النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
سورة النساء : الآية ٨٨
والإزكاسُ الردُّ، ومنه قولُ أُميةَ بن أبى الصَّلْتِ الثقَفِىَّ(١):
كانوا ◌ُصاةً وقالوا الإِفْكَ والزُّورًا
فأُزْكِسوا فى حَمِيمِ النارِ أَنَّهُمُ
پقالُ منه: أزْ کسھم ورَگسهم .
وقد ذُكِر أنها فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ وأَتَىِّ: (واللَّهُ ركَسَهم) بغيرِ ألفٍ (١) .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم : نزلت فى
اختلافٍ أصحابٍ رسولِ اللّهِ وَّمِ فى الذين تخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ يومَ أُحُدٍ،
واْصَرَفوا إلى المدينةِ، وقالوا لرسولِ اللَّهِ مَ﴾ ولأصحابِه: لو نعلَمُ قتالًا لاتَتَغناكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الفضلُ بنُّ داودَ(٣) الواسطى، قال: ثنا أبو داودَ ، عن شعبةً، عن عدىِ بنِ
ثابتٍ ، قال : سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بِنَ يزيدَ الأَنْصارىَّ يُحَدِّثُ عن زيد بن ثابتٍ ، أن النبىّ
عَاجٍ لمّ خرَج [٨٧/١٢و] إلى أُحدٍ، رجَعَت طائفةً من كان معه، فكان أصحابُ النبيِّ
◌ٍَّ فيهم فرقتَيْ؛ فرقةٌ تَقولُ: نَقْتُلُهم. وفرقةً تقولُ: لا. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَا
لَكُمْ فِى الْمُكَفِقِينَ فِتَتَيْنِ وَاللّهُ آزکسَهُم پِمَا كَسَبُواْ ﴾ الآية . قال رسولُ اللهِ ټے فى
المدينةِ: ((إنها طَئِيةُ، وإنها تَنَّفِى خَيْثَها كما تَنْفِى النارُ حَبَثَ الفِضَّةِ))(٤) .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عدىٍّ بنِ
(١) ديوانه ص ٤٩ .
(٢) وهى قراءة شاذة. ينظر تفسير القرطبى ٣٠٧/٥.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((زياد))، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٦٢، وتاريخ واسط ص ٢٤٢.
(٤) أخرجه الطيالسى (٦٠٧، ٦٠٨ - طبعتنا)، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٢/٣، ١٠٢٣
(٥٧٣٩). وأخرجه أحمد ٥/ ١٨٤، ١٨٧، ١٨٨، ٢٨٧ (الميمنية)، وعبد بن حميد (٢٤٢)، والبخارى
(١٨٨٤، ٤٠٥٠، ٤٥٨٩)، ومسلم (١٣٨٤)، (٢٧٧٦)، والترمذى (٣٠٢٨)، والنسائى فى الكبرى
(١١١١٣) كلهم من طرق عن شعبة به.
٢٨٢
سورة النساء : الآية ٨٨
ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: خرّج رسولُ اللَّهِ
لات، فذكر مثله(١).
حدَّثنی زُرَيقُ بنُ السّخْتِ، قال: ثنا شَبَابَةُ ، ("حدثنا شعبةً) ، عن عدى بنٍ
ثابت ، عن عبدِ اللهِ بنِ یزید، عن زيد بن ثابتٍ ، قال: ذكروا المنافقين عندَ النبىِّ مُٹےٍ ،
فقال فريقٌ : نَقْتُلُهم. وقال فريقٌ: لا نَقْتُلُهم. فَأَنْزَّل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى
اَُْفِقِينَ فِئَتَيِّنِ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٣).
/وقال آخرون: بل نزَلَت فى اختلافٍ كان بينَ أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَ لَّه فى قومٍ
كانوا قدِموا المدينةَ مِن مكةً، فأظْهَروا للمسلمين أنهم مسلمون، ثم رجعوا إلى
مكةَ، فأظْهَرُوا لهم الشركَ .
١٩٣/٥
ذکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو علهم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى نَجيحٍ،
عن مُجاهِدٍ : ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾. قال: قوم خرَجوا مِن مكةً حتى أتَوُا
المدينةَ يَزْعُمون أنهم مُهاجِرون، ثم ارْتَدُّوا بعدَ ذلك، واسْتَأْذَنوا النبىّ ◌َهم إلى مكةً
ليأتُوا بتضائعَ لهم يَنَّجِرون فيها، فاخْتَلَف فيهم المؤمنون، فقائلٌ يقولُ: هم
مُنافِقون . وقائلٌ يقولُ: هم مؤمنون. فبينَّ اللَّهُ نفاقَهم، فأُمرَ بقتالِهم، فجاءوا
بيَضائعِهم يُرِيدون المدينةَ، فلقِيهم (" علىَّ بنُ عُوَّيٍِ أوّ) هلالُ بنُ عُوَيِرِ الأُسْلَيئُّ،
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٦/١٤ عن أبى أسامة به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى الأصل: ((حدثنا سعيد)). وما فى الأصل تحريف.
والمثبت هو الصواب ، فمذار الحديث على شعبة .
(٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٥١٧٢) من طريق شبابة، عن شعبة به .
(٤ - ٤) سقط من: م، وفى الأصل: ((على بن عويمر و)).
٢٨٣
سورة النساء : الآية ٨٨
وبينَه وبينَ النبيِّ ◌َِّ حِلْفٌ، وهو الذى خَصِر صدرُه أن يُقاتِلَ المؤمنين أو يُقاتِلَ قومَه،
فدفَع عنهم بأنهم يؤمُّون(١) هلالًا، وبينَه وبينَ النبيِّ عَمٍ عَهْدّ(١) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابن أبى [٨٧/١٢ظ]
تَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: فبيَّ اللَّهُ نفاقَهم ، وأمَر بقتالهم، فلم يُقاتَلوا
يومَئذٍ ، فجاءوا بتَضائعِهم يُرِيدون هلالَ بنَ غُوَّيِرِ الأسْلَميَّ ، وبينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ
بَّهِ حِلْفٌ ( وقال أيضًا: فدفَع عنهم بأنَّهم يؤمُّون هلالًا ، وبينَه وبين رسولِ اللَّهِ عليه
(٤) ٣)
السلامُ حِلْفٌ (٤)٣) .
وقال آخرون : بل كان اختلافُهم فى قومٍ مِن أهلِ الشركِ ، كانوا أَظْهَروا
الإسلامَ بمكةً، وكانوا يُعِينون المُشْرِكين على المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمَُفِقِينَ فِئَتَيْنٍ﴾: وذلك أن قومًا كانوا
بمكةَ قد تَكَلَّموا بالإسلامِ، وكانوا يُظاهِرون المشركين، فخرجوا مِن مكةَ يَطْلُبُون
حاجةٌ لهم ، فقالوا : إن لقِينا أصحابَ محمدٍ فليس علينا منهم بأسّ . وأن المؤمنين لما
أُخْبِروا أنهم قد خرَجوا مِن مكةً، قالت فئةٌ مِن المؤمنين: اركبوا إلى الْخُثَاءِ فاقْتُلُوهم ،
فإنهم يُظاهِرون عليكم عدوَّكم . وقالت فئة أخرى مِن المؤمنين: سبحانَ اللَّهِ - أو
کما قالوا ۔ تَقْتُلون قومًا قد تگلّموا بمثل ما تگلّمتُم به ، مِن ◌ْلِ أنهم لم يُهاجِروا
(١) فى م: ((يؤمنون)). ومعنى يؤمون : يقصدون .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٤/٣ (٥٧٤٤)، والطحاوى فى
المشكل (٥١٧٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى ص : ( عهد )).
-....
٢٨٤
سورة النساء : الآية ٨٨
ويَتْرُ كوا ديارَهم؟ تُشْتَحَلُّ دماؤهم وأموالُهم لذلك؟ فكانوا كذلك فئتين ، والرسولُ
عليه الصلاةُ والسلامُ عندَهم لا يَنْهَى واحدًا مِن الفريقين عن شىءٍ ، فنزَلَت: ﴿فَمَا
لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِتَتَبْنِ وَاللَّهُ أَزْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوَاْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ﴾
الآية(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِتَتَيْنِ﴾ الآيةَ : ذُكِر لنا أنهما كانا رجلینْمِن قریش ، كانا
مع [٨٨/١٢ و] المشركين بمكةً، وكانا قد تكَلَّما بالإسلام، ولم يُهاجِرا إلى النبيِّ
عَِّ، فلقِيّهما ناسٌ مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَّهِ، وهما مُقْبِلانٍ مِن مكةَ، فقال
بعضُهم: إن دماءَهما وأموالَهما حَلالٌ. وقال بعضُهم: لا تَحِلُّ لكم . فتشاجروا
فيهما، فأَنْزَل اللَّهُ / فى ذلك: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُكَفِقِينَ فِتَتَبْنِ وَاللَّهُ أَرَكَسَهُم بِمَا
كَبُواْ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَأَطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُكُمْ﴾(٢).
١٩٤/٥
حدَّثنا القاسمُ "قال: حدثنا الحسينُ)، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمرِ بنِ راشدٍ ،
قال: بلَغَنى أن ناسًا مِن أهلِ مكةً كتبوا إلى النبيِّ مَّمِ أنهم قد أسْلَموا، وكان ذلك
منهم كذبًا، فلقُوهم، فاخْتَلَف فيهم المسلمون ، فقالت طائفةٌ : دماؤُهم حلالٌ .
وقالت طائفةٌ : دماؤُهم حَرام. فأَنزَل اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِفِينَ فِيَتَيْنِ وَاللَّهُ
أَزْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوَأَ﴾(٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، يقولُ: أُخْبَرَنا مُبِيدٌ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٣/٣ (٥٧٤١) عن محمد بن سعد به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، وينظر تهذيب الكمال ١٦٢/١٢، ١٠٩/٢٥.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩٠/٢ إلى المصنف.
٢٨٥
سورة النساء : الآية ٨٨
قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَتَيِّنِ ﴾: هم ناسٌ
تَخَلَّفوا عن نبيِّ اللّهِ عَمِ، وأقاموا بمكةً ، وأَعْلَنوا الإيمانَ، ولم يُهاجِروا ، فاخْتَلَف
فيهم أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَهِ، فتولَّهم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ مٍَّ، وتبوأَ
مِن وَلايتهم آخرون، وقالوا: تخَلَّفوا عن رسولِ اللَّهِ وَّهِ ، ولم يُهاجِروا. فسمَّاهم
اللَّهُ مُنافِقِين، وبوَأ المؤمنين من وَلايتهم، وأمرهم ألَّ يَتَوَلَّؤهم حتى يُهاجِروا (١).
وقال آخرون : بل كان اختلافُهم فى قومٍ كانوا بالمدينةِ أرادوا الخروجَ عنها
نِفاقًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ [٨٨/١٢ظ]: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِتَتَيِّنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾.
ج
قال: كان ناسٌ مِن المنافقين أرادوا أن يَخْرُجوا مِن المدينةِ، فقالوا للمؤمنين: إنَّا قد
أصابَنا أوْجاع فى المدينةِ وَاتَّخَمْناها(٢) ، فلعلَّنا أن نَخْرُجَّ إلى الظّهْرِ(٣)، حتى نَتماثَلَ ثم
نَرْجِعَ، فإِنا كنا أصحابَ بَرِّيَّةٍ. فَانْطَلَقوا. فاخْتَلَف فيهم أصحابُ النبىِّ يٍَّ ، فقالت
طائفةٌ : أعداءُ اللَّهِ منافقون، ودِدْنا أن رسولَ اللَّهِ عَمِ أذن لنا فقاتَلْناهم. وقالت
طائفةٌ : لا ، بل إِخْواتُنا غمَّتْهم(٤) المدينةُ، فانَّخَموها، فخرجوا إلى الظّهْرِ يَتَزَّهون،
فإذا برَءوا رجَعوا. فقال اللَّهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الُْفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. يقولُ: ما لكم
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٩٠، ١٩١ إلى المصنف.
(٢) اتخمناها : استثقلناها .
(٣) الظهر: ما غلظ من الأرض وارتفع. التاج (ظ هـ ر).
(٤) فى م، س: (( تخمتهم)).
٠
٢٨٦
سورة النساء : الآية ٨٨
تكونون فيهم فئتين، ﴿ وَاللَّهُ أَزْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾(١).
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى اختلافٍ أصحابِ رسولِ اللَّهِ مْفِئَةٍ فى أمر
أهلِ الإفْكِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ
ج
فِى الْمُكَفِقِينَ فِتَنَبِنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ
أَوْلِيَّةَ﴾ . قال : هذا فى شأنِ ابنِ أَتَىِّ حينَ تكَلَّم فى عائشةَ بما تكَلَّم بِه .
" وحدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : إنّ هذه الآيةَ
أُنْزِلت حينَ أَنْزِلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنْفِقِينَ فِئَتَيِّنِ﴾ فقرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ
مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ حَتَّى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِّ ﴾(١). فقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: فإنى أَثْرَأُإلى اللَّهِ وإلى
رسولِه "من فتِه٢) . يُرِيدُ عبدَ اللَّهِ بنَ أَتَىٍّ ابنَ سَلُولَ (٤).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال: نزلت هذه الآيةُ فى
اخْتِلافٍ / أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَ﴾ [٣٨٩/١٢] فى قومٍ كانوا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ بعدَ
إسلامِهم ، مِن أهلِ مكةً. وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ ؛ لأن اختلافَ «أهلِ التأويلِ
فى ذلك إنما هو على (١) قولين؛ أحدُهما) : أنهم قوم كانوا مِن أهلِ مكةً على ما قد
١٩٥/٥
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٤/٣ عقب الأثر (٥٧٤٢) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى م: ((منه)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٢ إلى المصنف، وينظر التبيان ٣/ ٢٨٢.
(٥ - ٥) فى م: ((ذلك إنما هو على قولين التأويل فى أحدهما)).
(٦) بعده فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أحد)).
*
٢٨٧
سورة النساء : الآية ٨٨
ذكَرْنا الروايةَ عنهم. والآخرُ: أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ المدينةِ .
وفى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوِيَّةَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾
أَوْضَحُ الدليلِ على أنهم كانوا مِن غيرِ أهلِ المدينةِ؛ لأن الهجرةَ كانت على عهدٍ
رسولِ اللَّهِ مٍَّ إلى دارِهِ ومدينته مِن سائرٍ أرضٍ الكفرِ، فأمَّا مَن كان بالمدينة فى دارٍ
الهجرةِ مُقِيمًا مِن المنافقين وأهلِ الشركِ، فلم يَكُنْ عليه فرضُ هجرةٍ؛ لأنه فى دارٍ
الهجرة كان وطنُه ومُقَامُّه .
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى نصبٍ قوله: ﴿فِقَتَيْنِ﴾؛ فقال بعضهم: هو
منصوبٌ على الحالِ، كما تَقولُ: ((مالَك قائمًا)). بمعنى ما لك فى حالِ القيامِ،
وهذا قولُ بعضٍ البصريين.
وقال بعضُ نحوبى الكوفيين: هو منصوبٌ على فعلِ ((مالَك)). قال: ولا
تُبالٍ كان المنصوبُ فى (( ما لَك)) معرفةٌ أَو نكرةً. قال: ويَجوزُ فى الكلامِ أَن تَقولَ:
ما لَك السائرَ معنا. لأنه كالفعلِ الذى يُنْصَبُ بـ((كان)) و ((أَظُّ)) وما أَشْبَهَهما.
قال: وكلُّ موضع صلَحَت فيه فعَل ويَفْعَلُ مِن المنصوبِ جاز نصْبُ المعرفةِ منه
والنكرة، كما يَنْصِبُ ((كان)) و((أَظُنُّ))؛ لأنهن نواقصُ فى المعنى، وإن ظنَنْتَ
أنهن تامّاتٌ .
وهذا القولُ أولى بالصوابِ فى ذلك؛ لأن المطلوبَ فى قولِ القائلِ : مالَك
قائمًا . القيامُ، فهو فى مذهبٍ كان وأخواتِها وأَظُنُّ وصَواحباتِها .
وقولُهُ: ﴿ وَاللَّهُ أَرَّكْسَهُمْ بِمَا كَسَبُوَأَ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ أَرَكَسَهُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم : معناه
ردّهم. كما قلنا .
٢٨٨
سورة النساء : الآية ٨٨
ذكرُ مَن قال ذلك
[٨٩/١٢ظ]" حدثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسينُ()، قال: ثنى حجاجٌ، عن
ج
ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءِ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَاللَّهُ أَزَكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ ﴾:
(٢)
رئهم(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك : واللَّهُ أَوْقَعهم .
ذكُر مَن قال ذلك
حدّثنی المثنی ، قال: حدثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةٌ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ﴾: يقولُ: أَوْقَعهم(٣).
....
وقال آخرون: معنى ذلك: أضَلَّهم وأهلكهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ ، عن قتادةً:
﴿ وَاللَّهُ أَزَكَسَهُمْ﴾ : أهلكهم(٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزاق ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةً:
(١ - ١) فى ص، م: ((حدثنا الحسن))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حدثنا الحسين)). وينظر تغليق
التعليق ٤ / ١٩٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٥/٣ (٥٧٤٧) من طريق ابن عطاء عن أبيه به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٩١/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٢٥/٣ (٥٧٤٥) عن أبيه عن أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٩١/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩١/٢ إلى عبد الرزاق والمصنف وابن المنذر.
. .
٢٨٩
سورة النساء : الآية ٨٨
﴿ وَاللَّهُ أَزْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾: أهلكهم بما عملوا(١) .
ج
/حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاَللّهُ
أَزْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾: " يقولُ: أَضلَّهم بما كسبوا(7).
١٩٦/٥
حدثنا بِشْرٌّ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةً:
﴿ آزكّسمُم﴾ : أهلكهم.
وقد أتَينا على البيانِ عن معنى ذلك قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (1).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اَللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ
اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
٨٨
[٩٠/١٢ و] يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أَتْرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ﴾ :
أتُرِيدون أيُّها المؤمنون أن تَهْدوا إلى الإسلام ، فتُوَفِّقوه للإقرار(٥) به والدُّخولِ فيه ، من
أضَلَّه اللَّهُ عنه . يعنى بذلك: مَن ◌َذَله اللَّهُ عنه، فلم يُوَفَّقْه للإقرارِ به؟
وإنما هذا خطابٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه للفئةِ التى دافَعَت عن هؤلاء المنافقين
الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم فى هذه الآيةِ ، يقولُ لهم جلَّ ثناؤه : أَبْغُون هدايةً هؤلاء
الذين أضلَّهم اللَّهُ، فخذَلَهم عن الحقِّ (واتّباعِ الإسلامِ، بُدافعتكم عن قتالهم مَن
أراد قِتالَهم من المؤمنين؟ ﴿وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. يقولُ: ومَن
(١) تفسير عبد الرزاق ١٦٧/١.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٥/٣ (٥٧٤٦) من طريق ابن مفضل به.
(٤) تقدم فى ص ٢٨١.
(٥) فى س: ((إلى الإقرار)).
(٦ - ٦) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((واتباعه للإسلام)).
( تفسير الطبرى ١٩/٧ ).
٢٩٠
سورة النساء : الآيتان ٨٨ ، ٨٩
یخذُله اللّهُ عن دينه واتباع ما أمر به ؛ مِن الإقرار به وبنبيّه محمد ڭم وما جاء به مِن
عندِهِ، فأضَلَّه عنه ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمدُ، ﴿سبيلا﴾ يقولُ: فلن تَجِدّ له طريقًا
تَهْدِيه فيه إلى إدراكِ ما خذَله اللَّهُ فأضلَّه عنه١)، ولا منهجًا يَصِلُ به(٢) منه إلى الأمرِ
الذی قد حرّمه الوصول إليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَدُوْ لَوَ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ.
فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِ سَبِيلِ الَّهِّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللّهُ: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا
كَفَرُواْ﴾: تمنَّى أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون الذين أنتم فيهم فئتان، أن تَكْفُروا
فتَجْحَدوا وَحْدانيةَ ربِّكم، وتَصْدِيقَ نبيِّكم محمدٍ عَلَّه، ﴿ كَمَا كَفَرُواْ﴾. يقولُ:
كما جحَدوا هم ذلك، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ﴾. يقولُ: فتكونون كفَّارًا مثلَهم،
وتَشْتَؤُون أنتم وهم فى الشركِ باللّهِ، ﴿فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَّةَ حَّى يُّهَاِرُوا فِ سَبِيلِ
اللهِ ﴾. [٩٠/١٢ظ] يقولُ جل ثناؤه: فاستغِشُّوهم، ولا تنصحُوهم، ولا
تستنصروهم، ولا تَتَّخِذُوا منهم وليًّا ولا نصيرًا ولا خليلاً مُصَافِيًا، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا
فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ " يقولُ: حتى يَخْرُجوا مِن دارِ الشركِ، ويُفارِقوا أهلها الذين هم باللّهِ
مُشْرِكون، إلى دارِ الإسلامِ وأهلِها، ﴿فِ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. يعنى: فى ابتغاءِ دينِ اللَّهِ،
وهو سبیلُه، فیصِیروا عند ذلك مثلكم، ويكون لهم حينئذٍ حُكْمُكم .
کما حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ، قال : ثنی أیی، قال : ثنی عمى ، قال : ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَدُوْ لَوَ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ.
فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَءَ حَّى يُهَاجِرُوا﴾: حتى يَصْنَعوا كما صنَعْتُم - يعنى الهجرةَ -
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) سقط من : ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
٢٩١
سورة النساء : الآية ٨٩
( يقولُ: حتى يها جرُوا) فى سبيلِ اللَّه(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
٨٩
وَجَدَ ثُمُوهُمٌ وَلَا نَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيرًا
١٩٧/٥
/قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فإنْ أذْبَر هؤلاء المنافقون عن
الإقرارِ باللَّهِ ورسوله، وتَولَّوْا عن الهجرةِ مِن دارِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ، وعن
مغارَقَةِ أهلِ الكفرِ إلى الإسلامِ"، ﴿ فَخُذُوهُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهٌ﴾ مِن بلادِهم وغيرِ بلادِهم، أبن أصَبْتُموهم مِن أرضِ اللَّهِ، ﴿وَلَا
نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًا وَلَا نَصِيرًا﴾. يقولُ: ولا تَتَّخِذُوا منهم خَليلًا يُواليكم على
أمورٍكم، ولا ناصرًّا يَنْصُرُكم على أعدائِكم، فإنهم كفارٌ [٩١/١٢ و] لا يَأْلُونكم
حَبالًا ، وَدُّوا ما عنتُم .
وهذا الخبرُ مِن اللَّهِ جل ثناؤه إبانةٌ عن صحةٍ نِفاقٍ الذين اخْتَلَف المؤمنون فى
أمرِهم، وتحذيرٌ لمن دافع عنهم عن المدافعةِ عنهم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ﴾: فإن توَلَّوْا عن الهجرةِ
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٦/٣ (٥٧٥١) عن محمد بن سعد به .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وعلى مفارقة الكفر إلى الإسلام))، وفى س: ((صدقة)) بدلا من:
((مفارقة)»، وفى م: ((ومن الكفر إلى الإسلام».
٢٩٢
سورة النساء : الآيتان ٨٩، ٩٠
﴿فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾. يقولُ: إذا أَظْهَروا
الكُفرَ فاقْتُلُوهم حيث وجَدُموهم(٧).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم
مِّيْثَؤُّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمِ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيْتَقُّ﴾: فإن توَلَّى هؤلاء المنافقون الذين اخْتَلَفْتم فيهم عن الإيمانِ بِاللَّهِ
ورسوله، وأبوًا الهجرةَ، فلم يُهاجِروا فى سبيلِ اللَّهِ، فخُذُوهم واقتلوهم حيثُ
وجدُموهم، سوى مَن وصَل منهم إلى قومٍ بينكم وبينَهم مُوادَعةٌ وعهدّ
ومِيثاقٌ، فدخَلوا بينهم(١)، وصاروا منهم، ورضُوا بحكمهم، فإنَّ لمن وصَل
إلیهم" فدخل فیھم من أهلِ الشركِ راضيًا بحكمهم حكمهم(٢) ؛ فی حَقْنِ دمائهم
بدخوله [٩١/١٢ظ] فيهم، و(١) ألَّ تُسبِّى نساؤُهم وذَرارِيُّهم، ولا تُعْتَمَ أموالُهم.
كما حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ إِلَّا
الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوِْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِثَقُ﴾. يقولُ: إذا أُظْهَروا كفرَهم فَاقْتُلُوهم
حيث وجَدْتُموهم ، فإنْ أحدٌ منهم دخَل فى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ ، فأُجْرُوا عليه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٦/٣ (٥٧٥٣) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٦/٣ (٥٧٥٤) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) فى: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيهم).
(٤) فى الأصل: ((فيهم) .
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٦) سقط من: م.
٢٩٣
سورة النساء : الآية ٩٠
مثلَ ما تُجُرُون على أهلِ الذِّيَّةِ(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال أخبرنا ابن وهبٍ ، قال: قال ابنُّ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
يَصِلُونَ إِلَى قَوِْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيَقُّ﴾. "قال: الذين" يَصِلون إلى هؤلاء الذين
بينكم وبينَهم ميثاقٌ مِن القومِ، لهم مِن الأمانِ مثلُ ما لهؤلاء(٢) .
١٩٨/٥
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوِّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَقُّ﴾. قال: (* نزَلَت فى
هلالٍ بنِ عُوَّيْرِ الأُسْلَمِىِّ ، وسُراقةَ بنِ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ، وَذِيمَةً(٢) بن عامرِ بنِ عبدِ
(٤)(٦)
مناةً (١) .
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ(٢) أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمِ
بَيْنَكُمْ﴾: إلا الذين يَتَّصِلُون فى أنسابهم لقومٍ بينكم وبينَهم مِيثاقٌ. مِن قولهم:
اتَّصَل الرجلُ . بمعنى: انْتَمَى وانْتَسَب . كما قال الأعْشَى فى صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى
(٨)
قوم " :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٦/٣ (٥٧٥٣) عن محمد بن سعد به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) التبيان ٢٨٥/٣.
(٤ - ٤) سقط من : س.
(٥) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خزيمة))، وغير منقوطة فى ص، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((بنى
جذيمة)). وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٨٧.
(٦) فى النسخ، وتفسير ابن أبى حاتم: ((مناف)). وينظر المصدر السابق.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٧/٣ (٥٧٥٧) من طريق ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس
به ، نحوه .
(٧) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١٣٦/١.
(٨) ديوانه ص ٨١.
٢٩٤
سورة النساء : الآية ٩٠
إذا اتَّصَلَت قالَتْ أَبكرَ بنَ وائلٍ
وبَكْرُ سبَتْها والأُنوفُ رَوَاغِمُ
يعنى بقوله: اتَّصَلَت . انْتَسَبَت .
ولا وجه لهذا التأويلِ فى هذا الموضعِ؛ لأن (١) الانْتِسابَ إلى قومٍ مِن أهلِ
المُوادَعةِ والعَهْدِ، لو كان يُوجِبُ للمُنْتَسِيِين إليهم ما لهم ، إذا لم يَكُنْ لهم مِن العهدِ
والأمانِ (٢ ما لمن له العهدُ والأمانُ منهم٢ - لما كان رسولُ اللَّهِ عَّهِ لِيُقاتِلَ قريشًا وهم
أَنْسِباءُ السابقين الأوَّلِين، ولأهلِ الإيمانِ مِن الحقِّ بإيمانِهم أكثرُ مما لأهلِ العهدِ
بعهدِهم، وفى قتالِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ مُشْرِكى قريشٍ بتركها الدخولَ فيما دخَل فيه
أهلُ الإيمانِ منهم ، [٩٢/١٢ و] مع قربِ أنْسابِهم مِن أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ
الواضحُ أن انْتِسابَ مَن لا عهدَ له إلى ذى العهدِ منهم ، لم يَكُنْ مُوجِبًا له مِن العهدِ ما
لذى العهدِ منهم مِن انتسابه .
فإن ظنَّ ذو غَفْلةٍ أَن قِتَالَ النبيِّ عَّهِ مَن قاتَل مِن أَنْسِباءِ المؤمنين مِن مشركى
قريشٍ، إنما كان بعدَ ما نُسِخ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ
مِيثَقُّ﴾. فإنّ أهلَ التأويلِ أَجْمَعوا على أن ذلك نُسِخ ((ببراءَةَ))، و((براءةُ))(٣)
نزَلَت بعدَ فتحِ مكةً ودخولٍ قريشٍ فى الإسلامِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَتِلُوكُمْ
أَوْ يُقَائِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ
صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَئِلُوكُمْ أَوْ يُقَدِلُواْ قَوَمَهُمَّ﴾: فإن تولَّوْا فخُذُوهم واقْتُلوهم حيث
(١) فى الأصل: ((إلا)).
(٢ - ٢) فى م: ((ما لهم)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قراءة)).
٠
٢٩٥
سورة النساء : الآية ٩٠
وجَدْتُموهم ، إلا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ ، أو: إلا الذين جاءوكم
منهم قد حصِرَت صدورُهم عن (١) أن يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم، فدخَلوا فيكم .
ويعنى بقولِه: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقَت صدورُهم عن(١) أن
يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم . والعربُ تقولُ لكلِّ مَن ضاقَت نفسُه عن شىءٍ مِن فعلٍ أو
كلامٍ : قد حصِرَ. ومنه الحَصَرُ فى القراءةِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٩٢/١٢ظ] حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال : ثنا
أشْباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ/ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ . يقولُ: رجعوا
فدخَلوا فيكم، ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: ضاقَت صدورُهم ﴿أَن يُقَئِلُوكُمْ
أَوْ يُقَائِلُواْ فَوَمَهُمَّ﴾(٢).
١٩٩/٥
وفى قوله: ﴿أَوْ جَاءُوَكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. متروكٌ تُرِك ذكرُه لدَلالةِ
الكلام عليه؛ وذلك أن معناه : أو جاءوكم قد حصِرَت صدورُهم. فتُرِك ذكرُ
((قد ))؛ لأن من شأنِ العربِ فعلَ مثلِ ذلك، تقولُ: أتانى فلانٌ ذهَب عقلُه . بمعنى:
قد ذهَب عقلُه . ومَشموعٌ منهم: أصْبَحْتُ نظَرْتُ إلى ذاتِ التَّانيرِ () . بمعنى: قد
نظَرْتُ . ولإضمارِ ((قد)) مع الماضى جاز وضْعُ الماضى مِن الأفعالِ فى مواضعِ("
(١) فى الأصل: ((على)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٧/٣، ١٠٢٨ (٥٧٥٨، ٥٧٦١) من طريق أحمد بن مفضل به.
(٣) ذات التنانير: أرض بين الكوفة وبلاد غطفان. معجم ما استعجم ٣٢٠/١.
(٤) فى م: ((موضع)).
٢٩٦
سورة النساء : الآية ٩٠
الحالِ؛ لأنّ ((قد)) إذا دخَلَت معه أدْنَتْه مِن الحالِ، وأَشْبَهَتْهُ(١) الأسماءَ.
وعلى هذه القراءةٍ - أغْنِى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قراءةُ القَرَأَةِ فى جميعِ
الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماعِ الْحُكْةِ عليها (٢) .
وقد ذُكِر عن الحسن البصرىِّ أنه كان يَقْرَأَ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةٌ
صدورُهم) (٢) . نصبًا () على الحالِ) . وهى صحيحةٌ فى العربيةِ ، فَصيحةٌ ، غير أنها
غيرُ جائزةٍ القراءةُ عندى بها ؛ لشُذوذِها وخُروجِها من قراءةٍ قَرَأَةِ أهلِ الإسلامِ.
(* حدَّثنا أبو كريبٍ، قال : نا يونسُ بنُ محمدٍ ، عن أبانٍ، عن قتادةً: (أو
جاءُوكم حَصِرَةٌ(١) صُدورُهم): أى كارهةً صدُورُهم )(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَّهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَلُوكُمْ
فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السََّمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ
سپیلا
[٩٣/١٢ ] قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
◌َسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَقَلُوَكُمْ﴾: ولو شاء اللَّهُ لَسلَّط هؤلاء الذين يصلون إلى قومٍ بينكم
وبينَهم ميثاقٌ، فَيَدْخُلون فى جِوارِهم وذِمَّتِهم، والذين يَجِيئُونكم ) قد حصِرَت
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أشبهت))، وفى م: ((وأشبه)).
(٢) معانى القرآن للفراء ٢٨٢/١، والبحر المحيط ٣١٧/٣.
(٣) هى قراءة الحسن ويعقوب . مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٣٤.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى الأصل، وتفسير ابن أبى حاتم: ((حصرت)) بالتاء المفتوحة، والمثبت ما ذكره أبو حيان فى البحر المحيط
٣١٧/٣، والسيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٩١، ويؤيده تفسيره لها بقوله: كارهة .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٨/٣ (٥٧٦٢) من طريق سعيد عن قتادة وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢/ ١٩١، ١٩٢ إلى ابن المنذر.
(٧) فى الأصل، ص، س: ((يحبونكم)).
............. .
٢٩٧
سورة النساء : الآية ٩٠
صدورهم عن قتالِکم وقتال قومهم - علیکم أيُّها المؤمنون ، فقاتلو کم مع أعدائكم
مِن المشركين، ولكنَّ اللَّه تعالى ذكرُه كفَّهم عنكم. يقولُ جل ثناؤه: فأطِيعوا الذى
أُنعم علیکم - بکفِّھم عنکم ، مع سائرٍ ما أنعم به علیکم - فیما أمرَ کم به مِن الکفِّ
عنهم إذا وصلوا إلى قومٍ بینکم وبینھم میثاقٌ ، أو جاءُو کم حصِرَت صدورُهم عن
قتالِكم وقتالٍ قومِهم. ثم قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. يقولُ : فإن اغْتَزلكم
هؤلاء الذين أمَزْتُكم بالكفّ عن قتالهم مِن المنافقين، بدخولهم فى أهلِ عهدِ کم ، أو
بمَصيرِهم إليكم حصِرَةٌ(١) صدورُهم عن قتالِكم وقتالٍ قومِهِم، ﴿فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا
إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: وصالحوكم . والسَّلَمُ هو الاستِشلامُ. وإنما هذا مثلٌ، كما
يقولُ الرجلُ للرجلِ : أعطيتُك قيادى، وألقيتُ إليك خِطامِى إذا استشلمَ له وانْقاد
لأمرِه. فكذلك قولُه: ﴿ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. إنما هو: وألْقَوْا إليكم قيادَهم
فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومِن السَّلَمِ قولُ الطّرِمَّاح(٣) :
وذاك أن تَميمًا غادَرَت سَلَمًا للأُشْدِ كلَّ خَصانٍ وَعْثَةٍ(٣) اللَّدِ(٤)
يعنى بقولِه : سَلَمًا: اسْتِسْلامًا .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٢٠٠/٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنِ [٩٣/١٢ط]
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حصرت).
(٢) ديوانه ص ١٦١.
(٣) الوعثة: كثيرة اللحم، كأن الأصابع تسوخ فيها من لينها وكثرة لحمها . اللسان (وع ث).
(٤) فى الأصل: ((الكبد))، غير منقوطة، وفى الأصل المخطوط من الديوان: ((الكبد)). واللبد: جمع ليدة:
وهی داخل الفخذ . التاج (ل ب د).
٢٩٨
سورة النساء : الآية ٩٠
أَعْتَزَ لُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوَّكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصلحُ(١).
وأما قولُه: ﴿فَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. فإنه يقولُ: إذا اسْتَشْلم
لكم هؤلاء المنافقون الذين وصَف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿ فَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أْ: فلم يَجْعَلِ اللَّهُ لكم على أنفسهم وأموالهم وذَراريّهم
ونسائهم طريقًا إلى قتلٍ أو غنيمةٍ أو سِبَاءٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ ، فلا تَعَرَّضُوا
لهم فى ذلك إلا بسبيلٍ خيرٍ .
ثم نسخ اللَّهُ جل ثناؤُه جميعَ حكم هذه الآيةِ والتى بعدَها بقولِه: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ
آلْأَشْهُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُُّوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ
كُلَ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
ذكرُ مَن قال فى ذلك مثلَ الذى قلنا فيه
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن
عكرمةً والحسنِ قالا: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدِ ثُمُوهُمّ وَلَا نَتَّخِذُواْ
إِلَّا الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُمُ مِثَؤُّ﴾. إلى
مِنْهُمْ وَلِيًَّا وَلَا نَصِيًّا لَ
قوله: ﴿ وَأُوْلَكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَنًا مُّبِينًا﴾. وقال فى الْمُمْتَحَنَّةِ: ﴿لَّا
يَنْهَلَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِلُوكُمْ فِى الَّذِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ
إَِتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقال فيها: ﴿ إِنَّمَا يَتْبَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٨/٣ (٥٧٦٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سبيل).
٢٩٩
سورة النساء : الآية ٩٠
الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَوِكُمْ﴾. إلى: ﴿فَأَوْلَيْكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩].
فنسخ هؤلاء الآياتِ الأربعَ فى شأنِ المشركين، فقال: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى
الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُرُ
غَيْرُ [٩٤/١٢ و] مُعْجِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ﴾ [ التوبة: ١، ٢]. فجعل لهم أربعةً
أشهرٍ يَسِيحون فى الأرضِ، وأبطلَ ما كان قبلَ ذلك، وقال فى التى تليها: ﴿فَإِذَا
أَنْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ الْحُرُّمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ
لَهُمْ كُلَّ مَنْصَدٍ﴾. ثم نسخ واسْتَثْنَى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَانَوْا
الزَّكَوَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦،٥].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادةَ: ﴿فَإِنِ أَعْتَزَلُوكُمْ﴾. قال: نسخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُّ المِنْهالِ ، قال: ثنا هَمَّامُ (١) بنُ يحيى، قال :
سمعتُ قتادةَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿إِلَّا الّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوِّ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُم مِِّتَقُ﴾. إلى
قوله: ﴿فَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: ثم نَسَخ ذلك بعدُ فى ((براءة)). وأمَر
نبيّه عَِّ أن يُقاتِلَ المشركين (* حتى يشهدوا ألَّ إلهَ إلا اللَّهُ، وأنّ محمدًا رسولُ اللَّهِ،
فقال): ﴿فَأَقْبُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُوا لَهُمْ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٧/٣ عقب الأثر (٥٧٥٦) معلقا .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٧، ومن طريقه أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٣٤٠، ٣٤١، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩٢/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) فى الأصل: ((هشام)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وفى م: ((بقوله)).
....-
-----
٣٠٠
سورة النساء : الآيتان ٩٠، ٩١
كُلَّ مَرْصَدٍ﴾(١).
٢٠١٤٥
(١)
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى / قَوْمٍ بَيْنَّكُمْ وَبَيْنَهُم مِتَقُّ﴾ الآية. قال: نُسِخ هذا كلُّه جميعٌ()،
نسَخَه الجهادُ ، ضُرِب لهم أَجَلٌ؛ أَرْبَعةُ أَشْهُرٍ، إمّا أن يُسْلِموا، وإمَّا أَن يَكونَ الجهادُ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوَكُمْ وَيَأَمَنُواْ
قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُزْكِسُواْ فِيهَا﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: وهؤلاء فريقٌ آخَرُ مِن الُنافِقِين كانوا يُظْهِرون [١٢]
٩٤ ظ] الإِسْلامَ لرسولِ اللَّهِ يَّامِ وأصحابِهِ؛ لِيَأْمَنوا به عندَهم مِن القتلِ والسّباءِ وأخذٍ
الأموالِ، وهم كُفَّارٌ، يَعْلَمُ ذلك(٢) منهم قومُهم ، إذا لَقُوهم كانوا معهم ، وعبدوا ما
يَعْبُدُونه مِن دونِ اللَّهِ ؛ ليَأْمَنوهم على أنفسِهم وأموالهم ونسائهم وذَرارِيِّهم، يَقولُ
اللَّهُ: ﴿ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِئْنَةِ أُزْ كِسُواْ فِيهَا﴾. يَغْنِى: كُلَّما دعاهم قومُهم(٤) إلى
الشّرْكِ باللَّهِ ارْتَدُوا فصاروا مُشْرِكِين مثلَهم .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: هم ناسّ كانوا
مِن أهلٍ مكةَ أُسْلَمُوا على ما وصَفَهم اللَّهُ به مِن التَّقِيَّةِ ( وكانوا كُفَّارًا)؛ لِيَأْمَنُوا عندَ
هؤلاء وهؤلاء .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٨/٣ (٥٧٦٤) من طريق همام به، وأخرجه النحاس فى ناسخه ص
٢٤٠ من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة نحوه .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٣، س: ((أجمع))، وفى ت ٢: (( جمع).
(٣) بعده فى الأصل: (( به)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥ - ٥) فیم: « وهم کفار لیأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراریھم ونسائهم، يقول الله: ﴿ كلما ردوا إلى
الفتنة أركسوا فيها﴾. يعنى: كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا، فصاروا مشركين مثلهم)).
١٠