النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١
سورة النساء : الآية ١٥٧
قد أَخْصَوْها، وقتلوا مَن قتلوا على شكٌّ منهم فى أمرٍ عيسى.
وهذا التأويلُ على قولٍ مَن قال : لم يفارقِ الحوارُّون عیسی حتی رُفع ودخل
علیھم اليهودُ .
وأما تأويلُه على قولٍ مَن قال: تفرَّقوا عنه من الليلٍ. فإنه: ﴿وَإِنَّ(١) الَّذِينَ
أُخْتَلَفُواْ﴾ فى عيسى ، هل هو الذى بَقِى فى البيتِ منهم بعدَ خروجٍ مَن خرّج منهم
من العِدَّةِ التى كانت فيه أم لا؟ ﴿لَفِى شَكٍ مِّنْهٌ﴾. يعنى: من قتلِه؛ لأنهم كانوا
أَخضوا من العِدَّةِ حین دخلوا البیت أكثر ممن خرج منه ومَن ◌ُچِد فيه، فشگُوا فى
الذى قتلوه هل هو عيسى أم لا؟ من أجلٍ فقدِهم مَن فقَدوا من العِدَّةِ التى كانوا
أحصَوها٢) ، ولكنهم قالوا : قتَلنا عيسى. لمشابهةِ المقتولِ عيسى فى الصورة . يقولُ
اللَّهُ: ﴿ مَا لَم ◌ِهِ، مِنْ عِلٍْ﴾. يعنى: أنهم [ ٧٧/١٣ظ] قتلوا من قتلوه على شكٌّ منهم
فيه واختلاف ، هل هو عيسى أم هو غيرُه؟ من غيرٍ أن يكونَ لهم بمن قتلوه علم ، مَن
هو ؟ أهو عيسى أم هو غيرُه؟ ﴿ إِلَّا أَنْبَاعَ الَِّنُّ﴾ . یعنی جلَّ ثناؤه: ما كان لهم بمن
قتلوه من علمٍ ، ولكنهم اتّبعوا ظنَّهم ، فقتلوه ظنًّا منهم أنه عيسى ، وأنه الذى يريدون
قتلَه، ولم يكنْ به. ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. يقولُ: وما قتلوا ظنَّهم(٣) الذى اتَّبَعوه فى
المقتولِ الذى قتلوه - وهم يحسبونه عيسى - يقينًا أنه عيسى ولا أنه غيرُه، ولكنهم
كانوا منه على ظنٍّ وشبهةٍ .
وهذا كقولِ القائلِ(٤) للرجلِ: ما قتلتُ هذا الأمرَ علمًا. وما قتلتُه يقينًا . إذا
(١) بعده فى الأصل: (( كان)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((العدد الذى كانوا أحصوه))، وفى س: ((العدة الذى كانوا
أحصوه » .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هذا)).
(٤) فى م: ((الرجل)).
٦٦٢
سورة النساء : الآيتان ١٥٧، ١٥٨
تكلُّم فيه بالظنِّ على غيرِ يقينٍ (١) علمٍ. فالهاءُ فى قوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ﴾ . عائدةٌ على
الظنِّ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا﴾. قال: يعنى: ولم يقتُلوا ظنَّهم يقينًا (١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال : ثنا يَعْلَى بنُ عُبيدٍ ، عن مجُوَيبٍ فى قوله :
﴿ وَمَا قَلُوهُ يَقِيَنًا﴾. قال: ما قتلوا ظنَّهم يقينًا(٢) .
وقال الشّدئُّ فى ذلك، ما حدَّثنى به محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال : ثنى
أسباطُ ، عن الشّدىِّ: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ يَقِينًا﴾: وما قتلوا أمرَه يقينًا أن الرجلَ هو
عيسى، بل رفَعه اللَّهُ إليه(٣) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَل رَّفَعَهُ [٧٨/١٣ ٥] اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا
١٥٨)
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: وأما قولُه: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ .
فإنه يعنى: بل رفَع اللَّهُ المسيح إليه، يقولُ: لم يقتُلوه ولم يصلِبوه، ولكنَّ اللَّهَ رفَعه
إليه ، فطهّره من الذين كفروا .
(١) سقط من : الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١/٤ (٦٢٣٩) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٢ إلى المصنف.
٦٦٣
سورة النساء : الآيتان ١٥٨، ١٥٩
وقد بيّنا كيف كان رَفْعُ اللَّهِ إياه إليه(١) فيما مضى، وذكرنا اختلافَ المختلِفين
فى ذلك، والصحيحَ من القول فيه، بالأدلةِ الشاهدةِ على صحتِه، بما أغنى عن
(٢)
إعادتِه(٢) .
١٨/٦
/وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يزلِ اللَّهُ منتقِمًا من
أعدائِه، كانتقامِه من الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ بظلمِهم ، وكلعنه الذين قصَّ قصتهم
بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اللَّهِ﴾. ﴿ حَكِيمًا﴾ . يقولُ: ذا
حكمةٍ فى تدبيرِهِ وتصريفِه خلقه فى قضائِه، يقولُ: فاخذَروا - أيُّها السائلون
محمدًا أن يُتَزِّلَ عليكم كتابًا من السماءِ - من حلولٍ عقوبتى بكم، كما حلَّ
بأوائلِكم الذين فعلوا فعلكم فى تكذبيهم(١) رسلى، وافترائهم على أوليائى.
وقد حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ(٤) بن أبى سارةَ الرُّؤَاسىُّ،
عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله(٥): ﴿ وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. قال: معنى ذلك: أنه كذلك(٦).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ
مَوْنِ﴾ .
(١) تقدم فى ٤٤٧ - ٤٥٣.
(٢) سقط من: الأصل، م، ت ١.
(٣) فى الأصل: ((تكذبيكم)).
(٤) فى الأصل: ((الحسن)).
(٥) فى الأصل: ((قوله غفورا رحيما))، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قول الله وكان الله غفورا
رحيما)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٢/٤ (٦٢٤٤) وابن أبى شيبة ٥٤٦/١١ (١١٩٢٥) من طريق
الأعمش به .
=
٦٦٤
سورة النساء : الآية ١٥٩
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ [٧٨/١٣ ظ] إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. يعنى بعيسى، ﴿ قَبْلَ
مون ﴾ ، یعنی : قبلَ موتِ عیسی . يُوجّهُ ذلك إلى أن جمیعھم یصدِّقون به إذا نزل
لقتلِ الدجالِ ، فتصيرُ المللُ كلّها واحدةً، وهى ملةُ الإسلامِ الحنيفيةُ ، دينُ إبراهيمَ .
------
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن أبی خصِین ، عن
سعيدٍ بنِ لجبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْنٍِ﴾. قال: قبل(١) موتٍ عيسى ابنٍ مريمَ(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبى خَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾. قال:
قبلَ موتٍ عیسی ".
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا مُصينٌّ، عن أبى
٠٠
= وبعد هذا الأثر فى ص: ((نجز الجزء السابع من كتاب البيان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وسلم . الحمد لله رب العالمين. يتلوه فى أول الثامن إن شاء الله تعالى القول فى تأويل قوله :
﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ وكان الفراغ منه فى شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة
وسبعمائة ، غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ولكاتبه ولمن طالع فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ولجميع
المسلمين . آمين يارب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر برحمتك يا كريم)).
(١) سقط من: الأصل، ص ، ت١، س .
(٢) تفسير سفيان ص ٩٨ وأخرجه الحاكم ٣٠٩/٢ من طريق سفيان به بلفظ: ((خروج عيسى ابن مريم
صلوات الله عليه)) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٤/٤ (٦٢٥٤)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٠١/١٤
(مخطوط) من طرق عن سفيان به .
٦٦٥
سورة النساء : الآية ١٥٩
مالكٍ فى قولِهِ : ﴿ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍ ﴾ . قال : ذلك(١) عند نزول عيسى ابنٍ
مريم، لا يَتْقَى أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلا ( يؤمنُ به ) .
حدثنی المثنی ، قال : ثنا الحجّاج بنُ المنهال ، قال : ثنا حمادٌ ، عن محمیدٍ ، عن
الحسنِ، قال: ﴿قَبْلَ مَوْتٍ﴾. قال: قبلَ أن يموتَ عيسى(١).
حدثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾. قال : قبلَ موتِ عيسى، واللَّهِ
إنه الآنَ لحٍّ عندَ اللَّهِ ، ولكنه إذا نزَل آمنوا به أجمعون (٤) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِن مِنْ
أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾. يقولُ: قبلَ موتٍ عيسى(٥).
/ ٢ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةَ: ﴿ وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِهُ ﴾ . قال : قبلَ موتِ
عيسى ، إذا نزَل آمنت به الأديانُ كلُّهاً) .
١٩/٦
[٧٩/١٣ و] حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ
ابنِ أنسٍ، عن الحسنِ، قال : قبلَ موتٍ عيسى .
(١) سقط من: الأصل.
(٢ - ٢) فى م: ((ليؤمنن)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٤/٤ (عقب الأثر ٦٢٥٤) معلقا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٠٤.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٤/٤ عقب الأثر (٦٢٥٤) معلقا .
(٦ - ٦) ذكر هذا الأثر فى م مرتين، واختصره فى المرة الأولى إلى قوله: قبل موت عيسى. وهو فى تفسير
عبد الرزاق ١٧٧/١.
٦٦٦
سورة النساء : الآية ١٥٩
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ
بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾ . قال: عيسى ، ولم يمث بعدُ .
حدَّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال : ثنا عمرانُ بنُ عُبينةً ، عن حُصينٍ ، عن أبى مالكٍ ، قال :
لا يَتْقَى أحدٌ منهم عندَ نزول عيسى إلا آمن به (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى ، عن سفيانَ ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ،
قال : قبلَ موتٍ عیسی .
حدثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن ◌ِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْقِ﴾. قال: إذا نزَل عيسى ابن مريمَ، فقتّل
الدجالَ، لم يَتْقَ يهودىٌّ فى الأرضِ إلا آمن به . قال: فذلك حينَ لا ينفَعُهم
الإيمانُ(٢) .
حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْنِهِ﴾.
يعنى: أنه سيُدرِكُ أناسٌ من أهلِ الكتابِ حينَ يُثْعَثُ عيسى ، سيؤمنون(٣) به،
﴿ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُّ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورٍ
ابنِ زاذانَ ، عن الحسنِ ، أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٣/٤ (٦٢٥٣) من طريق حصين به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٤٠٤.
(٣) فى الأصل: ((مؤمنون))، وفى م: ((فيؤمنون)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف .
طے
٦٦٧
سورة النساء : الآية ١٥٩
بِهِ، قَبْلَ مَوْتٍِ﴾(١). أظنّه أنا(٢) قال: إذا خرَج عيسى آمنت به اليهودُ.
وقال آخرون : معنى ذلك: وإن من أهلِ الكتابِ إلا (٢) ليُؤْمننَّ بعيسى قبلَ موتٍ
الكتابيّ. يُوجّهُ(٤) ذلك إلى أنه إذا عاين علِمَ الحقَّ من الباطلِ ؛ لأن كلُّ مَن نزل به
الموتُ لم تخرُجْ نفسُه حتى يتبيَّنَ له الحقُّ من الباطلِ فى دينه .
"ذكرُ من قال ذلك)
٠۵٠٠٠
حدَّثنى [٧٩/١٣ظ] المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْنٍِ﴾ . قال : لا يموتُ يهودىٌّ حتى يؤمنَ بعيسى .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال(١): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتٍ ﴾. قال: لا تخرجُ نفسُه حتى يؤمنَ بعيسى ، وإن
غرِق أو تردَّى من حائطٍ ، أو(٧) أىُّ مِينةٍ كانت(٨).
/حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيحِ،
٢٠/٦
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَّوْبٍِّ﴾. قال: كلِّ صاحبٍ كتابٍ
(١) بعده فى م: ((قال أبو جعفر)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((إنما)).
(٣) بعده فى ص، ت ٢: ((من).
(٤) فى الأصل: ((ذكر من قال))، وفى م: ((ذكر من كان يوجه)).
(٥ - ٥) زيادة لازمة، كنهج المصنف فيما مضى.
(٦) فى م: ((وابن حميد قالا)).
(٧) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت٣: (( و).
(٨) تفسیر مجاهد ص ٢٩٦ إلى قوله: أو تردى .
٦٦٨
سورة النساء : الآية ١٥٩
ليُؤْ مننَّ ﴿بِهِ﴾: بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوٌِْ﴾: موتٍ(١) صاحبِ الكتابِ(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿ لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ﴾: كلُّ صاحبٍ كتابٍ يُؤْمنُ بعيسى، ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
موتِ صاحبِ الكتابِ. قال ابنُ عباسٍ : لو ضُرِبت عنقُه، لم تخرُجْ نفسُه حتى
يؤمِنَ بعیسی .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا أبو ◌ُميلةَ يحيى بنُ واضحٍ، قال : ثنا الحسينُ بنُ
واقدٍ ، عن یزید النحوىّ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ، قال : لا يموتُ اليهودىُّ حتى
يشهَدَ أن عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه، ولو عُجّل عليه بالسلاحُ.
حدثنی إسحاقُ بنُ إبراهيم بن حبیبٍ بنِ الشهیدِ ، قال : ثنا عتَّابُ بنُ بشیرٍ ، عن
◌ُخُصَيفٍ ، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ
◌ِ، قَبْلَ مَوْنٍ﴾. قال : هى فى قراءة أَبىّ: (قبلَ موتِهم)(٤) : ليس يهودىٌّ يموتُ أبدًا
حتی یؤمن بعیسی . قيل لابن عباسٍ : أرأيت إن خرّ من فوقٍ بيتٍ ؟ قال : يتكلّمُ به فى
الهُوِىِّ(٥) . فقيل: أرأيت إن ضُرِبت عنقُ أحدٍ منهم؟ قال: يُلَجْلِجُ(١) بها لسانُه(٧).
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو نُعيمِ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صاحب)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) ينظر البحر المحيط ٣٩٣/٣ وهى قراءة شاذة .
(٥) فى الأصل: ((الهواء)). والهوى مصدر بمعنى السقوط. اللسان (هـ وى).
(٦) فى م: ((يتلجلج)) واللجلجة والتلجلج تردد اللسان . التاج ( لجلج).
(٧) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ١٤٢٧/٤ (٧٠٩ - تفسير) من طريق عتاب بن بشير به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى الطيالسى وابن المنذر.
٦٦٩
سورة النساء : الآية ١٥٩
عن عكرمةَ(١)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْتِهِ﴾. قال: لا يموتُ يهودىٌّ [٨٠/١٣و] حتى يؤمنَ بعيسى ابن مريمَ. قال:
وإن ضُرِب بالسيفِ تكلّم به . قال: وإنْ هوَى تكلّم٢) به وهو يَهوِى(٣).
(* حدثنا ابنُ المثنى) ، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى
هارونَ الغَنَوىِّ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبٍ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ ﴾ . قال : لو أن يهوديًّا وقع من فوق هذا البيتِ لم
متْ حتی یؤمن به . یعنی بعیسی .
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن مولّى لقريشٍ(٢)،
قال : سمعتُ عكرمةَ يقولُ : لو وقَع يهودىٌّ من فوقِ القَصْرِ، لم يبلُغْ إلى الأرضِ
حتى يؤمنَ بعيسى .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى هاشم
الُمَّاتىِّ، عن مجاهدٍ : ﴿ لَيُؤْمِنَنَّ هِ قَبْلَ موتِه ﴾ . قال : وإن وقع من فوقِ البيتِ ،
لا يموتُ حتى يؤمنَ به (٧).
(١) بعده فى م: ((عن جبير).
(٢ - ٢) فى م: ((قيل: وإن ضرب بالسيف؟ قال: يتكلم به. قيل: وإنْ هوى؟ قال: يتكلم)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤ - ٤) فى ص، ت ١: ((وحدثنى المثنى)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٣/٤ ١ (٦٢٥٠) من طريق شعبة به ، وعزاه ابن كثير فى تفسيره ٢/
٤٠٥ إلى أبى داود الطيالسى. وقال - بعد أن ساق الأثرين السابقين -: فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس .
(٦) فى الأصل: ((العرس)).
(٧) تفسير سفيان ص ٩٨ (٢٣٠) وأخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (مخطوط) ١٠١/١٤ من طرق عن
سفيان به .
٦٧٠
سورة النساء : الآية ١٥٩
حدّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا حكّام ، عن عمرو بن أبى قَيْسٍ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِ،﴾. قال: لا يموتُ رجلٌ
من أهلِ الكتابِ حتى يؤمنَ به، وإن غرِق أو تردَّى أو مات بشىءٍ(١) .
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَّةً ، عن ليث ، عن مجاهدٍ فى قوله :
﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْقِ ﴾ . قال : لا تخرجُ نفسُه حتى
(٢)
يؤمن به(٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ:
﴿ وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ / إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتٌِّ﴾. قال: لا يموتُ أحدُهم حتى
يؤمن به - یعنی بعیسی - وإن خرّ من فوق بيت ، یؤمِنُ به وهو يَهْوِى .
٢١/٦
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ ، قال :
لیس أحدٌ من اليهود يخرجُ من الدنيا حتى يؤمنَ بعيسى .
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن فُراتِ القزَّازِ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ
منهم حتى يُؤْمنَ بعيسى. يعنى اليهودَ [٨٠/١٣ظ] والنصارى".
حدَّثنا الحسنُ بنُّ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن
فُراتٍ القزّازِ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ
مَوْقٌِّ﴾. قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يؤمنَ بعيسى) قبلَ أن يموتَ(٥).
(١) تفسير مجاهد ٢٩٦.
(٢) فی الأصل: ( حدثنا ابن و کیع قال : لا تخرج نفسه حتی یؤمن به).
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، س.
(٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٠١/١٤ من طريق إسرائيل به .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٧٧/١.
٦٧١
سورة النساء : الآية ١٥٩
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا الحَكَمُ بنُ عطيةً، عن محمدٍ
ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾. قال: موت
الرجلِ من أهلِ الكتابِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا
أسباطُ، عن الشّدئِّ: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِ قَبْلَ مَوْنِهِ﴾.
قال : قال ابنُ عباسٍ : ليس من يهودىّ(١) يموتُ حتى يؤمنَ بعيسى ابنٍ مريمَ . فقال له
رجلٌ من أصحابِهِ : كيف والرجلُ يغرَقُ، أو يحترقُ، أو يسقطُ عليه الجدارُ،
أو يأكلُه السَّبُعُ؟ فقال: لا تخرجُ روحُه من جسدِه حتى يُقْذَفَ فيه الإيمانُ
بعيسى .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا مُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ إِلَّا
لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٌِّ﴾. قال: فلا يموتُ أحدٌ من اليهودِ حتى يشهَدَ أن عيسى
رسولُ اللهِ .
حدثنی المثنی(٢) ، قال: ثنا إسحاقُ، قال : ثنا يَغْلَی، عن جوییرٍ فی قولِه :
﴿لَيُؤْ مِنَّنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهٌ﴾. قال: " فى قراءة٣ٍ) أَبيِّ: (قبلَ موتِهم) .
وقال آخرون: معنى ذلك: وإنْ من أهلِ الكتابِ إلا ليؤمنَنَّ بمحمدٍ عَّمِ قبلَ
موتٍ الکتابئِّ .
(١) بعده فى م: ((ولانصرانى)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ابن المثنى)).
(٣ - ٣) فى الأصل: «قرأه)).
٦٧٢
سورة النساء : الآية ١٥٩
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجّاجُ بنُّ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ ، عن محُميدٍ ، قال:
قال عكرمةُ : لا يموتُ النصرانىُّ واليهودىُّ حتى يؤمنَ بمحمدٍ عَلِّ . يعنى فى قوله :
﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ إِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
[١/١٣ ٨و] وَأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ(١) قولُ من قال: تأويلُ ذلك: وإنْ
من أهلِ الكتابِ إلَّا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى .
وإنما قلنا : ذلك أَوْلَى بالصوابِ من غيرِهِ من الأقوالِ ؛ لأنَّ اللّهَ عزّ وجلّ حكَم
لكلِّ مؤمنٍ بمحمدٍ عَِّ بحكمِ أهلِ الإيمانِ فى الموارثةِ، والصلاةِ عليه، وإلحاقٍ
صغارٍ أولادِهِ بِحُكْمِه فى الملةِ ، فلو كان / كلُّ كتابِيٍّ يُؤْمنُ بعيسى "قبلَ موتِه٢) ،
لوجب أن لا يرِثَ(١) الكتابيّ إذا مات على ملتِه إلا أولادُه الصغارُ، أو (٤) البالغون
منهم من أهلِ الإسلامِ، إن(٥) كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغّ مسلمٌ، وإن لم يكنْ له ولدٌ
صغيرٌ، ولا بالّ مسلمٌ، ("أن يكونَ) ميراتُه منصرفًا(٧) حيثُ ("يَنصرِفُ(٨) إِليه مالُ
المسلمِ يموتُ ولا وارثَ له، " وأن يكونَ) حكمه حكم المسلمين فى الصلاةِ عليه
٢٢/٦
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بالصحة والصواب)).
(٢ - ٢) سقط من : الأصل.
(٣) فى الأصل: ((يموت)).
(٤) فى الأصل: ((و)).
(٥) فى الأصل: ((وإن)).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((أيكون))، وفى م: ((كان)).
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مصروفًا)).
(٨) فى ص ، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يصرف)).
(٩ - ٩) فى الأصل: ((فإن يكن)).
٦٧٣
سورة النساء : الآية ١٥٩
(١
وغسلِه وتقبيرِه ؛ لأَنّ مَن مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميعٍ
الرسلِ(١) ، وذلك أن عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه جاء بتصديقِ محمدٍ وجميعِ المرسلين
صلى اللَّهُ عليهم، فالمصدِّقُ بعيسى والمؤمنُ به مصدِّقٌ بمحمدٍ وبجميعِ أنبياءِ اللَّهِ
ورسله، (٣ كما أن المؤمنَ) بمحمدٍ مؤمنٌ بعيسى وبجميع أنبياءِ اللَّهِ ورسلِه، فغيرُ
جائزٍ أن يكونَ مؤمنًا بعيسى من كان بمحمدٍ مكذِّبًا .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن معنى إيمانِ اليهودىِّ بعيسى(٢) الذى ذكّره اللَّهُ فى قوله:
﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَّنَّ بِ قَبْلَ مَوْتِهٍ﴾. إنما هو إقرارُه بأنه للَّهِ نبِّ
مبعوثٌ، دونَ تصديقِه بجميعِ ما أُتَّى به من عندِ اللَّهِ. فقد ظنّ خطأً، وذلك
أنه غيرُ جائٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةٍ نبيٍّ، من كان له مكذِّبًا فى
بعضٍ ما جاء به من وحي اللَّهِ وتنزيله، بل غيرُ جائٍ أن يكونَ منسوبًا إلى
الإقرارِ بنيوةٍ أحدٍ من أنبياءِ اللَّهِ؛ لأن الأنبياءَ جاءت الأممَ بتصديقٍ جميعٍ أنبياءٍ
اللَّهِ ورسلِه، فالمكذِّبُ بعضَ أنبياءِ اللَّهِ ()فى بعضٍ ماٌ أَتَّى به أمتَه من عندٍ
اللَّهِ، مكذِّبٌ جميعَ أنبياءِ اللَّهِ فيما دَعَوْا إليه من دينِ اللَّهِ [٨١/١٣ ظ]
عبادَ اللَّهِ. وإذ كان ذلك كذلك، "وكان) الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجْمعين("
على أن كلَّ كتابىٌّ مات قبلَ إقرارِه بمحمدٍ صلواتُ اللَّهِ عليه وما جاء به من
عندِ اللَّهِ، فمحكومٌ له بحكم الملَّةِ التى كان عليها أيامَ حياتِه ، غيرُ منقولٍ شىءٌ
(١ - ١) سقط من : الأصل.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((فالمؤمن، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كما المؤمن)).
(٣) سقط من : الأصل .
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيما)).
(٥) سقط من : م.
(٦ - ٦) فى م: ((كان فى إجماع)).
( تفسير الطبرى ٤٣/٧ )
٦٧٤
سورة النساء : الآية ١٥٩
من أحکامِه فى نفسه وماله وولده صغارهم وكبارهم، بموته عما كان عليه فى
حياتِه - أدلّ الدليلِ على أن معنى قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا
لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْقٌِّ﴾. إنما معناه: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتٍ عيسى. (١ وأن
ذلك١) فى خاصّ من أهلِ الكتابِ ، ومعنىٌّ به أهلُ زمانٍ منهم دونَ أهلٍ كلِّ الأزمنةِ
التى كانت بعدَ عيسى ، وأن ذلك كائنٌ عندَ نزوله .
كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، عن
عبد الرحمنِ بنِ آدمَ، عن أبى هريرةَ، أن النبىَّ مَ له، قال: ((الأنبياء إخوةٌ لِعَلَّاتٍ،
◌ُمَّهاتُھم شنَّی ودینُهم واحدٌ ، وإنّی أُولَی الناسِ بعيسى ابن مريم ؛ لأنّه لم یکنْ بینی
وبينَه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاغْرِفُوه، فإنه رجلٌ مَرْبوُ الخَلْقِ، إلى الحُثْرةِ
والبياضِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كأنّ رَأْسَه يقطُرُ وإِن لم يُصِبْه بلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتَيْن(٢) ، فيدُقُّ
الصليبَ، ويقتُّلُ الْخِيْزِيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويَفِيضُ(٢) المالُ، ويقاتلُ الناسَ على
الإسلامِ حتى يُهلِكَ اللَّهُ فى زَمانِه المِلَ كلَّها غيرَ الإِسلامِ، ويُهلِكَ اللَّهُ فى زمانِه
مسيحَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجّالَ، وتقَعُ الأَمَنَةُ فى الأرضِ فى زمانِهِ، حتى ترتَعَ
الأُسُودُ معَ الإبلِ ، والنمورُ مع البَّقَرِ ، والذئابُ / مع الغنمِ ، وتلعَبُ الغِلمانُ والصِّبيانُ
بالحيَّاتِ، لا يضُرُّ بعضُهم بعضًا، ثم يَلْبَثُ فى الأرضِ ما شاء اللَّهُ - وربما قال:
أربعين سنةً - ثُم يُتَوفَّى، ويُصلِّى عليه المسلمون ويَدْفِنونه))(٤).
٢٣/٦
وأما الذى قال(٥): عتَى بقولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنٍِ﴾: ليؤمنَنَّ
(١ - ١) فى الأصل: ((وذلك أن)).
(٢) فى الأصل: ((مصرتين)). والممصرة من الثياب: التى فيها صفرة خفيفة. النهاية ٣٣٦/٤.
(٣) فى الأصل: ((يقبل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يقبض)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٥٢/٥ .
(٥) بعده فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( من قال)).
٦٧٥
سورة النساء : الآية ١٥٩
بمحمدٍ عَ لِ قبلَ موتِ الكتابيّ. فما (١) لا وجه له مفهومٌ؛ لأنه مع فساده من الوجهِ
الذى دلَّنا على فسادٍ قولٍ من قال : عنى به : ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موتٍ [٨٢/١٣و]
الكتابيِّ. يَزِيدُه(٢) فسادًا أنه لم يَجْرِ لمحمدٍ عَِّ فى الآياتِ التى قبلَ ذلك ذكرٌ،
فيجوزَ(٢) صرفُ الهاءِ التى فى قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. إلى أنها من ذكرِهِ، وإنما
قولُه: ﴿ لَيُؤْ مِنَّنَّ بِ﴾ . فى سياقٍ ذكرٍ عيسى وأمِّه واليهودٍ ، فغيرُ جائزٍ صرفُ
الكلامِ عما هو فى سياقِهِ إلى غيرِهِ ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها ، من دلالةٍ ظاهرٍ
التنزيلٍ، أو خبرٍ عن الرسولِ تقومُ به حجّةٌ. فأما الدعاوَى فلا تتعذَّرُ على أحدٍ .
فتأويلُ الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ(٤): وما من أهلِ الكتابِ إلَّا مَن(٥)
ليؤمنَنَّ(١) بعيسى قبلَ موتٍ عيسى. وحُذِف ((مَنْ)) بعدَ ((إلّا)) لدلالةِ الكلامِ عليه،
فاسْتُغْنى بدلالتِه عن (١) إظهارِه، كسائرٍ ما قد تقدَّم من أمثاله التى قد أتينا على البيانِ
عنها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
١٥٩
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ويومَ القيامةِ
يكونُ عيسى على أهلِ الكتابِ ﴿ شَهِيدًا﴾. يعنى: شاهدًا علیھم بتكذیبِ مَن
(١) فى م: ((فمما))، وفى ت ٢: ((مما).
(٢) فى الأصل: ((يزيد)).
(٣) فى الأصل ((يجوز)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وصفنا)).
(٥) زيادة من : م.
(٦) بعده فى الأصل: (( به)).
(٧) فى الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من).
٦٧٦
سورة النساء : الآيتان ١٦٠، ١٦١
كذّبه منهم ، وتصديقٍ مَن صدَّقه منهم ، فيما أتاهم به من عندِ اللَّهِ ، وبإبلاغِه رسالةً
ربِّه .
کالذی حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حبّاج، قال : قال ابنُ
جريجٍ: ﴿وَيَوْمَ اٌلْقِيَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ : أنْ قد أبلغهم ما أُرسِل به إليهم .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ
يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ . يقولُ: يكونُ عليهم شهيدًا يومَ القيامةِ، على أنه قد بلَّغ
رسالةَ ربِّه، وأقرَّ بالعبوديةِ على نفسِه(١) .
[٨٢/١٣ ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
عَلَيَهْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٥) وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ
عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ اُلَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فحرَّمنا على
اليهود الذين نقضوا ميثاقَهم الذى وائقوا ربَّهم، وكفَروا بآياتِ اللَّهِ، وقتلوا
أنبياءَه(٢) ، وقالوا البهتانَ على مريمَ، وفعلوا ما وصَفهم اللَّهُ به فى كتابه - طيباتٍ من
المآكلِ وغيرِها كانت لهم حلالاً؛ عقوبةً لهم بظلمِهم الذى أَخْبَرِ اللَّهُ عنهم فى
كتابه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿ فَيُظٍْ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية: ◌ُوقب القومُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١١٤/٤ (٦٢٥٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٤١/٢ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أنبياءهم)).
٦٧٧
سورة النساء : الآيتان ١٦٠، ١٦١
٢٤/٦
بظلمٍ ظلَموه، ويَغْيِ بَغَوْه، / مُرِّمت عليهم أشياءُ ببغيهم وبظلمِهم(١).
وقولُه: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ . يعنى: وبصدِّهم عبادَ اللَّهِ عن
دينه وسبيله(٢) التى شرّعها(٣) لعبادِه صدًّا كثيرًا .
وكان صدُّهم عن سبيلِ اللَّهِ بقولِهم على اللَّهِ الباطلَ، وادِّعائهم أن ذلك عن
اللَّهِ ، وتبديلهم كتابَ اللَّهِ، وتحريفٍ معانيه عن وجوهِه. وكان من عظيمٍ ذلك
جحودُهم نبوةً نبيّنا محمدٍ عَِّ، وتركُهم بيانَ ما قد علموا من أمرِه لمن جهل أمرَه
من الناسٍٍ. وبنحوِ ذلك كان مجاهدٌ يقولُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى،
قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ ، جميعًا عن ابنِ أبی نَجیح، عن مجاهدٍ فی قول
اللَّهِ: ﴿َيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ [٥٨٣/١٣] وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. قال:
أنفسَهم وغيرَهم عن الحقِّ(٤).
وقولُه: ﴿وَأَخْذِهِمُ الْرِبَواْ﴾. وهو أخذُهم ما أَفْضَلوا على رءوسٍ أموالهم؛
الفضلٍ تأخيرٍ فى الأجْلِ بعدَ مَحِلُّها .
وقد بيّنتُّ معنى الرِّبا فيما مضى قبلُ، بما أغنى عن إعادته(٥).
﴿ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾. يعنى: عن أخذِ الرِّبا .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سبله)).
(٣) فى م: ((شرحها)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.
(٥) ينظر ما تقدم فى ٣٧/٥، ٣٨.
٦٧٨
سورة النساء : الآيتان ١٦٢،١٦١
وقولُه: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَوَلَ النَّاسِ بِلْبَطِلَّ﴾. يعنى: ما كانوا يأخُذون من الرِّشَا
على الحُكْم، كما وصَفهم اللَّهُ به فى قوله: ﴿ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ الشُّحْتَّ لَِلْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢]. وكان من أكلهم
أموالَ الناسِ بالباطلِ ما كانوا يأخُذون من أثمانِ الكتبِ التى كانوا يكتُبونها
بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عندِ اللَّهِ. وما أَشْبَهَ ذلك من المآكلِ الخسيسةِ()
الخبيثةِ. فعاقبتهم اللَّهُ على جميعِ ذلك بتحريمِه ما حرَّم عليهم من الطيباتِ التى كانت
لهم حلالاً قبلَ ذلك. وإنما وصَفهم اللَّهُ بأنهم أكّلوا ما أكَلوا من أموال الناس كذلك
بالباطلِ ؛ لأنهم(٢) أكّلوه بغيرِ استحقاقٍ، وأخَذوا أموالهم منهم بغيرِ استيجابٍ (١).
وقولُه جل ثناؤه: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يعنى: وجعَلنا
للكافرين باللّهِ ورسوله محمدٍ عَّهِ من هؤلاء اليهودِ العذابَ الأليمَ، وهو المُوجِعُ من
عذابٍ جهنمَ، عُدَّةٌ(١) يصلَؤْنها فى الآخرةِ ، إذا ورَدوا على ربِّهم، فيعاقبُهم بها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ لَّكِنِ الَّسِخُونَ فِى الْعِلْرِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَّا أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ
١٦٢
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ أُوْلَكَ سَنُؤْتِهِمْ أَبْرًّا عَظِيمًا
[٨٣/١٣ظ] قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: وهذا من اللَّهِ جلَّ
ثناؤه استثناءٌ ، اسْتَئنى من أهلِ الكتابِ من اليهودِ الذين وصَف صفتَهم فى هذه
الآياتِ التى مضَت من قوله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِنَ
ج
السَّمَآءِ
(١) سقط من: الأصل.
(٢) فى م: ((بأنهم)).
(٣) فى الأصل: ((استحباب)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (عنده)).
٦٧٩
سورة النساء : الآية ١٦٢
ثم قال جلَّ ثناؤه لعبادِه مبيّنًا لهم حكمَ مَن قد هداه لدينِه منهم، ووفّقه
الرشدِه: ما كُلُّ أهلِ الكتابِ صفتُهم الصفةُ التى وَصفتُ لكم، ﴿لََّكِنِ الرَّسِخُونَ
فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. وهم الذين قد رسَخوا فى العلمِ بأحكامِ اللَّهِ التى جاءت / بها
أنبياؤُه، وَتْقَنوا (١) ذلك، وعرفوا حقيقته .
وقد بيَّنا معنى الرسوخِ فى العلم بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: والمؤمنون باللّهِ ورسلِه منهم(٢)، يؤمِنون بالقرآنِ الذى
أَنْزَلَ اللَّهُ إليك يا محمدُ ، وبالكتبِ التى أَنْزَلها على مَن قبلَك من الأنبياء والرسلِ ، ولا
يسألُونك (* ما سأَلك" هؤلاءِ الجَهَلَةُ منهم، أن تُنَزِّلَ عليهم كتابًا من السماء؛ لأنهم
قد علِموا بما قرّءوا من كتبِ اللَّهِ، وأتتهم به أنبياؤُهم، (أنك للَّهِْ) رسولٌ، واجبٌ
عليهم اتباعُك ، لا يَسعُهم غيرُ ذلك ، فلا حاجةَ بهم إلى أن يسألُوك آيةٌ معجِزةً ولا
دلالةٌ ، غيرَ الذى قد علموه من أمرِك بالعلمِ الراسخِ فى قلوبهم ، من إخبارٍ أنبيائهم
إِيَّاهم بذلك، وبما أعطيتُك من الأدلةِ على نبؤَّتِك ، فهم لذلك من علمِهم ورسوخِهم
فيه يُؤْمنون " بك وبما أُنزِل إليك من الكتابِ، وبما أُنزل من قبلك من سائرِ الكتبِ .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
﴿َِّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ الْعِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بَِّ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن
قَبْلِكٌ﴾: اسْتَنى اللَّهُ ثَبِيَّةً(٧) من أهلِ الكتابِ، وكان منهم من يؤمِنُ باللَّهِ وما أُنْزِل
(١) فى ص، ت ١، س: ((وأيقنوا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٢٣/٥ - ٢٢٥.
(٣) فى م: ((وهم)).
(٤ - ٤) فى ص: (( كما سألك)) وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( كما سأل)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((أنه)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) غير منقوطة فى الأصل، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منهم نبيه))، وفى س: ((منهم بقية))، =
٦٨٠
سورة النساء : الآية ١٦٢
ء
عليهم، وما أُنْزِل على نبيٌّ [٨٤/١٣ و] اللَّهِ، يؤمنون به، ويصدِّقون به، ويعلّمون أنه
الحقُّ من ربَّهم (١).
ثم اختلفوا فى المقيمين الصلاةَ، أهم الراسخون فى العلم أم(١) غيرُهم؟ فقال
بعضُهم: هم هم . ثم اختلف قائلو ذلك فى سببٍ مخالفةٍ إعرابِهم إعرابَ الراسخين
فى العلمِ، وهما من صفةٍ نوعٍ من الناسٍ ؛ فقال بعضُهم: ذلك غَلَطْ من الكاتبِ،
وإنما هو: لكن الراسخون فى العلمِ منهم والمقيمون الصلاةَ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةً،
عن الزُّبِيرِ، قال: قلت لأبانِ بنِ عثمانَ بنِ عفانَ: ما شأنُها كُتِبت:
﴿ لَكِنِ الَّسِخُونَ فِىِ الْعِ مِنْهُمْ وَالْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن
قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الضَّلَّؤَّةَ﴾. قال: إن الكاتبَ لما كتب: ﴿لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِى
الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾. حتى إذا بلَغ، قال: ما أكتبُ؟ قيل له : اكتبْ: والمقيمن الصلاةَ.
فکتب ما قيل له(٣).
حدَّثنا ابنُ وكيع(٤) ، قال: ثنا أبو سعلويةً، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه،
أنه سأل عائشةً عن قولِه: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ﴾. وعن قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّفُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]. وعن قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ
= والثنية : ما استُثنى من الشىء. اللسان (ث ن ی).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هم).
(٣) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ١٠١٤/٣، وابن أبى داود فى المصاحف ص ٣٣ من طريق حماد بن سلمة
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وينظر مجموع الفتاوى ٢٥٥/١٥.
(٤) فى م : ١ حميد).