النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
سورة النساء : الآية ٩٤
" تبتغون عرضَ الحياةِ الدنيا)) قال: راعى غنم، لقِيه نفرٌ مِن المؤمنين، فقتلوه
وأخذوا ما معَه، ولم يَقْبَلوا منه: السلامُ عليكم، فإنى مؤمنٌ(١).
حدَّثْنى المُتَّى، قال : ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ بن أبى طلحةً ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا). قال: حرَّم اللَّهُ
على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا اللَّهُ: لستَ مؤمنًا. كما حرَّم عليهم
الميتةَ، فهو آمنٌ على مالِهِ ودمِه، فلا تَرُدُّوا عليه قولَهُ(٣) .
واْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ فَتَبَيَنُواْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكتِينَ(٤)
والمدنيين وبعضُ الكوفيّين والبصريّين: ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾. بالياءِ) والنونِ مِن التبئْنِ(٢)،
بمعنى : التّأَنِّى والنظرِ والكشف عنه حتى يَضِحَ، وقرَأ ذلك عظمُ قَرَأَةِ الكوفيين:
(فَكُوا)(١٧) بمعنى التثبُتِ الذى هو خلافُ العَجَلةِ.
والقولُ عندنا فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان فى قَرَةِ المسلمين
بمعنّى واحدٍ وإن اخْتَلَفت بهما الألفاظُ ؛ لأن المنثبْتَ مُتَبَيِّنٌ، والمُتْبِيِّنَ متثبَتْ ، فبأىّ
القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ فى ذلك .
واخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ فقرَأ
(١ - ١) سقط من : ص، م.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٢ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٠/٣ (٥٨٢٩) من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠١/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) فى الأصل، ص، ت ٢: ((الكوفيين)).
(٥) فى الأصل، م: ((بالباء)) * وكلاهما محتمل، وينظر الحجة ص ٢٠٩.
(٦) قرأ بها العشرة غير حمزة والكسائى وخلف. النشر ١٨٩/٢، والإتحاف ص ١١٦.
(٧) قرأ بها حمزة والكسائى وخلف. المصدران السابقان .
An
٣٦٢
سورة النساء : الآية ٩٤
٢٢٦/٥ ذلك عامَّةٌ قَرَأَةٍ / المكيين والمدنيين والكوفيين: (السَّلَمَ) بفتح السينِ واللام بغيرِ
ألفٍ(٢)، بمعنى الاستسلام، وقرأه بعضُ الكوفيين والبصريين (السلامَ) بالألفِ،
.(٣)
بمعنى التحيّةِ(٢) .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندنا(٤): (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ). بمعنى: مَن
اسْتَسلم لكم مُذْعِنًا للَّهِ بالتوحيدِ مُقِرًّا لكم بمَّتِكم.
٩١۴
وإنما اخترنا ذلك ؛ لاختلاف الرواية فى ذلك ؛ فمِن راوٍ روَی أنه اسْتَسلم بأن
شهد [١١٤/١٢ ظ] شهادةَ الحقِّ وقال: إنى مسلمٌ. ومِن راوٍ روَى أنه قال: السلامُ
عليكم. فحيَّاهم تحيةَ الإسلامِ، ومِن راوٍ روى أنه كان °مسلمًا بإسلام) قد تقدَّم
منه قبلَ قتلِهِم إِيَّه، وكلُّ هذه المعانى يَجْمَعُها السَّلَمُ ؛ لأن المسلم مستسلِمٌ، والمحيَِّ
بتحيةِ الإسلامِ مستسلمٌ، والمتشهّدَ(١) شهادةَ الحقِّ مستسلمٌ لأهلِ الإسلامِ، فمعنى
السّلَمِ جامعٌ جميعَ المعانى التى رُوِيت فى أمرِ المقتولِ الذى نزَلت فى شأنِه هذه الآيةُ ،
وليس ذلك فى السلامٍ؛ لأن السلامَ لا وجهَ له فى هذا الموضع إلا التحيةُ ، فلذلك
وصَفنا السَّلَمَ بالصوابِ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ ؛
فقال بعضُهم: معناه: كما كان هذا الذى قتلتموه بعدَ ما أَلْقَى السَّلَمَ إليكم"
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) قرأ بها نافع وأبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، وخلف. النشر ١٨٩/٢، والإتحاف ص ١١٦.
(٣) قرأ بها ابن كثير، وعاصم، والكسائى، ويعقوب . المصدران السابقان .
(٤) كلتا القراءتين متواترة .
(٥ - ٥) فى ص، ت ٢، س: ((متكلما بالإسلام)).
(٦) فى الأصل: ((المستشهد)).
(٧ - ٧) فى م، ص، ت ١، س: ((إليكم السلام)).
٣٦٣
سورة النساء : الآية ٩٤
مُسْتَخْفِيًّا فى قومِه بدينِه؛ خوفًا على نفسه منهم(١) ، كنتم أنتم مستخفِينَ بأديانِكم
مِن قومِكم؛ حذّرًا على أنفسِكم منهم ، فمنَّ اللَّهُ عليكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريجٍ ،
قال : أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ کثیرٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ فی قوله: ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم
مِّن قَبْلُ﴾. قال: كذلك كنتم من قبلُ تَسْتَخْفُون بإيمانِكم كما اسْتَخفى هذا
(٢)
الراعى بإيمانه
حدِّثنا ابنُّ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيبٍ بن أبى عَمْرَةً، عن
سعيدِ بنِ مجبيرٍ: ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾: تَكْتُمون إيمانَكم فى
(٣)
المشركين(٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذى قتَلتموه بعدَ ما أَلْقَى إليكم
السَّلَمَ كافرًا (٤) كنتم كفَّارًا، فهداه اللَّهُ(٥) كما هداكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
(١) فی ص، ت ٢، س: ((منكم)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤١/٣ (٥٨٣٥) من طريق الحسن بن يحيى عنه به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٤/١٠، ١٢٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤١/٣ (٥٨٣٤) من طريق وكيع
عن سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) سقط من: الأصل، ص ، س .
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
٣٦٤
سورة النساء : الآية ٩٤
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ [١٥/١٢ ٥١] فَمَرَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: كَفَّارًا مثلَه
فَتَبَيِّنُواْ﴾ .
وأولى هذين القولينِ بتأويلِ الآيةِ القولُ الأوّلُ، وهو قولُ من قال : کذلك کثم
من قبلُ تُخْفُون إيمانكم فى قومِكم من المشركينَ ، وأنتم مقيمون بينَ أظهرِهم ، كما
كان هذا الذى قتلتموه مقيمًا بينَ أظهرٍ قومِه مِن المشر کین ، مستخفيًا بدينِه منهم .
وإنما قلنا : هذا التأويلُ أَوْلَى بالصوابِ؛ لأن اللَّهَ إنما عاتب الذين قتَلوه مِن أهلٍ
الإيمانِ بعدَ إِلقائِه إليهم السَّلَمَ ، ولم يُقَدْ به قاتلوه لِلَّيسِ الذى كان دخَل فى أمرِه على
قاتليه بُقَامِه بين أظهرٍ قومِه مِن المشركين، وظنّهم أنه ألقى السَّلَمَ إلى المؤمنين تعوَّذًا
منهم ، ولم يُعاِبْهم على قتلِهِم إيَّه مشركًا، فيقالُ: / كما كان كافرًا كنتُم كفَّارًا،
بل لا وجة لذلك؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه لم يُعاتِبْ أحدًا مِن خلقِه على قتلٍ محاربٍ للَّهِ
ولرسولِه مِن أهلِ الشركِ بعدَ إذنه له بقتله .
٢٢٧/٥
واخْتَلف أيضًا أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿فَمَرَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛
فقال بعضُهم: معنى ذلك: فمَنَّ اللَّهُ عليكم بإظهارِ دينه، وإعزازِ أهلِه، حتى
أظهروا الإسلامَ بعدَ ما كانوا يَكْتُمونه مِن أهلِ الشركِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيبٍ بنِ أبِى عَمْرَةً، عن
سعيد بن جبيرٍ: ﴿فَمَرََّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: فَأَظْهَر الإسلام .
وقال آخرون: معنى ذلك: فمَنَّ اللَّهُ عليكم، أيها القاتلون الذى ألقى إليكم
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٤/١٠، ١٢٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٢/٣ (٥٨٣٨) من طريق
و کیع به .
٣٦٥
سورة النساء : الآيتان ٩٤ ، ٩٥
السَّلَمَ طَلَبَ عرّضِ الحياةِ الدنيا بالتوبةِ مِن قتلِكم إيَّه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ [١١٥/١٢ ظ] عَلَيْكُمْ﴾. يقولُ: تاب اللَّهُ عليكم(١).
وأَوْلی التأویلین فی ذلك بالصواب ، التأويلُ الذی ذكّونا عن سعيد بن جبيرٍ ؛ لما
ذكَوْنا مِن الدلالةِ على أن معنى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾. ما وصَفْنا
مِن(٢) قبلُ، فالواجبُ أن يكونَ عَقِيبَ ذلك: ﴿فَمَرْ جَ اُللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ . برفعِ
ما كنتم فيه مِن الخوفِ مِن أعدائِكم عنكم بإظهارِ دِينِه، وإعزازِ أهلِه، حتى
أَمْكنكم إظهارُ ما كنتم تَشْتَخْفُون به، مِن توحيدِه وعبادته، حذارًاً(١) مِن أهلِ
الشركِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غيّرُ أُوْلِي
الضَّرَرِ وَالْمُجَِّدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ .
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ﴾: لا يَعْتَدِلُ المتخلِّفون عن الجهادِ فى سبيلِ اللَّهِ
مِن أَهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه، المُؤثِرون الدَّعَةَ والخَفْضَ والقعودَ فى منازلهم، على
مقاساةٍ حُزُونَةٍ(٤) الأسفارِ ، والسيرِ فى الأرضِ، ومشقّةٍ ملاقاةٍ أعداءِ اللَّهِ بجهادِهم
فى ذاتِ اللَّهِ ، وقتالِهِم فى طاعةِ اللَّهِ، إلا أهلُ العذرِ منهم بذَّهَابٍ أبصارهم ، وغيرِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٢/٣ (٥٨٤٠) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) فى ص، م، ت ٢: ((حذرًا)).
(٤) فى الأصل: (( حروبهم)). والحزونة: الخشونة . اللسان (ح ز ن).
..... 7
٣٦٦
سورة النساء : الآية ٩٥
ذلك مِن أهلِ(١) العللِ التى لا سبيلَ لأهلِها - للضررِ الذى بهم - إلى قتالهم
وجهادِهم فى سبيلِ اللَّهِ، والمجاهدون فى سبيلِ اللَّهِ، ومنهاج دينه؛ لتكونَ كلمةُ
اللَّهِ هى العليا، المستغرِغون طاقتَهم فى قتالٍ أعداءِ اللَّهِ وأعداءٍ دينِه (٢) بأموالهم،
[١٦/١٢ ١ و] إنفاقًا لها فيما أوْهَن كيدَ أعداءِ أهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبأنفسِهم ، مباشرةً بها
قتالَهم، بما تكونُ به كلمةُ اللَّهِ العاليةَ، وكلمةُ الذين كفروا السافلةً .
٢٢٨/٥
/واخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَةِ أهلِ
المدينةِ ومكةَ والشامِ (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نصبًا (٣) ، بمعنى: إلا أولى الضررِ. وقرَ أ ذلك
عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ العراقِ والكوفة والبصرةِ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الشَّرَرِ﴾ برفعٍ ((غير)) على
مذهب النعتِ للقاعدين(٤).
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). بنصبٍ ((غير))؛
لأن الأخبارَ متظاهرةٌ بأن قولَه : (غيرَ أُولى الضَّرَرِ). نزَل بعدَ قولِه: ( لا يَشْتَوِى
القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ). استثناءً مِن
قوله : لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ .
ذكرُ(٥) الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ علىِّ الجَهْضَمِىُّ، قال : ثنا الُغْتَمِرُ بنُ سلیمانَ ، عن أبيه ، عن أبى
-
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فی م: ( دینهم) .
(٣) قرأ بها نافع وأبو جعفر والكسائى وابن عامر وخلف. السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٧، والنشر
١٨٩/٢.
(٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ويعقوب . المصدر السابق .
(٥) بعده فى م: (( بعض)) .
٣٦٧
سورة النساء : الآية ٩٥
إسحاقَ، عن البراءٍ، أن رسولَ اللّهِ عَّاتٍ قال: ((ائتونى بالكتفِ واللوحِ، فكتب:
( لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ) وعمرُو بنُ أُمّ مكتومٍ خلفَ ظهرِهِ،
فقال: هل لى مِن رخصةٍ يا رسولَ اللَّهِ؟ فنزلت (غيرَ أُولى الضَّرَّرِ)))(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبو بكرٍ بِنُ عيَّاشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ،
قال: لمَّ نَزَلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾. جاء ابنُ أَمَّ مكتومٍ وكان
أعمَى، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، كيف وأنا أعمى؟ فما برح حتى نزلت: (غيرَ أُولى
(٢)
الضَّرَرٍ)(٢).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبى(٢) إسحاقَ، عن
البراءِ بنِ عازبٍ فى قوله: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾
قال: [١٦/١٢ ١ ظ] لمَّ نزَلت جاء عمرُو بنُ أُمَّ مكتومٍ إلى النبى عليه السلامُ، وكان
ضريرَ البصرِ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما تَأْمُرُنى، فإنى ضريرُ البصرِ، فَأَنْزَل اللَّهُ هذه
الآيةَ، فقال: ((ائتونى بالكتفِ (٤) والدواةِ، أو اللوحِ وَالدواةِ)) (١).
حدَّثنى (" إسماعيلُ بنُّ إسرائيلَ السلالُ(٢) الرَّمْلىّ) ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ
(١) أخرجه الترمذى (١٦٧٠)، والنسائى (٣١٠١)، وابن حبان (٤١) عن نصر بن على الجهضمى به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٢ إلى ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن الأنبارى فى المصاحف، والبغوى فى معجمه.
(٢) أخرجه النسائی (٣١٠٢) عن محمد بن عبيد ، عن أبى بكر بن عياش به .
(٣) فى ص، ت ١، س: ((ابن)). وهو تحريف. وقد ورد على الصواب مرارا.
(٤) الكتف : عظم عريض يكون فى أصل كتف الحيوان ، كانوا يكتبون فيه ؛ لقلة القراطيس عددهم. النهاية (ك ت ف).
(٥) أخرجه أحمد ٤ / ٢٩٩،٢٩٠ (١٨٥٧٩، ١٨٦٧١ - ميمنية)، والترمذى (٣٠٣١) من طريق وكيع
به، وأخرجه الطحاوى فى المشكل (١٥٠٢) من طريق الفريابى عن سفيان به .
(٦ - ٦) فى م، ت ١، ت ٢، س: ((محمد بن إسماعيل بن إسرائيل الدلال المصرى)). وانظر ترجمته فى
الجرح والتعديل ١٥٨/٢ (٥٣٣).
(٧) فى ص: ((الدلال)). وانظر السابق .
٣٦٨
سورة النساء : الآية ٩٥
ابنِ المُغيرةِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءٍ أنه قال: لمَّ نزلت
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كلَّمه ابنُ أُمّ مكتوم، فَأَنْزِلت (غيرَ أُولى
(١)
الضَّرَرٍ)(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنُّنَى، قال: ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى(٢)
إسحاقَ أنه سمِع البراءَ يقولُ فى هذه الآيةِ: (لا يَشْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
والمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ)(٢): فأمَر رسولُ اللَّهِ عَلِ زِيدًا، فجاء بكتفٍ فكتبها،
قال : فشكا إليه ابنُ أُمّ مكتومٍ ضرارتَه(4) ، فنزلت: (لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
غَيْرَ أُوْلِ الضَّرَرِ)(٥) .
قال شعبةُ: وأخبرنی سعدُ(١) بُ إبراهيم ، عن أبيه، عن رجل ، عن زيد فى
هذه الآيةِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾ مثلَ حديثِ البَرَاءِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال : ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبى سِنَانِ الشَّيْبانىّ ، عن
أبى (٢) إسحاقَ، عن زيدِ بنِ أَرْقَمَ، قال: لَّ نَزَلتْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ
٢٢٩/٥ . المُؤمِنِينَ والمجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ). جاء / ابنُ أمّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ،
(١) أخرجه مسلم (١٨٩٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٢٣/٣ (٥٨٤٥) من طريق مسعر به.
(٢) فى م: ((ابن)).
(٣) بعده فى ص، م: ((قال)).
(٤) فى الأصل: ((ضرره)). والضرارة: العمى. وهى من الضَّرّ: سوء الحال. التاج (ض رر).
(٥) أخرجه مسلم (١٨٩٨) عن ابن المثنى وابن بشار، عن محمد بن جعفر به ، وأخرجه الطيالسى
(٧٤٠)، والبخارى (٢٨٣١، ٤٥٩٣)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٣١، وغيرهم من طرق
عن شعبة به .
(٦) فى الأصل: (سعيد)).
٣٦٩
سورة النساء : الآية ٩٥
:
مالي من (١) رخصةٍ؟ فقال(٢): لا. قال ابنُّ أُمّ مكتوم: اللهمّ، إنى ضريرٌ فرَخّصْ لى،
فَأَنْزِل اللَّهُ: (غيرَ أُولِى الضَّرَرِ)، فأمَر(٣) رسولُ اللَّهِ عَلِ فكتَبها، يعنى:
الكاتب(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا : ثنا بشرُ بنُ
المُفُضَّلِ، عن عبد الرحمنِ بنِ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، عن سهلٍ بن سعدٍ (٥) ، قال:
رأيتُ مروانَ بنَ الحكم جالسًا ، فجئتُ حتى جلستُ إليه، فحدَّثنا أن زيدَ بنَ ثابتٍ
حدَّثه ((أن رسولَ اللَّهِ وَمِ أملَى(٢) عليه: (لا يَشْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ
والمجاهِئُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ). [١١٧/١٢ و] قال: فجاء ابنُ أَمّ مكتوم وهو يُمْلِيها علىَّ،
فقال: يا رسولَ اللَّهِ، لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدْتُ، قال: فَأَنْزَل اللَّهُ عليه وفخذُه على
فخذِى ، فثقُلت (٧ حتى ظننتُ أن سترضُ) فخذى، ثم سُرِّى عنه، فقال: (غَيْرَ
أُوْلِ الضَّرَرِ)(٨).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌّ، عن
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((قال)).
(٣) فى ص، م: ((وأمر)).
(٤) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٥٠٥٣) من طريق أبي كريب به، وانظر الفتح ٨/ ٢٦١.
(٥) فى الأصل: ((سعيد)). وهو تحريف .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أنزل)).
(٧ - ٧) فى ص، م: ((فظننت أن ترض)). ورَضَّ الشىء يرضُّه رضًّا: كسره. اللسان (رض ض).
(٨) أخرجه النسائى (٣٠٩٩) عن محمد بن عبد الله بن بزيع - وحده - به، وأخرجه ابن سعد ٢١٢/٤،
والطبرانى (٤٨١٤) من طريق بشر بن المفضل به، وأخرجه الطبرانى (٤٨١٥) من طريق عبد الرحمن بن
إسحاق به ، وأخرجه ابن سعد ٤/ ٢١١، وأحمد ١٨٤/٥ (٢١٦٤٢ - ميمنية)، والبخارى (٢٨٣٢،=
( تفسير الطبرى ٢٤/٧ )
!
٣٧٠
-
سورة النساء : الآية ٩٥
الزُّهْرِىِّ، عن قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: (( كنتُ أَكْتُبُ لرسولٍ
اللّهِ عَمِ، فقال: ((اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ فِى سَبِيلٍ
اللَّهِ) )). فجاء عبدُ اللَّهِ بِنُ أُمّ مكتوم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، إنى أُحِبُّ الجهاد فى سبيل
اللَّهِ ، ولكنَّ بى مِن الزَّمانةِ ما قد تَرَى، قد ذهَب بصَرِى، قال زيدٌ: فثقُلت فَخِذُ
رسولِ اللهِ عليه السلامُ على فخذى حتى خشِيتُ أن تَرْضَّها، ثم قال: ((اكْتُبُ: (لَّا
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) (١)).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ نجريجٍ،
قال: أخبرنى عبدُ الكريم أن مِقْسمًا مولى عبدِ اللَّهِ بنِ الحارثِ أُخْبَره أن ابنَ عباسٍ
أُخْبَره، قال: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ "عن ابن جريج" ، قال :
أخبرنى عبدُ الكريم أنه سمِع مِفْسَمًا يُحَدِّثُ عن ابنِ عباسٍ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿لَّا
يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ. لََّ( نزَل غزوُ بدرٍ" ،
قال عبدُ اللَّهِ بنُ أُمّ مكتومٍ وأبو أحمدَ بنُ جحشٍ بن قيسٍ الأسدىُّ: يا رسولَ اللَّهِ ،
= ٤٥٩٢)، والترمذى (٣٠٣٣)، والنسائى (٣١٠٠)، وابن الجارود (١٠٣٤)، والطحاوى فى المشكل
(١٤٩٧)، والبيهقى ٢٣/٩ وغيرهم من طرق عن الزهرى به، وعزاه السيوطى فى الدر ٢٠٢/٢، ٢٠٣ إلى
المصنف ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبى داود ، وأبى نعيم فى الدلائل.
(١) تفسير عبد الرزاق ص ١٦٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٣/٣ (٥٨٤٦) من طريق الحسن
به، ومن طريقه عبد الرزاق ، أخرجه أحمد ١٨٤/٥ (٢١٦٤١ - ميمنية)، والطبرانى (٤٨٩٩).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٣/٣ (٥٨٤٨) عن الحسن بن يحيى
به ، وأخرجه البخاری (٤٥٩٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٢/٣ (٥٨٤٤) من طريق عبد الرزاق به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، م، س.
(٤ - ٤) فى الأصل: ((نزل عن)). وفى م: ((نزلت غزوة).
٣٧١
سورة النساء : الآية ٩٥
إِنَّا(١) أعميان، فهل لنا رخصةٌ؟ فنزَلت: (لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِ
الضَّرَدِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَنْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
عَلَى الْقَاهِدِينَ دَرَبَةُ)(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ [١١٧/١٢ ] المُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) فسمِع بذلك عبدُ اللَّهِ بنُ أُمَّ مكتومِ الأعمى ، فأتى
رسولَ اللّهِ صَلَه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، قد أمرَكَ(٣) / اللَّهُ فى الجهادِ ما قد علِمْتَ وأنا
رجلٌ ضريرُ البصرِ لا أستطيعُ الجهادَ، فهل لى مِن رُخصةٍ عندَ اللَّهِ إِن قعَدْتُ ؟ فقال له
رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((ما أُمِرْتُ فى شأنِك بشىءٍ ولا(1) أَذْرِى هل يَكُونُ لك
ولأصحابِك من رُخْصَةٍ؟ )). فقال ابنُ أُمَّ مكتوم: اللهمّ إنى أَنْشُدُك بصَرِى! فأَنْزَل
اللَّهُ بعدَ ذلك على رسولِهِ مَه، فقال: (لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِ
الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ). إلى قوله: ﴿عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَةُ﴾(٥).
٢٣٠/٥
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا حكّام، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ ، قال :
نزّلت: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ) فقال رجلٌ
أعمى: يا نبيَّ اللَّهِ، فأنا أُحِبُّ الجهادَ ولا أَسْتَطِيعُ أن أُجاهِدَ، فنزلت: ﴿غَيْرَ أُؤْلِ
(١) فى م: ((إننا)).
(٢) أخرجه الترمذى (٣٠٣٢)، والنسائى فى الكبرى (١١١١٧)، والطحاوى فى مشكل الآثار (١٤٩٦)،
والبيهقى ٤٧/٩ من طريق حجاج به، وأخرجه البخارى (٣٩٥٤) من طريق هشام عن ابن جريج به
مختصرًا، وعزاه السيوطى أيضا فى الدر المنثور ٢٠٣/٢ إلى ابن المنذر. وانظر الفتح ٢٦٢/٨.
(٣) فى م: ((أنزل)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، س: ((ما)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى المصنف.
AMJUil : AMbAHI1 29777
٣٧٢
سورة النساء : الآية ٩٥
(١)
الشَّرَرِ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُّ إبراهيم ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ شدَّادٍ ، قال: لمّ نزلت هذه الآيةُ فى الجهادِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
قال عبدُ اللَّهِ بِنُ أُمّ مكتومٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنى ضريرٌ كما تُرَى، فَنزَلت: (غَيْرَ أُوْلِي
(٢)
القَّرَرِ)(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّا
يَسْتَوِىَ الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم(٢) عذَر اللَّهُ أهلَ العُذْرِ مِن الناسِ، فقال: (غَيْرَ
أُوْلِ الضَّرَرِ ). كان منهم ابنُ أَمّ مكتومٍ، ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِمْ﴾(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشّدِّئِّ: (لَّا يَسْتَوِى الْقَلِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِ الشَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سِبِيلِ اللَّهِ )
إلى قوله: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْفَى﴾: لمّا ذُكِر فضلُ المجاهدين(٥)، قال ابنُ أُمّ
مكتومٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنى أعمى ما(٦) أُطِيقُ الجهادَ. فَأَنْزَل اللَّهُ فيه: (غَيْرَ أُوْلِ
• (٧)
اُلْضَّرَرِ)(٢).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٦٨٢ - تفسير) من طريق حصين به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٤/٢ إلى عبد بن حميد .
(٣) بعده فى ص: ((أنزل)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى عبد بن حميد.
(٥) فى ص، م: ((الجهاد)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((ولا)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى المصنف.
٣٧٣
سورة النساء : الآية ٩٥
حدَّثنى المُتَّى، قال: ثنا (١ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ) التُّفَتِىُ، قال: ثنا زهيرُ بنُ
معاويةً، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءٍ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللَّهِ عَمِ ، فقال لى:
((ادعُ لى زيدًا وَقُلْ له: اثْتِ(٢)). أو: ((يَجِىءُ بالكَتِفِ والدواةِ)). أو ((اللوحِ
والدواةٍ)). الشكُّ من زُهيرِ ((اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى الفَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ))). فقال ابنُ أمّ مكتومٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إن بعينيَّ ضررًا. فنزلت قبلَ أن
يَتْرَعَ: (غَيْرَ أُوْلِ الضَّرَرِ)(١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ رجاء البصرىُّ(٤) ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن
أبى إسحاقَ، عن البراءِ بنحوِه، إلا أنه قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((ادعُ لى زيدًا،
وَلْتَجِئْ(٥) معَه بَكْتِفٍ ودَوَاةٍ ، أو لوحٍ ودَوَاقٍ))(٦).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (٢ ◌ُبِيدُ اللَّهِ) بنُ موسى، عن
إسرائيلَ، عن زِيادٍ بِنِ فِيَاضٍ، عن أبى عبد الرحمنِ، قال: لمّ نزَلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى
الْقَاعِدُونَ﴾. قال عمرُو بنُّ أمّ مكتومٍ: يا ربِّ ابْتَليتنى / فكيف أَصْنَعُ؟ قال: فنزلت: ٢٣١/٥
(غيرَ أُولى الضَّرَّرِ)(٨).
(١ - ١) فى الأصل: ((عبد اللَّه بن محمد)). وفيه قلب. وينظر تهذيب الكمال ٨٨/١٦،
والأنساب ٥١٦/٥.
. (٢) فى م: ((يأتى)).
(٣) أخرجه أحمد ٣٠١/٤ (١٨٧٠١ - میمنیة)، والبغوی فی الجعدیات (٢٥٢٣) من طریق زهير عن أبی
إسحاق به .
(٤) فى ص: ((المصرى)). وهو تحريف. وينظر تهذيب الكمال ٤٩٥/١٤.
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، س: ((وليجثنى)).
(٦) أخرجه البخارى (٤٥٩٤، ٤٩٩٠) من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق به .
(٧ - ٧) فى الأصل: ((عبد الله)).
(٨) أخرجه ابن سعد ٢١٠/٤ من طريق عبيد الله بن موسى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى
عبد بن حميد .
٧٦٠٠
٣٧٤
سورة النساء : الآية ٩٥
« حدَّثنا سعيدُ بنُّ الربيع المرائيُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن
الزهرىِّ، قال: قال زيدُ بنُ ثابتٍ، كنتُ عندَ النبيِّ مَّ ◌َّهِ أَكْتُبُ ما يُمْلِى علىَّ - قال
سعيدٌ: قال سفيانُ : وكان أهلُ المدينةِ يُسَمُونه كاتبَ الوحي - قال: وفَخِذُه على
فخذى، قال: فنزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. اعترض ابنُ أمّ
مكتوم، فقال النبىّ اهم: (((غير أولى الضررِ))). فثقلت فخذه على فخذى حتى
كادت أن تُحْطَمَ ) .
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: (غيرَ أُولِى الضَّرَرِ) نحوًا مما قلنا .
حدّثنی المثنّی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىّ عن ابنِ عباسٍ
قولَه : (غَيْرَ أُوْلِ الشَّرَرِ ). قال: أهلُّ الضررِ(٢) .
(٣ حدَّثنا ابنُّ سنانِ البزارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا
عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ كليبِ الجَزْمُ، حدَّثنى أبى ، أن خالى
الفَلَتَانَ بنَ عاصم حدَّثه، قال: كُنَّا قعودًا عندَ النبيِّ عَّمِ فأنزل اللَّهُ، وكان إذا أُنْزِل
عليه دام بصرُه مفتوحةً عيناه وفرَّغْ سمعَه [١١٨/١٢ ظ] وبصرّه لَما يأتيه من اللَّهِ . قال:
وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك فى وجهِه. قال: فلمَّا فرَغْ قال للكاتبِ: ((اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى
القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ))). إلى آخرٍ
الآيةِ . قال : فقام الأعمى فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، ما ذنبنا؟ فأنزل اللَّهُ على رسوله عليه
السلامُ، فقلتُ للأعمى: إنه يُنْزَلُ عليه. قال: فخاف أن يكونَ فيه شىءٌ . قال: )
-
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س. وقد تقدم تخريجه فى ص ٣٦٩.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٣/٣ (٥٨٤٧). من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م .
٣٧٥
سورة النساء : الآية ٩٥
" فبقِى قائمًا مكانَه يقولُ: أتوبُ إلى اللَّهِ! حتى فرغ رسولُ اللَّهِ عْظٍَّ فقال للكاتبِ:
((اكتُبْ: (غَيْرَ أُولى الضَّرَرِ))().
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾: فضَّل اللَّهُ المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على
القاعدين مِن أُولى الضررِ درجةٌ واحدةٌ ، يعنى فضيلةٌ واحدةٌ ، وذلك بفضلٍ جهادِه
بنفسِه ، فأمَّا فيما سوى ذلك فهما مستويان .
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، أنه
سمِعِ ابنَ مجريجٍ يقولُ فى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ
دَرَجَةُ﴾. قال: على أهلِ الضررِ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَتِهِدِينَ
٩٥
عَلَى [١٩/١٢ ١ و] اُلْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾:
وعَد(٣) اللَّهُ الكلَّ من المجاهدين بأموالهم وأنفسِهم، والقاعدين مِن أُولى الضرر
(١ - ١) سقط من: ص، م. وقد أخرجه ابن أبى شيبة فى مسنده كما فى الإصابة ٣٧٨/٥، والبزار فى
مسنده (٣٦٩٩)، وأبو يعلى (١٥٨٣)، وابن حبان (٤٧١٢)، والطبرانى ٣٣٤/١٨ (٨٥٦) من طرق عن
عبد الواحد بن زياد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٣/٢، ٢٠٤ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٣/٣ (٥٨٤٩) من طريق عبدة عن ابن المبارك، عن أبى الحسن به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى ابن المنذر .
(٣) فى الأصل: ((ووعد)).
٤.٦٠٠٠-
٣٧٦
سورة النساء : الآيتان ٩٥ ، ٩٦
الحسنى . ويعنى جل ثناؤه بالحسنى : الجنةً .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكلًّا
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَ﴾. وهى الجنةُ، واللَّهُ يُؤْتِى كلَّ ذى فضلٍ فضلَه (١).
.... . ...
-- ...
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشُّدِّىّ ، قال : الحسنى الجنةُ .
وأمَّا قولُه: ﴿وَقَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فإنه يعنى:
وفضَّل اللَّهُ المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين مِن غيرِ أولى الضررِ أجرًا
عظيمًا .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجَّاج، عن ابنِ مجريجٍ :
﴿ وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٥ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾. قال: على
القاعدين من المؤمنين غيرِ أولى الضررِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا@﴾.
قال أبو جعفرٍ، رحِمه اللَّهُ: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾: فضائلَ
منه ومنازلَ مِن منازل الكرامةِ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى الدرجاتِ التى قال اللَّهُ عز وجل:
﴿دَرَجَتٍ مِنْهُ﴾ ؛ فقال بعضُهم بما حدثنا به بشُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا یزیدُ ، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ﴾: كان يقالُ: الإسلامُ درجةٌ ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى عبد بن حميد والمصنف وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى المصنف. وينظر ما تقدم فى ص ٣٧٥ .
٠
٣٧٧
سورة النساء : الآية ٩٦
والهجرةُ فى الإسلام درجةٌ ، والجهادُ [١١٩/١٢ ظ] فى الهجرةِ درجةٌ، والقتلُ فى
ـ(٢)
الجهادِ درجةٌ (١) .
/وقال آخرون بما حدَّثنی به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: سألتُ ابنَ ٢٣٢/٥
زيدٍ، عن قولِ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا
عَظِيمًا
دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾. قال: الدرجاتُ: هى السبعُ التى ذكرها اللَّهُ فى سورةِ
٩٥
((براءة)): ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَبِ أَنْ يَتَخَلَّقُواْ عَنْ
رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ خَظَمَأْ وَلَا
نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. قال: هذه السبعُ الدرجاتِ. قال: وكان أوَّلَ شىءٍ،
فكانت درجةُ الجهادِ مجملَةً ، فكان الذى جاهَد بمالِه له اسمٌ فى هذه ، فلمَّا جاءت
هذه الدرجاتُ ("والتفضيل٣ُ) أُخْرِج منها، ولم يكن له منها إلا النفقةُ. ثم قرأ: ﴿لَا
يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ﴾. وقال: ليس هذا لصاحبِ النفقةِ. ثم قرأ: ﴿ وَلَا
يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ﴾. قال: وهذه نفقةُ القاعدِ(٤) .
وقال آخرون: عُنِى بذلك درجاتُ الجنةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىٌّ بنُّ الحسنِ الأَزْدِىُّ، قال : ثنا الأَشْجَعُّ ، عن سفيانَ ، عن هشامِ بنِ
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س: ((والإسلام فى الهجرة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤٥/٣ (٥٨٥٩) من طريق يزيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٤/٢ إلى ابن المنذر .
(٣ - ٣) فى ص، م، ت٢،: ((بالتفصيل))، وفى ت١ ((بالتفضيل)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/٢ إلى المصنف.
٣٧٨
سورة النساء : الآية ٩٦
حسَّانَ، عن جَبَلَّةَ بن سُحَيْمِ (١)، عن ابنِ مُحَيْرِيٍ فى قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ
بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾. إلى قولِه: ﴿دَرَجَتٍ مِّنْهُ﴾. قال:
الدرجاتُ سبعون درجةً، ما بينَ الدرجتين محُضْر٢ٌ الفرسِ الجوادِ المُضَمَّرِ (١)
=(٤)
سبعين سنةً(٤) .
وأَوْلَى التأويلاتِ بتأويلٍ قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ﴾ . أن يكون معنًّا به درجاتُ
الجنةِ، كما قال ابنُ مُحَيْرِيزٍ؛ لأن قولَه تعالى ذكره: ﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ ﴾. ترجمةٌ
وبيانٌ عن [١٢٠/١٢و] قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ومعلومٌ أن الأجرَ إنما هو الثوابُ
والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، و(٥) كانت الدرجاتُ والمغفرةُ والرحمةُ ترجمةً
عنه، كان(٦) معلومًا أن(٥) لا وجهَ لقولٍ مَن وجّه معنى قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾. إلى
الأعمالِ وزيادتها على أعمالِ القاعدين عن الجهادِ كما قال قتادةُ أو(٧) ابنُ زيدٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيحَ من تأويلٍ ذلك ما ذكّرْنا ، فبيِّنٌّ أن
معنى الكلام: وفضَّل اللَّهُ المجاهدين فى سبيلِ اللَّهِ على القاعدين مِن غيرٍ أَولى الضرَرِ
أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلاً، وهو درجاتٌ أعطاهموها فى الآخرةِ مِن درجاتِ الجنةِ ،
(١) فى م: ((سخيم)) وهو تصحيف. وانظر تقريب التهذيب ٢١٠/١ (٨٩٧).
(٢) الحضر - بالضم - : العَذْو. وأحضر يحضر فهو محضرّ إذا عدا . النهاية (ح ض ر).
(٣) فى الأصل: ((المصبر)).
(٤) فى الأصل: ((درجة)). وقد أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره فى ١٠٤٤/٣ (٥٨٥٦) من طريق أبى
معاوية عن هشام بن حسان به ، وفى ١٠٤٥/٣ (٥٨٥٧) من طريق سفيان عن هشام به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٥) سقط من : الأصل .
(٦) فى الأصل: ((وكان)).
(٧) فى م: ((و)).
AHMANI VEMAIL
.Im
٣٧٩
سورة النساء : الآيات ٩٦ - ٩٩
رفَعهم بها على القاعدين بما أَبْلَوْا فى ذاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَغْفِرَةً﴾. يقولُ: وصفَح لهم عن
ذنوبِهم، فتفضَّل عليهم بتركٍ عقوبتهم عليها، ﴿ وَرَحْمَةٌ﴾. يقولُ: ورأفةً بهم،
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. يقولُ: ولم يزلِ اللَّهُ غفورًا لذنوبِ عباده المؤمنين،
يصفخُ لهم عن العقوبةِ عليها ، رحيمًا بهم ، بتفضُّلِه عليهم بنعمِه ، مع خلافِهم أمرَه
ونھیه، ور کوبهم معاصيه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ
كُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَمْ تَكُنْ أَرْضُ الَّهِ وَسِعَةً فَُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ
جَهَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (٦) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿ فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (@)﴾
/قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ ٢٣٣/٥
الْمَئِكَةُ﴾: إن الذين تَقْبِضُ أرواحهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى:
مُكْسِبِى أنفسِهم غضبَ اللَّهِ وسخطَه. وقد بيّنَّا معنى الظلم فيما مضى قبلُ(١)،
﴿ قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾. يقولُ: قالت الملائكةُ لهم: فيمَ كنتم؟ فى أىِّ شىءٍ كنتم مِن
دينكم؟ ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضَِّ﴾. يعنى: قال الذين توفَّهم الملائكةُ ظالمى
أنفسِهم: كنّا مستضعَفينَ فى الأرضِ، يَسْتَضْعِفُنا أهلُ الشركِ باللَّهِ فى أرضِنا وبلادِنا،
بكثرةٍ عَددِهم وقوَّتِهم فيَمْنَعونا مِن الإيمانِ باللَّهِ، واتباع نبيّه عليه السلامُ. معذرةٌ
ضعيفةٌ، وحُجَّةٌ واهيةٌ ، ﴿ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَّاً﴾. ( يعنى قالت
لهم الملائكةُ الذين يتوقَّوْنهم: ﴿ أَلَمَّ تَكُنَّ أَرْضُ الَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾(١). يقولُ:
فتَخْرُجوا مِن أرضِكم ودُورٍكم، وتُفارِقوا مَن يَمْتَعُكم بها مِن الإيمانِ باللَّهِ ، واتباعِ
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠ .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
٣٨٠
سورة النساء : الآيات ٩٧ - ٩٩
رسولِه عَّه إلى الأرضِ التى يَمْتَعُكم أهلُها مِن سلطانٍ أهلِ الشركِ باللَّهِ، فتُوَحّدوا اللَّهُ
فيها فتَعْبُدُوه، وتَتَّبِعُوا نبيَّه عَّهِ، يقولُ اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿فَأُوْلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهٌَ﴾ :
أى فهؤلاء الذين وصّفتُ لكم صفتَهم، الذين تَوقَّهُم الملائكةُ ظالى أنفسِهم،
مَأْوَهُمْ جَهٌَّ﴾. يقولُ: مصيرُهم فى الآخرةِ جهنمُ، وهى مسكنُهم،
﴿ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. يعنى: وساءت جهنمُ لأُهلِها الذين صاروا إليها مصيرًا
ومسكنًا ومأوى .
ثم اشْتَثْنى جل ثناؤه المستضعَفينَ الذين اسْتَضعفهم المشركون من الرجال
والنساءِ والولدان ؛ وهم العَجَزةُ عن الهجرةِ بالعُشْرَةِ وقلَّةِ الحيلةِ وسوءِ البصرِ والمعرفةِ
بالطريقٍ مِن أَرضِهم، أرضِ الشركِ إلى أرضٍ الإسلامِ مِن القومِ الذين أُخْبَر جل ثناؤه
أن مأواهم جهنمُ ، أن تكونَ جهنمُ مأواهم، للعذرِ الذی هم فيه ، على ما بينه تعالی
ذكره .
ونصَب (المستَضعَفِينَ) على الاستثناءِ مِن الهاءِ والميم اللتين فى قولِه :
فَأُؤْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهٌَّ﴾. يقولُ اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿فَأُؤْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ
ج
. يعنى: هؤلاء المستضعَفينَ، يقولُ: لعلَّ اللَّهَ أن يَعْفُوَ [١٢١/١٢و] عنهم
للعذرِ الذى هم فيه وهم مؤمنون، فَيَتَفَضَّلَ عليهم بالصفحِ عنهم فى تركهم
الهجرةَ؛ إذ لم يَتْرُكوها اختيارًا، ولا إيثارًا منهم لدارِ الكفرِ على دارِ الإسلامِ،
ولكن للعجزِ الذى هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ " عَفُوًّا غَفُورًا )﴾ .
يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّهُ ﴿عَفُوّ﴾. يعنى: ذا صفحِ بفضلِه عن ذنوبٍ عبادِه، بتركِه
العقوبةَ عليها، ﴿غَفُورًا﴾: ساترًا عليهم ذنوبَهم بعفوِه لهم عنها .
(١ - ١) فى ص: ((غفورًا رحيمًا)).
:
..-------