النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١
سورة النساء : الآية ١٥٣
بل الذى هو أولى بظاهر التلاوة أن تكونَ مسألتُهم إياه ذلك كانت مسألةً لتنزيل
الكتابِ الواحدِ إلى جماعتِهم لذكرِ اللَّهِ فى خبرِهِ عنهم الكتابَ بلفظِ الواحدِ ،
بقولِه: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾. ولم يَقُلْ:
کتبًا .
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾. فإنه تَوْبِيخُ مِنِ اللَّهِ
جل ثناؤُه سائلى الكتابِ الذى سأَلُوا رسولَ اللَّهِ وَلِ أَن يُنَزَّلَه عليهم مِن السماءِ فِى
مسألتِهم إياه ذلك ، وتَقْريعٌ منه لهم . يقولُ لنبيّه محمدٍ عَلَّمِ: يا محمدُ، لَا يَعْظُمَنَّ
عليك مسألتُهم ذلك ، فإنهم مِن جهلهم باللّهِ وجوأتِهم(١) عليه واغْتِرارِهم بحلمه،
لو أَنْزَلْتُ عليهم الكتابَ الذى سأَلُوك أن تُنَزَّلَه عليهم، لَالَفوا أَمْرَ اللَّهِ كما خالَفوه
بعد إخیاءِ اللهِ أوائلهم مِن صَغقتهم(٢) ، فعبدوا العجل واتخذوه إلها يعبدونه مِن دونٍ
خالقهم وبارئهم الذى أراهم من قدرته وعظيم سلطانِه ما أراهم ؛ لأنهم لن يَعْدُوا (٤)
أن یکونوا کأوائلھم وأسلافهم .
ثم قصَّ اللَّهُ مِن قصتِهم وقصةِ موسى ما قصَّ، يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَقَدْ
سَأَلُواْ مُوسَوَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾. يعنى: فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهودِ وأوائلُهم
موسى أعظمَ مما سألوك مِن تَنْزيلٍ كتابٍ عليهم من السماءِ، فقالوا له: ﴿أَرِنَا اَللَّهُ
جَهْرَةَ﴾. أى عِيانًا نُعايِتُهُ ونَنْظُرُ إليه .
وقد أَتَيْنا [٧٠/١٣و] على معنى الجَهْرةِ(٥) بما فى ذلك مِن الروايةِ، والشَّواهِدِ
(١) فى م: ((لينزل)).
(٢) فى ص، م: ((وجراءتهم)).
(٣) فى الأصل: ((ضعفتهم))، وفى ص: (صعفتهم).
(٤) فى الأصل: ((يقدروا)).
(٥) فى الأصل: ((الجهر)).
( تفسير الطبرى ٤١/٧ )
٦٤٢
سورة النساء : الآية ١٥٣
على صحة ما قلنا فى معناه فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وقد رُوِى(٢) عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقولُ فى ذلك بما حدَّثنى به الحارثُ ، قال:
ثنا أبو عُبيدٍ ، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ بنِ موسى ، عن عبد الرحمنِ بنِ إسحاقَ ،
عن عبد الرحمن بنٍ معاويةً، عن ابنٍ عباسٍ فى هذه الآيةِ قال: إنهم إذا رأَوه(٣) فقد
رَأَوْه، إنما قالوا جَهْرةً: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾. قال: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَثٌَّ() . وكان ابنُ عباسٍ
يَتَّأَوَّلُ ذلك أن سؤالَهم موسى كان جَهْرةٌ .
وأما قولُه: ﴿ فَأَخَذَنْهُمُ الصَّحِقَةُ ﴾. فإنه يقولُ : فصَعِقوا بظلمِهم أنفسهم ،
وظلمُهم أنفسَهم كان / مسألتَهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرةً ؛ لأن ذلك مما لم يَكُنْ
لهم مسألته .
٩/٦
وقد بيََّّ معنى الصاعقةِ فيما مضى، واختلافَ(٥) المختلِفين فى تأويلها، والدليلَ
على أَوْلَى ما قيل فيها بالصوابٍ(١) .
وأما قولُه: ﴿ثُمَّ أَخَذُواْ الْعِجْلَ﴾. فإنه يعنى: ثم اتَّخَذ هؤلاء الذين سأَلوا
موسى ما سأَلُوه - مِن رُؤْيةِ ربِّهم جهرةً ، بعدَ ما أخياهم اللَّهُ فبعثهم مِن صَغْقتهم -
العجلَ الذى كان السامرىُّ نبَذْ فيه ما نبذ مِن القَبْضِةِ التى قَبَضَها مِن أَثَرِ فرسٍ جبريلَ
عليه السلامُ ، إِلهَا يَعْبُدونه مِن دونِ اللَّهِ .
(١) تقدم فى ٦٨٧/١ - ٦٩٠ .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذكر)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((رأوا الله)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((باختلاف)).
(٦) تقدم فى ٦٩٠، ٦٩١ .
دمطمبا اسباسهل لسالتوقف
٦٤٣
سورة النساء : الآية ١٥٣
وقد أتَيْنا على ذكرِ السببِ الذى مِن أجلِهِ اتَّخَذوا العجلَ، وكيف كان أُمْرُهم
وأَمْرُه، فيما مضَى بما فيه الكِفايةُ(١).
وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيْنَتُ﴾. يعنى: مِن بعدٍ ما جاءَت هؤلاء
الذين سأَلُوا موسى ما سأَلُوا البيّناتُ مِن اللَّهِ، والدَّلالاتُ الواضحاتُ بأنهم لن
يَرَوُا اللَّهَ عِيانًا جِهارًا. وإنما مُنِى بالبيناتِ: أنها آياتٌ تُبِينُ عن أنهم لن يَرَوُا اللَّهَ
فى أيامٍ حَياتِهم فى الدنيا جَهْرةٌ، وكانت تلك الآياتُ البيناتُ لهم على أن
ذلك كذلك؛ "إِضْعاقُ اللَّهِ إياهم عند٢َ) مسألتِهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم
جَهْرةً، ثم إحياؤه إياهم بعدَ مماتِهم، مع سائرٍ [٧٥/١٣ظ] الآياتِ التى أَراهم
اللَّهُ - دلالةٌ على ذلك .
يقولُ اللَّهُ جلّ ثناؤُه مُقبّحًا إليهم فعلَهم ذلك، ومُوَضِّحًا لعبادِه جهلَهم،
ونقصَ عقولهم وأحلامِهم: ثم أقَرُوا للعجلِ بأنه لهم إلهٌ ، وهم يَرَوْنَه عِيانًا، ويَنْظُرون
إليه جهارًا بعدَ ما أراهم ربُّهم مِن الآياتِ البيناتِ ما أراهم ، أنهم لا يَرَوْن ربَّهم جَهْرةٌ
ويعيانًا فى حياتهم الدنيا ، فعكَفوا على عباديِه، مُصَدِّقِين بأُلوهتِه .
وقولُه: ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ﴾. يقولُ: فعفَوْنا لعَبَدةِ العجلِ عن عبادتهم إياه ،
وللمُصَدِّقین منهم بأنه إلُهم ، بعد الذی أراهم اللّهُ ، أنھم لا يَرَوْن ربّھم فی حیاتھم ،
مِن الآياتِ ما أراهم عن تَصْدِيقِهم بذلك بالتوبةِ التى تابوها إلى ربِّهم، بقتلهم
أنفسَهم، وصبرِهم فى ذلك على أمرٍ ربّهم، ﴿ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا قُّبِينًا﴾ .
يقولُ : وَأَتْنا موسى حُجَّةً تُبِينُ عن صدقِه وحقيقَةِ نُبُوَّتِه ، وتلك الحُجَّةُ هى الآياتُ
البيّناتُ التى آتاه اللَّهُ إياها .
(١) تقدم فى ٦٦٩/١ وما بعدها .
(٢ - ٢) فى الأصل: (( إصداق الله إياهم عن؟.
٦٤٤
سورة النساء : الآية ١٥٤
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلُوَرَ بِمِثَفِهِمْ وَقُلْنَا لَمُ
اَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سَُّدًا وَقُلْنَا لَهْ لَا تَعْدُواْ فِ السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ بِثَقًّا غَلًِّا
١٥٤
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلْتُلُورَ﴾
يعنى : الجبلَ، وذلك لَّ امْتَتَعوا مِن العملِ بما فى التوراةِ ، وقبولٍ ما جاءهم به موسى
فيها، ﴿ بِمِيْتَقِهِمْ﴾ يعنى: بما أعْطَوْا اللَّهَ مِن الميثاقِ والعهدِ؛ لَنَعْمَلَنَّ بما فى التوراةِ،
﴿ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُلُواْ الْبَابَ سَُّدًا﴾. يعنى: بابٌ حِطَّةٍ، حينٌ [٧١/١٣ و] أُمِروا أن
يَدْخُلوا منه سُجَّدًا، فدخَلوا تَزْحَفون على أَسْتَاهِهم، ﴿وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِي
السَّبْتِ﴾. يعنى بقوله: ﴿لَا تَعْدُواْ فِىِ السَّبْتِ﴾(١). لا تجاوزوا) فى يوم السبتِ
ما أُبِيح لكم إلى ما لم يُخ لكم .
١٠/٦
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَقُلْنَا لَهُ أَدْخُوْ / أَلْبَابَ سُجَّدًا﴾ . قال: كنا نُحَدَّثُ أُنہ بابٌ مِن أبوابٍ بيتٍ
المقدسِ .. ﴿ وَقُلْنَا لَمْ لَا تَعْدُواْ فِىِ اَلسَّبْتِ ﴾ أُمِرِ القومُ أن لا يَأْكُلُوا الحِيتانَ يومَ
السبتِ ، ولا يَغْرِضوا لها، وأُحِلَّ لهم ما خلا ذلك(٣).
واخْتَفَت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه عامَّةُ قرَأةٍ أُمْصارِ الإسلامِ: ﴿لَا تَعْدُواْ
فِي السَّبّتِ﴾ بتخفيفِ العينِ ()، مِن قولِ القائلِ: عدَوْتُ فى الأمرِ. إذا تجاوزْتَ
الحقَّ فيه، أَعْدُو عَدْوًا وعُدْوانًا وعَداءٌ .
(١) ضبطت فى الأصل بفتح العين وضم الدال المشددة، وهى قراءة وسيأتى تخريجها بعد ..
(٢) فى ص، م: ((تتجاوزوا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٧/٤ (٦٢١٣) من طريق عبد العزيز بن المغيرة عن يزيد بن زريع به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) قرأ بذلك ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف. النشر ١٩٠/٢.
حجــد
٦٤٥
سورة النساء : الآيتان ١٥٤، ١٥٥
وقّأْ ذلك بعضُ قرَأةٍ أهلِ المدينةِ: ( وقلنا لهم لا تَعْدُّوا) بتسكين العينِ وتشديد
الدالِ والجمعِ بينَ ساكتَيْنُ(١)، بمعنى تَعْتَدُوا، ثم تُدْغَمُ التاءُ فى الدالِ فَتَصِيرُ دالاً
مُشَددةٌ مضمومةً، كما قرَأْ مَن قرأ: (أمْ مَّنْ لَا يَهْدِّى) بتسكينِ الهاءٍ(١).
وقولُه: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ فِيْثَقًّا غَلًِّا﴾ يعنى: عهدًا مُؤَكَّدًا شديدًا، بأنهم(٣)
يَعْمَلون بما أمرّهم اللَّهُ به ، ويَنْتَهون عما نهاهم اللَّهُ عنه مما ذكر فى هذه الآيةِ ، ومما فى
التوراة .
وقد بيَّنا فيما مضَى السبب الذى مِن أجلِه كانوا أُمِروا أن يدخُلُوا البابَ
سُجَّدًا ، وما كان مِن أمرِهم فى ذلك ، وخبرِهم وقصَّتِهم ، وقصةِ السبتِ ، وما كان
اغْتداؤُهم فيه بما أعْنَى عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ " .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِِّثَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اللَّهِ
وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيََّ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفُ بَلْ [١/١٣ ٧ظ] طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ
فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
١٥٥
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فبنَقْضِ هؤلاء الذين وصَفْتُ صفتَهم مِن أهلٍ
الكتابِ، ﴿مِيثَقَّهُمْ﴾. يعنى: عهودَهم(٥) التى عاهَدوا اللَّهَ أن يَعْمَلوا بما(٦) فى
(١) قالون وأبو جعفر، وروى عنه ورش: (لا تعَدُّوا) بفتح العين وتشديد الدال. النشر ١٩٠/٢.
(٢) هى قراءة نافع وأبى عمرو؛ بإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئًا من الفتح.
السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٦ والحجة ص ٣٣٢.
(٣) فى الأصل: ((بما أنهم)).
(٤) تقدم فى ٧٢٢/١ - ٧٢٩.
(٥) سقط من: الأصل.
(٦) فى الأصل: (( بها)).
٦٤٦
سورة النساء : الآية ١٥٥
التوراةِ، ﴿وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ومجحودِهم، ﴿بِثَايَتِ اَللَّهِ﴾. يعنى:
بأعلامِ اللَّهِ وأدلتِه التى اخْتَجَّ بها عليهم فى صدقِ أنبيائه ورسله ، وحقيقةِ ما جاءُوهم
به مِن عندِه، ﴿وَقّلِهِمُ الْأَبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يقولُ: وبقتلِهم الأنبياءَ بعدَ قيامِ الحَُّةِ
عليهم بنبؤَّيِهم ، ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. يعنى: بغيرِ استحقاقٍ منهم ذلك لكبيرةٍ أَتَوْها ، ولا
لخَطِيئَةٍ اسْتَوْجَبوا القتلَ عليها، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّفٌ﴾ يعنى: وبقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا
غُلْفٌ﴾ يعنى يقولون: عليها غِشاوةً وأَغْطِيةٌ عما تَدْعُونا إليه، فلا نَفْقَهُ ما تَقولُ ، ولا
نَعْقِلُه .
وقد بيَّنَّا معنى الغُلْفِ، وذكَرْنا ما فى ذلك مِن الروايةِ فيما مضَى قبلُ(١).
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤه: كذَبوا فى قولهم : قلوبُنا
غُلْفٌ. " ما هى٢) بِغُلْفٍ، ولا عليها أعْطيةٌ، ولكنَّ اللَّهَ جل ثناؤه جعَل عليها طابِعًا
بكفرِهم باللّهِ .
وقد بيَّنَّا صفةَ الطبعِ على القلبِ فيما مضى بما أغْنَى عن إعادته(٣).
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا فَلِيلًا ﴾ يقولُ: فلا يُؤْمِنُ هؤلاء الذين وصَف اللّهُ
صفتَهم فى طبعِه) على قلوبِهم - فَيُصَدِّقوا باللَّهِ (°ورسولِه وما جاءهمْ) به
مِن عندِ اللَّهِ - إلا إيمانًا قليلًا، يعنى إلَّ تصديقًا قليلًا. وإنما صار قليلًا؛
لأنهم لم يُصَدِّقوا على ما أمَرَهم اللَّهُ به، ولكن صدَّقوا ببعضِ الأنبياءِ وبعضٍ
(١) تقدم فى ٢٢٧/٢ - ٢٣١.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يعنى)).
(٣) تقدم فى ٢٦٧/١.
(٤ - ٤) فى ص، م: ((لطبعه)).
(٥ - ٥) فى م: ((ورسله وما جاءتهم)).
٦٤٧
سورة النساء : الآية ١٥٥
الكتبِ، وكذَّبوا ببعضٍ، فكان تصديقُهم بما صدَّقوا به قليلًا؛ لأنهم وإن
صدَّقوا به مِن وجهٍ، فهم به مُكَذِّبون مِن وجهٍ آخرَ، وذلك مِن وجهٍ
تكذييهم مَن كذَّبوا به مِن الأنبياءِ، وما جاءوا به مِن كتبِ اللَّهِ، ورسلُ اللَّهِ
يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا، وبذلك أمر كلُّ نبيِّ أَمتَه، وكذلك كتبُ اللَّهِ يُصَدِّقُ
بعضُها [٧٢/١٣و] بعضًا، ويُحَقِّقُ بعضٌ / بعضًا، فالمُكَذِّبُ ببعضِها مُكَذِّبٌ
بجميعِها مِن جهةِ جحودِه ما صدَّقه الكتابُ الذى يُقِرُّ بصحتِه ، فلذلك صار إيمانُهم
بما آمَنوا مِن ذلك قليلًا.
١١/٦
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَيِمَا
نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ﴾. يقولُ: فبنقضِهم ميثاقَهم لعَنَّاهم، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾
أى: لا تفقهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، ولعَنَهم حينَ فعَلوا ذلك(١).
واخْتُلِف فى معنى قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ الآية، وهل هو مُواصِلٌ لما(٢) قبلَه مِن
الكلامِ ، أم هو مُنْفَصِلٌ منه؛ فقال بعضُهم: هو مُنْفَصِلٌ مما قبلَه، ومعناه : فبنقضِهم
ميثاقَهم وكفرِهم بآياتِ اللَّهِ وقتلهم الأنبياء بغيرِ حقٍّ، وَقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ (٢). طَبَعَ
اللَّهُ عَلَيْها بكُفْرِهِمْ ولعَنَهم .
(١) تقدم تخريجه فى ٢٢٩/٢.
(٢) فى الأصل: ((بما)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((بل)). على ذكر سياق الآية، وبحذفها يستقيم الكلام وقوله: (فبنقضهم) متعلق
بـ (طبع) .
٦٤٨
سورة النساء : الآية ١٥٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ
إِلَّا قَلِيلًا﴾: لما ترَك القومُ أمرَ اللَّهِ، وقتلوا رسلَه، وكفَروا بآياتِه، ونقضوا الميثاقَ
الذى أُخِذ عليهم - طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهم ولعَنَهم .
وقال آخرون: بل هو مُواصِلٌ لما قبلَه. قالوا: ومعنى الكلام: فأخَذَتْهم
الصاعقةُ بظلمِهم، فبنقضِهم ميثاقَهم ، وكفرِهم بآياتِ اللَّهِ، وبقتلِهم الأنبياء بغيرِ
حقِّ، وبكذا وكذا أخَذَتْهم الصاعقةُ. قالوا: فتبع الكلامُ بعضُه بعضًا، [٧٢/١٣ظ]
ومعناه مَرْدودٌ إلى أولِهِ ، وتَفْسيرُ ظلمِهم الذى أخَذَتْهم الصاعقةُ مِن أجلِه ما فشرّه
تعالى ذكره مِن نقضِهم الميثاقَ، وقتلِهم الأنبياءَ، وسائرٍ ما بيَّن مِن أمرِهم الذى
ظلَموا فيه أنفسَهم .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾. وما بعده
مُنْفَصِلٌ معناه مِن معنى ما قبلَه ، وإنما معنى الكلامِ: فبما نقضِهم ميثاقَهم وكفرِهم
بآياتِ اللَّهِ، وبكذا وبكذا، لعَنَّهم وغضِبْنا عليهم، فترَكُ ذكرَ ((لعَنَّهم)) لدلالةِ
قوله: ﴿بَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ﴾. على معنى ذلك، إذ كان مَن طُبع على قلبِهِ
فقد لُعِن وسُخِط عليه .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ إنما كانوا على
عهدٍ موسى، والذين قتلوا الأنبياءَ والذين رمَوْا مَريمَ باليُهتانِ العظيم وقالوا : قتَلْنا
المسيح. كانوا بعدّ موسى بدهْرٍ طويلٍ، ولم يُذْرِكِ الذين رمَوْا مريمَ بالبُهْتانِ زمان
موسى ، ولا مَن صَعِقٍ مِن قومِه .
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أُخَذَتْهم الصاعقةُ، لم تَأْخُذْهم
٥٠ ٢٠١٫٠٫-
-...-
٠١٠٩٥٣
٦٤٩
سورة النساء: الآيتان ١٥٥، ١٥٦
عقوبةٌ لرفيهم مريمَ بالبُهتانِ العظيمِ، ولا لقولهم: ﴿ إِنَّا قَدَلْنَا اُلْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ﴾ . وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن الذين قالوا هذه المقالةَ هم غيرُ الذين ◌ُوقِبوا
بالصاعقةِ، وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا انفصالُ معنى قوله: ﴿فَيِمَا نَقْضِهِم
مِيثَقَهُمْ﴾ مِن معنى قوله: ﴿ فَأَخَذَنْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلِهِمْ﴾ .
/القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَلًا
عَظِيمًا
١٥٦
١٢/٦
قال أبو جعفرٍ : يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : وبكفرٍ هؤلاء الذين وصَف صفتَهم،
﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا [٧٣/١٣و] عَظِيمًا﴾ يعنى: بفِرْبتِهم عليها، ورَفيِهم
إياها(١) بالزنى ، وهو البُهتانُ العظيمُ؛ لأنهم رمَؤها بذلك، وهى مما رمَوْها به بغيرِ
ثَبَتٍ ولا برهانٍ بَرِيئَةٌ ، فبهتوها بالباطلِ مِن القولِ .
وبمثلٍ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثَى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَّوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا﴾ يعنى :
أنهم رَمَوها بالزنى(٣) .
حدّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ قولَه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَّرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا﴾: حينَ قَذّفوها بالزنى(٣).
(١) فى الأصل: ((إياهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٩/٤ (٦٢٣٠) من طريق عبد الله بن صالح به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٩/٤ عقب الأثر (٦٢٣٠) من طريق أسباط به .
٦٥٠
سورة النساء . الآيتان ١٥٦، ١٥٧
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عُبَيدٍ ، عن جُوَئِيرٍ فى قوله :
﴿وَقَّوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا﴾. قال: قالوا: زنّت(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَذَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ الَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَمَّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وبقولهم:
﴿ إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَهْتَ رَسُولَ اللَّهِ﴾. ثم كذَّبهم اللَّهُ فى قِيلِهم، فقال:
﴿ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيِّهَ لَهُمْ﴾. يعنى: وما قتلوا عيسى، وما صلبوه،
ولکن شُبّه لهم .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى صفةِ التَّشبيهِ الذى شُبِّه لليهودِ فى أمرٍ عيسى ؛
فقال بعضُهم: لمّ أحاطَت اليهودُ به وبأصحابِهِ، أحاطوا بهم، وهم لا يَّبَّتون
معرفةً عیسی بعينه ، وذلك أنهم جميعًا حولوا فى صورة عيسى ، فأشگل على الذين
[٧٣/١٣ظ] كانوا يُرِيدون قتلَ عيسى ابن مريمَ، عيسى مِن غيرِه منهم، وخرَج إليهم
بعضُ مَن كان فى البيتِ مع عيسى ، فقتلوه وهم يَحْسَبونه عيسى .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن هارونَ بنِ عَنْتَرةَ ، عن وهبِ بنِ
مُنَّهِ ، قال : أَتِى عيسى، ومعه سبعةً (٢) عشَرَ مِن الحواريِّين فى بيتٍ ، وأحاطوا بهم،
فلما دخَلوا عليهم ، صوَّرهم اللَّهُ كلَّهم على صورةٍ عيسى ، فقالوا لهم : سحَوْتُمونا،
لَيَْرُزَنّ لنا عيسى، أو لَنَقْتُلَنَّكم جميعًا. فقال عيسى لأصحابِهِ: / مَن يَشْتَرِى نفسَه
١٣/٦
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٩/٤ عقب الأثر (٦٢٣٠) معلقًا.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((تسعة)).
٦٥١
سورة النساء : الآية ١٥٧
منكم اليومَ بالجنةِ؟ فقال رجلٌ منهم: أنا . فخرج إليهم فقال : أنا عيسى . وقد صوَّره
اللَّهُ على صورةٍ عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلَبوه، فمن ثَمَّ شُبِّه لهم ، وقد ظنُّوا أنهم
قد قتلوا عيسى، وظنَّت النصارى مثلَ ذلك أنه عبسى، ورفَع اللَّهُ عيسى من يومِه
ذلك(١) .
وقد ژُوی عن وهب بن مُنبّه غیرُ هذا القول ، وهو ما حدّثنی به المثنى ، قال : ثنا
إسحاقُ ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ(٢) ، أنه
سمِع وهبّا يَقولُ: إن عيسى ابن مريمَ لَّ أَعْلَمَه اللَّهُ جل ثناؤه أنه خارجٌ مِن الدنيا جَزِع
مِن الموتِ وشقَّ عليه ، فدعا الحوارِّين فصنَع لهم طعامًا ، فقال: اخْضُرونى الليلةَ،
فإن لى إليكم حاجةٌ . فلما اجْتَمَعوا إليه (مِن الليل٢ِ) عَشَّاهم، وقام يَخْدِمُهم ، فلمَّا
فرَغوا مِن الطعامِ أخَذ يَغْسِلُ أيديهم، ويُوَضِّئُهم بيدِه، وَمْسَحُ أيديهم بثيابِهِ ،
فَتَعَاظَموا ذلك وتَكارَهوه، فقال: ألا مَن ردَّ علىَّ شيئًا الليلةَ مما أَصْنَعُ، فليس منى ،
ولا أنا منه. فأقرُّوه حتى إذا فرغ مِن ذلك، قال: أمَّا ما صنَعْتُ بكم الليلةَ مما
خدَمْتُكُم [٧٤/١٣و] " على الطعامِ، وغسَلْتُ أيديَكم بيدى، ( فَلْيَكُنْ لكم بىْ
أُسْوةٌ، فإنكم تَرَوْن أنی خيرُكم "، فلا يتعاظمُ(١) بعضُكم على بعضٍ، ولْيَبِذُلْ
بعضُكم نفسَه لبعضٍ، كما بذَلْتُ نفسى لكم ، وأما حاجتى التى اسْتَعَنْتُكم عليها ،
فتدْعُون لىّ اللَّهَ، وتَجْتُهِدون فى الدعاءِ، أن يُؤَخِّرَ أَجَلى. فلما نَصَبوا أنفسَهم
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠١/٢، وقال: هذا سياق غريب جدا .
(٢) فى الأصل: ((معتل)).
(٣ - ٣) سقط من: الأصل.
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((فلكم فىّ)).
(٦) فى ص، م: ((يتعظم)).
٦٥٢
سورة النساء : الآية ١٥٧
للدعاءٍ، وأرادوا أن يَجْتَهِدوا، أخَذَهم النومُ، حتى لم يَسْتَطِيعوا دُعاءً، فجعَل
يُوقِظُهم ويَقولُ: سبحانَ اللَّهِ، ما تَصْبِرون لى ليلةٌ واحدةٌ تُعِينونى فيها؟ قالوا :
واللَّهِ ما نَذْرِى مالنا، لقد كنا نَسْمُرُ فِتُكْثِرُ السَّمَرَ، وما نُطِيقُ الليلةَ سَمَرًا، وما
تُرِيدُ دُعاءً إلا حِيلَ بيننا وبينَه . فقال: يُذْهَبُ بالراعى وتَتَفَرَّقُ الغنمُ. وجعل يَأْتِى
بكلام نحوَ هذا يَنْعَى به نفسَه، ثم قال: الحقُّ لِيَكْفُرَنَّ بِى أحدُكم قبلَ أن يَصِيحَ
الدِّيكُ ثلاثَ مراتٍ، وَلَيَبِعَتَنِى أحدُكم بدراهمَ يَسيرةٍ وَيَأْكُلَنَّ ثمنى. فخرَجوا
وتفَرَّقوا، وكانت اليهودُ تَطْلُبُه، فأخَذُوا شَمْعونَ أحدَ الحواريِّين، فقالوا: هذا مِن
أصحابِه. فجحّد، وقال: ما أنا بصاحبِه. فترَكوه، ثم أخَذَه آخرون،
فجحَد١) كذلك، ثم سمع صوتَ دِيٍ(٢)، فبكَى وأخْزَنه، فلمَّا أَصْبَح أَتَى أحدُ
الحواريِّين إلى اليهودٍ، فقال: ما تَجْعَلون لى إن دَلْتُكم على المسيحِ؟ فجعَلوا له
ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلَّهم(٣) عليه - وكان شُبَّه عليهم قبلَ ذلك - فأخَذُوه ،
فاسْتَوْثَقوا منه، وربطوه بالحبلِ، فجعَلوا يَقُودُونه ويقولون: أنت كنتَ تُحِى
المَوْتَى، وتَنْتَهِرُ الشيطانَ، ( وتُبْرِئُ المجنون٤َ)، أَفلا تَفْتَعُ(٥) نفسَك مِن هذا
الحبلِ؟ ويَنْصُقون عليه، ويُلْقُون عليه الشَّوْكَ، حتى أَتَوْا به الخشبةَ التى أرادوا أن
يَصْلُبوه عليها، فرفَعه اللَّهُ إليه، وصلَبوا ما شُبَّه لهم، فمَكَث سبعًا. ثم إنَّ أمّه
والمرأةً التى كان يُداوِيها عيسى، فأثْرَأَها اللّهُ مِن الجنون جاءتا تَبکِیان حيث
المصلوبُ ، فجاءَهما عيسى، فقال: علامَ تَبْكِيان ؟ قالتا : عليك . فقال : إنى قد
(١ - ١) فى الأصل: ((أخذ آخرون فجحدوا)).
(٢) بعده فى الأصل: (( كذلك)).
(٣) فى الأصل: ((وحلم)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((خبيرأ المجنونُ)).
(٥) فى ص، م: ((تنجى).
٦٥٣
سورة النساء : الآية ١٥٧
رفَعَنِى اللَّهُ إليه، ولم يُصِبْنِى إلا خيرٌ، وإن هذا شىءٌ شُبّه لهم، فأْمُرًا الحوارِيِّين أن
يَلْقَونى [٧٤/١٣ظ] إلى مكانٍ كذا وكذا. فلقُوه إلى ذلك المكانِ أُحدَ عشَرَ، وفُقِد
الذى كان باعه ودلَّ عليه اليهود ، فسأَل عنه أصحابه ، فقالوا : إنه ندم على ما صنع،
فاخْتَق وقتل نفسَه . فقال: لو تابَ لابَ اللَّهُ عليه. ثم سأَلهم عن غلامِ يَتْبَعُهم يُقالُ
له: يُحَنَّى(١) . فقال: هو معكم، فانْطَلِقوا فإنه سيُصْبِحُ كلُّ إنسانٍ منكم يُحَدِّثُ
بلغةٍ قومٍ(٢) ، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم(٣) .
م
١٤/٦
/وقال آخرون: بل سأل عيسى من كان معه فى البيتِ أن يُلْقَى على بعضِهم
شبهُه ، فانْتَدَب لذلك منهم رجلٌ، فأَلْقِى عليه شبهُه، فقُتِل ذلك الرجلُ، ورُفِع
عيسى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّا قَتَلْنَا
اٌلْسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: أولئك أعداءُ اللَّهِ اليهودُ ابتَهَرُوا(٤) بقتلِ عيسى ابنٍ مريمَ رسولِ اللهِ،
وزعموا أنهم قتلوه وصلّبوه . وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عيسى ابنَ مريمَ قال لأصحابه :
أَيُّكم يُقْذَفُ عليه شبهى فإنه مقتولٌ . قال رجلٌ من أصحابِهِ : أنا يا نبيَّ اللَّهِ. فَقُتِل
(١) فى س، وتاريخ الطبرى، وتفسير ابن كثير: ((يحيى))، ورسمت فى الأصل هكذا: ((يحيى)) غير
منقوطة . وما أثبتناه موافق لما فى الدر المنثور والبداية والنهاية ٢/ ٥١٤.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٦٠١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/٢ إلى المصنف وعبد بن
حميد. وذكره ابن كثير ٤٠١/٢، وقال: سياق غريب جدًا .
(٤) فى م: ((اشتهروا)). وفى الدر المنثور: ((افتخروا)) وغير واضحة فى ص. وابتهروا: ادعوا كذبا. التاج (ب هـ ر).
٦٥٤
سورة النساء : الآية ١٥٧
ذلك الرجلُ، ومنَعِ اللَّهُ نبيّه(١)، ورفَعه إليه(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيَِّ لَمْ﴾. قال: أُلْقِى شبهُه على
رجلٍ من الحوارِّين فقُتِل، وكان عيسى ابنُ مريمَ عرَض ذلك عليهم ، فقال : أيُّكم
أُلْقِى عليه شبهى وله الجنةُ؟ فقال رجلٌ: علىَّ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ، أن بنى إسرائيلَ حصَروا(٤) عيسى وتسعةً عشَرَ رجلًا من الحواريِّين فى
بيتٍ، فقال عيسى لأصحابه: مَن يأخُذُ صورتى فَيُقْتَلَ وله الجنةُ؟ فأخَذها رجلٌ
منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فلما(°) خرَج الحواريُّون أبصروهم تسعةَ عشَرَ،
فأخبروهم أن عيسى عليه السلامُ قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ،
فيجدونهم ينقُصون [٧٥/١٣و] رجلاً من العِدَّةِ، ويرون صورةً عيسى فيهم،
فشكُّوا (٩) فيه، وعلى ذلك قتلوا الرجلَ وهم يرون أنه عيسى وصلَبوه، فذلك قولُ
اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيَِّ لَهُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَكَانَ
اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(٧).
(١) فى الأصل: ((منه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٩/٤ (٦٢٣١) من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٧.
(٤) فى الأصل: ((حضروا)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فجعلوا)).
(٦) فی ص، ت ١: ((نشرکوا)).
(٧) أخرجه البغوى فى تفسيره ٤٥/٢ من طريق أسباط به .
٦٥٥
سورة النساء : الآية ١٥٧
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ(١)، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ،
أن عيسى ابن مريمَ ، قال: أَيُّكم يُلْقَى عليه شبهِى فيُقْتَلَ مكانى؟ فقال رجلٌ مِن
أصحابِهِ: أنا يا رسولَ اللَّهِ. فألقى عليه شبهُه، فقتلوه، فذلك قوله: ﴿ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُِّّهَ لَمَّ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: كان اسمُ ملِكِ بنى
إسرائيلَ الذى بعَث إلى عيسى لِيقتُلَه، رجلًا منهم يقالُ له: داودُ(٢)، فلما أَجْمَعوا
لذلك منه لم يُفْطَغ عبدٌ من عبادِ اللَّهِ بالموتِ - فيما ذُكِر لى - فَظَعَه، ولم يجزَعْ منه
جزعَه، ولم يدعُ اللَّهَ فى صرْفِه عنه دعاءَه، حتى إنه ليقولُ - فيما يزعمون - : اللهمَّ
إن كنتَ صارفًا هذه الكأسَ عن أحدٍ من خلقِك، فاضرِفْها عنى . وحتى إن جلده
مِن كَرْبٍ ذلكَ ليتفصَّدُ دمًا، فدخَل المدخَل الذى أجْمَعوا أن يدخلُوا(٣) عليه فيه ؛
لیقتلوه هو وأصحابه ، وهم ثلاثةَ عشر بعیسی ، فلما أیقن أنهم داخلون عليه ، قال
لأصحابِهِ مِن الحوارِّين وكانوا اثنى عشرَ رجلاً؛ فُطْرُسُ(٤)، ويعقوبُ بنُ زَبْدِی،
ويُحَنَّسُ(٥)، "أخو يعقوب٦)، وأَنْدَرا بِسُ(٧)، وفِيلِشُ(٨)، وَأَبَ ثَلْمَا(٩)، ومَنَّى،
(١) بعده فى ص، م: ((عن ابن أبى نجيح)) وشبل يروى عن القاسم بن أبى بزة. ينظر تهذيب الكمال
٣٥٦/١٢.
(٢) فى م: ((داودا)).
(٣) فى م: ((يدخل)).
(٤) فى م: ((بطرس)).
(٥) بعده فى الأصل: ((ويحيمر)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) فى م: ((أندراوس)). وينظر تاريخ الطبرى ١/ ٦٠٣.
(٨) فى الأصل: ((فبلس)) وفى ص: ((قبلس)).
(٩) فى ص: ((ابن تلما)).
٦٥٦
سورة النساء : الآية ١٥٧
وتُوماسُ، ويعقوبُ بنُ حلقايا (١)، وتُدَّاوسيسُ(٢)، وفتاتيا(٣)، ويُودُسُ(٤) زكريا
(٥)
يُوطأ(٥).
قال ابنُّ محُميدٍ : قال سَلَمةُ(١) : قال ابنُ إسحاقَ: وكان فيهم - فیما ذُکِر
لى - رجلّ اسمُه سَرْجِسُ، فكانوا ثلاثةَ عشرَ رجلاً سوى عيسى،
جحّدته النصارى، وذلك أنه هو الذى شُّه لليهودِ مكانَ عيسى، قال: ولا
أَذْرِى أهو (٧) من هؤلاء الاثنى عشرَ، أم كان(٨) ثالثَ عشَرَ. فجحَدوه حينَ أقرُّوا
لليهودِ بصلبٍ عيسى، وكفَروا بما جاء به محمدٌ عَّهِ من الخبرِ عنه، فإن كانوا ثلاثةً
عشَرَ [٧٥/١٣ ظ] فإنهم دخَلوا الْمَدْخَلَ حينَ دخَلوا، وهم بعيسى أربعةً عشَرَ، وإن
كانوا (٩) اثنى عشَرَ فإنهم دخَلوا المدخَلَ حينَ دخَلوا وهم بعيسى ثلاثةَ عشَر (١٠).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سَلَمُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال : ثنى رجلٌ كان
نصرانيًّا فَأَسْلَم، أن عيسى حينَ جاءه من اللَّهِ: ((إنى رافعُك إلىّ)). قال: يا معشرَ
الحواريَّين، أَيُّكم يُحِبُّ أن يكونَ رفيقى فى الجنةِ حتى يُشَبَّهَ للقومٍ فى صورتى،
(١) فى ص، م: ((حلقيا))، وما أثبتناه موافق أيضا لمخطوطة تفسير ابن كثير. ينظر تفسيره ٤٠٣/٢ حاشية (٥).
(٢) فى الأصل: ((تدارسيس)) وفى م: ((تداوس)).
(٣) رسمت فى الأصل هكذا: ((منهنا)) وفى ص: ((قنابيا)).
(٤) فى الأصل: ((يوذس)) بالذال المعجمة .
(٥) فى الأصل: ((وكربانوحا)) غير منقوطة، وفى ص: ((وكريابوطا)) وينظر تفسير ابن كثير ٤٠٣/٢،
وتاريخ الطبرى ١/ ٦٠٣.
(٦) فى الأصل: ((ابن سلمة)).
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((ما هو).
(٨) فى م: ((كانوا)).
(٩) فى م: (كان)).
(١٠) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٣/٢ عن المصنف.
٦٥٧
سورة النساء : الآية ١٥٧
فيقتُلوه مكانى؟ فقال سَرْجِسُ: أنا يا روحَ اللَّهِ. قال: فاجلس فى مجلسى.
فجلّس(١) فيه، ورُفِع عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه ، فدخلوا عليه فأخذوه وصلَبوه، فكان
هو الذى صلّبوه وشُّهَ لهم به ، وكانت ◌ِدَّتُهم حينَ دخَلوا مع عيسى معلومةً . قد
رَأَوْهم وأَخْصَوا عِنَّتَهم، فلما دخلوا عليه ليأخُذوه وجدوا عيسى - فيما يُرَوْنَ -
وأضحابَه، وفقَدوا رجلًا من العِدَّةِ، فهو الذى اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون
عيسى، حتى جعَلوا ليُودُسَ زكريا يُوطا ثلاثين دِرْهمًا(٢) على أن يدُلَّهم عليه،
ويُعرِّفَهم إِيَّه، فقال لهم: إذا دخَلتم عليه، فإنى سأقبَلُه(٢)، وهو الذى أقبَلُ(٤) ،
فخُذوه فلما دخَلوا عليه، وقد رُفِعَ عيسى ، زَأَى سَرْجِسٌ فى صورةٍ عيسى ، فلم
یشك أنه هو عیسی ، فاُکبُّ عليه فقتله(٥) ، فأخذوه فصلبوہ، ثم إن يُودُسَ ز کریا
يُوطا ندم على ما صنَع، فاخْتَنق بحبلٍ حتى قتل نفسَه، وهو ملعونٌ فى النصارى ،
وقد كان أحدَ المعدودِين من أصحابِهِ . وبعضُ النصارى يزعُم أن يُودُسَ زكريا يُوطا
هو الذى شُّه لهم فصلَبوه، وهو يقولُ : إنى لستُ بصاحبِكم، أنا الذى دللتكم
عليه . واللَّهُ أعلم أىُّ ذلك كان(٦) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ(٢) ، قال: ثنى حجَاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ :
بلَغنا أن عيسى ابن مريمَ قال لأصحابِهِ: أَيُّكم يَنْتَدِبُ فَيُلْقَى عليه شبهى فيُقْتَلَ؟ فقال
رجلٌ من أصحابِهِ: أنا يا نبى اللّهِ. فألقى عليه شبهُه فقُتِلٍ، ورفَع اللَّهُ نبيّه [٧٦/١٣و]
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((دراهما)).
(٣) فى الأصل: ((سأقتله)).
(٤) فى الأصل: ((أقتل)).
(٥) فى الأصل: ((فقتله)).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٣/٢ نقلا عن المصنف .
(٧) فى الأصل: ((الحسن)).
( تفسير الطبرى ٤٢/٧ )
٦٥٨
سورة النساء : الآية ١٥٧
إليه .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو () ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿شُيَِّ لَهُمْ﴾. قال : صلَبوا رجلًاً غيرَ عيسى يحسبونه
(٢)
إيَاه(٢).
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَلَكِنْ شُِّّهَ لَمَّ﴾. فذكَر مثلَه(٢).
حدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : صلّبوا رجلًا شبّهوه بعيسى، يحسبونه إِيَّاه، ورفَع اللَّهُ إليه عيسى
عليه السلامُ حيّا (٣).
قال أبو جعفرٍ : وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ أحدُ القولين اللَّذَين ذكرناهما
١٦/٦ عن وهبِ بنِ مُنَّهٍ، من / أن شبّهَ عيسى أُلقى على جميع مَن كان فى البيتِ
مع عيسى حينَ أُحِيط به وبهم، من غيرِ مسألةٍ عيسى إيَّاهم ذلك، ولكن
لِيُخْزِىَ اللَّهُ بذلك اليهودَ ، وينقِذَ به نبيّه عليه السلامُ مِن مكروهِ ما أرادوا به من
القتلِ، ويبتلىّ به مَن أراد ابتلاءَه من عبادِه، فى قيلِه فى عيسى، وصِدْقِ الخبرِ
عن أمرِهٍ - أو(٤) القولُ الذى رواه "عبدُ العزيز) عنه .
......
.-------
مے
(١) فى الأصل: ((عمر)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٦.
(٤) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( و).
(٥ - ٥) كذا فى النسخ. والصواب: ((عبد الصمد)) وهو ابن معقل وينظر الأثر نفسه ص ٦٥١.
----
--- --------- ------
-------
٦٥٩
سورة النساء : الآية ١٥٧
وإنما قلنا : ذلك أَوْلَى القولَين بالصوابِ؛ لأن الذين شهدوا عيسى من الحواريِّين
لو کانوا فی حالٍ ما رُفع عیسی ، وُلْقِی شبهُه علی مَن أُلْقِی علیه شبهُه، كانوا قد
عاینوا عیسی وهو يُؤْفَئُ من بينهم ، وأثبتوا الذى اُلْقِى عليه شبهُه ، وعاينوه متحوّلاً فى
صورته بعدَ الذى كان به من صورةِ نفسِه بمحضّرٍ منهم - لم يَخْفَ ذلك مِن أمرٍ
عيسى(١)، وأمرٍ مَن أَلْقِى عليه شبهُه عليهم، مع معاينتهم ذلك كلّه، ولم يلتبسْ
عليهم ولم يُشْكِلْ عليهم ، وإن أَشْكَل على غيرِهم من أعدائِهم من اليهودِ أن المقتولَ
والمصلوبَ كان غيرَ عيسى، وأن عيسى رُفِع من بينهم حيًّا ، وكيف يجوزُ أن يكونَ
كان أَشْكَل ذلك عليهم، وقد سمِعوا من عيسى مقالته: من يُلْقَى عليه شبهى،
ويكونَ رفيقى فى الجنةِ؟ إن كان قال لهم ذلك، [٧٦/١٣ظ] وسمِعوا جوابَ مجيبِه
منهم : أنا (٢) . وعاينوا تحوّلَ المجيب فى صورة عيسى بعقِبٍ جوابه، ولكنّ ذلك كان
إن شاء اللّهُ على نحوٍ ما وصف وهبُ بنُ منبهٍ ، إما أن يكونَ القومُ الذين كانوا مع
عيسى فى البيتِ الذى رُفِع منه من حواريّه، حولَّهم اللَّهُ جميعًا فى صورةٍ عيسى
حينَ أراد اللَّهُ رفعه ، فلم يَشَّبّتوا عيسى معرفةً بعينه من غيرِه ؛ لتشابهِ صُوَرٍ جميعهم ،
فقتلت اليهودُ منهم مّن قتلت ، وهم يَرَونه بصورةٍ عيسى ، ويحسبونه إيَّه؛ لأنهم
كانوا به عارفِين قبلَ ذلك، وظنَّ الذين كانوا فى البيتِ مع عيسى، مثلَ الذى ظنَّت
الیھودُ ؛ لأنهم لم ◌ُمیّزوا شخص عیسی من شخصٍ غيرِه، لتشابه شخصِه وشخصٍ
غيرِهِ، ممن كان معه فى البيتِ ، فاتَّفَق جميعُهم - أعنى اليهود والنصارى مِن أجلٍ
ذلك - على أن المقتولَ كان عيسى، ولم يكنْ، ولكن شُبِّه لهم، كما قال اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيّهَ لَّ﴾، أو ("يكونُ الأمرُ" فى ذلك كان
(١) فى الأصل: ((شبهه)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إذا)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((تكون الآية)).
٦٦٠
سورة النساء : الآية ١٥٧
على نحوٍ ما روَى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وهب بن منبهٍ ، أن القوم الذين كانوا مع
عيسى فى البيتِ تفرّقوا عنه قبلَ أن يدخُلَ عليه اليهودُ، وبَقِى عيسى ، وأُلْقِى شبهُه
على بعضٍ أصحابِهِ الذين كانوا معه فى البيتِ بعدَما تفرّقَ القومُ عنه - وبقى
عيسى - غيرَ الذى١) أَلْقِى عليه شبهُه، ورُفِع عيسى، فَقُتِل(٢) الذى تحوَّل فى صورةٍ
عيسى من أصحابِهِ، وظنَّ أصحابُه واليهودُ أن الذى قُتِل وصُلِب هو عيسى؛ لِمَّ رأَوْا
من شبهِه به، وخفاءِ أمرٍ عيسى عليهم ؛ لأنّ رفعَه وتحوّلَ المقتولِ فى صورته ، كان
بعد تفرّق أصحابه عنه، وقد کانوا سمعوا عیسی من الليلِ يَنْعَى نفسَه، ويحزّنُ لما قد
ظنَّ أنه نازلٌ به من الموتِ، فحكوا ما كان عندهم حقًّا، والأمرُ عندَ اللَّهِ فى الحقيقةِ
بخلافٍ ما حكّوا ، فلم يستحقَّ الذين حكوا ذلك مِن [٧٧/١٣ و] حواريِّيه أن يكونوا
كَذَبَةً؛ إذ(٣) حكَوا ما كان حقًّا عتدَهم فى الظاهرِ، وإن كان الأمرُ عندَ اللَّهِ فِى
الحقيقة بخلافٍ الذی حگوا(٤) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِء
مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَعَ الَِّنَّ وَمَا قَثَلُوهُ يَقِيَنًا
١٥٧١
١٠
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ
أُخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾. اليهود الذين أحاطوا بعيسى وأصحابِه حينَ أرادوا قتلَه. وذلك أنهم
كانوا قد عرَفوا عِدَّةَ مَن فى البيتِ قبلَ دخولهم، فیما ذُكر، فلما دخَلوا عليهم (٢)،
/ فقَدوا واحدًا منهم، فالْتَبس أمرُ عيسى عليهم بفقدِهم واحدًا من العِدَّةِ التى كانوا
١٧/٦
٠
(١ - ١) فى ص: ((غير عيسى وغير عيسى وغير الذى)) وفى م: ((غير عيسى وغير)).
(٢) فى الأصل: ((فقيل)).
(٣) فى ص، ت ٢، س: ((إذا))، وفى م: ((أو)).
(٤) فى الأصل: ((حكينا)).
(٥) فى ص، ت ٢، س: ((عليه)).