النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١
سورة النساء : الآية ١٦٢
لَسَحِرَنِ﴾ [طه: ٢٣]. فقالت: يا بنَ أختى(١)، هذا عملُ الكُتَّابِ(٣) أَخطئوا فى
(٣)
الكِتَابِ(٢) .
وذُكِر أن ذلك فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : (والمقيمون الصلاةَ)(٤).
وقال آخرون - وهو قولُ بعضٍ(٥) نحوِّى الكوفة والبصرةِ - : والمقيمون من
صفةِ الراسخين فى العلم . ولكنّ الكلامَ لما تطاوَل ، واعْتَرَض بينَ الراسخين فى العلم
والمقيمين الصلاةَ ما اعْتَرَض من الكلامِ، فطال ، نصَب المقيمين الصلاةَ على وجهِ
المدحِ . قالوا : والعربُّ تفعَلُ ذلك فى صفةِ الشىءِ الواحدِ ونعتِه، إذا تطاولت بمدحٍ
أو ذمٌّ، خالفوا بينَ إعرابٍ [٨٤/١٣ ] أوَّلِه وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخرِه إلى
إعرابٍ أوَّلِه، وربما أَجْرَوا إعرابَ / آخرِه على إعرابٍ أوسطِه، وربما أَجْرَوا ذلك على ٢٦/٦
نوعٍ واحدٍ من الإعرابِ. واسْتَشْهَدوا لقولِهم ذلك بالأبياتِ(٤) التى قد ذكرتُها فى
(١) فى ص، ت ٢، س، ومعانى القرآن للفراء: ((أُخى)).
(٢) فى ص، ت ١، س: ((الكاتب)).
(٣) أخرجه الفراء فى معانى القرآن ١ / ١٠٦،، وأبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٦٠، ١٦١، وسعيد بن
منصور فى سننه (٧٦٩ - تفسير)، وابن أبى داود فى المصاحف ص ٣٤ من طريق أبى معاوية به . وأخرجه
ابن شبة فى تاريخ المدينة ١٠١٣/٣، ١٠١٤ من طريق هشام به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى
ابن أبى شيبة وابن المنذر. وقال ابن هشام فى شذور الذهب ص ٥٠، ٥١ : وهذا خبر باطل لا يصح من
وجوه ؛ أحدها : أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يتسارعون إلى إنكار المنكرات، فكيف يُقرون اللحن فى
القرآن؟! ، والثانى: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح فى الكلام فكيف فى الفرآن ؟! ثم قال،
نقلا عن المهدونى فى شرح الهداية : ... ولم يوجد فى القرآن العظيم حرف واحد إلا وله وجه صحيح فى
العربية، وقد قال الله تعالى ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ... ) والقرآن محفوظ من اللحن والزيادة والنقص.
وينظر تفسير البغوى ٣١٠/٢، وتفسير القرطبى ١٥،١٤/٦، والفتاوى ٢٤٨/١٥ وما بعدها، والإتقان ١٨٣/١.
(٤) ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٠٦.
(٥) سقط من : الأصل .
(٦) فى الأصل، م، ت ٢، س: ((بالآيات)).
٦٨٢
سورة النساء : الآية ١٦٢
قوله: ﴿وَلْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَِّ﴾(١)
[ البقرة: ١٧٧] .
وقال آخرون : بل المقيمون الصلاةَ من صفةٍ غيرِ الراسخين فى العلمِ فى هذا
الموضعٍ، وإن كان الراسخون فى العلم من المقيمين الصلاةَ .
وقال قائلو هذه المقالةِ جميعًا : موضعُ المقيمين فى الإعرابِ خفضّ ؛ فقال
بعضُهم: موضعُه خفضّ على العطفِ على ((ما)) التى فى قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾ : ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ .
ثم اخْتَلَف متأوّلو ذلك(٢) هذا التأويلَ فى معنى الكلامِ؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وما أُنْزِل من قبلك وبإقامِ الصلاةِ . قالوا : ثم
ارْتَفع قولُه: ﴿ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾. عطفًا على ما فى ﴿ يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكرِ
المؤمنين. كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أَنْزِل إليك هم(٢) والمؤتون الزكاةً .
وقال آخرون : بل المقيمون الصلاة الملائكةُ . قالوا: وإقامتُهم الصلاةَ تسبيحُهم
ربَّهم، واستغفارُهم لمن فى الأرضِ. قالوا: ومعنى الكلام: والمؤمنون يؤمنون بما
أُنْزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبالملائكةِ .
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أَنْزِل إليك وما أُنْزِل
من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ، هم والمؤتون الزكاةَ . كما قال جلَّ ثناؤه:
﴿يُؤْمِنُ بِالَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. وأَنْكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ
(١) ينظر ما تقدم فى ٨٩/٣، ٩٠.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٣) زيادة من: م.
٦٨٣
سورة النساء : الآية ١٦٢
﴿وَأْمُقِيمِينَ﴾ منصوبًا على المدحِ. وقالوا: إنما تنصِبُ العربُ على المدح من
نعت١ٍ) [٨٥/١٣ و] مَن ذكَرَتْه بعدَ تمامٍ خبرِه. قالوا: وخبرُ الراسخين فى العلمِ قولُه :
﴿أُوْلَكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ . قالوا: فغيرُ جائزٍ نصبُ ﴿وَاَلْقِيِمِينَ﴾ على المدحِ
وهم فى وسَطِ الكلامِ، ولمّا يَتَمَّ خبرُ الابتداءِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: لكنِ الراسخون فى العلم منهم ومن المقيمين
الصلاةَ . وقالوا : موضع ﴿وَالْمُقِيِينَ ﴾ خفضٌ .
وقال آخرون: معناه : والمؤمنون يؤمنون بما أَنْزِل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ.
وهذا الوجهُ و(٣) الذى قبلَه متكّةٌ(٤) عندَ العربِ، ولا تكادُ العربُ تعطِفُ
بظاهرٍ(٥) على مكنىٌّ فى حالِ الخفضِ، وإن كان ذلك قد جاء فى بعضٍ أشعارِها .
وأولى الأقوالِ عندی بالصوابِ أن یکونَ ﴿ وَالْمُقِيِینَ﴾ فی موضع خفضٍ،
نَسَقًا على ﴿وَمَا﴾ التى فى قولِه(١): ﴿ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾. وأن يُوَّةَ معنى
المقيمين الصلاةَ إلى الملائكةِ . فيكون تأويلُ الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أَنْزِل
إلیك یا محمدُ من الكتاب ، وبما أُنْزِل مِن قبلك من كُتُبِی ، وبالملائكة الذين يقيمون
الصلاةَ. ثم يرجِعُ إلى صفةِ الراسخين فى العلمِ فيقولُ : لكنِ الراسخون في العلم
منهم والمؤمنون بالكتبِ والمؤتون الزكاةً والمؤمنون باللَّهِ واليومِ الآخرِ .
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو).
(٣) سقط من: الأصل.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((منكر)).
(٥) فى م: ((لظاهر)).
(٦) بعده فى م: ((بما أنزل إليك)).
٦٨٤
سورة النساء : الآية ١٦٢
وإنما اخْتَرنا هذا القولَ على غيره؛ لأنه قد ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ أَبيِّ بنِ
كعب: (والمقيمين)(١). وكذلك هو فى مصحفِه " فيما ذكروا٢) ، فلو كان ذلك
خطأً من الكاتبٍ لكان الواجبُ أن يكونَ فى كل المصاحفِ غيرِ مصحفِنا الذى كتبه
لنا الكاتبُ الذى أَخْطَأ فى كتابته(٣)، بخلافٍ ما هو فى مصحفِنا، وفى اتفاقٍ
مصحفِنا ومصحفٍ أَبيَّ فى ذلك، ما يدلُّ على أن الذى / فى مصحفِنا من ذلك
صوابٌ غيرُ خطأ . مع أن ذلك لو كان خطأً من جهةٍ الخطِّ ، لم يكنِ الذين أُخِذ عنهم
القرآنُ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَمِ يعلِّمون مَن علَّموا ذلك من المسلمين على وجه
اللحنِ، ولأصلَحُوه بألسنتِهم، [٨٥/١٣] ولقّنوه الأُمّةَ تعليمًا على وجهِ الصوابِ.
وفى نقلِ المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به فى الخطِّ مرسومًا، أدلُّ الدليل على
صحة ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ فى ذلك للكاتبِ .
٢٧/٦
وأما مَن وجَّه ذلك إلى النصبِ على وجهِ المدحِ للراسخين فى العلمِ ، وإن كان
ذلك قد يَحْتَمِلُ على بُغدٍ من كلامِ العربٍ ؛ لما قد ذكرتُ قبلُ من العلةِ ، وهو أن
العربَ لا تعدِلُ عن إعرابِ الاسمِ المنعوتِ بنعتٍ فى نعتِه إلا بعدَ تمامٍ خبرِه، وكلامُ
اللَّهِ أفصحُ الكلامِ، فغيرُ جائزٍ توجيهُه إلاّ) إلى الذى هو به من الفصاحةِ.
وأما توجيهُ مَن وجه ذلك إلى العطف به على(٥) الهاءِ والميم فى قوله: ﴿ لَّكِنِ
الرَّسِخُونَ فِ الْعِلْرِ مِنْهُمْ﴾. أو إلى العطفِ على الكافِ من قوله: ﴿ِّ أُنزِلَ
إِلَيْكَ﴾. أو إلى الكافٍ من قولِه: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكٌ﴾. فإنه أبعدُ من الفصاحةِ
(١) ينظر معانى القرآن ١٠٦/١.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( كتابه)).
(٤) سقط من: الأصل .
(٥) فى الأصل: ((إلى)).
# BINE
٦٨٥
سورة النساء : الآيتان ١٦٣،١٦٢
من نصبه على المدحِ؛ لما قد ذكرتُ قبلُ من قُبْحِ ردِّ الظاهرِ على المكنىّ فى الخفضِ.
وأما توجيهُ من وجّه المقيمين إلى الإقامةِ ، فإنه دَعْوَى لا برهانَ(١) عليها من
دلالةِ ظاهرِ التنزيلٍ ، ولا خبرٍ تثبُتُ حبَّتُه، وغيرُ جائزٍ نقلُ ظاهرِ التنزيلِ إلى باطنٍ
بغيرِ برهانٍ .
وأما قولُه: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾. فإنه معطوفٌ على قولِه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
يُؤْمِنُونَ﴾. وهو من صفتِهم ، وتأويلُه: والذين يعطُون زكاةَ أموالهم من جعَلها اللَّهُ
له، وصرَّفها إليه، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾. يعنى: والمصدِّقون بوحدانية
اللَّهِ وألوهتِه(٢) ، وبالبعثِ بعدَ المماتِ، والثوابٍ والعقابِ، ﴿أُوْلَيْكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّا
عَظِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم ﴿سَنُؤْتِهِمْ﴾. يقولُ: سنُعطيهم ﴿أَبْرًّا
عَظِيمًا﴾. يعنى: جزاءً على ما كان منهم من طاعةِ اللَّهِ، واتِباع أمرِه، وثوابًا عظيمًا ،
وذلك الجنةُ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ [٥٨٦/١٣] كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى
نُوُجِ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
١٦٣
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ إِنّآ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحِ﴾: إنا أَرْسَلنا إليك يا محمدُ بالنبوّةِ كما أَرْسَلَنَا
إلى نوحٍ وإلى سائر الأنبياءِ الذين سمّيتُهم لك مِن بعدِه، والذين لم أُسمّهم لك.
کما حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن مُنذِرٍ الثورىِّ، عن
(١) بعده فى ت:١: ((له)).
(٢) فى م: ((ألوهيته)).
٦٨٦
سورة النساء : الآية ١٦٣
الرَّبِيعِ بنِ خُثَيمٍ (١) فى قوله: ﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَِّنَ مِنْ
بَعْدِةٍ﴾. قال: أَوْحَى اللَّهُ إليه كما أَوْخَى إلى جميعِ النبيِّين مِن قبلِه".
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ وَهِ؛ لأن بعضَ اليهودِ لما فضّحهم
اللَّهُ بالآياتِ التى أَنْزَلها على رسولِهِ عَّهِ، وذلك من قوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ
أَنْ تُنَزِّلَ عَلَهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. فتلا ذلك عليهم رسولُ اللَّهِ مَامٍ - قالوا(٣): ما
أَنْزَل / اللَّهُ على بشرٍ من شىءٍ من بعدِ موسى. فأَنْزَل اللَّهُ هذه الآياتِ تكذيبًا لهم،
وأَخْبَر نبيّه والمؤمنين به أنه قد أَنْزَل عليه بعدَ موسى ، وعلى من سمَّاهم فى هذه الآيةِ،
وعلى آخرِين لم يسمُّهم .
٢٨/٦
کما حدّثنا أبو گُریپٍ ، قال : ثنا یونسُ بنُ بُکیرٍ ، وحدثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا
سَلَمُ ، عن محمد بنإسحاق ، قال : ثنی محمدُ بنُّ أبی محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ،
قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال سُكَيْنٌ (* وعدىُ بنُ
زيدٍ) : يا محمدُ ، ما نعلَمُ اللَّهَ أَنْزَل على بشرٍ من شىءٍ بعدَ موسى. فَأَنْزَل اللَّهُ فى
ذلك من قولهما: [٨٦/١٣ ظ] ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ
بَعْدِهِةٍ﴾. إلى آخرِ الآياتِ(٥).
(١) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((خيثم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قال)).
(٤ - ٤) فى الأصل (( وعدنی أبو زيد)) وفی ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( وعدی بن ثابت » وفى
تفسير ابن أبى حاتم ودلائل النبوة للبيهقى: ((وعدى بن يزيد)». والمثبت من سيرة ابن هشام والدر المنثور، وقد
ذكره ابن هشام ضمن من ذكرهم من يهود بنى قينقاع هو وصاحبه سكين بن أبى سكين ٢/ ٥١٤.
(٥) سيرة ابن هشام ٢ / ٥٦٢، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٣٥/٢ من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه
ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٨/٤ (٦٢٧٨) من طريق سلمة عن ابن إسحاق من قوله، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى ابن المنذر.
:٠٠
٦٨٧
سورة النساء : الآية ١٦٣
وقال آخرُون : بل قالوا لما أنزل اللَّهُ جل ثناؤه الآياتِ التى قبلَ هذه فى ذكرِهم:
ما أنزل اللَّهُ على بشرٍ من شىءٍ، ولا على موسى ، ولا على عيسى. فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ
ثناؤه: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: إِذْ قَالُواْمَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّنْ شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٩١].
ذكر من قال ذلك
سم
حدثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا أبو معشرٍ، عن محمد بن كعب
القُرَظِيِّ، قال: أَنْزَلِ اللَّهُ: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِّنَ
السَّمَاءِ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَّرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا﴾. فلما تلاها عليهم،
يعنى على اليهودِ ، وأَخْبَرهم بأعمالِهِم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أنَزَل اللَّهُ ، وقالوا: ما
أنزل اللَّهُ على بشرٍ من شىءٍ ، ولا على موسى ، ولا على عيسى، وما أنزل اللَّهُ على
نبىٌّ من شىءٍ. قال: فحلَّ حُبْوتَه(٢) ، وقال: ولا على أحدٍ ! فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه:
﴿وَمَا فَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَْرٌ﴾(١).
وأما قولُه: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا﴾. فإن القرأةَ اخْتَلفت فى قراءتِه ؛ فقرأته
عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإِسلام غيرَ نفرٍ من قرأَةِ الكوفةِ: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ . بفتحِ
الزاي على التوحيدِ ، بمعنى: وآتينا داودَ الكتابَ المسمَّى زَبورًا .
وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين: (وَآتَيْنا دَاوُدَ زُبُورًا). بضمّ الزاي ) ، جمعُ
(١) بعده فى م: ((ولا على موسى ولا على عيسى)).
(٢) الحُبوة: الاسم من الاحتباء، وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده
علیه، وقد يكون الاحتباء بالیدین عوض الثوب. اللسان (ح ب و).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٢٢/٢ عن المصنف. ويضم الزاى قرأ حمزة، وقرأ الباقون بفتح الزاى
كالوجه الأول . حجة القراءات ص ٢١٩.
(٤) بعده فى الأصل: ((بمعنى)).
٦٨٨
سورة النساء : الآيتان ١٦٣، ١٦٤
زَبْرٍ. كأنهم وجهوا تأويلَه: وآتينا داودَ كتبًا وصحفًا مَزبورةً. من قولهم: زَبَوْتُ
الكتابَ أَزْبُهُ زَبْرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا : إذا كتبتُه .
..... .
وأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَءَاتَيْنَا، دَاوُودَ
زَُّورًا﴾. بفتح الزاي على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتِه داودُ، [٨٧/١٣و] كما سُمِّى
الكتابُ الذى أُوتِيّه موسى التوراةَ، والذى أُوتِيَّه عيسى الإنجيلَ، والذى أُوتِه محمدٌ
الفرقانَ ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتِىَ داودُ . إنما تقولُ العربُ: زَبُورُ
داودَ . بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا
لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (®
١٦٤
٢٩/٦
/قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحمه اللّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إنا أَوْحَينا
إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ لم نقصُضْهم
عليك .
فلعل قائلًا أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿ وَرُسُلًا﴾ .
منصوبًا غيرَ(١) مخفوضٍ؟ قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه ((إلى)) التى خفَضت
الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه(٣) وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى
النصبٍ ؛ لأن معنى الكلام : إنا أرسلناك رسولًا كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعده.
فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ ؛ لانقطاعِها عنها دونَ
(١) فى الأصل، س: ((ورسلا)).
(٣) فى الأصل: ((على)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قبلها)).
٦٨٩
سورة النساء : الآية ١٦٤
ألفاظِها، إذ لم يعُدْ(١) عليها ما خفَضها، كما قال الشاعرُ():
لو جِئْتَ بالخُزِ (٣) له مُنَشْرًا(٤) والبَيْضَ مَطْبُوخًا معا (٥) والشكّرًا
لم يُرْضِهِ ذلك حتى يَسْكَرًا(٦)
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ نصَب الرسلَ لتَعَلُّقِ الواوِ بالفعلِ ، بمعنى : وقصّصنا
رسلًا عليك من قبلُ. كما قالى جلَّ ثناؤه: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ، [٨٧/١٣ظ]
وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيًّا﴾ [الإنسان: ٣١].
وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةٍ أَتَى : ( ورسلٌ قد قَصَصناهم عليك من قبلُ ورسلٌ
لم نَقصُصْهم عليك)(١). فرفْعُ ذلك إذا قُرِئ كذلك بعائدِ الذِّكْرٍ فى قوله:
﴿ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ﴾ .
وأما قولُه: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فإنه يعنى بذلك جلَّ ثناؤه:
وخاطَب اللَّهُ موسى بكلامِه خطابًا .
وقد حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا نوحُ بنُ أبي مريمَ(٨)
وسُئل: كيف كلَّم اللَّهُ موسى تكليمًا؟ فقال: مشافهةٌ(١).
وقد حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبو أسامةً ، عن ابنٍ مبارَكٍ ، عن معمرٍ ويونسَ،
(١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((یکن)).
(٢) الرجز فى التبيان ٣٩٣/٣.
(٣) فى ص، ت١، س: (( لنا بالخير)).
(٤) فى الأصل، والتبيان: ((ميسرا))، وفى ص، ت ١، س: ((مبشرا).
(٥) فى الأصل: ((له)).
(٦) فى التبيان: (( یشکرا)».
(٧) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٩٥/١.
(٨) فى ص، ت ٢، س: ((هند))، وفى ت ١: ((نوح).
(٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٢٠/٤ (٦٢٨٩) من طريق أبى تميلة .
( تفسير الطبرى ٤٤/٧ )
٦٩٠
سورة النساء : الآية ١٦٤
عن الزهرىِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ بنِ هشامٍ، قال : أخبرنى
مُجُزَىُّ (١) بنُ جابرِ الخَتْعَميُّ، قال: سمِعتُ كعبًا يقولُ: إن اللَّهَ لما كلَّم موسى،
كلَّمه بالألسنةِ كلِّها قبلَ كلامِه - يعنى كلامَ موسى - فجعَل موسى يقولُ:
يا ربِّ، لا أفهَمُ. حتى كلَّمه بلسانِه آخرَ الألسنةِ ، فقال: يا ربِّ، هكذا كلامُك؟
قال: لا ، ولو سمِعتَ كلامى - أى على وجهِهِ - لم تكُ(٢) شيئًا(٣).
قال ابنُ وكيع(٢) ، قال أبو أسامةَ: وزادنى أبو بكرِ الصَّغَانىُّ(٥) فى هذا
الحديثِ : أن موسى قال: يا ربِّ، هل فى خلقِك شىءٌ يُشْبِهُ كلامَك؟ قال: لا ،
وأقربُ خلقِى(٩) شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمَعُ الناسُ من الصواعقِ .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عمرَ() بن حمزةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرَ(٨) ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبِ القُرَظِىَّ يقولُ : سئل موسى : ما شبَّهتَ
كلامَ ربِّك مما خلَق؟ فقال موسى: الرعدُ الساكنُ(1).
(١) فى م: ((جزء). وقد اختلف فى اسمه على الزهرى. ينظر التاريخ الكبير ٢٥٦/٢، والجرح ٢/ ٥٤٦، ٥٤٧.
(٢) فى الأصل: ((يك)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٢٣٨/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٥/٣ إلى ابن أبى حاتم والبيهقى فى
الأسماء والصفات .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كعب)).
(٥) أبو بكر الصغانى شيخ الطبرى، ولا شك أن أبا أسامة لم يرو عنه قط ، فواضح أن القائل: وزادنى أبو بكر
الصغانى هو المصنف، فإما أن يكون سقط من الناسخ شىء، أو أن يكون المملى أراد أن ينتقل إلى الإسناد
التالی فأملی صدر الإسناد ثم عاد لما فاته من تتمة کلام الطبری، أفاده الشيخ محمود شاکر رحمه الله فی
تعليقه ٩/ ٤٠٥.
(٦) فى الأصل: ((خلقا)).
(٧) فى الأصل: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣١١/٢١.
(٨) فى ص: ((عمرو)).
(٩) كذا فى النسخ والدر المنثور، وقد تكون: ((الساكب)). من سكب الماء بمعنى صبه. ينظر التاج (س ك ب).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٥/٣ إلى المصنف وابن المنذر.
٦٩١
سورة النساء : الآية ١٦٤
«حدّثنی یونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهپٍ، قال : أخبرنی یونسُ ، عن ابنِ
شِهابٍ ، قال : أخبرنى أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ ، أنه أخبره عن جزء ١١ بنِ جابرٍ
الخَثْعَميِّ، قال: لما كلَّم اللَّهُ موسى / كلَّمه (٣) بالألسنةِ كلِّها قبل لسانِه، فطفِق
يقولُ : واللَّهِ ياربِّ، ما أفقَةُ هذا. حتى كلَّمه بلسانِهِ آخرَ الألسنةِ ، بمثلٍ صوته ، فقال
موسى : يا ربِّ، هذا كلامك؟ قال: (4لا. قال: هل فى خلقِك شىءٌ يشبهُ
كلامَك؟ قال٤): لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما يسمعُ الناسُ من
الصواعق .
٣٠/٦
[٨٨/١٣و] حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقىُّ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا زُهيرٌ، عن
يحيى ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى بكرِ بنِ عبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشامٍ ، عن ( جَزْء
ابنِ " جابرٍ ، أنه سمع كعب الأحبارِ يقولُ: لما كلَّم اللَّهُ موسى بالألسنةِ قبلَ لسانِهِ ،
طَفِق موسى يقولُ: أَْ ربِّ، لا أفقهُ هذا. حتى كلَّمه اللَّهُ آخرَ الألسنةِ بمثلٍ لسانِهِ ،
فقال موسى : أَىْ ربِّ ، هذا كلامُك؟ قال اللَّهُ: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا .
قال : يا ربِّ، فهل مِن خلقِك شىءٌ يشبهُ كلامَك؟ قال: لا ، وأقربُ خَلْقى شبهًا
بكلامى ، أشدُّ ما يُشْمَعُ من الصواعقِ().
حدَّثنى أبو يونسَ المكىُّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يزيدَ ، قال: ثنا ابنُ أبى أُوَيسٍ،
قال : أخبرنى أخی ، عن سليمان ، عن محمد بنِ أبی عتيقٍ ، عن ابن شهاب ، عن
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وقد أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٩/٤
(٦٢٨٧) من طريق الزهرى به .
(٢) فى الأصل: (( جرير)).
(٣) سقط من : م.
(٤ - ٤) سقط من : الأصل.
٦٩٢
سورة النساء : الآيتان ١٦٥،١٦٤
أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، أنه أخبره جزء(١) بنُ جابر
الخَتْعَمِىُّ، أنه سمِع "كعب الأحبارِ يقول٣ُ): لما كلِّم اللَّهُ موسى كلَّمه(٣
بالألسنةِ كلِّها قبلَ لسانِه، فطَفِق موسى يقولُ: أَىْ ربِّ، واللَّهِ ما أفقهُ هذا.
حتى كلَّمه آخرَ الألسنةِ بلسانهِ، بمثلٍ صوته، فقال موسى: أى ربِّ، أهذا(٤)
كلامُك؟ قال: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا. قال: أَىْ ربِّ، هل من(٥)
خلقِك شيءٌ يشبهُ كلامك؟ قال: لا ، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامى، أشدُّ ما
يُْمَعُ من الصواعقِ(٦).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللَّهِ حُبَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
١١٦٥
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: إنا أَوْحينا
إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيِّين من بعدِه. ومَن ذكّر من الرسلِ، ﴿ رُسُلًا﴾.
فنصّب(٨) الرسلَ على القطع من أسماءِ الأنبياءِ [٨٨/١٣] الذين ذكّر أسماءَهم،
﴿ُبَشِرِينَ﴾ . يقولُ: أرسلتُهم رسلًا إلى خلقى وعبادى، مبشرين بثوانى مَن
أطاعنى، واتَّبع أمرى، وصدَّق رسلى، ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾ عقابى مَن عصانى،
(١) فى الأصل: ( جرير)).
(٢ - ٢) فى م: ((الأحبار تقول)).
(٣) سقط من : م.
(٤) فى م: ((أهكذا)).
(٥) فى م: ((فى)).
(٦) قال ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٢٨: فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكى عن الكتب المتقدمة
المشتملة على أخبار بنى إسرائيل، وفيها الغث والسمين.
(٧) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٨) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ( به).
دحيبـ.
٦٩٣
سورة النساء : الآيتان ١٦٦،١٦٥
وخالف أمرى، وكذَّب رسلى، ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
يقولُ : أرسلتُ رسلى إلى عبادِى مبشِّرين ومنذرين؛ لئلا يحتجَّ مَن كفَربى وعبّد
الأندادَ مِن دونى، أو ضلَّ عن سبيلى، بأن يقولَ إن أردتُ عقابَه: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ
إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَغَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]. فقطَع جل
ثناؤُه حُجّةَ كلِّ مبطلٍ أَلْد فى توحيدِه، وخالَف أمرَه، بجميعٍ() معانى الحُججِ
القاطعةِ عُذْرَه، إعذارًا منه بذلك إليهم؛ لتكونَ للَّهِ الحجةُ البالغةُ عليهم، وعلى
جميع خلقِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشدئِّ: ﴿لِثَلَا يَكُونَ / لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾: فيقولوا: ما أرسلتَ
إلينا رسولاً(٢).
٣١/٦
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ . يقولُ: ولم يزلِ اللَّهُ ذا عزةٍ فى انتقامِه من انتقَم مِن
خلقِه على ، كفرِه به، ومعصيتِه إِيَّاه، بعدَ تثبيتِه حجته(٢) عليه برسلِه وأدلتِه،
﴿حَكِيمًا﴾ فى تدبيرِه فيهم ما دبَّر.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه : ﴿لَّيِكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكٌَ أَنزَلَهُ
بِعِلْمِةِ، وَالْمَلَتبِكَةُ يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِالَّهِ شَهِيدًا
(١٦٦)
.
(١) فى الأصل: ((وجميع)).
(٢) فى م: ((رسلًا)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (حجته)).
٦٩٤
سورة النساء : الآية ١٦٦
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : إن تكفُر -
بالذى [٨٩/١٣ و] أوحينا إليك يا محمدُ - اليهودُ الذين سألوك أن تُنَزِّلَ عليهم كتابًا
من السماءِ، وقالوا لك: ما أَنْزَل اللَّهُ على بشرٍ من شىءٍ . فكذَّبوك، فقد كذَبوا، ما
الأمرُ كما قالوا ، لكنِ اللَّهُ يشهَدُ بتنزيلِه إليك (١ ما أنزل) من كتابِه ووحيِهِ، أَنْزَل ذلك
إليك بعلم منه بأنك خِيرَتُه من خلقِه، وصفيُّه من عبادِه، ويشهَدُ لك بذلك ملائكتُه،
فلا يحزُّنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وخلافُ مَن خالفك، ﴿وَكَفَّى(١٢) ◌َِلَّهِ شَهِيدًا﴾ .
يقولُ: وحَسْئُك باللّهِ شاهدًا على صدقِك دونَ مَن(١) سواه من خلقه، فإنه إذا شهِد
لك بالصدقِ ربِّك، لم يضرّك تكذيبُ مَن كذَّبك.
وقد قيل : إنّ هذه الآيةَ نزَلت فى قومٍ من اليهودِ دعاهم النبيُّ عَّتِ إلى اتباعِه،
وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقةً نبوَّتِه، فجحَدوا نبؤَّه ، وأَنْكَروا معرفته .
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنايونسُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُّ
أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُّ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابن عباسٍ،
قال: دخَل على رسولِ اللَّهِ يَّمِ جماعةٌ من يهود، فقال لهم: ((إنى واللَّهِ أعلمُ أنكم
لَتْعَلَمون أنى رسولُ اللَّهِ)). فقالوا: ما نعلمُ ذلك. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَاً
أَنَزَلَ إِلَيكَْ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ. وَالْمَبِكَةُ يَشْهَدُونَّ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤).
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بما أنزل إليك))، وفى م: ((ما أنزله))، وفى س: ((بما أنزل)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كفاك)).
(٣) فى م: ((ما)).
(٤) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٥٣٣/٢ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١١٢٠/٤ (٦٢٩٥) من طريق ابن إسحاق به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٢ إلى ابن إسحاق
والمصنف وابن المنذر والبيهقى فى الدلائل.
٦٩٥
سورة النساء : الآيتان ١٦٧،١٦٦
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ بنُ
أبى محمدٍ ، عن عكرمةً، أو سعيدٍ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال : دخلتْ على
رسولِ اللَّهِ عَّمِ عصابةٌ من اليهودِ. ثم ذكّر نحوه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَّكِنِ اَللَّهُ
يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنَزَُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَتَبِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ
شَهِيدًا﴾: شهودٌ واللَّهِ غيرُ مُتَّهَمةٍ (١).
[٨٩/١٣ ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا
١٦٧
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن الذين
جحَّدوا يا محمدُ نبؤَّتَك بعدَ علمِهم بها، من أهلِ الكتابِ الذين اقتصصتُ
عليك قصتَهم، وأَنْكَروا أن يكونَ اللَّهُ أَوْخَى إليك كتابَه، ﴿وَصَدُواْ عَن سَبِيلٍ
اَللَّهِ ﴾. / يعنى: عن الدين الذى بعثك اللَّهُ به إلى خلقِه وهو الإسلامُ، وكان صدُهم
عنه قيلَهم للناسِ الذين يسألونهم عن محمدٍ من أهلِ الشركِ: ما نجِدُ صفةً محمدٍ فى
كتابِنا. وادِّعاءَهم أنهم ◌ُهِد إليهم أن النيوَّةَ لا تكونُ إلا فى ولدِ هارونَ، ومن ذرِّيَّةِ
داودَ ، وما أَشْبَهَ ذلك من الأمورِ التى كانوا ينبّطون الناسَ بها عن اتباعِ رسولٍ
اللَّهِ عْظَِّ، والتصديقِ به، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ .
٣٢/٦
وقولُه: ﴿قَدْ ضَلُواْ ضَلَلا بَعِيدًا﴾. يعنى: قد جارُوا عن قصدِ السبيلُ(١)
جَوْرًا شديدًا، وزالوا عن المحجّةِ(٢) . وإنما يعنى جلَّ ثناؤه بجَورِهم عن المحجةٍ(١)
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الطريق)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الحجة)).
٦٩٦
سورة النساء : الآيات ١٦٧ - ١٦٩
وضلالهم عنها : إخطاءَهم دينَ اللَّهِ الذى ارتضاه لعبادِه، وابتعث به رسوله(١) .
يقولُ: مَن جحَد رسالةً محمدٍ عَّمِ وصَدَّ عما يُعِث به من الملةِ مَن قَبِل منه، فقد
ضلَّ، فذهَب عن الدينِ الذى هو دينُ اللَّهِ الذى ابتعث به أنبياءَه، ضلالًا بعيدًا .
القولُ فى تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ [٩٠/١٣ و] كَفَرُواْ وَظَلَمُوا لَمَّ يَكُنِ
اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (٣٧) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن الذين
جحَّدوا رسالةً محمدٍ عَمِ (" فكذّبُوه، وكفَروا٢ باللَّهِ بجحودٍ ذلك، ﴿ وَظَلَمُوا﴾
بمقامِهم على الكفرِ ، على علمٍ منهم بظلمهم عبادَ اللَّهِ، وحسدًا للعربِ، وبغيًّا على
رسولِه محمدٍ عٍَّ، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. يعنى: لم يكنِ اللَّهُ ليعفوَ(٣) لهم
عن ذنوبهم ، بتر که (١) عقوبتهم عليها ، ولکنه یفضُهم بها جل ثناؤه بعقوبته إياهم
عليها، ﴿ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾. يقولُ: ولم يكنِ اللَّهُ تعالى ذكرُه ليهدىّ هؤلاء
الذين كفروا وظلموا ، الذين وصَفنا صفتهم، فيوفّقَهم لطريقٍ من الطرق التى ينالون
بها ثوابَ اللَّهِ ، ويصِلُون بلزومِهم إياها (٥) إلى الجنةِ، ولكنه يخذُلُهم عن ذلك، حتى
يسلكوا طريقَ جهنمَ. وإنما كنَى بذكرِ الطريقِ عن الدِّينِ. وإنما معنى الكلامِ: لم
يكنِ اللَّهُ ليوفِّقَهم للإسلامِ، ولكنه يخذُلُهم عنه إلى طريقٍ جهنمَ، وهو الكفرُ.
يعنى: حتى يكفُروا باللّهِ ورسلِه، فيدخُلوا جهنَّمَ، ﴿خَالِدِينَ فِهَا أَبَدًا﴾. يقولُ:
(١) فى م: ((رسله)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فكفروا))، وفى م: ((وكفروا)).
(٣) فى الأصل، ت ٢: ((ليغفر)).
(٤) فى الأصل: ((لتركه)).
(٥) فی ص، م: «إیاہ )) .
٦٩٧
سورة النساء : الآيتان ١٦٩، ١٧٠
مقيمين فيها أبدًا، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا﴾. يقولُ: وكان تخليدُ هؤلاء
الذين وصَفتُ لكم صفتَهم - فى جهنمَ على اللَّهِ يسيرًا؛ لأنه لا يقدِرُ مَن أراد ذلك به
على الامتناع منه، ولا له أحدّ يمنَعُه منه، ولا يستصعِبُ عليه ما أراد فعلَه به من
ذلك، (" وكلُّ ذلك على اللَّهِ يسير١؛ لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ [٩٠/١٣ظ] قَدْ جَاءَكُمُ
الرَّسُولُ بِالْحَقٍّ مِن رَّبِّكُمْ فَقَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اَللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا (هَا﴾
٣٣/٦
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ﴾. مشركى العربِ وسائرَ أصنافِ الكفرِ، ﴿قَدْ جَاءَ كُمُ الرَّسُولُ﴾ .
يعنى: محمدًاً عَله، قد جاءكم ﴿ِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: بالإسلامِ الذى
ارتضاه اللَّهُ لعبادِه دينًا ، يقولُ: ﴿مِن رَّبِّكُمْ﴾. يعنى: من عندِ ربِّكم، ﴿فَامِنُواْ
غَيْرَ لَكُمْ﴾. يقولُ : فصدِّقوه وصدّقوا بما جاءكم به من عندِ ربّكم من الدين، فإن
الإيمانَ بذلك خيرٌ لكم من الكفرِ به، ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾. يقولُ: وإن تجحَدوا
رسالته، وتكذّبوا به، وبما جاء کم بهمن عندِ ربِّکم ، فإنّ جحود کم ذلك وتكذيێکم
به لن يضرّ غيرَ كم، وإنما مكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، دونَ اللَّهِ الذى أمركم بالذی
بعَث به إليكم رسولَه محمدًا عٍَّ، وذلك أن ﴿ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
مُلكًا وخلقًا ، لا ينقُصُ كفرُكم بما كفرتم به من أمرِه ، وعصيانُكم إياه فيما عصيتموه
فيه ، من مُلكِه ولا سلطانِه شيئًا، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيَا حَكِيمًا﴾. يقولُ: وكان اللَّهُ عليمًا
بما أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمر کم به وفيما نها كم عنه ، ومعصيته فى ذلك ،
(١ - ١) فى م: ((وكان ذلك على الله يسيرا)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذى))، وفى م: ((الذى الله)).
1
٦٩٨
سورة النساء : الآية ١٧٠
وعلى علم منه بذلك منكم أمركم ونهاكم، ﴿ حَكِيمًا﴾. يعنى: حكيمًا فى أمرِه
إيا كم بما أمر کم به ، وفی نهیه إيَّ کم عما نها كم عنه ، وفی غیرٍ ذلك من تدبيره فیکم
وفى غيرٍ كم من(١) خلقِه .
واختلف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى من أجلِهِ نُصِب قولُه: ﴿ خَيْرَاً لَّكُمْ﴾؛
فقال بعضُ نحوِى الكوفةِ: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾ على الخروج مما قبلَه من الكلامِ؛ لأنّ ما
قبلَه من الكلامِ قد تمّ، وذلك قوله: ﴿فَامِنُواْ﴾. وقال: قد [٩١/١٣ و] سمِعتُ
العربَ تفعّلُ ذلك فى كلِّ خبرٍ كان تامًّا ، ثم اتصل به كلامٌ بعدَ تمامِه، على نحوٍ
اتصالٍ ((خير))(٢) بما قبله، فتقولُ: لتقومَنَّ خيرًا لك. و: لو فعلتَ ذلك خيرًالك.
و: اتقِ اللَّهَ خيرًا لك. قال: فأما إذا كان الكلامُ ناقصًا، فلا يكونُ إلا بالرفعِ،
كقولك: إن تتقِ اللَّهَ خيرٌ لك. و: إنْ تَصْبِرُ(٣) خَيْرٌ لك(٤).
وقال آخرُ منهم: جاء النصبُ فى ((خير))؛ لأن أصلَ الكلامِ: فآمنوا هو
خيرٌ لكم. فلما سقَط ((هو)) الذى هو مصدرٌ، اتصَل الكلامُ بما قبلَه، والذى قبلَه
معرفةٌ ، وخبره (١) نكرةٌ، فانتصب لاتصالِهِ بالمعرفةِ، لأن الإضمارَ من الفعلِ: قم
فالقيامُ خيرٌ لك. و: لا تقمْ فتركُ القيامِ خيرٌ لك. فلما سقَط اتَّصل بالأولِ . وقال :
ألا ترى أنك ترى الكنايةَ عن الأمرِ تصلُحُ قبلَ الخيرِ ، فتقولُ للرجلِ : اتقِ اللَّهَ هو خيرٌ
لك . أی: الاتقاءً خيرلك . وقال: لیس نصبُه على إضمار ( یکن))؛ لأن ذلك یأتی
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وفى)).
(٢) فى الأصل، ت ١: (( خبر)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((تصبروا)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لكم)).
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٩٥/١.
(٦) فى ص، م: ((خير).
٦٩٩
سورة النساء : الآية ١٧٠
بقياسٍ يُتْطِلُ هذا، ألا ترى أنك تقولُ : اتقِ اللَّهَ تكنْ محسنًا. ولا يجوزُ أن تقول:
اتقِ اللَّهَ محسِنًا . وأنت تُضْمِرُ ((كان))، ولا يصلُحُ أن تقولَ: انصُرْنا أخانا. وأنت
تريدُ : تكنْ أخانا. وزعَم قائلُ هذا القولِ أنه لا يُجيزُ ذلك إلا فى ((أفعل))(١) خاصَّةً،
فتقولُ : افعَلْ كذا خيرًا لك. و: لا تفعَلْ هذا خيرًا لك وأفضلَ لك. ولا تقولُ(٢):
صلاحًا لك. وزعم أنه إنما قيل مع (( أفعل))؛ لأن ((أفعل)) تَدلُّ على أن هذا أصلحُ من
ذلك .
سهد
وقال بعضُ نحويّى البصرةٍ(١): نُصِب ﴿ خَيْرًا﴾؛ لأنه حينَ قال لهم:
﴿فَاِنُواْ﴾. أمَرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال : اعمَلوا خيرًا لكم. وكذلك :
﴿ أَنْتَهُواْ خَيْرً لَّكُمْ﴾. قال: وهذا إنما يكونُ فى الأمرِ والنهي خاصَّةً ، ولا يكونُ
فى الخبرِ، لا تقولُ(٢): أنا(٤) أنتهى خيرًا لى. ولكن يُؤْفَعُ على كلامين؛ لأن الأمرّ
والنهىّ يُضْمَرُ فيهما، فكأنك أَخْرَجتَه من شىءٍ إلى شىءٍ؛ لأنك حينَ قلتَ له :
انتهِ(٥) . كأنك قلتَ له: اخرجْ من ذا، وادخُلْ(١) فى آخَرَ . واسْتَشْهَد بقولِ عمرَ بنِ
أبى ربيعةً(٧):
/فوَاعِدِيهِ سَرْحَتَى مالكٍ أو الؤُبّا(٩) بينَهما أَسْهَلَا
٣٤/٦
(١) فى ص، ت ٢: ((أفعال)).
(٢) فى الأصل: ((تقل)).
(٣) ينظر الكتاب ٢٨٢/١ وما بعدها .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إن)).
(٥) فى النسخ ((اتقه)). والمثبت من الكتاب.
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اخرج)).
(٧) ديوانه ص ٣٤٩.
(٨) فى الديوان: ((سدرتى)). والسرحة واحدة السرح: شجر كبار عظام طوال، لا يرعى، وإنما يستظل فيه
أُو ھو کل شجر لا شوك فیه. التاج (س ر ح).
(٩) فى الديوان: ((ذا الذى)). والربا مثلثة الراء: كل ما ارتفع من الأرض. اللسان (رب و).
٧٠٠
سورة النساء : الآيتان ١٧٠، ١٧١
كما تقولُ: واعدِيه ) [٩١/١٣ ظ] خيرًا لكِ. قال: وقد سمِعتُ نصبَ هذا
فى الخبرِ، تقولُ العربُ: آتى البيتَ خيرًا لى. و: أتركُه خيرًا لى. وهو على ما
فشَّرتُ لك فى الأمر والنهي .
وقال آخرُ منهم: نُصِب ﴿خَيْرًا﴾(١) بفعلٍ مضمّرٍ، واكتفَى من ذلك المضمّرِ
بقوله(٢): لا تفعَلْ هذا. و: افعلِ الخيرَ(). وأجازه فى غيرِ (( أَفْعَل))، فقال: لا تفعَلْ
ذاك صلاحًا لك .
وقال آخرُ منهم٢): نُصِب ﴿ خَيْرًا﴾ على ضميرٍ جوابٍ: يكنْ خيرًا لكم .
وقال: وكذلك كلٌّ أمرٍ ونهي .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ
وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَِّ إِلَّا الْحَقّ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَأَهْلَ
الْكِتَبِ﴾: أهلَ الإنجيلِ من النصارى، ﴿لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ﴾، يقولُ: لا
تجاوزوا الحقَّ فى دينكم فتُفْرِطوا فيه، ولا تقولوا فى عيسى غيرَ الحقِّ، فإن قيلَكم
فى عيسى : إنه ابنُ اللَّهِ. قولٌ منكم على اللَّهِ غيرَ الحقِّ؛ لأن اللَّه تعالى ذكرُه لم
يتخذْ ولدًا، فيكونَ عيسى أو غيرُه من خلقِه له ابنًا، ﴿ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا
الْحَقّ﴾.
(١) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واعدته)).
(٢) بعده فى ص، ت ١: ((على)).
(٣) فى م، ت ٢، س: ((كفرنه)).
(٤) فى الأصل: ((بالخير)).
(٥) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١٤٣/١.