النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
سورة النساء : الآية ٣١
الأمةِ مما طَلَعتْ عليه الشمسُ وغَرَبتْ؛ أُولاهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[النساء: ٢٦]. والثانيةُ: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَّهَوَاتِ أَن تَبِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٢٧]. والثالثةُ: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ
عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: ٢٨]. ثم ذكر مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ سواءً،
وزاد فيه: ثم أقبَل يُفَسِّرُها فى آخرِ الآيةِ: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ﴾ للذين عمِلوا الذَّنوبَ
﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(١).
وأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾. فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفتْ فى قراءتِه ؛
فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: (ونُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا كَرِيمًا) بفتحِ
الميمِ(٢)، وكذلك الذى فى ((الحجِّ)): (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَدْخَلًا يَرْضَوْنه) [الحج: ٥٩]،
فمعنى: (ونُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا ). فيَدْخُلون دُخولًا كَرِيمًا. وقد يَخْتَمِلُ على
[٥٣٣/١ ] مذهبٍ مَن قرأ هذه القراءةَ أن يَكُونَ المعنى فى المَدْخَلِ: المكانَ والموضِعَ؛
لأن العربَ ربما فَتَحتِ الميمَ مِن ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجزُ(٢):
* بِمَصْبَحِ الحَمْدِ وحيثُ يُمْسى "
وقد أنشَدنى بعضُهم سَماعًا مِن العربِ (٤) :
٤٦/٥
/الحَمْدُ للهِ ◌َمْسانا ومَصْبَحَنا بالخيرِ صَبَّحنا ربى ومَسَّانا
وأنشَدنی آخرُ غيرَه :
(١) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٧١٤٥) من طريق صالح المرى به .
(٢) هى قراءة نافع وحده . السبعة لابن مجاهد ص ٢٣٢.
(٣) معانى القرآن ٢٦٤/١، واللسان ( ص ب ح ) غير منسوب فيهما .
(٤) البيت لأمية بن أبي الصلت ، وهو فى ديوانه ص ٤٦.

٦٦٢
سورة النساء : الآية ٣١
* الحمدُ للهِ تُمْسانا ومُصْبَحَنا "
لأنه مِن أصبَح وأمْسَى. وكذلك تَفْعَلُ العربُ فيما كان مِن الفعلِ بناؤه على
أربعةٍ؛ تَضُمُّ ميمَه فى مثلِ هذا، فتَقُولُ: دَخْرَجُه (١أُدَخْرِ جُه دَخْرَجَةً وَدِخْرَاجًا؟
فهو مُدَخْرَجْ، ثم يُحْمَلُ ما جاء على ((أَفْعَلَ(٢) يُفْعِلُ)) على ذلك؛ لأنَّ ((يُفْعِلُ)) من
((يُدْخِلُ))، وإن كان على أربعةٍ، فإن أصله أن يكونَ على ((يُؤَفْعِلُ(٣))): يُؤَدْخِلُ،
ويُؤَخْرجُ. فهو نظيرُ: يُدَخْرِجٌ .
(٤)
وقرَأُ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿مُّدْخَلًا﴾ بضمِّ الميم ، يعنى:
ونُدْخِلْكم إدخالًا کرِيما .
قال أبو جعفر: وأَوْلَى القراءَتَيْنْ بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأْ ذلك: ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ
مُدْخَلَا كَرِيمًا ﴾ بضمّ الميم؛ لما وَصَفْنا مِن أن ما كان مِن الفِعْلِ بناؤه على أربعةٍ فى
((فَعَل))(١)، فالمصدرُ منه ((مُفْعَلٌ))، وأن أُدْخَل ودَخْرَج ((فَعَل)) منه على أربعةٍ ،
فالمُدخَلُ مصدرُه أولی مِن ((مَفْعَل))، مع أن ذلك أفصح فى كلام العرب فى مصادرِ
ما جاء على ((أفْعَلَ))، كما يُقالُ: أقام بمكانٍ فطاب له المُقَامُ، إذا أُرِيدِ به الإقامةُ .
(١ - ١) سقط من: س، وفى ص بياض بقدر ثلاث كلمات. وفى م: ((مدحرجًا)). وفی ت١ بياض بقدر
كلمتين. وقد أثبتنا مقتضى ما أورده صاحب تاج العروس (مادة : دحرج) فإنه قال : دحرجه يدحرجه
دحرجة، بالفتح على القياس ، ودحراجًا، بالكسر وهو مقيس أيضًا كالأول. انتهى قوله. وقد رد - أى
الزبيدى صاحب التاج - بعد ذلك على من قال أنه لم يسمع فى دحرج : دحراج .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فعل)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يفتعل)).
(٤) هى قراءة ابن كثير المكى وأبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى .
(٥) يعنى: أن ما كان من الأفعال من أربعة حروف - كـ((أدخل)) و((أخرج)) وغيرهما - فى ((فعل))؛ أى فى
الفعل الماضى .

٦٦٣
سورة النساء : الآيتان ٣٢،٣١
وقام فى موضعِه فهو فى مَقامٍ واسع. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ
أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]. مِن: قام يَقُومُ. ولو أُريد به الإقامةُ لقُرِئَّ: (إِنَّ المتَّقِينَ فى
مُقَامٍ أمينٍ ). كما قُرِئَّ: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
[الإسراء: ٨٠]، بمعنى الإدخال والإخراج، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ أنه قرأ: مَدْخَلَ
صِدْقٍ(١)، ولا: مَخْرَجَ صِدْقٍ. بفتحِ الميمِ .
وأما المُدْخَلُ الكريمُ فهو الطيبُ الحسنُ ، المكرّمُ بنَفْىِ الآفاتِ والعاهاتِ عنه ،
وبارتفاعِ الهمومِ والأحزانِ ودخولِ الكَدَرِ فى عيشِ مَن دَخَلَه ، فلذلك سَمَّاه اللهُ
کریمًا .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
) ﴾ . قال: الكريمُ هو الحسَنُ فى
٣١
عن السدىِّ: ﴿وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (
(٢)
الجنة
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾ .
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه : ولا تَتَشَهَّوْا ما فضَّل اللهُ به بعضكم على بعضٍ. وذُكِر
أن ذلك نزَل فى نساءٍ تَمَنَّيْنَ منازلَ الرجالِ ، وأن يَكُونَ لهم ما لهم، فنھَى اللهُ عبادَه
عن الأمانيّ الباطلةِ ، وأمرَهم أن يسألوه مِن فضلِه، إذْ كانت الأمانىُ تُوَرِّثُ أهلَها
الحسدَ والبَغْىَ بغيرِ الحقِّ .
ذکرُ الأخبارِ بما ذكرنا
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا مُؤَمَّلٌ، قال : ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ ، لا نُعْطَى الميراثَ، ولا نَغْزُو فى
(١) سقط من: ص، ت ١، س.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٤/٣ (٥٢٢١) من طريق أحمد بن المفضل به .

٦٦٤
سورة النساء : الآية ٣٢
سبيلِ اللهِ فَتُقْتَلَ؟! فَنَزَلتْ: ﴿ وَلَا تَنَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى
(١)
بَعْضٍِ﴾(١).
٤٧/٥
/حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشام ، عن سفيان الثورىِّ ، عن ابنِ أبی
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ ، تَغْزُو الرجالُ ولا نَغْزُو،
وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟! فَتَزَلتْ: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضِّ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا اكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَّ﴾. ونزلت:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَكَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ
عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: لا يَتَمَنَّى الرجلُ يقولُ: ليت أنَّ لى مالَ فلانٍ وأَهلَه. فنهَى اللهُ
سبحانَه عن ذلك، ولكن لِيشْأَلِ اللهَ مِن فضلِه(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نَجیح ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِّ﴾ . قال :
قولُ النساءِ: ليتَنا رجالاً(٣) فتَغْزُوَ، ونَبْلُغَ ما يَتْلُغُ الرجالُ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٥/٣ (٥٢٢٤، ٥٢٢٥)، والحاكم ٣٠٥/٢، ٣٠٦ من طريق
سفيان الثورى به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٥/٣ (٥٢٢٦) من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به .
(٣) فى م: ((رجال)) وقد جاء فى مصدر التخريج: ((ليتنا كنا رجالاً)). وقد أجاز الفراء نصب اسم ليت
وخبرها فقال: ليت زيدًا قائما. على معنى ليت، فكأنه قال: أتمنى زيدا قائما. وأجاز الكسائى نصبهما
أيضا، على إضمار ((كان))، والتقدير عنده: ليت زيدًا كان قائما، وينظر تفصيلاً أكثر فى شرح المفصل لابن
یعیش ٨٤/٨
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ٢٧٤.

٦٦٥
سورة النساء : الآية ٣٢
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
٠
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا تَثَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَِ﴾: قولُ النساءِ
يَتَمَنَّين: ليتنا رجالٌ فَتَغْزُوَ. ثم ذكر مثل حديثِ محمدِ بنِ عمرو .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ عُبَينةً ، عن
ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ، قال: قالت أمّ سَلَمَةَ: أَىْ رسولَ اللهِ ، أَتَغْزُو الرجالُ ولا
نَغْزُو، وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟! فنزَلت: ﴿ وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ ﴾
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
شيخٍ مِن أهلِ مكةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ .
قال: كان النساءُ يَقُلْن : ليتَنا رجالٌ فنُجاهدَ كما يُجاهِدُ الرجالُ، ونَغْزُوَ فى سبيلِ
اللهِ. فقال اللهُ: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يَزِيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ،
قال: "لا تَم٣َّ) مالَ فلانٍ، ولا(٤) مالَ فلانٍ، وما يُدْريك لعلَّ [٥٣٣/١ظ] هلاكه فى
ذلك المالِ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال ثنا الحسينُ قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيج، عن عكرمةَ
ومجاهدٍ ، أنهما قالا: نزَلت فى أمّ سَلَمَةَ ابنةٍ أبى أميةَ بنِ المغيرةِ .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٥٦/١، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٦٢٤ - تفسير)، وأحمد ٣٢٢/٦ (الميمنية)،
والترمذى (٣٠٢٢)، وأبو يعلى (٦٩٥٩)، والواحدى فى أسباب النزول ص ١١٠ من طريق ابن عيينة به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٥٦/١ .
(٣ - ٣) فى م: ((تتمنى)).
(٤) سقط من: م.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٥/٣ عقب الأثر (٥٢٢٦) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى
المصنف .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى المصنف.

٦٦٦
سورة النساء : الآية ٣٢
وبه قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو الإنسانُ يَقُولُ :
وَدِدْتُ أَن لى مالَ فلانٍ. قال: اسْأَلُوا اللهَ مِن فضلِهِ. وقولُ النساءِ: ليتَنا رجالٌ
فَتَغْزُوَ ، ونَبْلُغَ مَا يَبْلُغُ الرجالُ(١) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَتَمَنَّ بعضُكم ما خَصَّ اللهُ بعضًا مِن منازلِ الفضلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ قوله: ﴿ وَلَا تَثَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾: فإن الرجالَ
قالوا : نُريدُ أن يَكُونَ لنا مِن الأجرِ / الضِّعْفُ على أجرِ النساءِ، كما لنا فى السهامِ
سهمان ، فتُريدُ أن يَكُونَ لنا فى الأجرِ أجران . وقالتِ النساءُ: نُريدُ أن يَكُونَ لنا أجرٌ
مثلُ أجرِ الرجالِ ، فإنا لا نَسْتَطِيعُ أن تُقاتِلَ، ولو كُتِب علينا القتالُ لقاتَلْنا. فأَنزَل اللهُ
تعالى ذلك(٢) ، وقال لهم: سَلُوا اللهَ مِن فضلِهِ تَرْزُقُكم الأعمالَ، وهو خيرٌلكم(٣).
٤٨/٥
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن محمدٍ ، قال :
نُهِيتُم عن الأمانىِّ، ودُلِلْتُم على ما هو خيرٌ منه، وسَلُوا اللهَ مِن فضلِه(٤).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ ، قال : كان
محمدٌ(٥) إذا سمِع الرجلَ يَتَمَنَّى فى الدنيا، قال: قد نهاكم اللهُ عن هذا: ﴿ وَلَا
تَنَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍِ﴾، ودلّكم على خيرٍ منه: ﴿وَسْئَلُواْ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٥/٣ عقب الأثر (٥٢٢٦) معلقًا، وينظر تفسير ابن كثير ٢٥١/٢.
(٢) فى م: ((الآية)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٦/٣ (٥٢٢٩) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٥/٣ عقب الأثر (٥٢٢٦) بنحوه معلقا .
(٥) أی محمد بن سیرین .

٦٦٧
سورة النساء : الآية ٣٢
اللَّهَ مِن فَضْلِهِ:﴾(١).
قال أبو جعفرٍ : فتأويلُ الكلامِ على هذا التأويل: ولا تَتَمَّنَّوْا أيها الرجالُ والنساءُ
الذى فضَّل اللهُ به بعضكم على بعضٍ مِن منازلِ الفضلِ ودرجاتِ الخيرِ، ولْيَرْضَ
أحدُكم بما قسم اللهُ له مِن نصيبٍ ، ولكنْ سَلُوا اللهَ مِن فضلِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لِّرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ عِمَاً
اُكْنَسَبْنَ
ج
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : للرجالِ
نصيبٌ مما اكتَسَبوا مِن الثوابِ على الطاعةِ ، والعقابِ على المعصيةِ ، وللنساءِ نصيبٌ
مِن ذلك مثلُ ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
تَنَمَنَّوَأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ
نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَبْنَّ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون المرأةَ شيئًا، ولا الصَّبِىَّ شيئًا(١)،
وإنما يَجْعَلُون الميراثَ لمن يَخْتَرِفُ ويَنْفَعُ ويَدْفَعُ، فلما لَحِق للمرأةِ نصيبُها وللصبىِّ
نصيبه، وجعِل للَّكَرِ مثلُ حظّ الأنثيين، قال النساء: لو كان مجعِل أنصِباؤنا(3) فى
الميراثِ كأنْصِباءِ الرجالِ . وقالتِ الرجالُ : إنا لتَرْجُو أن نُفَضَّلَ على النساءِ بحسناتِنا
فى الآخرةِ، كما فُضِّلْنا عليهنّ فى الميراثِ. فَأَنْزَل اللهُ: ﴿لِّرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب المتمنين ص٧٨ (١٣١) من طريق حماد بن زيد به.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى م، والدر المنثور: ((أنصباءنا)).

٦٦٨
سورة النساء : الآية ٣٣
اُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَبْنَّ ﴾ يقولُ: المرأةُ تُجْزَى بحسنتِها عَشْرَ أمثالِها
كما يُجْزَى الرجلُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَسْعَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ ، قال : ثنى أبو ليلى ، قال :
سَمِعتُ أبا حَرِيزِ(١) يَقُولُ: لما نزَل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْشَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
قالت النساءُ: كذلك عليهم نَصِيبان مِن الذنوبِ ، كما لهم نَصِيبان مِن الميراثِ .
فأنزل اللهُ: ﴿لِّرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا أُكْنَسَبْنَّ ﴾ يعنى:
الذُّنوبَ: ﴿ وَسْئَلُواْ اللَّهَ ﴾ يا معشرَ النساءِ ﴿مِن فَضْلِهِ=َ﴾(١).
وقال آخرون : بل مَعْنى ذلك : للرجالِ نصيبٌ مما اكْتَسبوا مِن ميراثِ موتاهم،
وللنساءِ نصيبٌ منهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا المثنى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالِح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
٤٩/٥ عليّ بن أبي طلحةَ، / عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِّلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ
وَلِلِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَا اُكْنَسَبْنَّ﴾. يَعْنى: ما ترَك الوالِدان والأَقْرَبون، يَقُولُ: ﴿لِلذَّكَرِ
(٤)
٢ ٠/٠ ٢
مِثْلُ حَظِ اُلْأُنثَيَيْنِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبى إسحاقَ ، عن عكرمةً أو غيرِه فى
(١) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ١١٠، ١١١ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى
عبد بن حميد والمصنف .
(٢) فى ص: ((حرير)) غير منقوطة، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((جرير)). والمثبت من مصدر
التخريج . ينظر تهذيب الكمال ٤٢٠/١٤، ١٩٦/١٦.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٦/٣ (٥٢٢٧) من طريق عبد الله بن صالح به .

٦٦٩
سورة النساء : الآية ٣٢
قولِه: ﴿لِّلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اُكْنَسَبْنَّ﴾. قال: فى
ج
الميراثِ، كانوا لا يورِّثون النساءَ .
قال أبو جعفرٍ : وأولى القولين فى ذلك بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال معناه : للرجالِ
نصيبٌ مِن ثوابِ اللهِ وعقابِهِ مما اكتَسَبوا ، فَعَمِلوه مِن خيرٍ أو شرٍّ ، وللنساءِ نصيبٌ مما
اكتسَبن مِن ذلك كما للرجالِ .
وإنما قلنا : إن ذلك أولى بتأويل الآيةِ مِن قولٍ مَن قال: تأويلُه: للرجالِ نصيبٌ
مِن الميراثِ وللنساءِ نصيبٌ منه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه أخبَر أن لكلِّ فريقٍ مِن الرجالِ
والنساءِ نصيبًا مما اكْتَسَب ، وليس الميراثُ مما اكْتَسَبَه الوارثُ، وإنما هو مالٌ أورثه اللـهُ
عن مَيِّتِه بغيرِ اكتِسابٍ . وإنما الكَسْبُ العملُ، والمكتسِبُ المُخْتَرِفُ ، فغيرُ جائزٍ أن
يَكُونَ معنى الآيةِ، وقد قال اللهُ: ﴿لِّرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا اكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ نَصِيبٌ
◌ِمَا اكْتَسَبْنَّ﴾: للرجالِ نصيبٌ مما ورِثوا وللنساءِ نصيبٌ مما [٥٣٤/١ و] وَرِثْنَ. لأن
ذلك لو كان كذلك لَقِيلَ : للرجالِ نصيبٌ مما لم يَكتسبوا، وللنساءِ نصيبٌ مما لم
يَكْتَسِبنِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهَِ﴾ .
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْأَلُوا اللهَ مِن عونه وتوفيقه للعمل بما يُرْضِيه عنكم مِن
طاعتِهِ . فَفَضْلُه فى هذا الموضِع : توفيقُه ومعونتُه .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم الرازىُّ، قال: ثنا أبو جعفرِ النُّفَيْلىُ، قال: ثنا
يحيى بنُ يَمَانٍ، عن أشعثَ، عن سعيدٍ: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهٍٍ﴾. قال:
العبادةُ ليست مِن أمرٍ الدنيا (١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٦/٣ (٥٢٣١) من طريق أبى جعفر النفيلى به.
1

٦٧٠
سورة النساء : الآيتان ٣٢، ٣٣
حدَّثنا محمدُ بنُ مسلم، قال: ثنى أبو جعفرٍ، قال: ثنا موسى، عن لَيْثٍ،
قال : فضلُه : العبادةُ ، ليس مِن أمرِ الدنيا .
حدَّثْنَا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا هشام، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَسْئَلُواْ
اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾. قال: ليس بعرَضِ الدنيا(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾: يَرْزُقُكم الأعمالَ، وهو خيرٌ لكم(١).
حدَّثنا ابنُ وكبعٍ، قال : ثنا أبى، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حُكَّيمٍ بن جبيرٍ، عن
رجلٍ لم يُسَمِّه ، قال: قال رسولُ اللهِ عَظِلّهِ: (( سَلُوا اللهَ مِن فضلِه، فإنه يُحِبُّ أن
يُشْأَلَ ، وإن مِن أفضلِ العبادةِ انتظارَ الفرجِ))(٣) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (
٣٢
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن الله كان بما يُصْلِحُ عبادَه فيما قِسَم لهم مِن خيرٍ،
٥٠/٥ ورفَع بعضَهم فوق بعضٍ / فى الدينِ والدنيا ، وبغيرِ ذلك مِن قضائِه وأحكامِه فيهم
◌ْعَلِيمًا﴾. يَقُولُ: ذا علمٍ، ولا تَتَمنَّوا غيرَ الذى قضى لكم، ولكنْ عليكم
بطاعتِه ، والتسليم لأمرِه ، والرضا بقضائِه ، ومسألتِهِ مِن فضلِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُونَ ﴾
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٩/١٣، وأحمد فى الزهد ص ٣٨١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٦/٣
(٥٢٣٠) وأبو نعيم في الحلية ٢٨١/٣ من طريق ليث به .
(٢) جزء من أثر تقدم تخريجه ص ٦٦٦.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى المصنف.

٦٧١
سورة النساء : الآية ٣٣
يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾: ولكلِّكم أيُّها الناسُ
جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾. يقولُ: وَرَثَةٌ مِن بنى عمِّه وإخوتِه وسائرِ عَصَبَيِّه غيرِهم .
والعربُ تُسَمِّى ابنَ العمِّ المَوْلَى، ومنه قولُ الشاعرِ:
بأغراضِنا والمُّدِياتُ(١٢) سُروعُ
ومَوْلَّى رمَيْنا حولَه وَهْؤُ مُدْغِلٌ (١)
يَعْنى بذلك: وابن عمّ رمَينا حولَه. ومنه قولُ الفضلِ بنِ العِبَّاسِ":
لا "تُظْهرُنَّ لنا) ما كان مَدْفُونَا
مهلًا بَنى عمِّنا مهلًا مَوالِينا
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا أبو أسامةً ، قال: ثنا إدريسُ، قال: ثنا طلحةُ بُ
مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا
مَوَالِىَ﴾. قال : وَرَثةٌ(٥) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ
اُلْوَالِدَانِ﴾. قال: المَوَالى العَصَبةُ، يعنى الوَرَثَةَ(١).
(١) رجل مدغل: مُخابٌّ مفسد. اللسان (د غ ل).
(٢) المنديات : المخزيات . اللسان (ن دى).
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ١٢٥، والكامل للمبرد ٤ /٤٦.
(٤ - ٤) فى الكامل: (( تنبشوا بيننا)).
(٥) أخرجه البخارى (٤٥٨٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٧/٣ (٥٢٣٣) من طريق أبي أسامة به .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٧/٣ (٥٢٣٤) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٤٩/٢ إلى ابن المنذر والنحاس وابن مردويه.

٦٧٢
سورة النساء : الآية ٣٣
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ ﴾. قال: المَوَالِى العَصَبةُ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾. قال: هم الأولياءُ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلِكُلٍ
جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾. يَقُولُ: عَصَبةً(٢).
٥١/٥
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾. قال: الموالى أولياءُ الأَبِ، أو(٣)
الأَخُ ، أو ابنُ الأُخ، أو غيرُهما مِن العَصَبَةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السّدِّىِّ: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾: أما ﴿مَوَلِىَ ﴾ ، فهم أهلُ الميراثِ(٥).
حدَّثنى يُونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ ﴾. قال : الموالى العصبةُ ، هم كانوا فى الجاهليةِ الموالىَ،
فلما دخَلت العَجَمُ على العربِ لم يَجِدوا لهم اسمًا، فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ فَإِن
لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَبَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِىِ اَلِينِ وَمَوَِّيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. فسُتُوا(٢)
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٧، وهو فى مصنفه (١٩١٩٨).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٧/٣ عقب الأثر (٥٢٣٤) معلقا .
(٣) سقط من : م .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥٦.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٧/٣ عقب الأثر (٥٢٣٤) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٦) فى ص، ت ١، س: (( فسمى)).

٦٧٣
سورة النساء : الآية ٣٣
الَوَالِيَ . قال: والمَوْلى اليومَ مَوْلَيَان؛ مولّى يَرِثُ ويُورَثُ، فهؤلاءِ ذَوُو الأرحامِ()،
ومَوْلَّى يُورَثُ ولَا تَرِثُ، فهؤلاءِ العَنَاقَةُ(١) . وقال: ألا تَرَوْن قولَ زكريا: ﴿ وَإِنِّ خِفْتُ
اُلْمَوَارِىَ مِن وَرَآءِى﴾ [مريم: ٥]. فالموالى هلهنا الوَرَثَةُ(٣).
ويَعْنى بقولِه: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: (٢ من تَرِكَةِ والديه وأقْرَبيهُ"
مِن الميراثِ .
٠
فتأويلُ الكلام: ولكلِّكم أيُّها الناسُ جعَلنا عَصَبَةٌ يَرِثُون به مما ترَكُ والِدَه وأقْربوه
مِن ميراثِهم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ( أَيْمَنُكُمْ﴾.
اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ .
بمعنى: والذين عقَدت أيمانكم الحلِفَ بينكم وبينَهم. وهى قراءةُ عامَّةٍ قرأةٍ
(٦)
الكوفيين(٩) .
وقرأ ذلك آخرون: ( والذين عاقدتْ أيمانكم) [٥٣٤/١ظ] بمعنى: والذين
عاقَدت أيمانكم وأيمانُهم الحلِفَ بينكم وبينَهم .
قال أبو جعفرٍ : والذى نَقُولُ به فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان فى
(١) بعده فى س: ((وموالى يرثون فهؤلاء العصبة)).
(٢) العتاقة : مصدر مثل العتق ، والمراد المعتقون .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٢ إلى المصنف .
(٤ - ٤) فى م: ((مما تركه والده وأقرباؤه)).
(٥) فى النسخ: ((عاقدت)). وأثبتنا ما رجحه المصنف كما فى الصفحة التالية.
(٦) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائى . حجة القراءات ص ٢٠١ .
(٧) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر . المصدر السابق .
( تفسير الطبرى ٤٣/٦ )

٦٧٤
سورة النساء : الآية ٣٣
قرأَةِ أمصارٍ المسلمين بمعنّى واحدٍ .
وفى دَلالةِ قولِه: ﴿ أَيْمَنُكُمْ﴾. على أنها أيمانُ العاقِدين والمعقودِ عليهم
الحلفُ، مستغنّى عن الدَّلالةِ على ذلك بقراءةِ قوله: ﴿ عَقَدَتْ﴾،
(عاقَدَتْ). (وذلك أن الذين قرءوا ذلك: (عاقَدَتْ). قالوا: لا يَكُونُ عَقْدُ
الحِلْفِ إلا مِن فريقين، ولا بدَّ لنا مِن دَلالةٍ فى الكلام على أن ذلك كذلك . وأغفَلوا
موضعَ دَلالةِ قوله: ﴿ أَيْمَنُكُمْ﴾. على أن معنى ذلك: أيمانُكم وأيمانُ المعقودِ
عليهم ، وأن العَقْدَ إنما هو صفةٌ للأيمانِ دونَ العاقِدين الحِلْفَ. حتى زعَم بعضُهم أن
ذلك إذا قُرِئٍ: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. " فالكلامُ) محتاجٌ إلى ضميرٍ (٢صفةٍ
تَقِی٣) الكلام حتی یَگونَ الكلامُ معناه : والذين عقدت لهم أيمانكم . ذهابًا منه عن
الوجهِ الذى قلنا فى ذلك؛ مِن أن الأيمانَ معنٌّ بها أيمانُ الفريقين .
وأما: (عاقَدَت أيمانكم). فإنه فى تأويلٍ: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ
هؤلاء الحِلْفَ. فهما متقاربا المعنى، وإن كانت قراءةُ مَن قَرَأْ ذلك: ﴿عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾. بغيرٍ (٢) ألفٍ، أصحَّ معنًى مِن قراءةٍ مَن قَرَأه: (عَاقَدَتْ). للذى
ذكَرنا مِن الدَّلالةِ على المعنىِّ(٥) فى صفةِ الأيمانِ بالعقدِ ، على أنها أيمانُ الفريقين مِن
الدَّلالةِ على ذلك بغيرِه .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذلك)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((والكلام)).
(٣ - ٣) فى م: ((صلة فى))، ويقصد بالضمير هنا: الإضمار، وبالصفة: حرف الجر. ينظر ما تقدم فى
٣١٠/١، ٤٥٣.
(٤) فى س: (( من غير)) .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المعنيه)). وجعل الشيخ شاكر العبارة هكذا: الدلالة المغنية. وينظر
تفسيره للضمائر فى هذه الجملة .

٦٧٥
سورة النساء : الآية ٣٣
وأما معنى قوله: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. فإِنه: وصَلَت وشَدَّت ووَكَّدت،
أَيْمَنُكُمْ﴾. يعنى: مواثيقُكم التى واثَق بعضُكم (١) بعضًا .
﴿ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((النصيب)) الذى
أمَرِ اللَّهُ أهلَ الحِلِفِ أَن يُؤْتِىَ بعضُهم بعضًا فى الإسلامِ ؛ فقال بعضُهم : هو نصیئُه مِن
الميراثِ؛ لأنهم فى الجاهلية كانوا يَتَوارَثون، فأوجَب اللَّهُ فى الإسلامِ من / بعضِهم ٥٢/٥
لبعضٍ بذلك الحِلفِ، وبمثلِه فى الإسلامِ، مِن المُوارثةِ مثلَ الذى كان لهم فى
الجاهلية ، ثم نسخ ذلك بما فَرَض مِن الفرائضِ لذوى الأرحامِ والقراباتِ .
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ ، عن الحسين بن واقدٍ ، عن
يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ فى قوله : (والذين عَاقَدَتْ (٢) أيمانكم
فآتوهم نصيبهم إِنَّ اللَّهَ على كلِّ شَىْءٍ شهيدًا) قال: كان الرجلُ يحالِفُ الرجلَ،
ليس بينَهما نسبٌ، فيرِثُ أحدُهما الآخرَ، فنسَخ اللَّهُ ذلك فى ((الأنفالِ))،
فقال: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)
[ الأنفال : ٧٥] .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبی بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِ اللَّهِ: (والذين عَاقَدَتْ أيمانكم). قال: كان الرجلُ يُعاقِدُ
الرجلَ فيَرِثُه، وعاقَد أبو بكرٍ رضِى اللَّهُ عنه مولّى فورِثَه (٤).
(١) فى النسخ: ((بعضهم)). والمثبت هو الصواب .
(٢) كذا فى النسخ، وستأتى فى موضع أخرى ﴿عقدت﴾. وأثبتنا القراءة فى كل أثر كما جاء فى النسخ.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٨/٣ عقب الأثر (٥٢٣٧) معلقًا .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥٨)، (٦٢٥ - تفسير) عن هشيم عن أبى بشر به، وعزاه =

٦٧٦
سورة النساء : الآية ٣٣
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ بن أبى
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ( وَالَّذِينَ عَاقَدَت أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيَهُمْ):
فكان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ ؛ أيُّهما مات ورِثه الآخرُ، فأنزل اللَّهُ: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِينَ إِلَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَ
أَوْ لِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ يَقُولُ: إلا أن يُوصُوا لأوليائهم الذين عاقَدوا وصيةٌ ، فهو لهم
جائزٌ مِن ثُلُثِ مالِ الميتِ ، وذلك هو المعروفُ(١) .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ( وَالَّذِينَ
عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمّْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ :
كان الرجلُ يُعاقدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فَيُقُولُ: دمى دمُك، وهَدَمى هَدَمُكَ(١)،
وتَرِثُنى وأرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك. فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ فى
الإسلام، ثم يَقْسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسِخ ذلك بعدُ فى سورةِ ((الأنفالِ))، فقال
اللَّهُ: ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَّرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِينَبِ اللَّهَّ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ : ( والذين عَاقَدَتْ أيمانكم) قال : كان الرجلُ فى الجاهليةِ يعاقِدُ الرجلَ فيَقُولُ :
دمى دمُك(٤)، وتَرِثُنى وأَرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأَطْلُبُ بك. فلما جاء الإسلامُ بقى منهم
= السيوطى فى الدر المنثور ٥٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص٣٣٣ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) قال ابن الأثير فى حديث بيعة العقبة: ((بل الدم الدم والهدم الهدم)). قال: فالهدم بالتحريك: القبر،
يعنى إنى أقبر حيث تقبرون . وقيل : هو المنزل: أى منزلكم منزلى. والهدم بالسكون وبالفتح أيضا: هو إهدار
دم القتيل، والمعنى : إن طُلب دمكم فقد طُلب دمى، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمى .. وهو قول معروف
للعرب عند المعاهدة والنصرة . النهاية ٥/ ٢٥١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) بعده فی س: ( وثویی ثوبك )).

٦٧٧
سورة النساء : الآية ٣٣
ناسٌ، فَأُمِروا أن يُؤْتُوهم نصيبهم مِن الميراثِ وهو السُّدُسُ، ثم نسِخ ذلك بالميراثِ،
فقال: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ اللَّهِ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى ، قال:
سمِعتُ قتادةَ يَقُولُ فى قولِهِ: ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ) :
وذلك أن الرجلَ كان يُعَاقِدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فِيَقُولُ: هَدَمی هَدَمُك، ودمی
دمُك، وتَرِثُنِى وَأَرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك. فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ،
ثم يَقْتَسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسَخ ذلك بعدُ فى ((الأنفالِ))، فقال: ﴿ وَأُوْلُواْ
اَلْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبٍ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. فصارَت المواريثُ
لذَوِى الأرحامِ .
/ حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةً، قال: ٣/٥
هذا حِلْفٌ كان فى الجاهليةِ ، كان الرجلُ يقولُ للرجل: تَرِثُّنى وأَرِتُك، وتَنْصُرُنى
وأَنصُرُك، وتَعْقِلُ [٥٣٥/١و] عنى وأَعقِلُ عنك(٢).
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبِيدُ بنُ
سليمانَ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ : ( وَالذينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم ) : كان
الرجلُ يَتْبَعُ الرجلَ فيُعاقِدُه: إن مِتُّ فَلَكَ مثلُ ما يَرِثُ بعضُ ولدى. وهذا منسوخٌ(".
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ( وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَّ
وَاُلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاءُوهُمْ نَصِيبَهُمَّ): كان(٤) الرجلُ فى الجاهليةِ قد كان
(١) تفسير عبد الرزاق ١٥٧/١، وهو فى مصنفه (١٩١٩٧).
(٢) عقل عنه: أدَّى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه. اللسان (ع ق ل).
(٣) ذكره النحاس فى ناسخه ص٣٣٣ معلقًا .
(٤) فى م: ((فإن)) .

٦٧٨
سورة النساء : الآية ٣٣
يُلْحِقُ به الرجلَ، فيكونُ تابِعَه، فإذا مات الرجلُ صار لأهلِه وأقاربِهِ الميراثُ، وَبَقِى
تابعًا (١) ليس له شىءٌ، فأنزل اللَّهُ، ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَشُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
فكان يُعْطَى من ميراثِه، فأنزل اللَّهُ بعدَ ذلك: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى
كِتَبِ اللَّهِ﴾(١).
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين آخى بينَهم رسولُ اللَّهِ عَ لَِّ من
المهاجرين والأنصارِ، فكان بعضُهم تَرِثُ بعضًا بتلك المؤاخاةِ ، ثم نَسَخ اللَّهُ ذلك
بالفرائضِ، وبقولِه: ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أَسامةً، قال: ثنا إدريسُ بنُ يزيدَ ، قال : ثنا
طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه : ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيَهُمْ) . قال: كان المهاجِرون حينَ قَدِموا المدينةَ ( يِرِثُ
المهاجرِىُّ الأنصارىَّ ) دونَ ذوى رَحِمِه(٤)، للأخوةِ التى آخَى رسولُ اللَّهِ عَ ◌ّلِ بينَهم،
فلما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾. نُسِخَت(٥).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ( وَاُلَّذِينَ
(١) فى م: (( تابعه)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٢ إلى المصنف.
(٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يورث الأنصار))، وفى س، وسنن أبى داود، والكبرى للنسائى: ((تورث
الأنصار))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((يورث الأنصارى)). والمثبت من المطبوعة موافق لما فى صحيح البخارى.
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( رحمهم).
(٥) أخرجه البخارى (٤٥٨٠، ٦٧٤٧)، وأبو داود (٢٩٢٢)، والنسائى فى الكبرى (٦٤١٧، ١١١٠٣)،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٧/٣ (٥٢٣٦)، والنحاس فى ناسخه ص ٣٣١، والحاكم ٣٠٦/٢، والبيهقى
٢٩٦/١٠ من طريق أبى أسامة به .

٦٧٩
سورة النساء : الآية ٣٣
عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ ): الذين عَقَد رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ، ﴿فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم
يأتِ رَحِمٌ يحولُ بينَهم . قال: وهو لا يكونُ اليومَ، إنما كان فى نَفَرٍ آخَى بينَهم رسولُ
اللَّهِ عَه، وانقطَع ذلك، ولا يكونُ هذا لأحدٍ إلا للنبىِّ عَظَه، كان آخَى بينَ
المُهاجِرين والأنصارِ ، واليومَ لا يُؤَاخَى بينَ أحدٍ (١).
وقال آخرون : بل نزَلَت هذه الآيةُ فى أهلِ العَقْدِ بالحِلْفِ ، ولكنهم أُمِروا أن
يُؤْتِىَ بعضُهم بعضًا أنصباءَهم من النُّصْرَةِ والنصيحةِ وما أشبهَ ذلك، دونَ الميراثِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِىُّ، قال: ثنا
طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيَهُمْ﴾: من النصرِ والنصيحةِ والرّفادةِ ، ويُوصِى لهم،
وقد ذهَب الميراثُ(١).
/حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، ٥٤/٥
عن مجاهدٍ: ﴿ وَاُلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾. قال: كان حِلْفٌ فى
الجاهلية ، فأَمِروا فى الإسلام أن يُعْطوهم نصيبهم من العَقْلِ والمشورةِ والنصرةِ ،
(٤)
ولا ميراثَ (4).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٢ إلى المصنف.
(٢) الرفادة: العطية . فتح البارى ٢٤٩/٨.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٨/٣ (٥٢٣٩) من طريق أبى أسامة به. وهو تمام الأثر المتقدم فى
الصفحة السابقة .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٣٨/٣ (٥٢٤٠)، والنحاس فى ناسخه ص ٣٣٤ من طريق سفيان به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٠/٢ إلى الفريابى وعبد بن حميد .

٦٨٠
سورة النساء : الآية ٣٣
حدَّثنا ابنُ المُثْنَى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ أنه قال فى هذه الآية: ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُصْكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ): من
العونِ والنصرِ والحِلْفِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ( وَاُلَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيَهُمْ).
قال: كان هذا حِلْفًا فى الجاهليةِ، فلما كان الإِسلامُ أَمِروا أن يُؤْتوهم نصيبهم من
النصرِ والوَلاءِ والمشورةِ، ولا ميراثَ(١).
حدَّثْنا زكريا بنُ يحيى بن أبى زائدةً، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جرَیج :
( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع
مجاهدًا يقولُ: هو الحِلْفُ، عقَدت أيمانكم. قال: ﴿ فَشَاتُوهُمْ﴾(١). قال:
النصر .
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى، قال : ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيج : أُخبرَنى عطاءٌ،
قال: هو الحِلْفُ. قال: ﴿فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. قال: العَقْلُ والنصرُ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجِيحِ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَثَاتُهُمْ نَصِيبَهُمْ). قال :
لهم نصيبهم من النصرِ والرّفادةِ والعَقْلِ(٥) .
(١) هو من تمام الأثر المتقدم في ص ٦٦٨ حاشية (١).
(٢) فى النسخ: ((وآتوهم))، وأثبتنا قراءة الآية .
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ١٨٨/٣.
(٤) فى س: (( فآتوهم )) .
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٦٠)، (٦٢٦ - تفسير) عن سفيان عن ابن أبى نجيح به .