النص المفهرس
صفحات 601-620
٦٠١
سورة النساء: الآيتان ١٣٨، ١٣٩
/القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿بَشْرِ اُلْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا ٣٢٩/٥
أَلِيمًا
١٣٨
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللّهُ: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُتَفِقِينَ﴾. أُخْبِرِ
المنافقين - وقد بيَّنَّا معنى التبشيرٍ فيما مضى بما أغنى عن إعادته (١) - ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ يعني: بأن لهم يومَ القيامةِ مِن اللَّهِ على نفاقِهم عَذَابًا أَلِيمًا ، وهو الموجعُ،
وذلك عذاب جهنم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
اُلْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (
٣٩
أما قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ﴾ .
فمِن صفةٍ [٥٤/١٣و] المنافقين. يقولُ اللَّهُ لنبيّه: يا محمدُ، بَشِّرِ المنافقين الذين
يَتَّخِذون أهلَ الكفرِ بى والإلحادِ فى دينى ﴿أَوْلِيَآءَ﴾، يعنى: أنصارًا وأُخْلاقًا(٢)
﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ﴾، يعنى: مِن غيرِ المؤمنين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾.
يقولُ : أيطلُبُون عندَهم المنتَّعَةَ والقوةَ باتخاذِهم إياهم أولياءَ مِن دونٍ أهلِ الإيمانِ ؟
﴿ فَإِنَّ الِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ: فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياءَ ابتغاءَ العزةِ
عندَهم هم الأُذِلاءُ الأُقِلَاءُ، فَهَلا اتَّخَذوا الأولياءَ مِن المؤمنين، فيَلْتَمِسوا العِزَّةَ والمَتَّعَةَ
والنُّصْرةَ مِن عندِ اللّهِ ، الذى له العِزَّةُ والمَعَةُ ، الذى يُعِزُّ مَن يشاءُ، ويُذِلُّ مَن يشاء،
فيُعِزُّهم ويَمْنَعُهم .
وأصلُ العِزَّةِ الشّدَّةُ. ومنه قيل للأرضِ الصَّلْبةِ الشديدةِ : عَزَازٌ. وقيل: قد
(١) تقدم فى ٤٠٥/١ - ٤٠٧ .
(٢) فى م: ((أخلاء)).
٦٠٢
سورة النساء : الآيتان ١٣٩ ، ١٤٠
اسْتُعِزَّ على المريضِ. إذا اشتدَّ مرضُه وكاد يُشْفَى. ويقالُ: تَعَزَّز اللحمُ. إذا اشتدَّ.
ومنه قيل: عَزَّ علىّ أن يكونَ كذا وكذا . بمعنى: اشتدَّ علىَّ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعُمْ
ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِمِةٍ إِنَّكُمْ
إِذَا مِثْلُهُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ كَمِيعًا (
یعنی بذلك جلّ ثناؤه: وبشِّر المنافقين الذين يتخذون الكافرین أولیاءً مِن دونٍ
المؤمنين - ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ﴾. يقولُ: أَخْبِرْ مَن اتَّخَذ مِن هؤلاء
المنافقين الكفارَ أنصارًا وأولياءَ بعدَ ما نَزَل عليهم مِن القرآنِ: ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ
اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَّأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ [٥٤/١٣ ظ] حَتَّى يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ
غَيْرِهِ﴾. يعنى: بعدَ ما عَلِموا نَهْىَ اللهِ عن مجالسةِ الكفارِ الذين يَكْفُرُون بحُجَجٍ
اللَّهِ وآي / كتابِهِ، ويَسْتَهْزِئون بها. ﴿حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِمْ﴾. يعنى بقولِه:
﴿ يَخُوضُواْ ﴾. يَتَحَدَّثوا(١) حديثًا غيرَه - ﴿ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
٣٣٠/٥
وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾. يعنى: وقد نَزِّل عليكم أنكم إنْ جالَستم مَن
يَكْفُرُ بآيَاتِ اللَّهِ، ويَسْتَهْزِئُّ بها وأنتم تَسْمَعون، فأنتم مِثلُهم(٢) ، يعنى: فأنتم - إن
لم تَقُوموا عنهم فى تلك الحالِ - مِثلُهم فى فعلهم ؛ لأنكم قد عَصَيتم الله بجلوسِكم
معهم، وأنتم تَسْمَعون آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها، كما عَصَوه باستهزائِهم
بآياتِ اللَّهِ ، فقد أتيتُم مِن معصيةِ اللَّهِ نحوَ الذى أَتَوه منها، فأنتم إذن مِثْلُهم فى
ركوبِكم(٢) معصيةَ اللَّهِ، وإتيانِكم ما نهَى اللَّهُ عنه.
(١) فى ص، ت١، س: ((يتخذوا)).
(٢) فى م: (( مثله)) .
(٣) فى الأصل: ((ركوبهم).
٦٠٣
سورة النساء : الآية ١٤٠
وفى هذه الآيةِ الدلالةُ الواضحةُ على النهي عن مجالسةِ أهلِ الباطلِ مِن كلّ
نوعٍ؛ مِن المبتدعةِ والفسقةٍ ، عندَ خوضِهم فى باطلهم .
وبنحوِ ذلك كان جماعةٌ مِن "الأئمةِ الماضين) يقولون، تأولاً منهم هذه
الآيةَ، أنه مُرادٌ بها النَّهْىُ عن مُشاهدةِ كلِّ باطلٍ عندَ خَوْضِ أهلِه فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العَوَّامِ بنِ
حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عن أبى وائلٍ، قال : إن الرجلَ ليتكلّمُ بالكلمةِ فى
المجلسِ مِن الكذبِ ليُضْحِكَ بها(٢) مجلّساءَه(٣)، فيَشْخَطُ اللَّهُ عليهم. قال: فَذَكَوْت
ذلك لإبراهيمَ النَّخَعِىِّ، فقال: صدَق أبو وائلٍ، أوَ ليس ذلك فى كتابِ اللَّهِ: ﴿ أَنّ إِذَا
سَمِعْثُمْ ءَايَتِ الَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِيَّةٍ
إِنَّكُ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾(٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا [٥٥/١٣و] عبدُ الله بنُ إدریسَ، عن
العلاءِ بنِ مِنْهالٍ، عن هشامٍ بنِ عُرْوةً، قال: أخَذ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ قومًا على
شرابٍ ، فضرَبهم وفيهم صائمٌ ، فقالوا: إن هذا صائمٌ . فتَلا: ﴿فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ
(١ - ١) فى م: ((الأمة الماضية)).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣) فى ص، ت١، س: (( جلساؤه)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٣/٤ (٦١٢٦) من طريق يزيد بن هارون به ، وأخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (٧٠٥ - تفسير) من طريق أبى وائل به دون قوله: ((فذكرت ذلك لإبراهيم ... )) إلخ. والأثر عزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ إلى ابن المنذر .
وأثر إبراهيم أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٧٠٤ - تفسير)، من طريق عبيد المكْتِب عن إبراهيم به
بنحوه .
٦٠٤
سورة النساء : الآية ١٤٠
حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال: ثنى مُعاويةُ ، عن على بن أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾.
قال: وقوله: ﴿وَلَا تَنَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ،﴾ [الأنعام: ١٥٣]،
وقولَه ﴿ أَنْ أَقِيُواْ الْذِينَ وَلَّا نَفَرَّقُواْ فِيْهِ ﴾ [الشورى: ١٣]. ونحوَ هذا مِن القرآنِ ،
قال: أمر اللَّهُ المؤمنين بالجماعةِ ، ونَهاهم عن الاختلافِ والفُرْقَةِ، وأخبرَهم : إنما
هَلَكَ مَن كان قبلكم بالمراءِ والخصوماتِ فى دينِ اللَّهِ(٢).
وقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: إِن اللَّهُ
جامع الفريقين من أهلِ الكفر والنفاقِ فى القيامةِ فى النارٍ ، فمُوفِّقٌ بينهم فى عقابه فى
جهنمَ وأليم عذابِهِ، كما اتَّفَقوا فى الدنيا، فاجتَمَعوا على عداوةٍ المؤمنين،
وتَوَازَرُوا (١) على التخذيلِ عن دينِ اللَّهِ الذى ارتَضاه وأمّر به أهلَهُ(٤).
واختَلَفت القَرَّأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِتَبِ﴾؛ فقَرَأْ ذلك
عامةُ القَرَأَةِ بضمٌّ ((النونِ))، وتثقيلِ ((الزاي)) وتشديدها، على وجهِ ما لم يُسَمَّ
٣٣١/٥ فاعلُه. وقرأه بعضُ الكوفيين بفتح ((النونِ)) وتشديدِ ((الزاي)) على /معنى: وقد نَزّل
اللَّهُ عليكم. وقرأ ذلك بعضُ المَكَثِين: ( وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ). بفتحِ ((النونِ))
وتخفيفِ («الزاي)) بمعنى: وقد جاءكم مِن اللَّهِ أن إذا سَمِعتم (٥).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى ٤٦٩/٧ (٣٨٢١)، وابن أبى حاتم ١٠٩٣/٤ (٦١٢٧) من طريق عبد الله بن
إدریس به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٣/٤ (٦١٢٤) من طريق أبى صالح به .
(٣) توازروا: تآزروا، ومعناه: تعاونوا. التاج ( وزر) .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س: ((وأهله)».
(٥) قرأ عاصم ويعقوب بفتح النون والزاى مشددة، وقرأ الباقون بضم النون وكسر الزاى مشددة . وقرأ=
٦٠٥
سورة النساء : الآيتان ١٤٠، ١٤١
قال أبو جعفرٍ: وليس فى هذه القراءاتِ الثلاثِ وجةٌ يَتْعُدُ معناه مما يَحتمِلُه
الكلامُ، غيرَ أن الذى اختارُ القراءةَ به، قراءةُ مَن قرأ: ( وَقَدْ نُزِّل) بضَمِّ (( النونِ))
وتَشْديدِ ((الزاي))، على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأن معنى الكلام فيه ، التقديمُ على
ما وصَفْتُ(١) قبلُ، على معنى: ﴿الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونٍ
المؤمنين﴾ - [٥٥/١٣ظ] (وَقَد نُزِّلَ عَلَيْكُمْ في الكِتَبِ أَن إِذَا سَمِعتُم) إلى قولِه:
.. فقوله: ﴿﴾ يعنى التأخيرَ، فلذلك كان ضمّ
﴿ حَدِيثٍ غَيْرِهِةٍ﴾ - ﴿٤
((النونِ)) مِن قوله: ( نُزِّل). أصوبَ عندَنا فى هذا الموضعِ.
وكذلك اختلفوا فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَاَلْكِنَبِ الَّذِىِ نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ،
وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾؛ فقرَأه بفتحِ ﴿نَزَّلَ﴾ و﴿ أَنْزَلَ﴾ أكثرُ القَرَأةِ،
بمعنى: والكتابِ الذى نَزِّل اللَّهُ على رسولِه، والكتابِ الذى أَنزّل مِن قبلُ. وقرأ
ذلك بعضُ قَرَّأةِ البصرةِ بضمِّه فى الحرفين كليهما ، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه(٢) . وهما
متقارٍبتا المعنى، غير أن الفتحَ فى ذلك أعجبُ إلىَّ مِن الضمّ؛ لأن ذكر اللَّهِ قد جرّی
قبلَ ذلك فى قوله: ﴿مَامِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اللَّهِ
قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِيِنَ نَصِيبُ قَالُواْ أَ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ
الْمُؤْمِنِينُّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اُلْفِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
= أبو حيوة وحميد: (نزل) مخففا منيا للفاعل وهى قراءة شاذة. النشر ١٩٠/٢، والإتحاف ص ١١٧،
وينظر فى الوجه الثالث البحر المحيط ٣٧٤ .
(١) فى م: ((وصلت)).
(٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالبناء للمجهول (نُزِّل) و (أَنْزِل). وقرأ الباقون بالبناء للفاعل وروى
الكسائى ، عن أبى بكر ، عن عاصم مثل قراءة أبى عمرو فى (نزل) بالضم ينظر السبعة فى القراءات
ص ٢٣٩، وحجة القراءات ص ٢١٦، ٢١٧.
٠
٦٠٦
سورة النساء : الآية ١٤١
١٤١
سَبِيلًا
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾: الذين يَنْتِظِرُون أيُّها المؤمنون
بكم، ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اللَّهِ﴾. يعنى: فإنْ فَتَح اللَّهُ عليكم فتحًا مِن
عدوُّكم، فأفاءَ عليكم فَيْئًا مِن المغانم، ﴿قَالُواْ﴾ لكم: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾
تُجَاهِدُ معكم عدوّكم، ونَغْزُوهم معكم ، فأعْطُونا نصيبَنا مِن الغنيمةِ ، فإنا قد شَهِدنا
القتالَ معكم. ﴿وَإِن كَانَ [٥٦/١٣و] لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ﴾. يعنى: وإن كان
لأعدائِكم من الكافرين حظًّ منكم بإصابتهم منكم، ﴿ قَالُوا ﴾ . يعنى : قال هؤلاء
المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمَ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ ألم تَغْلِبْ عليكم حتى قَّهَرْتم المؤمنين،
ونَمْتَعْكم منهم بتخذيلنا إياهم، حتى امتَنَعوا منكم، فانصَرَفوا، ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيََّمَةِ﴾. يعنى: فاللَّهُ يَحْكُمُ بينَ المؤمنين والمنافقين يومَ القيامةِ،
فيَفْصِلُ بينَهم(١) بالقضاءِ الفاصلِ بإدخالِ أهلِ الإيمانِ جنتَه، وأهلِ النفاقِ مع
أوليائهم مِن الكفارِ نارَه. ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلًا﴾. يعنى:
حجةٌ يومَ القيامةِ .
وذلك وعدّ مِن اللَّهِ المؤمنين، أنه لن يُدْخِلَ المنافقين مُدْخَلَهم مِن الجنةِ ، ولا
المؤمنين مُدْخَلَ المنافقين ، فيكون بذلك للكافرين على المؤمنين حجةٌ ، بأن يقولوا لهم
إن أُدْخِلوا مُدْخَلَهم: ها أنتم(٢) كنتم فى الدنيا أعداءَنا، وكان المنافقون أولياءَنا ،
٣٣٢/٥ / وقد اجتمعتم فى النارِ، فيجُمِع بينكم وبينَ أوليائِنا، فأين الذى كنتم تَزْعُمون
أنكم تُقاتِلوننا مِن أجلِه فى الدنيا؟ فذلك هو السبيلُ الذى وعَد اللَّهُ المؤمنين أن لا
يَجعَلَها عليهم للكافرين .
(١) فى م ، ت٢، ت٣: ((بينكم)).
(٢) فى الأصل: ((فأنتم)).
٠١٠٠٠
٦٠٧
سورة النساء : الآية ١٤١
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ قولَه :
﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ﴾. قال: المنافقون يَتَرَبَّصون بالمسلمين، ﴿فَإِن كَانَ
لَكُمْ فَتْحٌ﴾. قال: إن (١) أصاب المسلمون مِن عدوّهم غنيمةً، قال المنافقون: ﴿أَلَمْ
تَكُنْ مَعَكُمْ﴾، قد كنا معكم، فأعْطُونا غنيمةً مثلَ ما تأخُّذُون ، وإن كان للكافرين
نصيبٌ يُصِيبونه مِن المسلمين، قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمَّ نَسْتَحِذْ [٥٦/١٣ظ]
عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قد كنا نُتَبَّطُهم عنكم(٢).
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم:
معناه : ألم نغْلِبْ عليكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ قولَه: ﴿أَلَ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ﴾. قال: نَغْلِبْ عليكم(١) .
وقال آخرون: معنى ذلك: ألم نُبيِّنْ لكم أنا معكم على ما أنتم عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ مجرَيج: ﴿أَلَمَّ
(١) سقط من: الأصل، ص ، ت١، س.
(٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٦٣/٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ إلى المصنف وابن المنذر عن
مجاهد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٤/٤ (٦١٣٢) من طريق أحمد بن مفضل به .
٦٠٨
سورة النساء: الآية ١٤١
نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نُبِيِّنْ لكم أنا(١) على ما أنتم عليه (١).
قال أبو جعفرٍ : وهذان القولان متقارِبا المعنى، وذلك أن مَن تأوَّله بمعنى: ألم
نُبِيِّنْ لكم ، إنما أراد - إن شاء اللَّهُ - ألم تَغْلِبْ عليكم بما كان مِنَّا مِن البيانِ لكم أنَّا .
معكم .
وأصلُ الاستحواذِ فى كلامِ العربِ - فيما بَلَغَنا - الغَلَبةُ، ومنه قولُ اللَّهِ جلّ
ثناؤه: ﴿أُسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]. بمعنى غلَب عليهم، يقالُ منه:
حاذّ عليه ، واستَحاذَ يَحِيذُ ويَسْتَحِيذُ، وأحاذَ يُحِيذُ. ومِن لغةٍ مَن قال: ((حاذَ)) ،
قولُ العَجَّاجِ فى صفةٍ ثَوْرٍ وكلابٍ(٢) :
يَحُوذُهنَّ وله محوذِىُّ
وقد أنشَد بعضُهم :
يَحُوزُهنَّ وله ◌ُوزِىٌّ
٣٣٣/٥
/ وهما مُتَقارِبا المعنى .
ومِن لغةٍ مَن قال : ((أحاذَ))، قولُ لَبِيدٍ فى صفةٍ عَيْرٍ وأُتُنٍ (٤):
إذا اجتَمَعَتِ وَأَحْوَذَ جانِبَيْها وأَوْرَدَها على عُوجِ طِوَالٍ
[١٥٧/١٣] يعنى بقولِه: وأخْوَذَ جانِتَيها: غَلَبَها وَقَهَرها حتى حاذَ كلا
جانبيها ، فلم يَشِدَّ منها شىءٍ .
(١) بعده فى م، ت٢، ت٣: ((معكم)).
(٢) ينظر التبيان ٣٦٣/٣، وراجع حاشية (٢).
(٣) ديوان العجاج ص ٣٣٢، ورواية الديوان: ((يحوذها وهو لها حوذى)).
(٤) شرح ديوان لبيد ص ٨٦ . والعير: الحمار. والأُثُن: جمع ◌َّان وهى أنثاه. وأحوذ: جَمَع وضَمْ. والعوج.
الطوال ، أراد : قوائهما .
٠٠
..... ....--
الجافة
بيبي
٠٠٠
٦٠٩
سورة النساء : الآية ١٤١
وكان القياسُ فى قولِه: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّطَرُ﴾ أن يْتِىَ: استحاذَ
عليهم ؛ لأن الواوَ إذا كانت عينَ الفعلِ ، وكانت متحركةً بالفتحِ وما قبلَها ساكنٌ،
جَعَلَت العربُ حرَكَتَها فى فاءِ الفعلِ قبلَها ، وحَوَّلوها أَلِفًا مُتَّبِعَةً حركةَ ما قبلَها ،
كقولهم: استحال هذا الشىءُ عما كان عليه. مِن حالَ يَحولُ. واستنارَ فلانٌ بنورِ
اللّهِ . مِن النورِ، واستعاذَ باللَّهِ مِن عاذَ يَعوذُ. وربما تَرَكوا ذلك على أصلِه، كما قال
لبيدٌ: وأخْوَذَ . ولم يقلْ: وأحاذَ .
وبهذه اللغةِ جاء القرآنُ فى قوله: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّبْطَانٌ﴾.
وأما قولُه: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. فلا خلافَ بينَهم فى أن معناه : ولن يَجْعَلَ اللَّهُ للكافرين يومئذٍ
على المؤمنين سبيلاً .
ذكرُ الخبرِ عن بعضٍ من قال ذلك.
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَبِعُ "
الحَضْرَمِىِّ ، قال: كنتُ عندَ علىٍّ بنِ أبى طالبٍ ، فقال رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين، أرأيتَ
قولَ اللَّهِ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وهم يُقاتِلوننا، فيَظْهَرون
ويَقْتُلون؟ قال له علىٍّ: ادْنُه اذْنُه. ثم قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ وَلَنْ
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، يومَ القيامةِ(١).
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوریُّ، عن
الأعمشِ، عن ذَرِّ، عن يُسَيعُ(١) الكِندىِّ فى قوله: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((نسيع)). وفى الأصل غير منقوطة. وهو يسيع بن معدان
الحضرمى . وينظر تهذيب الكمال ٣٠٦/٣٢ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٥/٤ (٦١٣٥) من طريق الأعمش بمعناه .
( تفسير الطبرى ٣٩/٧ )
٦١٠
سورة النساء : الآية ١٤١
اٌلْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: جاء رجلٌ إلى عليّ بن أبى طالبٍ، فقال: كيف هذه
الآيةُ: [٧/١٣ ٥ظ] ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ فقال علىٍّ:
اذْنُهُ، ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يومَ القيامةِ ﴿لِلْكَفِرِينَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن
ذَرُّ، عن يُسَيِعٍ(٢) الحَضْرَمِيِّ مثلَه(١).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شُعْبةَ، قال: سَمِعتُ سليمانَ
يُحَدِّثُ "عن ذَو٣َّ)، عن رجلٍ، عن علىّ؛ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ
اللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: فى الآخرةِ().
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّئِّ، عن أبى
مالكٍ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. يومَ القيامةِ (٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حَجَّاجْ ، عن ابنٍ مجرَيجٍ، عن عطاءٍ
الخُراسانىّ، عن / ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .
قال : ذاك يومُ القيامةِ).
(١) تفسير الثورى ص ٩٨، وعبد الرزاق فى تفسيره ١٧٥/١، والحاكم ٣٠٩/٢ ، وابن حزم فى
المحلی ٢٠/١٢ من طريق سفبان به .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((عن على بنحوه).
(٣ - ٣) سقط من : الأصل.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ إلى المصنف .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٥/٤ عقب الأثر رقم (٦١٣٥) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢
إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ إلى المصنف ، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
٦١١
سورة النساء : الآيتان ١٤١، ١٤٢
وأما السبيلُ فى هذا الموضع فالحُتَّةُ، كما حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ ، قال: ثنا
أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدِّئِّ فى قوله: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: محجّةً(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ
وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
قد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على معنى خداعِ المنافقِ ربَّه، ووجهِ خِداعِ اللَّهِ إياهم ،
بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضعِ [٥٨/١٣ر]، واختلاف المختلفين فى ذلك(٢).
فتأويلُ ذلك : إن المنافقين يُخادِعون اللَّهَ بإحرازِهم بنفاقِهم دماءهم وأموالهم ،
واللَّهُ خادعُهم بما حكم فيهم مِن منعِ دمائِهم بما أظهَروا بألسنتهِم مِن الإيمانِ ، مع
علمِه بباطنٍ ضمائرِهم ، واعتقادِهم الكفرَ، استدراجًا منه لهم فى الدنيا ، حتى يَلْقَوه
فى الآخرةِ ، فيُورِدُهم بما استَبطّنوا مِن الكفرِ نارَ جهنمَ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السّدِّئِّ: ﴿إِنَّ الْمُتَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. قال: يُعْطِيهم يومَ
القيامةِ نورًا يَخْشون فيه مع المسلمين، كما كانوا معهم فى الدنيا ، ثم يَسْلُبُهم ذلك
النورَ فَيُطْفِئُه، فيقومون فى ظُلْمتِهم، ويُضرَبُ بينَهم بالسُّورِ(١).
حدَّثُنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال : قال ابنُ مجرّيجٍ :
﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. قال: نَزَلَت فى عبدِ اللَّهِ بنِ أُتَّ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٥/٤، ١٠٩٧ (٦١٣٦)، ٦١٥٠) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) تقدم فى ٢٧٩/١ - ٢٨٥ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٥/٤ (٦١٣٧) من طريق أحمد بن مفضل به.
٦١٢
سورة النساء : الآية ١٤٢
وأبى عامٍ بِنِ النُّعْمانِ، وفى المنافقين: ﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. قال:
مثلَ قولِه فى البقرةِ: (يُخَدِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَّا يُخادعون (١) إِلاَ أَنْفُسَهُم)
[ البقرة: ٩]. قال: وأما قولُه: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. فيقولُ: فى النورِ الذى يُعطَى
المنافقون مع المؤمنين، فَيُعْطَون النورَ، فإذا بَلَغوا السورَ(٢)، و("ما ذكر اللَّهُ من قولِه٣):
﴿ أَنْظُرُوْنَا نَقْتِسْ مِن نُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. قال: قولُه: ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ وَكِيعِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بنِ مُحسَينٍ، عن
الحسنِ، أنه كان إذا قرّأ: ﴿إِنَّ الْنَفِقِينَ يُخَدِيعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾. قال:
يُلْقَى على كلِّ مؤمنٍ ومُنافقٍ نورٌ يَمْشون به ، حتى إذا انتَهَوا إلى الصراطِ ، طُفِىَّ نورٌ
المنافقين، ومضَى المؤمنون بنورِهم، فيُنادُونهم: ﴿ أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ مِن نُرِكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿ وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٣، ١٤]. قال الحسنُ : فتلك خَدِيعةُ اللَّهِ
(٥)
إياهم(٥) .
وأسا قولُه: ﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُزَاءُونَ النَّاسَ﴾، فإنه
[٥٨/١٣ظ] يعنى: أن المنافقين لا يعملون شيئًا مِن الأعمالِ التى فَرَضها اللَّهُ على
المؤمنين على وَجْهِ التَّقَوُّبِ بها إلى اللَّهِ؛ لأنهم غيرُ موقنين بمعادٍ ، ولا ثوابٍ ولا
عقابٍ، وإنما يَعْمَلون ما عَمِلوا مِن الأعمالِ الظاهرةِ إبقاءً على أنفسِهم، وحِذارًا
(١) كذا فى النسخ، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وقرأ الباقون ﴿وما يخدعون﴾. ينظر السبعة فى
القراءات ص ١٣٩، وحجة القراءات ص ٨٧، وينظر ما تقدم فى ٢٨٥/١.
(٢) بعده فى م: ((سلب)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( وما ذكر منه)).
(٤) ذكر السيوطى بعضه فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ وعزاه إلى المصنف، وينظر التبيان ٣٦٥/٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٥/٤ (٦١٣٨) من طريق يزيد بن هارون به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٥/٢ إلى المنذر .
٦١٣
سورة النساء : الآية ١٤٢
/ من المؤمنين عليها أن يُقْتَلوا أو يُسْلَبوا أموالَهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة التى هى من ٣٣٥/٥
الفرائضِ الظاهرةِ ، قاموا كُسالَى إليها ، رياءً للمؤمنين ، ليَحْسَبوهم منهم، وليسوا
منهم؛ لأنهم غيرُ مُعْتَقِدِى فرضَها ووجوبَها عليهم ، فهم فى قيامِهم إليها كُسَالَى.
كما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُوا كُسَالَى﴾. فإنه واللَّهِ لولا الناسُ ما صلَّى المنافقُ، ولا
يُصَلِّى إلا رياءً وسُئعةٌ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾. قال: هم المنافقون؛ لولا الرياءُ ما
. (٢)
صَلَّا(٢) .
وأمّا قولُه: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، فلعل قائلًا أن يقولَ: وهل مِن
ذكرِ اللَّهِ شىءٌ قليلٌ ؟
قيل له: إن معنى ذلك بخلافٍ ما إليه ذهَبتَ ، وإنما معناه: ولا يَذْكُرون اللَّهَ إلا
ذِكْرَ رياءٍ، لِيَدْفَعوا به عن أنفسِهم القتلَ والسّبَاءَ وسلبَ الأموالٍ، لاذِكرَ مُوقِنٍ
مُصَدِّقٍ بتوحيد اللَّهِ، مخلصٍ له الربوبيةَ، فلذلك سمَّاه اللَّهُ قليلًا؛ لأنه غيرُ مقصودٍ
به اللَّهُ ، ولا مُبْتَغَّى به التقربُ إلى اللَّهِ، ولا مُرادٍ به ثوابُ اللَّهِ وما عندَه، فهو - وإن
كَثُر مِن وَجْهِ نَصَبٍ عامِلِه وذاكِرِهِ - فى معنى الشَّرابِ الذى له ظاهرٌ بغيرِ حقيقةٍ
ماءٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٦/٤ (٦١٤٠) من طريق يزيد بن زريع به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٦/٢ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.
(٢) ينظر التبيان ٣٦٦/٣.
٦١٤
سورة النساء : الآيتان ١٤٢، ١٤٣
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبى الأَشْهَبِ، قال: قرَأْ الحسنُ:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا﴾. قال: إنما قَلَّ؛ لأنه كان لغيرِ اللَّه(١).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا /
يَذْكُرُونَ اَللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. قال: إنما قَلَّ ذكرُ المنافقِ؛ لأن اللَّهَ لم يَقبَلْه، وكلُّ ما رَدَّ
اللَّهُ قليلٌ، وكلُّ مَا قَبِل اللَّهُ كثيرٌ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ مُذَبّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَّ إِلَى
١٤٣
◌َكُلَاءٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
يَغْنِى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿ مُذَبِذَبِينَ﴾. مُرَدَّ دِين. وأصلُ التَّذَبْذُبِ: التحركُ
والاضطرابُ، كما قال النابغةُ (٣):
ألم تَرَ أن اللَّهَ أعطاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكِ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
وإنما عنى اللَّهُ جل ثناؤه بذلك: أن المنافقين مُتَحَيِّرون فى دينهم ، لا يَرْجِعون
د. ٣٣٦ / إلى اعتقادٍ شىءٍ على صحةٍ، فَهُم لا مع المؤمنين / على بَصيرةٍ، ولا مع المشركين
على جَهالةٍ، ولكنهم جَيارَى بينَ ذلك، فمَثَلُهم المثلُ الذى ضَرَب لهم رسولُ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٥٣٠/١٣ (١٧١٦٧) عن أبى أسامى به. وأخرجه الإمام أحمد فى الزهد
ص ٢٧١ ، وابن أبى حاتم ١٠٩٦/٤ (٦١٤١)، والبيهقى فى الشعب (٦٨٦٦) من طريق أبى الأشهب به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٦/٤ (٦١٤٣) من طريق يزيد بن زريع به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٣) ديوان النابغة الذبيانى ص ٧٨. والشورة بالضم : المنزلة والرفعة والشرف اللسان (س ور).
٠٠٠-
٦١٥
سورة النساء : الآية ١٤٣
اللّهِ و ◌َمِ، الذى حدَّثنا به محمدُ بنُ المُنُنَّى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ، قال: ثنا عُبَيْدُ
اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عَِّ، قال: ((مَثَلُ المنافقِ كمَثَلِ الشاةِ العائرةِ
بينَ الغَنَمِينِ (١)، تَعِيرُ إلى هذه مرةً، وإلى هذه مرةً، لا تَدْرِى أَتُهما(٢) تَنْبَعُ))(٣).
وحدَّثنا به محمدُ بنُّ المُثَنَّى مَّةً أُخرى عن عبدِ الوَهَّابِ ، فوَقَف به على ابنِ
عمرَ ولم يَرْفَعْه. وقال: حدَّثنا به عبدُ الوَهَّابِ مَرّتين كذلك(٤).
حدَّثنى ◌ِمْرَانُ بنُ بَكَّارٍ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ، قال: ثنا [٩/١٣ ٥ظ] ابنُ عياشٍ(٥)،
قال: ثنا عُبِيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن رسولِ اللَّهِ وَعِ مثلَه(٣).
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَّ إِلَى هَؤُلاءِ﴾. يقولُ: ليسوا
بمشر كين، فيُظْهِروا الشركَ، وليسوا بمؤمنين(٦).
(١) العائرة بين الغنمين: المترددة بين القطعتين. النهاية ٣٢٨/٣.
(٢) فى، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أيهما)).
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٨) عن ابن المثنى به .
وأخرجه أحمد (٥٠٧٩، ٥٧٩٠، ٦٢٩٨)، ومسلم (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد الله به .
وينظر تخريج الحديث فى مسند الطيالسى (١٩١١ - طبعتنا).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩١/٢ عن المصنف .
(٥) فى النسخ: ((عباس)). وهو تصحيف . والمثبت هو الصواب وابن عباس هو إسماعيل بن عياش بن سليم
العنسى أبو عتبة الحمصى . ينظر ترجمته فى تهذيب الكمال ١٦٣/٣.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ (٦١٤٩) من طريق أحمد بن المفضل به .
٦١٦
سورة النساء : الآية ١٤٣
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآَ
إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلاءِ﴾. يقولُ: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين
مصرِّحين بالشركِ. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَّمِ كان يَضرِبُ مَثَلًا للمؤمنِ
وللمنافقِ وللكافرِ، كمثلٍ رَهْطِ ثلاثةٍ حَفَعوا إلى نهرٍ، فَوَقَع المؤمنُ فقَطَّع، ثم وقَع
المنافقُ، حتى إذا كاد يَصِلُ إلى المؤمنِ، نَاداه الكافرُ أن هَلُمَّ إلىّ، فإنى أُخشَى
عليك. وناداه المؤمنُ : أن هَلُمَّ إلىَّ؛ فإن عندى وعندى. يُخْصِى له ما عندَه،
فمازالَ المنافِقُ يَتَردَّدُ بينَهما ، حتى أَتَّى عليه آذٌِّّ(١) فَغَرِّقه، وإن الُنافِقَ لم تَزَلْ فى شكٌّ
وشبهةٍ، حتى أتَى عليه الموتُ وهو كذلك. قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَمِ كان
يقولُ: ((مَثَلُ المُنَافِ كَمَثَلِ ثاغِيَةٍ(٢) بينَ غَنَمَين، رأت غنمًا عَلى نَشَرٍ(٣)، فأَتَتَّها
وشامَّتْها(١) فلم تَعْرِفْ، ثم رأت غَنَمًا على نَشَرٍ، فَأَتَتْها وشامَّتْها فلم تَغْرِفْ))(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجبحٍ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ مُذَبَذَبِينَ﴾. قال: المنافقون(٦).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿ ◌ُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ / لَآَ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَّ إِلَ هَؤُلاءِ﴾. يقولُ: لا إلى
(١) فى م: ((الماء)). والآذى: الموج الشديد. النهاية ٣٤/١.
(٢) الثاغية الشاة . اللسان ( ث غ و) .
(٣) النشر: المرتفع من الأرض . النهاية ٥٥/٥ .
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. وشامتها : تشممتها لتعريفها .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ (٦١٤٧) من طريق يزيد بن زريع به مقتصرًا على قول قتادة دون المرفوع
وقد ذكره ابن كثير ٣٩٢/٢ والمتقى فى الكنز (٨٦٩) عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٢
إلى ابن المنذر .
(٦) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ (٦١٤٥).
٦١٧
سورة النساء : الآيتان ١٤٣ ، ١٤٤
أصحابٍ محمدٍ عَِّ، ولا إلى هؤلاء اليهودِ (١).
حدَّثْنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ قولَه :
﴿ مُّذَبّذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: لم يُخْلصوا الإيمانَ ، فيكونوا مع المؤمنين ، وليسوا مع
أهلِ الشركِ (٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. بينَ الإسلامِ والكفرِ ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَ هَوَّلَاءٍ﴾ (٣).
وأمّا قولُه: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُسَبِيلًا ﴾، فإنه يعنى: من يَخْذُلْه اللَّهُ
عن طريقِ الرشادٍ، / وذلك هو الإسلامُ الذى دَعا اللَّهُ إليه عبادَه. يقولُ: مَن حَذّله(٤) ٣٣٧/٥
اللَّهُ عنه فلم يُوقِّقْه له ﴿فَلَنْ تِجِدَ لَهُ﴾ . يا محمدُ ﴿سَبِيلًا﴾ . یعنی طریقًا يَسلُكُه به
إلى الحقِّ غيرَه ، وأىُّ سبيلٍ يكونُ له إلى الحقِّ غيرُ الإسلامِ؟ وقد أخبرَ اللَّهُ جل ثناؤه أنه
مَن يَتَغِ غيرَه دِينًا فلن يُقْبَلَ منه، ومَن أَضَلَّ اللَّهُ عنه فقد غَوَى، فلا هادِیَ له غیرُه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينُّ أَتْرِيدُونَ أَن تَّجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلّطَانًا مُّبِينًا
(١٤٤
وهذا نَهْىٌّ مِن اللَّهِ عباده المؤمنين أن يَتَخَلَّقُوا بأخلاقِ المنافقين، الذين يَتَّخِذون
الكافرين أولياءَ مِن دون المؤمنين، فيكونوا مثلَهم فى ركوبٍ ما نَهاهم اللَّهُ عنه مِن
(١) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ (٦١٤٦، ٦١٤٨)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٦/٢ إلى ابن المنذر .
(٢) ينظر التبيان ٣٦٦/٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٢ إلى المصنف. وينظر التبيان ٣٦٦/٣.
(٤) فى م: (( يخذله)).
(٥) فى م: ((يتبع)).
٦١٨
سورة النساء : الآية ١٤٤
مُؤَالاةٍ أعدائِه ، يقولُ لهم جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين [٦٠/١٣ظ] آمنوا باللّهِ ورسولِه، لا
تُوالوا الكفارَ، فتُوَازِروهم مِن دون أهلٍ ملتِكم ودینکم من المؤمنين ، فتكونوا كمّن
أَوجَب اللَّهُ له النارَ مِن المنافقين.
ثم قال جلّ ثناؤُه مُتوعّدًا مَن اتَّخَذ منهم الكافرين أولياءَ مِن دون المؤمنين، إن
هو لم يَرْتدِعْ عن موالاتِه ، ويَتْزَجِر عن مُخالَّتِهِ، أن يُلْحِقَه بأهلٍ ولايتهم مِن المنافقين
الذين أمَر نبيّه عَّهِ بتبشيرِهم بأن لهم عذابًا أليمًا: ﴿أَتْرِيدُونَ﴾ أيُّها المتخِذون
الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، ممن قد آمَن بى وبرسولى ﴿أَنْ تَّجْعَلُوا لِلَّهِ
عَلَيَكُمْ سُلْطَانًا قُّبِينًا﴾. يقولُ: حجةٌ باتخاذِكم الكافرين أولياءَ مِن دونٍ
المؤمنين، فتَشتوجِبوا منه ما استَوجَبه أهلُ النفاقِ الذين وَصَف لكم صفتهم،
وأخبرَكم بمَحِلُّهم عندَه ﴿ قُِّينًا﴾. يعنى: يُبِينُ(١) عن صحتِها وحقيقتها. يقولُ:
فلا تَعَرَّضوا لغضبِ اللَّهِ، بِإِيجابِكم الحجةَ على أنفسكم، فى تَقَدُّمِكم على ما
نَهاكم ربُّكم مِن موالاةِ أعدائِه وأهلِ الکفرِ به .
وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَ نَتَّخِذُواْ اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ
عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾. وإن اللَّهِ السلطانَ على خلقِه، ولكنه يقولُ: عُذْرًا
(٢)
مبينًا(٢) .
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ (٦١٥٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٢ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
-------
٦١٩
سورة النساء : الآيتان ١٤٤، ١٤٥
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا قَبِيصةُ ، قال: ثنا سُفيانُ، عن رجلٍ، عن عِكْرمةَ ،
قال: ما كان فى القرآنِ مِن سلطانٍ [٦١/١٣ و] فهو حُجَّةٌ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ ،
عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿سُلْطَانًا قُبِينًا﴾. قال: حُبَّةً(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن
(٢)
مُجاهدٍ مثلَه (٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الْتَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ (١) اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(٢٥)﴾. / يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّ الُّْفِقِينَ فِيِ الذَّرْكِ(٣)
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: إن المنافقين فى الطَّبَقِ الأسفلِ مِن أطباقٍ جهنمَ. وكلُّ طَبَقٍ
مِن أطباقٍ جهنمَ دَركٌ . وفيه لغتان: دَرَكٌ ، بفتح الراءِ، ودَرْك ، بتسكينِها . فمَن فَتَح
الراءَ جمَعه: أدْراكٌ فى القِلَّةِ () والكثرةِ" ، وإن شاء جمَعه فى الكثرةِ: الدُّروكُ. ومَن
سَكَّن الراءَ قال: ثلاثةُ أَدرُكٍ، وللكثيرٍ : الدُّروكُ.
٣٣٨/٥
وقد اختَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَأَته عامةٌ قَرَأةِ المدينةِ والبصرةِ: ( فى
الدَّرَكِ ) بفتحِ الراءِ. وقَرَأته عامةُ قَرَأةِ الكوفةِ بتسكينِ ((الراءٍ))(١). وهما قراءتان
معروفتان ، فبأيَّتِهما قرَأ القارِئُ فمُصِيبٌ؛ لاتفاقٍ معنى ذلك، واستفاضةِ القراءةِ
بكلِّ واحدةٍ منهما فى قراءةِ الإسلامِ ، غيرَ أنى رأيتُ أهلَ العلم بالعربيةِ يَذْكُرون أن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ عقب الأثر رقم (٦١٥١) معلقًا .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٩٥. وأخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٧/٤ عقب الأثر رقم (٦١٥١) معلقًا.
(٣) فى الأصل: ((الدَّرَك)) بفتح الراء.
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) قرأ نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر بفتح الراء، وقرأ الباقون بتسكين الراء. السبعة فى القراءات
ص ٢٣٩، وحجة القراءات ص ٢١٨.
٦٢٠
سورة النساء : الآية ١٤٥
فَتْحَ الراءِ منه فى العربِ، أشهرُ مِن تَشْكينها، وحَكوا سماعًا منهم: أعطِنی دَرَكًا
أَصِلُ به محَبْلى . وذلك إذا سأل ما يَصِلُ به حَبْلَه الذى قد عجَز عن بلوغ الزَّكِيَّةِ () .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[٦١/١٣ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ وَكِيعِ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن خَيْثَمَةَ،
عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَْفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: فى تَوابيتَ مِن
(٢)
حديدٍ مُبْهمةٍ عليهم
٠
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وَهْبُ بنُّ جَريرٍ ، عن شُعبةً ، عن سَلَمةً ، عن
خَيْئَمةَ، عن عبدِ اللَّهِ ، قال: إنَّ المنافقين فى توابيتَ مِن حديدٍ مُقْفَلةٍ عليهم فى
(٢)
النارٍ (٢) .
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال : ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصم، عن
ذَْوانَ، عن أبى هريرةَ : ﴿ إِنَّ الُّْفِقِينَ فِي الدَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: فى
توابيتَ تُؤْثٌ(٣) عليهم(٤).
حدَّثنا ابنُ المُنَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
BiN & IME
(١) الرّكية. البئر تُفَر. اللسان (ركو).
(٢) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٣٠٠ - زوائد نعيم)، وابن أبى شيبة فى مصنفه ١٥٣/١٣ (١٥٩٧٢)،
وابن أبى حاتم ١٠٩٨/٤ (٦١٥٣) من طريق وكيع به .
وأخرجه ابن أبى الدنيا فى صفة النار (١٠٤) من طريق خيثمة مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٦/٢ إلى الفريابي، وهناد.
(٣) ترتج : تغلق .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/٢ إلى المصنف، وابن المنذر، وأخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٨/٤ (٦١٥٤)
من طريق عاصم بمعناه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى عبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٣٩٣/٢.