهم العقوبةَ فيها (٥) . حدثنی المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يَبْنَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ : يعنى أنهم یترضّوْن الله بحجّهم () (١ - ١) فى ص: ((الفضل للإرباح)). (٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هم المشركون)). (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٢. (٤ - ٤) فى الأصل: ((ولا)). (٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ٩. (٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم والنحاس فى ناسخه . ٤٢ سورة المائدة : الآية ٢ حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرِ الرازىِّ، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم فى قوله : ﴿ يَبْنَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: التجارةُ فى الحجِّ، والرضوانُ فى (١) (٢) الحجّ(٢). أخبرنا محمدُ بنُ المثنی ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثناشعبةُ ، عن أبی أُمَيمةَ(٣) ، قال : قال ابنُ(٤) عمرَ فى الرجلِ يحُجُ، ويحمِلُ معه متاعًا ، قال : لا بأسَ به . وتلا هذه الآيةَ: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن ◌َِّهِمْ وَرِضْوَانً ﴾. حدثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: يبتغون الأجرّ =(٥) والتجارةَ(٥) . القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾. ج قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإذا حَلَلتم ( مِن إحرامِكم ٢ فاصطادُوا الصيدَ(٧) الذى نهيتُكم أن تُحِلُّوه وأنتم حُرُمٌ. يقولُ: فلا حرَجَ عليكم فى اصطيادِه، فاصطادُوا إن شئتم حينئذٍ ؛ لأن المعنى الذى من أجلِه كنت (١) سقط من: الأصل . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى عبد بن حميد. (٣) فى الأصل، س: (أمية)). وهو قول فيه، وقيل: أبو أمامة، وأبو أميمة. ينظر: التاريخ الكبير ٩/ ٤، والجرح والتعديل ٩/ ٣٣٠، ٣٣١، وتهذيب الكمال ٥٢/٣٣. (٤) سقط من : الأصل. (٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٩. (٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. (٧) فى الأصل: ((والصيد)). ٤٣ سورة المائدة : الآية ٢ حژَّمته علیکم فی حالٍ إحرامِكم قد زال . ٦٣/٦ / وبما قلنا فى ذلك قال جميعُ أهلِ التأويلِ . [١٥/١٣ ١و] ذكرُ من قال ذلك حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هى رخصةٌ . يعنى قوله: ﴿ وَإِذَا حَلُْمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ . ج أخبرنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن حجَّاجٍ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ، قال: خمسٌ فى كتابِ اللهِ رخصةٌ ، وليست بعَزْمةٍ. فذكَر: ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾. قال: من شاء فعل، ومن شاء لم يفعَلْ(١) . حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن حجاج، عن عطاءٍ مثلَه (١). حدثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن محُصينٍ، عن مجاهدٍ : ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾. قال: إذا حلَّ، فإن شاء اصْطَادُ(١) ، وإن شاء لم يصطَدْ(١). أخبرنا ابنُ و کیعٍ، قال: حدثنا ابنُ إدریسَ، عن ابن جريج، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ أنه كان لا يرى الأكلَ من هَدْىِ المتعةِ واجبًا، وكان يتأوَّلُ هذه ج الآيَةَ: ﴿ وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ ﴾ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى ابن أبى حاتم. (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((صاد)). ٤٤ سورة المائدة : الاية ٢ القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ﴾ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمَه اللهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَحْمِلَنَّكم. كما حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَََانُ قَوْمٍ﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ (١). حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْرٍ ﴾. أى: لا يحمِلَنَّكم(٢). وأما أهلُ المعرفةِ باللغةِ فإنهم اخْتَلفوا فى تأويلها؛ فقال بعضُ البصريِّين(١): معنى قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ(٤) لكم؛ لأن قوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢] هو : حقٌّ أن لهم النارَ. " وقال آخرُ منهم: معناه: لا يحمِلَتَّكم ولا يُعْدِيَتْكمْ). وقال بعضُ الكوفيين: [١١٥/١٣ظ] معناه: لا يَحْمِلَتَّكم. وقال(٢): يقالُ: جرَمنى١٢ فلانٌ على أن صنَعْتُ كذا وكذا. أى: حمَلنى عليه . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم والنحاس فى ناسخه . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى عبد بن حميد. (٣) هو الأخفش، كما ذكره عنه صاحب اللسان . (ج ر م). (٤) فى الأصل: ((يحقق))، وفى ص، ت ١: ((يحقر)). وينظر اللسان الموضع السابق. (٥ - ٥) سقط من: م. (٦) سقط من: الأصل. (٧) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((حملنى)). ٤٥ سورة المائدة : الآية ٢ واحتجَّ جميعُهم ببيتِ الشاعرِ(١): جرَمَتْ فَزَارةَ بعدَها أن يَغْضَبوا ولقد طعَنْتَ أبا عُيينةَ طعنةٌ فتأوَّل ذلك كلّ فريقٍ (١) منهم على المعنى الذى تأوَّله من القرآنِ ، فقال الذين قالوا: ﴿ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقِّنَّ لكم(٢): معنى قولِ الشاعرِ: جرَمَت فَزارةً: أَحَقَّت الطعنةُ لغزارةَ الغضبَ . وقال الذين قالوا معناه: / لا يَحْمِلَنَّكم: معناه فى البيتِ: جرَمَت فزارةَ أن ٦٤/٦ يَغْضَبوا : حمَّلَت فزارةَ على أن يَغْضَبوا . وقال آخرُ من الكوفيين(٤): معنى قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَكْسِبَتَكم(٥) شنآنُ قوم ( أن تعتدوا). ( وتأويلُ قائل١) هذا القولِ قولَ الشاعرِ فى البيتِ: جرَمَت فزارةَ : كَسَبَت فزارةَ أَن يَعْضَبوا . قال: وسمِعتُ العربَ تقولُ : فلانٌ جريمةُ أهلِه . بمعنی : کاسبهم . وخرج يجرِمُهم : یکسِبُهم . قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللـهُ : وهذه الأقوالُ التى حكيناها عمَّن حكيناها عنه متقاربةُ المعنى . وذلك أن من حمَل رجلاً على بُغْضٍ رجلٍ، فقد أكْسَبه بغضَه، ومن أَكْسَبِه بغضَه، فقد أَحَقُّه له . (١) مجاز القرآن ١٤٧/١، والاشتقاق لابن دريد ص ١٩٠، ونسبه فى الكتاب ١٣٨/٣، والخزانة إلى الفزارى، ونسبه فى الاقتضاب ٣٥/٢، واللسان (ج رم) إلى أبى أسماء بن الضريبة ، ثم قال فى الاقتضاب، وقيل: هو لعطية بن عفيف يخاطب كرزا العقيلى ، كان قد قتل أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى يوم الحاجر. (٢) فى الأصل: ((قائل)). (٣) فى الأصل: ((عليكم)). (٤) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٩٩/١. (٥) فی ص: «يلبسنکم)) . (٦ - ٦) سقط من: م. (٧ - ٧) فى الأصل: ((وتأول)). ٤٦ سورة المائدة : الآية ٢ فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أحسنُ فى الإبانةِ عن معنى الحَّفِ ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ ، وذلك توجيهُهما معنى قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ ﴾. إلى(١) : ولا يحمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ على العُدْوانِ . واخْتَلفت القرأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿ وَلَا يَجْرِ مَتَّكُمْ﴾ يفتحِ الياءِ، من : جرَمْتُه أَجْرِمُه . وقرأ ذلك بعضُ قرأة الکوفیین ، وهو یحیی بنُ وثَّاب والأعمشُ( ، ما حدثنا ابنُ محُميدٍ وابنُ وكيع، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ أنه قرأ: (ولا يُجْرِمَنَّكم ). مرتفعةَ الياءِ ، من: أَجْرَمتُه أُجْرِمُه، وهو يُحْرِمُنى . قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: والذى هو أولى بالصوابِ من القراءتين قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَلَا [١١٦/١٣ و] يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتح الياءِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ بذلك فى قرأَةٍ الأمصارِ(٢) ، وشذوذِ ما خالَفه(٤) ، وأنها اللغةُ المعروفةُ السائرةُ فى العربِ ، وإن كان مسموعًا من بعضِها(٥) : أَجْرَمَ يُجْرِمُ. على شذوذِه، وقراءةُ القرآنِ بأفصح اللغاتِ أَوْلَى وأحقُّ منها بغيرِ ذلك. ومن لغةٍ من قال: جَرَمْتُ . قولُ الشّاعرِ (١) : يا أيها المُشْتَكِى مُكْلًا (٧) وما جَرمَتْ إلى القبائلِ مِن قتل وإِبْآَسُ() (١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. (٢) معانى القرآن للفراء ٢٩٩/١ وهى قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحد من العشرة. (٣) فى الأصل: ((الإسلام)). (٤) فى م: ((خالفها)). (٥) فى الأصل: (( بعضهم)) . (٦) البيت فى مجالس ثعلب ص ٤٩، ٥٠ للفرزدق، وفى الأضداد لابن الأنبارى ص ١٠١ غير منسوب. (٧) عُكْل: قبيلة من الرباب تُستَحمق. معجم البلدان ٣/ ٧٠٦. (٨) قوله: ((إبآس)). جاء مرفوعًا لضرورة القافية، كما صرح به قائله حين سئل فى ذلك فقال: فكيف أصنع وقد قلت : حتى يسلم الناس. مجالس ثعلب ص ٥٠. ٤٧ سورة المائدة : الآية ٢ القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ شَنَانُ قَوْمٍ ﴾. اخْتلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿ شَنَكَانُ ﴾ بتحريكِ الشينِ والنونِ إلى الفتح، بمعنى: بُغْضُ قومٍ. توجيهًا منهم ذلك إلى المصدرِ الذى يأتى على ((فَعَلان))، نظيرُ الطََّرانِ، والنَّسَلانِ(١)، والعَسَلانِ(٣)، والرَّمَلان (٤). وقرأ ذلك آخرون : (شَنْآنُ قَوْمٍ ) بتسكينِ النونِ وفتح الشين ، بمعنى الاسم، توجيهًا منهم معناه إلى: لا يَحْمِلَنَّكم بَغيضُ(١) قومٍ. فيُخَرَّجُ (شَتْآنُ) على تقديرٍ ((فَعْلان))؛ لأن ((فَعَل)) منه على ((فَعِل))، كما يقالُ: سَكْرانُ. من ((سَكِر))، وعَطْشَانُ. من ((عَطِش))، وما أُشْبَه ذلك من الأسماءِ . والذى هو أولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ (٨) قراءةُ من قرأ: ﴿شَنَكَانُ قَوْمٍ﴾ بفتح(١) النونِ محرَّكةً ، لتتابعِ(١) تأويلِ أهلِ التأويلِ على أن معناه: بُغْضُ قومٍ. (١) وهى قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى، ورواية عن نافع. ينظر حجة القراءات ص ٢٢٠ . (٢) الَّسَلان: الإسراع. وقيل: مشية الذئب إذا أسرع. اللسان (ن س ل). (٣) العَسَلان: أن يضطرم الفرس فى عدوه فيُخفِق برأسه ويطّرد متنه. اللسان (ع س ل). (٤) الرَّمَلان : السرعة فى المشى. اللسان (رم ل). (٥) وهى قراءة نافع فى رواية إسماعيل، وابن عامر، وأبى بكر، عن عاصم. حجة القراءات ص ٢١٩ . (٦) فى الأصل: (( منه)). (٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بغض)). وينظر تاج العروس (ش ن أ). (٨) القراءتان كلتاهما صواب ، فهما متواترتان . (٩) فى الأصل: ((يفتحون)). (١٠) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لشائع)). ٤٨ سورة المائدة : الآية ٢ وتوجيههم ذلك إلى معنی المصدرِ دونَ معنی الاسم . وإذ کان ذلك موجهًا إلی معنی المصدرِ، فالفصيح من كلامِ العربِ فيما جاء من المصادرِ على ((الفَعَلانِ)) بفتحِ الفاءِ، تحريكُ ثانيه دونَ تسكينه، كما وصَفتُ من قولهم(١): الدَّرَجانُ، ٦٥/٦ والرَّمَلانُ(٢). من درَج ورمَل(٢)، فكذلك / الشَّنَآنُ من. شَيْتُه أَشْتُؤُهُ شَنَانًا. ومن العربِ من يقولُ: شَنَانٌ. على تقديرٍ ((فَعَالٍ ))(٤)، ولا أعلَمُ قارئًا قرأ ذلك كذلك(٥)، ومن ذلك قولُ الشاعرٍ (٦): وإنْ لام فيه ذو الشَّنَانِ وفَتَّدَا [٦/١٣ ١ ١ ظ] وما العيشُ إلا ما يَلَدُّ ويُشْتَھَى وهذا فى لغةٍ من ترَك الهمزَ من ((الشَّنَآنِ))، فصار على تقدير ((فَعَالٍ))، وهو فى الأصلِ(٢) ((فَعَلانٌ)). ذكرُ من قال من أهلِ التأويلِ: ﴿ شَنَكَانُ قَوْرٍ ﴾ : بغضُ قومٍ حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ﴾: (لا يَحْمِلَنَّكم) بغضُ قومٍ(١). (١) بعده فى الأصل: ((الجمران والرقلان و))، وبعده فى ص، ت ١: ((الحمران والرملان و)). (٢) سقط من: الأصل، ص، ت ١. (٣) فى الأصل: ((رقل)). (٤) فى الأصل: ((فعلان)). (٥) سقط من : الأصل . (٦) هو الأحوص الأنصارى، والبيت فى شعر الأحوص ص ٩٩. (٧) بعده فى الأصل: ((على)). (٨ - ٨) فى الأصل: ((يقول)). (٩) تقدم تخريجه فى ص ٤٤. ٤٩ سورة المائدة : الآية ٢ وحدثنى به المثنى مرةً أخرى بإسنادِهِ، عن ابنِ عباس، فقال: لا تَحمِلتّكم عداوةٌ قومٍ أن تَعْتَدُوا . حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوٍْ﴾: لا يجرِمَنَّكُم بغضُ قومٍ(١). حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَتَكَانُ قَوْرٍ﴾. قال: بَعْضاؤُهم أن تعتدُوا . القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ قال أبو جعفرٍ، رحمه اللهُ : اخْتَلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأه بعضُ قرأةٍ(١) أهلِ المدينةِ وعامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ بفتحِ الألفِ " من ﴿أَنْ﴾، بمعنى: لا يَجْرِمَنَّكُم بغضُ قومٍ بصدِّهم إياكم عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدُوا . وكان بعضُ قرأَةِ الحجازِ والبصرةِ يقرأُ ذلك: (ولا يَجْرِمِنَّكم شَنَآنُ قومٍ إن صَدُّوكم). بكسرٍ الألفِ من ((إِنْ))(٤)، بمعنى: ولا يجرِمَتَّكم شنآنُ قومٍ إن هم) أَحْدَثْوا لكم صدًّا عن المسجدِ الحرام أن تعتدوا. "فزعموا أنها فى" (١) تقدم تخريجه فى ص ٤٤. (٢) سقط من: ص، م وهى قراءة العشرة عدا ابن كثير، وأبى عمرو. النشر ٢٥٤/٢. (٣- ٣) سقط من: الأصل. وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ٢٢٠. (٤) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو . المصدر السابق . (٥) بعده فى الأصل: ((صدوكم)). (٦ - ٦) مكانه فى الأصل بياض بقدر كلمة . ( تفسير الطبرى ٤/٨ ) ٥٠ سورة المائدة : الآية ٢ " قراءة ابن مسعودٍ: (إِن يَصُدُّوكم) . فقرَءوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءتِه . والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى [١١٧/١٣و] أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فى قرأَةِ الأمصارِ، صحيح معنى كلِّ واحدةٍ منهما، وذلك أن النبى(عَ لاته صُدَّ عن البيتِ هو وأصحابُه يومَ(٣) الحُدَيسةِ، وأَنْزِلت عليه سورةُ ((المائدةِ)) بعدَ ذلك، فمن قرّأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتحِ («الألفِ من) ﴿أَنْ﴾. فمعناه (٥): لا يَحْمِلَنَّكم بغضُ قومٍ أيُّها الناسُ من أجلٍ أن صدُّوكم يومَ الحديبيةِ عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: (إنْ صَدُّوكُمْ ) بكسرِ الألفِ ، فمعناه: لا يجرِمَتَّكم شنآنُ قومٍ إن صدُّوكم عن المسجد الحرامِ إذا أردتم دخولَه. لأن الذين حارَبوا رسولَ اللهِ عَ لَه وأصحابه من قريشٍ يومَ فتحٍ مكةً قد حاولوا صدَّهم عن المسجدِ الحرام، فتقدَّم اللهُ إلى المؤمنين فى قولٍ من قرأ ذلك بكسرِ ((إنْ)) بالنهي عن الاعتداءِ عليهم إن هم صدُّوهم عن المسجدِ الحرامِ قبلَ أن يكونَ ذلك من الصادِّين. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كما وصَفْتُ ، فإن قراءةً ذلك بفتح الألفِ أبينُ معنًى؛ لأن ٦٦/٦ هذه السورةَ لا تَدَافُعَ بينَ أهلِ العلم فى أنها نزَلت بعدَ يومٍ / الحُدَثِيةِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالصَّدُّ قد كان تقَدَّم مِن المشركينِ، فنهَى اللهُ المؤمنين عن الاعْتِداءِ على الصادِّينِ. مِن أجلِ صدِّهم إِيَّاهم عن المسجدِ الحرامِ. وأما قولُه: ﴿أَنْ تَعْتَدُواْ﴾ فإنه يعنى: أن تُجاوزوا الحدَّ الذى حدَّه اللهُ لكم فى أمرهم . (١ - ١) مكانه فى الأصل بياض بقدر كلمة . (٢) قراءة ابن مسعود ذكرها الفراء فى المعانى ٣٠٠/١ وهى شاذة . (٣) فى الأصل: ((عام)). (٤ - ٤) سقط من: الأصل . (٥) فى الأصل: ((بمعنى)). - ٥١ سورة المائدة : الآية ٢ فتأويلُ الآيةِ إذن: ولا يَحْمِلَتَّكم بُغْضُ (١) قومٍ لأَنْ صَدُوكم عن المسجدِ الحرامِ أيُّها المؤمنون أن تَعْتَدوا حكمَ اللهِ فيهم، فتُجاوزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكنِ الْزَموا طاعةَ اللهِ فيما أَحْبَبْتُم وکرِهْتُم . وذُكِر أنها نزَلَت فى النهي عن الطلبِ بُدُحولٍ (٢) الجاهليةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾: رجلٌ مؤمنٌ مِن حلفاءِ محمدٍ قَتل خَليفًا لأبى سفيانَ مِن هُذَيْلٍ يومَ الفتح بعرفةَ ؛ لأنه كان يَقْتُلُ حلفاءَ محمدٍ ، فقال محمدٌ عَّهِ: ((لعَن اللهُ مَن قتَل بذَحْلِ الجاهليةِ))(٢). [١١٧/١٣ ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفَةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبی تَجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون : هذا منسوخٌ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَجْرِمَتِّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ ﴾. قال: بَغْضاؤُهم حتى تَأْتوا ما لا يَحِلُّ لكم. وقَرَأْ : ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواُ وَتَعَاوَنُواْ﴾ . وقال: هذا كلُّه قد نُسِخ، نسخه الجهادُ . (١) فى ص، ت٢: ((بغضاء)). (٢) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢: ((بدخول)). والذحول جمع ذَخْل، وهو الثأر. اللسان (ذ ح ل). (٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٩. ٥٢ سورة المائدة : الآية ٢ قال أبو جعفرٍ : وأولَى القولَين فى ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ ، (١ وأنه١) غيرُ منسوخٍ؛ لاحتمالِهِ : أَن تَعْتَدوا الحقَّ فيما أَمَرْتُكم به. وإذا اخْتَمل ذلك، لم يَجُزْ أن يُقالَ : هو منسوخٌ. إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها . القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىُ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ ﴾. قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَى﴾: ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا أيُّها المؤمنون على البرّ، وهو العملُ بما أمَر اللهُ بالعملِ به، والتقوى هو اتِّقاءُ ما أمَر اللهُ باتِّقائِه واجْتِنابِهِ مِن مَعاصِيه . وقولُه: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ ﴾ يعنى: ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على الإثم . يعنى: على تركِ ما أمَرَكم اللهُ بفعلِهِ ﴿ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ يقولُ: ولا على أن تَتَجاوزا ما حدَّ اللهُ لكم فى دينكم، وفرض لكم فى أنفسكم وفى غيرٍ كم. وإنما معنى الكلام: ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنآنُ قومٍ أن صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أن تَعْتَدوا، ولكن لِيُعِنْ بعضكم بعضًا بالأمرِ بالانتهاءِ إلى ما حدَّه اللهُ لكم [١١٨/١٣ و] فى القومِ الذين صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ ، وفى غيرِهم ، والانتهاءِ عما نهاكم اللهُ أن تَأْتوا فيهم وفى غيرِهم، وفى سائرٍ ما نهاكم عنه، ولا يُعِنْ بعضكم بعضًا على خلاف ذلك . وبما قلْنا فى ((البرّ والتقوَى)) قال أهلُ التأويلِ. حدَّثنى المثنى، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أُلِّ وَالنَّقْوَى﴾. قال: (١ - ١) فى م، ت ١، س: ((إنه)). ٥٣ سورة المائدة : الآيتان ٢، ٣ البرّ ما أُمِرْتَ به ، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عنه (١). حدَّثنی المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبی جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى﴾. قال: البِرُّما أُمِرْتَ به ، والتقْوَى ما نُهِيتَ عنه(١). القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابٍ قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: وهذا وَعيدٌ مِن اللهِ جلّ ثناؤه، وتهددٌ(٢) لمن اعْتَدَى حدَّه، وتجاوَز أمْرَه، يقولُ تبارَك وتعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ الَّهُ﴾. يعنى: واخْذَروا اللهَ أيُّها المؤمنون أن تَلْقَوْه فى مَعادِ كم وقد اعْتَدَيْثُم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالَفْتُمْ أَمْرَه فيما أَمَرَ كم به ، أَو نَهْيَه فيما نَها كم عنه ، فتَسْتَوْجِبوا ◌ِقابَه، وتَسْتَحِقُوا أَليمَ عذابِهِ. ثم(٤) وصَف عقابَه بالشدةِ ، فقال جل ثناؤه : إن الله شديدٌ عقابُه لمن عاقَبَه مِن خلقِه؛ لأنها (٥) نارٌ لا يَطْفَأُ حَرُّها ، ولا يَخْمُدُ جَمْرُها ، ولا يَسْكُنُ لَهَبُها ، نَعوذُ باللهِ منها ، ومِن عملٍ "يُقَرَّبُ إليها) . [١٨/١٣ ١ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾. قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمَه اللهُ : يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: حرَّم اللهُ عليكم أيُّها المؤمنون الميتةَ . والميتةُ كلُّ ماله نفسٌ سائلةٌ مِن دَوابٌ البَرِّ وطيرِه، مما (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢، ٢٥٤ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم والنحاس فى ناسخه . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى عبد بن حميد من قول الربيع بن أنس. (٣) فى م: (( تهديد)) . (٤) سقط من: الأصل . (٥) فى الأصل: ((لأنه)). (٦ - ٦) فى ص، ت ٢: ((يقرب منها))، وفى م: ((يقربنا منها)). ٥٤ سورة المائدة : الآية ٣ أباح اللهُ أَكلَها؛ أهْلِيَّها ووَحْشِيَّها، فارَقَتْها رُوحُها بغيرٍ تَذْكيةٍ . وقد قال بعضُهم: الميتةُ هو كلُّ ما فارَقَتْه الحياةُ مِن دَوابِ البَرِّ وطيرِهِ بغيرٍ تَذْكِيةٍ مما أحَلَّ اللهُ أكلَه . وقد بيَّنَّا العلةَ الُوجِبةَ صحةَ القولِ بما قلنا فى ذلك فى كتابِنا (( كتابٍ لطيفٍ القولِ فى الأحكامِ )). وأما الدَّمُ ، فإنه الدمُ المسفوحُ دونَ ما كان منه غيرَ مسفوح؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فأمَّا ما كان قد صار فى معنى اللحم؛ كالكِبدِ والطَّحالِ وما كان فى اللحمِ غيرَ مُنْسَفِحٍ، فإن ذلك غيرُ حَرامٍ ؛ الإِجماعِ الجميعِ على ذلك . وأما قولُه: ﴿أَوْلَحْمَ خِيرٍ﴾. فإنه يعنى: وحُرِّم عليكم لحم الخنزيرِ ؛ أهلُّه وبَرُِّه . فالميتةُ والدَّمُ مَخْرَجُهما فى الظاهرِ مَخْرَجُ عمومٍ، والمرادُ منهما الخصوصُ، وأما لحم الخنزيرِ، فإِنَّ ظاهرَه كباطنِهِ ، وباطنَه كظاهرِهِ، حَرامٌ جميعُه لم يُخْصَصْ منه شىءٌ . ٦٨/٦ / وأما قولُه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ،﴾. فإنه يعنى: وما ذُكِر عليه غيرُ اسم اللهِ . وأصلُه مِن استهلالِ الصبىّ، وذلك إذا صاح حينَ يَشْقُطُ مِن بطنٍ أمِّه، ومنه إهلالُ المَحْرِمِ بالحجّ ، إذا لَّى به، ومنه قولُ ابنٍ أَحْمَرَ(١) : [١٩/١٣ ١ و] يُهِلَّ بالفَْقَدِ رُكْبانُها كما يُهِلُّ الراكبُ المُتَمِرْ (١) مجاز القرآن ١/ ١٥٠، وجمهرة اللغة ٣٨٧/٢، واللسان (رك ب، ع م ر، رجع، هـ ل ل). ٥٥ سورة المائدة : الآية ٣ وإنما عنَى بقولِه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: وما ذُبِح للآلهةِ وللأوثانِ ، يُسَمَّی عليه غيرُ اسمِ اللهِ . وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى ، فكرِهْنا إعادته(١) . القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَالْمُنْخَيِقَةُ ﴾ اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ الانخِناقِ الذى عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه : وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾. قال: التى تُدْخِلُ رأسَها بينَ شُعْبَتَيْنْ مِن شجرةٍ ، فَتَخْتَيِقُ فتموتُ . حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأخْمرُ، عن جُوَيْرٍ، عن الضَّحاكِ فى ((المنخنقةِ))، قال: التى تَخْتَنِقُ فتَموتُ(٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثْنا مَعْمَرٌ، عن قتادةً فى قولِه: ﴿ وَالْمُنْخَيِّقَةُ﴾: التى تموتُ فى خِناقِها(٣). وقال آخرون: هى التى تُوثَّقُ فِيَقْتُلُها بالخِناقِ وَثاقُها . ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنا عُبيدٌ ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾. قال: الشاةُ تُوثَقُ فیقْتُلُها خناقُها، فھی حرامٌ. (١) ينظر ما تقدم فى ٥٥/٣ - ٥٧. (٢) ينظر ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٩/٥. (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٣. ٥٦ سورة المائدة : الآية ٣ وقال آخرون : بل هى البهيمةُ مِن النَّعَم ، كان المشركون يَخْنُقونها حتى تَموتَ، فحرَّم اللهُ أكْلَها . ذكرُ مَن قال ذلك [١٩/١٣ ١ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾: التى تُخْتَقُ(١) فتَموتُ(٢). حدَّثنا بِشْرُ(٢)، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾ كان أهلُ الجاهليةِ يَخْتُقون الشاةَ ، حتى إذا ماتَتْ أَكَلُوها (٤) . قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: هى التى تَخْتَنِقُ ؛ إما فى وَثاقِها ، وإما بإدخالٍ رأسِها فى الموضع الذى لا تَقْدِرُ على التخلصِ منه، فتَخْتَيِقُ حتى تَموتَ . قال أبو جعفرٍ : وإِنما قلنا : ذلك أولى بالصوابِ فى تأويلٍ ذلك مِن غيرِهِ؛ ٦٩/٦ لأن المُخَيِقةَ هى الموصوفةُ بالانخناقِ / دونَ خنقِ غيرِها لها، ولو كان مَعْنًّا بذلك أنها مفعولٌ بها ، لقيل: والمخنوقةُ. حتى يَكونَ معنى الكلام ما قالوا. القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَاُلْمَوْقُودَةُ﴾ . (١) فى م: (( تختنق)). (٢) أخرجه البيهقى ٢٤٩/٩ من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/٢ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم، وستأتى بقية الأثر فى ص ٦٩ - ٧٢، ٧٥، ٧٨. (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أنس )). (٤) ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٨/٥، ١٤٩ عن سعيد، عن قتادة. ٥٧ سورة المائدة : الآية ٣ قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَاُلْمَوْقُوذَةُ﴾: والميتةُ وَقِيذًا. يُقالُ منه: وقَذَه يَقِذُه وقْذًا، إِذا ضرَبه حتى أَشْفَى(١) على الهَلاكِ. ومنه قولُ الفَرَزْدقِ(٢) : شَغَّارَةٍ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها فَطَّارَةٍ لِقَوادِمِ الأبكارِ وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللهِ ، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ : وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: الموقوذةُ التى تُضْرَبُ بالخشبِ حتى يَقِذَها فتَموتَ(٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمَوْفُوذَةُ﴾ : كان أهلُ [١٢٠/١٣و] الجاهليةِ يَضْرِبونها بالعِصِىِّ حتى إذا ماتَت أكلوها(٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا رَوْعٌ، قال: ثنا سعيدٌ(٤)، عن قتادةَ فى قولِه : وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: كانوا يَضْرِبونها حتى يَقِذوها ثم يَأْكُلوها . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَاُلْمَوْفُوذَةُ﴾: التى تُوقَذُ فتَموتُ(٥). حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأُخْمرُ، عن جُوَيِيرٍ، عن الضحاكِ، قال : (١) فى ص، ت ٢، م: ((أشرف)) وهما بمعنى. (٢) ديوانه ص ٤٥٢. (٣) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة . (٤) فى ص، م، ت ٢: (( شعبة)). (٥) تفسير عبد الرزاق ١٨٣/١. ٥٨ سورة المائدة : الآية ٣ وَالْمَوْقُودَةُ﴾: التى تُضْرَبُ حتى تَموتَ(١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. قال: هى التى تُضْرَبُ فتَموتُ(٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أُخبرَنا عُبِيدُ بنُ سُلَيْمانَ(٢) ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَاُلْمَوْقُوذَةُ ﴾: كانت الشاةُ أو غيرُها مِن الأنعامِ تُضْرَبُ بالخشبِ لآلهتهم حتى يَقْتُلوها فيَأْكُلوها(٤). / حدَّثنا العباسُ بنُّ الوليدِ، قال: أخْبَرنى عُقبةُ بنُ علقمةً، قال : ثنى إبراهيمُ بنُ أبِى عَبْلَةَ ، قال: ثنى نُعَيْمُ بنُ سَلامةَ، عن أبى عبدِ اللهِ الصُّنَابِحيِّ ، قال: ليست الموقوذةُ إلا فى مالِك، وليس فى الصيدِ وَقيذٌ . ٧٠/٦ القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ﴾ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرِ رحِمه اللهُ : يعنى بذلك جلِّ ثناؤُه: وحُرِّمَت علیکم الميتةُ تَرَدِیًا مِن جبل ، أو فى بئرٍ ، أو غير ذلك . وتَرَدِّیھا رمُها بنفسِها مِن مكانٍ عالٍ مُشْرِفٍ إلى سُفْلِه . وبنحوِ الذي قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ (١) ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٩/٥. (٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٦/ ٤٨. (٣) فى م: ((سلمان)). (٤) ذكره ابن عبد البر فى التمهيد ١٤٩/٥، والقرطبى ٤٨/٦. ٥٩ سورة المائدة : الآية ٣ [١٢٠/١٣ ظ] بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباس: ﴿ وَالْمُتَّرَدِّيَةُ﴾. قال: التى تَتَرَدَّى مِن (١) الجبل(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ كانت تَتَرَدَّى فى البئرِ فَتَموتُ فِيَأْكُلِونها(١) . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا رَوْخٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْمُتَرَدِيَةُ قال : التى تَرَدَّت فى البئرِ . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ﴾. قال: هى التى تَرَدَّى مِن الجبلِ، أو فى البئرِ، (٢) فتَموتُ(٢) . حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن مجويبٍ، عن الضحاكِ: وَاُلْمُتَرَدِيَةُ﴾: التى تَرَدَّى مِن الجبلِ فَتَموتُ(٣) . حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبِيدٌ ، قال : سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَّةُ﴾. قال: التى تَخِرُ فى رَكِىٌّ(٤)، أو مِن رأسٍ جبلٍ، فَتَموتُ . القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ . قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللهُ: يعنى بقولِه: ﴿ وَالنَّطِيحَةُ﴾. الشاةُ (١) تقدم تخريجه فى ص ٥٦. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩/٣. (٣) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة . (٤) الركى : جنس للرّكِيَّةَ، وهى البئر. اللسان (رك ى). +مں۔ ٦٠ سورة المائدة : الآية ٣ التى تَنْطَحُها أُخرى فتَموتُ مِن النِّطاح بغيرِ تَذْکیةٍ ، فحرّم اللهُ جلّ ثناؤه ذلك على المؤمنين إن لم يُدْرِ كوا ذَكاتَه قبلَ موتِه . وأصلُ النَّطِيحةِ المَنَّطوحةُ، صُرِفَت مِن مَفْعولةٍ إلى فَعِيلةٍ . فإن قال قائلٌ: وكيف أَثْبِتَت الهاءُ؛ هاءُ التأنيثِ فيها ، وأنت تَعْلَمُ أن العربَ لا تَكادُ تُثْبِتُ الهاءَ فى نَظائِرِها إذا صرَفوها صرفَ ((التَّطيحةِ)) مِن مفعولٍ إلى فَعيلٍ ، إنما تَقولُ: لحيةٌ دَهيٌ، وعينٌ كحيلٌ، وكفّ خَضيبٌ . ولا يقولون: كفِّ خَضيبةٌ ، ولا : عينٌ كَحِيلٌ ؟ قيل : قد اختَلَف أهلُ العربيةِ فى ذلك ؛ فقال بعضُ نحوبى البصرةِ : أَثْبِتَت فيها الهاءُ - أعنى فى ((النَّطيحةِ)) - لأنها جُعِلَت كالاسم؛ مثلَ الطويلةِ والطريقةِ . فكأن [١٢١/١٣ و] قائلَ هذا القولِ وجَّه النَّطيحةَ إلى معنى الناطحةِ . . فتأويلُ الكلام على مذهبِه: وحُرِّمَت عليكم الميتةُ نِطاحًا. كأنه عنَى: ٧١/٦ وحُرِّمَت عليكم الناطحةُ التى / تَموتُ مِن نِطاحِها . وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إِنما تَحْذِفُ العربُ الهاءَ مِن الفَعيلةِ المصروفةِ عن المفعولِ إذا جعَلَتْها صفةٌ لاسم قد تقَدَّمَها ، فتقولُ: رأينا كفَّا خَضيبًا، وعينًا كَحيلًا . فأما إذا حذَفَتِ الكفَّ والعينَ والاسمَ الذى يَكونُ فَعيلٌ نعتًا لها، واجتَزَءوا بفعيل منها ، أثبتُوا فيه هاءَ التأنيثِ؛ ليُعْلَمَ بثبوتِها فيه أنها صفةٌ للمؤنثِ دونَ المذكَّرِ، فتقولُ: رأَيْنا كَحيلةً، وخَضيبةً، وأَكيلةَ السَّبُعِ. قالوا: ولذلك أُدْخِلَت الهاءُ فى ((النَّطيحةِ))؛ لأنها صفةُ المؤنثِ، ولو أَسْقِطَت منها لم يُدْرَ أهى صفةٌ للمؤنثِ أو للمذکرِ .