النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة النساء : الآية ١٦
قال أبو جعفرٍ: وَأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا
مِنكُمْ﴾: قولُ مَن قال: عُنِى به البِكران غيرُ المحصَنين إذا زَنَيا، وكان أحدُهما
رجلًا والآخَرُ امرأةً ؛ لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصدُ البيانِ عن حكم الزناةِ مِن
الرجالِ، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿ وَأَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾ .
قصدُ البيانِ عن حكم الزوانى ، لقيل : والذين يأتونها منكم فآذوهم . أو قيل : والذى
يأتيها منكم. كما قيل فى التى قبلَها: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ﴾. فَأَخْرَج
ذكرَهنَّ على الجميعِ، ولم يَقُلْ: واللتان يأتيان الفاحشةَ .
وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيدِ على فِعْلِ ، أو الوعدِ عليه،
أَخْرَجَت أسماءَ أَهلِه بذكرِ الجميع أو الواحدِ ، وذلك أن الواحدَ يَدُلَّ على جنسِه،
ولا تُخْرِجُها بذكرِ اثنين، فتقولُ: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذى يفعل كذا
فله كذا. ولا تقولُ : اللذان يفعَلان كذا فلهما كذا ، إلا أن يكونَ فعلًا لا يكونُ إلا
مِن شخصين مختلفين، كالزنى لا يكونُ إلا من زانٍ وزانيةٍ . فإذا كان ذلك كذلك
قيل بذكرِ الاثنين، يُرادُ بذلك الفاعلُ والمفعولُ به. فأمَّا أن يُذْكَرَ بذكرِ الاثنين،
والمرادُ بذلك شخصان فى فعلٍ قد يَنْفَرِدُ كلُّ واحدٍ منهما به، أو فى فعلٍ لا يكونان
فيه مشتركَينِ ، / فذلك ما لا يُعْرَفُ فى كلامِها .
٢٩٦/٤
وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌّ فسادُ قولٍ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿ وَالَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾. الرجلان، وصحةُ قولٍ مَن قال: عُنِى به الرجلُ والمرأةُ . وإذ
كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنهما غيرُ اللواتى تقدَّم بيانُ حُكْمِهن فى قوله: ﴿ وَأَلَّتِى
يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ﴾؛ لأن هذين اثنان ، وأولئك جماعةٌ .
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الحبسَ كان للتَّاتِ عقوبةً حتى يُتَوَفَّينَ من
قبل أن يَجعَلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلاً؛ لأنه أغلَظُ فى العقوبةِ من الأُذَى الذى هو تعنيفٌ

٥٠٢
سورة النساء : الآية ١٦
وتَوبيخٌ، أو سَبِّ وتَغِيرٌ، كما كان السبيلُ التى ◌ُجُعِلَت لهنَّ من الرَّجْم أغلظَ من
السبيلِ التى جُعِلَت للأبكارِ مِن جَلْدِ المائَةٍ ونَفْي السنةِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَنَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً إِنَّ
اُللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا
اختلف أهلُ التأويل فى ((الأُذَى)) الذى كان اللَّهُ تعالى ذكرُه جعَله عقوبةٌ لِلَّذَين
يأتِيان الفاحشةَ مِن قبل أن يَجعَلَ لهما سبيلاً منه؛ فقال بعضُهم: ذلك الأذَى، أَذِى
بالقول واللسانِ ، كالتَّغْيِيرِ والتوبيخ على ما أتّيا من الفاحشةِ .
ذكرُ [٥١٢/١ظ] مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً:
فَشَاذُوهُمَا﴾. قال: كانا يُؤْذِّيَانٍ بالقولِ جميعًا(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً﴾ : فكانت الجاريةُ
والفتى إذا زَنَيَا يُعَنَّفان ويُعَيَّران حتى يَتْرُ كا ذلك(١).
وقال آخرون: كان ذلك الأذى أذِّى باللسانِ ، غيرَ أنه كان سَبًّا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو(٢) ، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبِى تَجيحِ،
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١٨٢/٢، والقرطبى فى تفسيره ٨٦/٥ بنحوه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سعد)).

٥٠٣
سورة النساء : الآية ١٦
عن مُجاهدٍ: ﴿ فَاذُوهُمَا﴾. يعنى: سَبًّا (١).
وقال آخرون : بل كان ذلك الأذى باللسانِ واليَدِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّاً﴾ :
فكان الرجلُ إذا زنَى أُوْذِىَ بالتَّغِيرِ وضُرِب بالنِّعالِ(٢).
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إن الله تعالى ذكرُه
كان أمَر المؤمنين بأذَى الزانِتَين المذكورين إذا أتًّا ذلك وهما من أهلِ الإسلامِ،
والأذى قد يَقَعُ بكلِّ (٢) مَكْروهِ نالَ الإنسانَ؛ مِن قولٍ سيّئَّ باللسانِ ، أو فعلٍ . وليس
فى الآية بيانُ أىِّ(٤) ذلك كان أُمِرِ به المؤمنون يومَئذٍ، ولا خبرٌ به عن رسولِ اللَّهِ عَلِ،
مِن نَقْلِ الواحدِ ولا نقلِ الجماعةِ الموجِبِ مَجِيثُها قطعَ العُذْرِ . وأهلُ التأويلِ فى ذلك
/ مُخْتَلِفون، وجائزٌ أن يكونَ ذلك أذِّى باللسانِ أو (٥) اليدِ، وجائزٌ أن يكونَ كان ٢٩٧/٤
أذًى بهما (١) ، وليس فى العلم بأىِّ (٢) ذلك كان من أىِّ نفعٌ فى دينٍ ولا دُنيا ، ولا فی
(١) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه البيهقى ٢١٠/٨ وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٦٣.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ١٧٧، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٥/٣، ٨٩٦ (٤٩٨٨)،
وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢
إلی ابن المنذر .
(٣) فى ص: ((لكل)).
(٤) فى م: ((أن )).
(٥) فى النسخ: (( و)). والمثبت ما يقتضيه السياق .
(٦) فى م: (( بأيهما )) .
(٧) فى النسخ: (( بأن)). والصواب ما أثبت .

٥٠٤
سورة النساء : الآية ١٦
الجهل به مَضَرَّةٌ إذا كان اللَّهُ جلّ ثناؤُه قد نسَخ ذلك من مُحْكَمِه بما أوجَب من
الحكم على عبادِه فيهما، وفى اللاتى قبلَهما، فأما الذى أوجب من الحكم
عليهم فيهما، فما أوجَب فى سورةِ ((النورِ)) بقولِه: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ
وَحِدٍ مِنْهُمَا مِنْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ [ النور: ٢] . وأما الذى أوجَب فى اللاتى قبلَهما، فالرَّجْمُ
الذى قضَى به رسولُ اللَّهِ عَّهِ فيهما، وأجمَع أهلُ التأويلِ جميعًا على أن اللَّهَ
تعالى ذكرُه قد جعَل لأَهلِ الفاحشةِ من الزُّناةِ والزَّوانى سبيلاً بالحدودِ التى حكم
بها فيهم .
وقال (٤)جماعةٌ من٤) أهلِ التأويلِ: إن اللَّهَ سبحانَه نسَخ بقولِه: ﴿ الزَّنَةُ وَالَِّ
فَأَجْلِدُواْ كُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِأْئَةً جَلْدَةٍ﴾. قوله: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ
فَشَاذُوهُمَّا﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا﴾. قال: كلُّ ذلك نَسَخَته
الآيةُ التى فى ((النورِ)) بالحدِّ المفروضِ(١).
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى، عن ابنٍ تُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَلَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَا﴾ الآية. قال: هذا نَسَخَته الآيَةُ فى سورة (النورٍ))
بالحدِّ المفروضِ(٣).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا أبو تُمَيلةً، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، عن يزيدَ
(١ - ١) فى ت١، س: ((جماعة)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه البيهقى ٢١٠/٨ نحوه.

٥٠٥
سورة النساء : الآية ١٦
النحوىِّ، عن عِكْرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا فى قوله: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ
فَشَاذُوهُمَّا ﴾ الآية: نسخ ذلك بآيةِ الجَلْدِ، فقال: ﴿الزَِّيَةُ وَالَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ
أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا﴾: فَأَنزَل
اللَّهُ بعدَ هذا: ﴿الَّانِيَّةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَةَ جَلْدَةٍ﴾ فإن كانا مُحْصَنَين
رُجِما فى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ يََّهِ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ﴾ الآية: جاءت الحدودُ
فنسختها .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ
سليمانَ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: نَسَخ الحدُّ هذه الآيةَ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سُفيانَ ، عن معمرٍ ، عن قتادةً:
فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ﴾ الآية. قال: نسَخَتها الحدودُ. وقوله: ﴿وَالَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾. نَسَخَتها الحدودُ(٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَا ﴾ الآية: ثم نُسِخ هذا، وُجُعِل السبيلُ لها إذا زَنَت
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٤/٣ عقب الأثر (٤٩٧٩) معلقًا .
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ١٧٧، ١٧٨ وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٥/٣ (٤٩٨٨) من
طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى ابن المنذر.

٥٠٦
سورة النساء : الآيتان ١٦، ١٧
وهى مُخْصَنةٌ رُجِمَت وأُخْرِجَت، ومجعِل السبيلُ للذَّكَرِ جددُ مائةٍ .
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿فَأَمْسِكُوُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥].
قال: نَسَخَتها الحدودُ(١).
وأما قولُه: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ . فإنه يعنى به جلّ
ج
ثناؤُه: فإن تابا من الفاحشةِ التى أَتًّا، فراجَعا طاعةَ اللَّهِ بينَهما، ﴿ وَأَصْلَحَا﴾ .
يقولُ: وأصلَحا دِينَهما بُمُراجعة التوبةِ من فاحشتِهما، والعمل بما يُرْضِى اللَّهَ .
فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾. يقولُ: فاصفَحوا عنهما، وكُفُوا عنهما الأذَى الذى كنتُ
أمَرتُكم أن تُؤذوهما به عقوبةً لهما [٥١٣/١و] على ما أتَيًّا من الفاحشةِ، ولا تُؤذوهما
بعدَ توبتهما .
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَابًا رَّحِيمًا﴾. فإنه يعنى: إن اللَّهَ لم يَزَلْ راجِعًا
لعبيدِه إلى ما يُحِبُّون ، إذا هم راجَعوا ما يُحِبُّ منهم من طاعتِه ، رحيمًا بهم ، يعنى :
ذا رحمةٍ ورأفةٍ .
القولُ فى تأويل قولِهِ: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ
بِجَهَلَةٍ ﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَّءَ
بِجَهَلَةٍ ﴾: ما التوبةُ على اللَّهِ لأحدٍ من خلقِه إلا للذين يعملون السوءَ من المؤمنين
بجَهالةٍ ، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾. يقولُ: ما اللَّهُ براجع لأحدٍ من خلقِه إلى ما
(١) تفسير عبد الرزاق ١٥١/١ ومن طريقه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٦٤ ، وأخرجه النحاس ص ٣٠٦ من
طريق معمر به وسقط من المطبوع إسناده إلى معمر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٢ إلى عبد بن حميد.
٢٩٨/٤

٥٠٧
سورة النساء : الآية ١٧
يُحِبُّه من العفو عنه ، والصفح عن ذنوبه التی سَلَفت منه ، إلا للذین یأتُون ما يأتونه من
ذنوبِهم جَهالةً منهم، وهم بربِّهم مؤمنون، ثم يُراجِعون طاعةَ اللَّهِ ، ويُنيئُونَ(١) منه
إلى ما أمرهم اللَّهُ به ، من الندمِ عليه والاستغفارِ وتركِ العودِ إلى مثلِه ، من قبلِ نُزولٍ
الموتِ بهم. وذلك هو ((القريبُ)) الذى ذكّره اللهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ
يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ .
وبنحوِ ما قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلٍ، غير أنهم اختلفوا فى معنى
قوله: ﴿ يِجَهَلَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم فى ذلك بنحوِ ما قلنا فيه، وذهَب إلى أن عملَه
السوءَ هو الجهالةُ التى عَناها .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن أبى العاليةِ
أنه كان يُحدِّثُ أن أصحابَ رسولِ اللَّهِ مَ الهِ كانوا يقولون: كلُّ ذنبٍ أصابَه عبدٌ
.(٢)
فهو بجهالةٍ (٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾. قال: اجتَمع أصحابُ رسولٍ
اللَّهِ مَّ الَِّ فِرَأَوا أن كلَّ شىءٍ عُصِى به فهو جَهالةٌ ، عمدًا كان أو غيرَه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾. قال: كلِّ مَن
(١) فى م: ((يتوبون)). وفى س: ((يتبعون)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١.

٥٠٨
سورة النساء : الآية ١٧
عَصَى ربَّه فهو جاهلٌ، حتى ينزِعَ عن معصيتِه ١ .
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن
مُجاهدٍ قوله: ﴿ إِنَّمَا / الثَّوْبَةُ عَلَى الَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الشُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ﴾. قال: كلُّ
مَن عمِل بمعصيةِ اللَّهِ ، فذاك منه بجهلِ حتى يَرْجِعَ عنه .
٢٩٩/٤
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾: ما
دامٍ يَعْصِى اللَّهَ فهو جاهلٌ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنا محمدُ بنُّ فُضَيلِ بنِ غَزوانَ ، عن أبى
النَّضْرِ، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السُّوءَ بِجَهَلَةٍ﴾. قال: مَن عَمِل السوءَ فهو جاهلٌ؛ مِن جَهالتِهِ عَمِل السوءَ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال : مَن عَصَى اللَّهَ فهو جاهلٌ، حتى يَنْزِعَ عن معصيتِه .
قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ ، قال: كلّ عاملٍ
بمعصيةٍ فهو جاهلٌ، حينَ عَمِل بها (٣).
قال ابنُ مجرَيجٍ : وقال لى عطاءُ بنُ أبى رَباحِ نحوَه (٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٢٧٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٧/٣ (٤٩٩٩) وأخرجه البيهقى فى
الشعب (٧٠٧٣) من طريق أبي عاصم به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر ١٣٠/٣ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن كثير فى التفسير ٢/ ٢٠٦.
(٤) تفسير الثوری ص ٩٢ عن ابن جريج به .

٥٠٩
سورة النساء : الآية ١٧
اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ
مِن قَرِيبٍ﴾. قال: الجَهالةُ كلُّ امرئٍ عمِل شيئًا مِن معاصِى اللَّهِ، فهو جاهلٌ
أبدًا حتى يَنْزِعَ عنها. وقرَأ: ﴿هَلْ عَلِمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ
جَهِلُونَ ﴾ [ يوسف: ٨٩]. وقرأ: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَتِهِنَّ وَأَكْنُ مِّنَ
اَلْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. قال: مَن عصَى اللَّهَ فهو جاهِلٌ حتى يَنْزِعَ عن
معصيته .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ﴾: يعمَلون
ذلك علی عمدٍ منهم له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَةٍ ﴾. قال: الجهالةُ العمدُ(١).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن بُوَيبٍ، عن
الضحاكِ: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَةٍ ﴾. قال: الجَهالةُ
و(١)
العمدُ(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبةُ على اللَّهِ للذين يعملون السوءَ فى
الدنيا .
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٥/ ٩٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٧/٣ (٥٠٠٠) من طريق سفيان ، عن جابر، عن مجاهد .

٥١٠
سورة النساء : الآية ١٧
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ ، عن الحكمِ بنِ
أبانٍ، عن عكرمةَ قوله: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾ .
قال : الدنيا كلُّها جَهالةٌ(١).
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُها : إنما
التوبةُ على اللَّهِ للذين يعملون السوءَ، وعمَلُهم السوءَ هو الجَهالةُ التى جَهِلوها ،
عامِدين كانو للإِثم أو جاهِلين بما أعَدَّ اللَّهُ لأهلِها، وذلك أنه غيرُ موجودٍ فى
كلام العربِ تَسْمِيةُ العامدِ للشىءِ ؛ الجاهلَ به ، إلا أن يكونَ مَعْنِيًّا به أنه جاهلٌ
٣٠٠/٤ / بقَدْرِ مَنْفعتِه وَمَضَرَّتِه، [٥١٣/١ظ] فيقالُ: هو به جاهلٌ. على معنى جهلِه
بمعنى(١) نفعِهِ وضَرِّه، فأما إذا كان عالماً بقَدْرِ مبلغ نفعِه وضُرِّه، قاصِدًا إليه،
فغيرُ جائزٍ مِن أجلٍ(١) قَصْدِه إليه أن يقالَ: هو به جاهلٌ؛ لأن الجاهلَ بالشىءٍ
هو الذى لا يعلَمُه ولا يَعرِفُه عندَ التقدم عليه، أو يَعلَمُه فيُشَبَّهُ فاعِلُه، إذ كان
خَطَأَّ ما فعله، بالجاهلِ الذى يأتى الأمرَ وهو به جاهلٌ، فيُخطِئُ موضعَ
الإصابةِ منه، فيقالُ: إنه لجاهِلٌ به. وإن كان به عالماً؛ لإتيانِه الأمرَ الذى لا
يأتى مثلَه إلا أهلُ الجهلِ به .
وكذلك معنى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ﴾. قيل فيهم: ﴿ يَعْمَلُونَ
السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ﴾ .. وإن أتَوه على علمٍ منهم بمبلَغِ عقابِ اللَّهِ أهلَه ، عامِدین إتيانَه ، مع
معرفتِهم بأنه عليهم حرامٌ ؛ لأن فعلَهم ذلك كان من الأفعالِ التى لا يأتى مثلَه إلا مَن
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٧٠/١٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٨/٣ (٥٠٠٣) من طريق معتمر بن سليمان به .
(٢) كذا فى النسخ، ولعل الصواب ((بمبلغ)).
(٣) فى النسخ: ((غير)). والمثبت ما يقتضيه السياق.

٥١١
سورة النساء : الآية ١٧
جَهِل عظيمَ عقابِ اللَّهِ عليه أهلَه، فى عاجل الدنيا وآجِل الآخرةِ ، فقيل لمن أتاه وهو
به عالمٌ : أتاه بجهالةٍ . بمعنى أنه فعَل فِعلَ الجُمَّالِ به ، لا أنه کان به جاهِلاً .
وقد زَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ(١) أن معناه أنهم جَهِلوا كُتْهَ ما فيه من العقابِ ، فلم
يَعْلَموه كعلم العالِم، وإن عَلِموه ذَنْبًا، فلذلك قيل: ﴿ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ﴾ .
ولو كان الأمرُ على ما قال صاحبُ هذا القولِ لوَجَب ألَّ تكونَ توبةٌ لمن عِلِم
كُنْهَ ما فيه، وذلك أنه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ
◌ِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾. دونَ غيرِهم ، فالواجبُ على صاحبِ هذا القولِ
ألّا يكونَ للعالم الذى عَمِل سوءًا على علم منه بكَنْهِ ما فيه ، ثم تابَ من قريبٍ -
توبةٌ ، وذلك خلافُ الثابتِ عن رسولِ اللَّهِ عَامِ، من أن كلَّ تائبٍ عسى اللَّهُ أن
يتوب عليه(١، وقولِه: ((بابُ التَّويةِ مَفتوحٌ ما لم تَطْلُع الشمسُ من مَغْرِيِها))(١).
وخلافُ قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾
[ الفرقان : ٧٠] .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((القريبِ)) فى هذا الموضعِ ؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك : ثم يتوبون فى صحتِهم قبلَ مرضِهم وقبلَ موتِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) هو الفراء كما فى معانى القرآن ٢٥٩/١ .
(٢) يشير إلى ما أخرجه أحمد ١١٢/٢٨ (١٦٩٠٧)، والنسائى (٣٩٥٥) والطبرانى ٣٦٤/١٩، ٣٦٥
(٨٥٦ - ٨٥٨)، والحاكم ٣٥١/٤ من حديث معاوية، وما أخرجه أبو داود (٤٢٧٠) ، وابن حبان
(٥٩٨٠)، والحاكم ٣٥١/٤ من حديث أبى الدرداء.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) من حديث أبى موسى بلفظ آخر .
.

٥١٢
سورة النساء : الآية ١٧
السُّدِّىِّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ : والقريبُ قبلَ الموتِ ما دامَ فى صحتِه(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبى النَّصْرِ،
عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾. قال: فى الحياةِ
والصحةِ(٢) .
وقال آخَرون : بل معنَى ذلك : ثم يتوبون من قبلِ مُعاينةٍ مَلَكِ الموتِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاويةُ بنُ صالح، عن عليّ بنِ أبی
طلحةَ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾: والقريبُ فيما بينَه وبينَ أن
يَنظُرَ إلى مَلَكِ الموتِ (٣) .
/ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ
٣٠١/٤
عِمرانَ بنَ محدَيرٍ ، قال: قال أبو مِجْلَزٍ: لا يزالُ الرجلُ فى توبةٍ حتى يُعايِنَ
=(٢)
الملائكةَ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن
محمدِ بنِ قيسٍ، قال : القريبُ ما لم تنزِلْ به آيةٌ من آياتِ اللَّهِ تعالى، ويَنْزِلْ به
الموتُ(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٩/٣ (٥٠،٨) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٨/٣ (٥٠٠٥) من طريق أبى صالح به .

٥١٣
سورة النساء : الآية ١٧
قَرِيبٍ﴾: له التوبةُ ما بينَه وبينَ أن يُعايِنَ مَلَكَ الموتِ ، فإذا تابَ حينَ ينظُرُ إلى مَلَكِ
الموتِ ، فليس له ذاك (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : ثم يَتوبون من قبلِ الموتِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثوریُّ، عن
رجلٍ، عن الضحاكِ: ﴿ثُمَّ يَتُوُبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾. قال: كلَّ شيءٍ قبلَ الموتِ فهو
(٢)
قَریبٌ(٢) .
حدَّثُنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ ، عن الحكم بنِ
أبانٍ، عن عكرمةً: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾. قال: الدنيا كلُّها قَرِيبٌ (٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ
يَتُوُبُونَ مِن قَرِيبٍ ﴾ : قبلَ الموتِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ ، قال : ثنى أبى ، عن قتادةَ ،
عن أبى قِلابةَ، قال: ذُكِر لنا أن إبليسَ لمَّا لُعِن وأَنْظِر، قال: وِزَّتِك لا أخرُجُ من
قلبِ ابنِ آدمَ ما دامَ فيه الروح. فقال تبارك وتعالى: وِزَّتِى لا أُمنَعُه التوبةَ ما دامَ
فيه الروح .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٥١/١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٩٦ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى
فى الشعب (٤٠٧٤) - من طريق رجل من أهل الكوفة ، عن الضحاك .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٧٠/١٣ عن معتمر بن سليمان به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٨/٣
(٥٠٠٧) من طريق الحكم بن أبان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى عبد بن حميد.
( تفسير الطبرى ٣٣/٦ )

٥١٤
سورة النساء : الآية ١٧
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ◌ِمرانُ، عن قتادةَ،
قال: كُنَّا عندَ أنسِ بنِ مالكٍ وَثَمَّ أبو قلابةَ، فحَدَّث أبو قِلابةً، قال: إن
اللَّهَ تبارك وتعالى لَّ لَعَن إِبليسَ سأَلِه النَّظِرَةَ، فقال: وعِزَّتِك لا أخرُجُ من
قلبِ ابنِ آدمَ. فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: وعِزَّتِى لا أَمنَعُه التوبةَ ما دامَ فيه
الروحُ .
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال : ثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةً ، قال :
إن اللَّهَ تبارك وتعالى لمّ لَعَن [٥١٤/١و] إبليسَ سأله النَّظِرةَ، فأَنظَرَه إلى يومِ الدينِ،
قال : وعِزَّتِك لا أخرُجُ مِن قلبٍ ابنِ آدمَ ما دامَ فيه الروح . قال: وعِزَّتى لا أحجُبُ عنه
التوبةَ ما دامَ فيه الروحُ(١) .
حدَّثنى ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ،
قال: بلغنى أن رسولَ اللَّهِ مَّمِ قال: ((إن إبليسَ لَمَّ رأى آدمَ أَجْوَفَ قال:
وِزَّتِك لا أخرجُ مِن جَوْفِه ما دامَ فيه الروحُ. فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: وعِزَّتِى
لا أحُولُ بينَه وبينَ التوبةِ ما دامَ فيه الروح))(٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ ، قال : ثنا معاذُ بنُ هشام ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ ، عن العلاءِ
ابنِ زيادٍ، عن / أبى أيوبَ بُشَيْرِ بنِ كعبٍ، أن نبيَّ اللَّهِ مَ له، قال: ((إِنَّ اللَّهَ يقبَلُ توبةً
العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ))(٣).
٣٠٢/٤
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٨٧/١٣، وابن المبارك فى الزهد (١٠٤٥ - زيادات المروزى)، وأبو نعيم ٢٨٤/٢
من طريق عبد الوهاب به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٣٧/١٧، ٣٤٤ (١١٢٣٧، ١١٢٤٤)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، والحاكم ٢٦١/٤ من
حديث أبى سعيد الخدرى .
(٣) أخرجه أحمد ٣٠٠/١٠، ٤٦١ (٦١٦٠، ٦٤٠٨)، وابن ماجه (٤٢٥٣)، والترمذى (٣٥٣٧)،
وابن حبان (٦٢٨)، والحاكم ٢٥٧/٤، والبيهقى فى الشعب (٧٠٦٣) من حديث ابن عمر .

٥١٥
سورة النساء : الآية ١٧
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عُبادةً
ابنِ الصامتِ، أن رسولَ اللَّهِ عَمِ قال. فذكَر مثلَهُ(١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ، قال: بلَغنى
أن رسولَ اللَّهِ مَ لِهِ قال: ((إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يَقْبَلُ تَوْبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ))(٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: تأويلُه: ثم
يَتوبون قبلَ مَماتِهم ، فى الحالِ التى يَفْهَمون فيها أمرَ اللَّهِ تبارك وتعالى ونهيَه ، وقبلَ أن
يُعْلَبوا على أنفسِهم وعقولهم، وقبلَ حالِ اشتغالِهِم بكربِ الحَشْرجةِ، وغَمِّ
الغَرْغَرةِ ، فلا يعرِفوا أَمرَ اللَّهِ ونهيَه، ولا يعقِلوا التوبةَ ؛ لأن التوبةَ لا تكونُ توبةٌ إلا
مَّن(٢) ندم على ما سَلَف منه، وعزَم فيه على تركِ المعاودةِ ، وهو يعقِلُ الندمَ ، ويختارُ
تركَ الْمُعاودةِ، فأما إذا كان بكربِ الموتِ مَشْغولا، وبغَمِّ الحَشْرجةِ مَغْمورًا ، فلا إخالُه
إلا عن النَّدمِ على ذنوبِهِ مَغْلوبًا، ولذلك قال مَن قال: إن التوبةَ مقبولةٌ ما لم يُغَرْغِ
العبدُ بنفسِه. فإن كان المرءُ فى تلك الحالِ يعقِلُ عقلَ الصحيحِ، ويفهَمُ فهمَ العاقلِ
الأريبِ، فأحدَث إنابةً من ذنوبِهِ، ورَجْعةٌ من شُرودِه عن ربِّه إلى طاعتِه، كان إن
شاء اللَّهُ ممن دخَل فى وعدِ اللَّهِ الذى وَعَد التائبِين إليه من إجرامِهم من قريبٍ بقولِه:
﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأُؤْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمَالينا
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿ فَأُوْلَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين يعملون السوءَ
بجَهالةٍ ثُم يَتوبون من قريبٍ ، ﴿ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾، دونَ مَن لم يَتُبْ ، حتى غُلِب
(١) أخرجه القضاعى فى مسند الشهاب (١٠٨٥) من طريق قتادة به .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٧/٢ عن المصنف .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من)).

٥١٦
سورة النساء : الآيتان ١٧، ١٨
على عقلِه، وغَمَرتْه حَشْرجةُ مِيتِه، فقال وهو لا يفقَهُ ما يقولُ: ﴿إِنِِّ تُبْتُ
اُلْتَنَ﴾. خِداعًا لربِّه، ونِفاقًا فى دينِه .
ومعنى قوله: ﴿ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: يَرْزُقُهم إنابةً إلى طاعتِه، ويَتَقَبَّلُ منهم
أَوْبتَهم إليه وتوبتهم التى أحدثوها من ذنوبهم .
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فإنه يعنى: ولم يَزَلِ اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه عليمًا بالناسِ من عبادِهِ المُنِيبين إليه بالطاعةِ ، بعدَ إدبارِهم عنه ، المُقُبلِين إليه بعدَ
التولية، وبغيرِ ذلك من أمورٍ خلقِه، حكيمًا فى توبته على مَن تابَ منهم من
معصيتِه، وفى غيرِ ذلك من تدبيرِه وتقديرِه، ولا يدخُلُ أفعالَه خَلَلٌ ، ولا يَخْلِطُه
خطأٌ ولا زَلَلٌ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى
إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ ﴾
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وليست التوبةُ للذين يعملون السيئات من أهلِ الإصرارِ
٣٠٣/٤ على معاصى اللَّهِ، ﴿حَتََّ / إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اُلْمَوْثُ﴾ يقولُ: إذا حَشْرَج
أحدُهم بنفسِه ، وعايَن ملائكةَ ربِّه قد أقبَلوا إليه لقَبْضٍ روحِه قال - وقد غُلِب على
نفسِه، وحِيلَ بينَه وبينَ فَهْمِه، بشُغْلِه بكربٍ حَشْرَجَتِه وغَرْغَرتِه - : ﴿إِنِّ تُبْتُ
اُلْفَنَ ﴾. يقولُ: فليس لهذا عندَ اللَّهِ تبارك وتعالى توبةٌ ؛ لأنه قال ما قال فى غيرِ حالٍ
توبة .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا الثورىُّ،
عن يَعْلى بنِ نَعْمَانَ، قال: أخبَرَنى مَن سمِع ابنَ عمرَ يقولُ : التوبةُ مَبْسوطةٌ ما لم
يُسَقْ. ثم قرَأ ابنُ عمرَ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا
حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِّ تُبْتُ اُلْثَنَ﴾. ثم قال: وهل الحضورُ إلا

٥١٧
سورة النساء : الآية ١٨
ءٍ (١)
السَّوْق
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اُلْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْثَنَ﴾. قال: إذا تَبَّن الموتُ فيه لم يَقْبَلِ اللَّهُ له توبةً.
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبى النَّضْرِ،
عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ
حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِِّ تُبْتُ اُلْتَنَ﴾: فليس لهذا عندَ اللَّهِ
۔۔(٢)
تَوْبةٌ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، قال:
سمِعتُ إبراهيمَ بنَ ميمونٍ يُحدِّثُ عن رجلٍ من بنى الحارثِ ، قال : ثنا رجلٌ مِنَّا ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أنه [٥١٤/١ظ] قال: مَن تابَ قبلَ موتِه بعامٍ تِيبَ عليه . حتى
ذَكَر شهرًا، حتى ذَكَر ساعةً ، حتى ذَكَر فُوَاقًا (٢) ، قال: فقال رجلٌ: كيف يكونُ
هذا، واللَّهُ تعالى يقولُ: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا
حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ اُلْثَنَ﴾؟ فقال عبدُ اللَّهِ: أنا أحدِّتُك ما سمِعتُ
من رسولِ اللهِ عَلَهٍ(٤).
(١) تفسير سفيان ص ٩٢ - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٧٠٧٢) - وتفسير عبد الرزاق ١٥٠/١،
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٠/٣ (٥٠١٧) عن الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٣١/٢ إلى ابن المنذر .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى المصنف.
(٣) فواق الناقة: هو ما بين الحلبتين من الراحة، وتضم فاؤه وتفتح. النهاية ٣/ ٤٧٩.
(٤) أخرجه الطيالسى (٢٣٩٨)، وأحمد ٥١٧/١١ (٦٩٢٠)، والبخارى فى الكبير ٤٢٧/١، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٨٨٩/٣، ٩٠٠ (٥٠١٠، ٥٠١٤)، والبيهقى فى الشعب (٧٠٦٧) من طريق شعبة به.

٥١٨
سورة النساء : الآية ١٨
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ، عن
إبراهيمَ ، قال: كان يقالُ: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم يُؤْخَذْ بَكَظَمِه(١) .
واختلف أهلُ التأويلِ فى مَن عنَى بقولِه: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتََّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْقَنَ ﴾؛ فقال
بعضُهم: عنَى به أهلَ النِّفاقِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن
قَرِيبٍ﴾. قال: نَزَلَت الأولى فى المؤمنين، ونَزَلَت الوُسْطى فى المنافِقِينَ - يعنى:
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - والأخرى فى الكفارِ.
يعنى: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ ﴾(١).
وقال آخرون: بل عنَى بذلك أهلَ الإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
٣٠٤/٤
/ حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن
سُفيانَ، قال: بلَغنا فى هذه الآية: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِّى تُبْتُ الْثَنَ ﴾. قال: هم
ج
المسلمون ، أَلَا تَرى أنه قال: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾؟
(١) الكَظَم : مخرج النفس من الحلق. النهاية ١٧٨/٤.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف.

٥١٩
سورة النساء : الآية ١٨
وقال آخرون : بل هذه الآيةُ كانت نَزَلَت فى أهل الإيمانِ ، غيرَ أنها نُسِخَت .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِِّ تُبْتُ الْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
وَهُمْ كُفَّارُ﴾: فأنزل اللهُ تبارك وتعالى بعدَ ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. فحَرَّم اللهُ تعالى المغفرةَ على
من مات وهو كافر، وأرْجَأ أهلَ التوحيدِ إلى مَشِيئِه، فلم يُؤْيِشْهم من المغفرةِ (١).
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ ما ذكره الثورىُّ أنه بَلَغه
أنه فى الإسلام. وذلك أن المنافِقين كفارٌ، فلو كان مَعْنِيًّا به أهلَ النِّفاقِ ، لم يكنْ
ج
لقوله: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ . معنَى مفهومٌ؛ لأنهم إن كانوا
٢)
الذين قبلَهم فى معنًى واحدٍ، من أن جميعَهم كفارٌ، فلاُ وَجْهَ لتَفْرِيقِ
أحكامِهم(٤)، و(٥) المعنى الذى من أجلِه بَطَل أن تكونَ توبةٌ؛ واحدٌ(٤). وفى تَفْرقةٍ
اللهِ جلّ ثناؤُه بينَ أسمائِهم وصِفاتِهم، بأن سَمَّى أحدَ الصِّنفَين كافرًا، ووَصَف
الصِّنْفَ الآخَرَ بأنهم أهلُ سَيئاتٍ ، ولم يُسَمِّهم كفارًا، ما دَلْ على افتراقِ مَعانِيهم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠١/٣ (٥٠٢٠) من طريق عبد الله بن صالح به، دون قوله: وأرجأ
أهل التوحيد إلى مشيئته ... وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى أبى داود فى ناسخه وابن المنذر.
(٢ - ٢) فى م: ((إن كانوا هم و))، وفى س: ((إما كانوا)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ولا)).
(٤) فى م، ت١: ((أحد منهم)).
(٥) فى م: ((فى)).
(٦) بعده فى م: (( مقبولة)).

٥٢٠
سورة النساء : الآيتان ١٨، ١٩
وفى صحةٍ كونٍ ذلك كذلك صحةُ ما قلنا وفسادُ ما خالَفه .
ج
لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا (
القولُ فى تأويلٍ قولِه : ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُونُونَ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ولا التوبةُ للذين يموتون وهم كفارٌ. فمَوضِعُ
﴿ الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ؛ لأنه معطوفٌ على قولِه: ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
وقولُه: ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: هؤلاء الذين يموتون
وهم كفارٌ أَعْتَدنا لهم عذابًا أليمًا؛ لأنهم من التوبةِ أبعدُ، لموتِهم على الكفرِ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبى
النضرِ، عن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ :
أولئك أبعدُ من التوبةِ(١) .
واختلف أهلُ العربيةِ فى معنى: ﴿أَعْتَدْنَا لَمْ﴾؛ فقال بعضُ البصريين :
معنى ﴿ أَعْتَدْنَا﴾: أفعَلنا، من العَتَادِ. قال: ومعناها : أَعْدَدنا .
وقال بعضُ الكوفيين: أَعْدَدنا وأعتدنا معناهما واحدٌ .
فمعنى قوله: ﴿ أَعْتَدْنَا لَمْ﴾: أَعْدَدنا لهم. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ:
مُؤلمًا مُوجِعًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ
كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ / مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ
٣٠٥/٤
(١ - ١) فى م: ((أبعدهم من التوبة كونهم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى المصنف.