النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة النساء : الآية ١٢
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى ويحيى بنُ آدمَ ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ،
عن سُليمٍ (١) بنِ عبدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ.
وقال آخرون: الكَلالةُ هى الورثةُ الذين يَرِثون الميتَ، إذا كانوا إخوةً أو
أخواتٍ أو غيرهم ، إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا. على ما قد ذكرنا مِن
اختلافهم فى ذلك .
وقال آخرون : بل الكلالةُ الميتُ والحىُّ جميعًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : الكَلالةُ الميتُ الذى لا
ولدَ له ولا والدَ ، والحِىُّ، كلَّهم كَلالَةٌ، هذا يَرِثُ بالكَلالةِ، وهذا يُورَثُ(٢) بالكَلالةِ(٣).
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القول فى ذلك عندى ما قاله هؤلاء، وهو أن
الكلالةَ الذين يَرِثُون الميتَ مَن عدا ولدَه ووالدَه ؛ وذلك لصحةِ الخبرِ الذی ذگوْناه
عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنما يَرِثُنِى كَلالَةٌ، فكيف
= منصور فى سننه ( ٥٨٩ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٤١٥/١١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٧/٣
(٤٩٣٣) - ولفظه: قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد -، والحاكم ٣٠٣/٢، والبيهقى ٢٢٥/٦. من طريق
ابن عيينة به. وأخرجه عبد الرزاق فى المصنف (١٩١٨٧) من طريق طاوس به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٥٠/٢ إلى ابن المنذر.
قال الحاكم : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ووافقه الذهبى. وقال البيهقى : كذا
فى هذه الرواية ، والذى روينا عن عمر وابن عباس فى تفسيره الكلالة أشبه بدلائل الكتاب والسنة من هذه الرواية ،
وأولى أن يكون صحيحًا لانفراد هذه الرواية وتظاهر الروايات عنهما بخلافها ، واللَّه أعلم .
(١) فى النسخ: ((سليمان)). والمثبت هو الصواب.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يرث)).
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ١٣٥/٣.
( تفسير الطبرى ٣١/٦ )

٤٨٢
سورة النساء : الآية ١٢
(١)
بالميراثِ(١) ؟
ولما (١٢) حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَونٍ ، عن عَمرِو
ابنِ سعيدٍ ، قال: كُنَّا مع محُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ فى سوقِ الرقيقِ ، قال : فقام مِن
عندِنا ثم رجَع، فقال : هذا آخِرُ ثلاثةٍ مِن بنى سعدٍ حدثونى هذا الحديثَ ، قالوا :
مرِض سعدٌ بمكةً مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسولُ اللَّهِ يَّامٍ يعودُه، فقال: يا رسولَ
اللَّهِ، لى مالٌ كثيرٌ، وليس لى وارثٌ إِلا كَلالةٌ، فأُوصِى بمالى كُلُّه؟ فقال:
(٣)
((لا))(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيدٍ ، عن
العلاءِ بنِ زيادٍ ، قال: جاء شيخٌ إلى عمرَ رضِى اللهُ عنه، فقال: إنی شیخٌ ، وليس لی
وارثٌ إِلا كَلالةٌ ، أعرابٌ مُتَراخٍ نسبُهم، أفْأُوصِى بِثُلُثِ مالى؟ قال: لا(4).
فقد أنبأتْ هذه الأخبارُ عن صحة ما قلنا فى معنى الكلالةِ، وأنها وَرَثَةُ الميتِ
دون الميتِ ممن عدا والده وولده .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُنَّ فَإِنِ
كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ اُلُّلُثِّ﴾.
٢٨٧/٤
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتُ﴾: وللرجلِ الذى يُورَثُ كَلالةً
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٩، ٤٦٠.
(٢) فى النسخ: (( بما)) والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٧٨١) من طريق ابن علية به ، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٣١) من طريق ابن
عون به، وأخرجه ابن سعد ١٤٥/٣، وأحمد ٥٠/٣ (١٤٤٠)، والبخارى فى الأدب المفرد (٥٢٠)،
ومسلم (١٦٢٨)/ ٩، وابن خزيمة (٢٣٥٥)، والبيهقى ١٨/٩ من طريق عمرو بن سعيد به.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٣٥)، والدارمى ٤٠٨/٢ من طريق إسحاق به سويد به .

٤٨٣
سورة النساء : الآية ١٢
﴿ وَلَهُوَ أَخُ أَوْ أُخْتٌ﴾، يعنى: أَّا أو أُختَا من أُمُّه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
يَعْلَى بنِ عطاءٍ، عن القاسم، عن سعدٍ أنه كان يقرأ: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُوَ أَخُ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لأَّه(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُتَّى ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بن
عطاءٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ ربيعةً يقولُ: قرأتُ على سعدٍ: ﴿ وَإِن كَانَ
رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَّ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُوَ أَخُّ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال سعدٌ: لَأَمَّهُ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُّ المُنَّى ، قال : ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بنِ
عطاءٍ، عن القاسم بنٍ ربيعةً ( بنٍ قانِفٍ" ، قال: قرأتُ على سعدٍ. فذكر نحوه.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرَنا مُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ،
عن القاسم بن ربيعةً ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقَّاصٍ قرَأ: (وإنْ كان رجلٌ يُورَثُ
كَلالَةً وله أخٌ أو أختٌّ من أُمُّه)(٤) .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاءِ الإخوةُ مِنَ الأُمّ، إن [٥١٠/١و] كان واحدًا
فله السدُسُ ، وإن كانوا أكثرَ مِن ذلك فهم شركاءُ فى الثلُثِ، ذكَرُهم وأُنتاهم فيه
(٥)
سواءٌ(9).
(١) أخرجه، ابن أبى شيبة ٤١٦/١١، ٤١٧، والدارمى ٣٦٦/٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٧/٣.
(٤٩٣٦) من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٧/٣ (٤٩٣٦) من طريق شعبة به .
(٣ - ٣) فى م: ((عن فاتك)) وتقدم فى ٣٩٢/٢.
(٤) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٦٩، وسعيد بن منصور فى تفسيره (٥٩٢ - تفسير)، والبيهقى
٢٣١/٦ من طريق هشيم به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٤٨٤
سورة النساء : الآية ١٢
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتٌ﴾:
فهؤلاء الإخوةُ من الأمّ، فهم شركاءُ فى الثلثِ، سواءٌ الذكَرُ والأُنثى.
وقولُه: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسَُّ﴾. إذا انفرد الأخُ وحدَه، أو الأختُ
وحدَها ، ولم يكن أخٌ غيرُه أو غيرُها مِن أَمِّه ، فله السدُسُ مِن ميراثٍ أخيه لأمّه ، فإن
اجتمع أخْ وأختٌ، أو أخوان لا ثالثَ معَهما لأمّهما، أو أختان كذلك، أو أخٌ
وأختٌ ليس معَهما غيرُهما مِن أَمِّهما ، فلكلِّ واحدٍ منهما مِن ميراثِ أخيهما لأمّهما
السدُسُ، ﴿فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ ﴾. يعنى: فإن كان الإخوةُ والأخواتُ
لأمّ الميتِ الموروثِ كَلالةً أكثرَ مِن اثنين، ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ الثُّلُثِّ﴾. يقولُ :
فالثلثُ الذى فرَضْتُ لاثنيهم - إذا لم يكنْ غيرُهما مِن أمِّهما ميراثًا لهما مِن أخيهما
الميتِ الموروثِ كَلالةٌ - شَرِكٌ بينهم ، إذا كانوا أكثرَ من اثنين إلى ما بلَغ عددُهم،
على عددٍ رءوسِهم ، لا يُفَضَّلُ ذكَرٌّ منهم على أنثى فى ذلك ، ولكنه بينهم بالسَّوِيَّةِ .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَهُ أَخُ أَوْ أُخْتُ﴾. ولم يُقَلْ: لهما أخْ أو
أختٌ. وقد ذُكِر قبلَ (١) ذلك رجلٌ أو امرأةٌ، فقيل: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ
كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ ﴾؟
قيل : إن مِن شأنِ العربِ إذا قدَّمت ذِكْرَ اسمينِ قبلَ الخبرِ، فعطَفت أحدَهما
على الآخرِ بـ ((أو))، ثم أَتَت بالخبرِ - أضافت الخبرَ إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى
٢٨٨/٤ أحدِهما، وإذا / أضافت إلى أحدِهما، كان سواءً عندها إضافةُ ذلك إلى أىِّ
الاسمين اللذين ذكَرتهما، أضافَتْه، فتقولُ: مَن كان عنده غلامٌ أو جاريةٌ ،
فَلْيُحْسِنْ إليه - يعنى: فَلْيُحْسِنْ إلى الغلامِ - و: فَلْيُحْسِنْ إليها - يعنى: فلْيُحْسِنْ
(١) فى النسخ: ((مثل)). والمثبت ما يقتضيه السياق.

٤٨٥
سورة النساء : الآية ١٢
إلى الجاريةِ - و: فَلْيُحْسِنْ إليهما .
وأمَّا قولُه: ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ﴾ - وقد تقدَّم ذِكرُ الأخ والأختِ
بعطفِ أحدِهما على الآخرِ. والدَّلالةُ على أن المرادَ بمعنى الكلام أحدُهما فى قوله :
﴿ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتُ﴾ - فإن ذلك إنما جاز لأن معنى الكلام: ولكلٍّ واحدٍ مِن
المذكورين السدُسُ .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ
﴾﴾.
وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ(
يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾. أى: هذا الذى
فرَضتُ لأخى الميتِ الموروثِ كَلالَةً وأختِه أو إخوته وأخواتِهِ مِن ميراثِه وتَرِكِتِه ، إنما هو
لهم مِن بعدِ قضاءِ دَيْنِ الميتِ الذى كان عليه يومَ حدَث به حدَثُ الموتِ مِن تَرِكَتِه ،
وبعدَ إِنفاذٍ وصاياه الجائزةِ التى يُوصِى بها فى حياتِه لمن أَوْصَى له بها بعدَ وفاتِه .
كما حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ : ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾: والدَّيْنُ أحقُّ ما بُدِىَّ به مِن جميع المالِ ، فيُؤَدَّی
عن أمانةِ الميتِ ، ثم الوصيةُ، ثم يَقْسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم .
وأمَّا قولُه: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكره : مِن بعدٍ وصيةٍ يُوصَی
بها غيرَ مُضَارِّ ورثتَه فى ميراثِهم عنه .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى نَجَيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ ﴾. قال: فى ميراثِ أهلِه(١) .
حدَّثنى القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ ﴾ . قال: فى ميراثِ أهلِه .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٩/٣ (٤٩٤٥).

٤٨٦
سورة النساء : الآية ١٢
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اَللَّهِ﴾. وإن اللَّهَ تبارك وتعالى كرِه الضِّرارَ
فى الحياةِ وعندَ الموتِ، ونهَى عنه، وقدَّم فيه، فلا تَصْلُحُ مُضَارَةٌ فی حیاةٍ ولا
(١)
موتٍ(١).
حدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُؤْدىُّ، قال : ثنا عَبیدَةُ بنُ حمیدٍ ، وثنى يعقوبُ
ابنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنٍ
عباسٍ فى هذه الآية: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ . قال :
الضِّرارُ فى الوصيةِ مِن الكبائرِ(١).
حدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا داودُ ، عن عكرمةَ ،
عن ابنِ عباسٍ، قال : الضرارُ فى الوصيةِ من الكبائرِ.
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن
عِكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : الحَيْفُ فى الوصيةِ مِن الكبائرِ .
/حدَّثنا ابنُ المُثُّنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ وعبدُ الأعلى، قالا: ثنا داودُ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال : الضرارُ والحَيْفُ فى الوصيةِ مِن الكبائرِ .
٢٨٩/٤
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢/ ١٨٠.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٦٤٥٦)، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٥٨، ٢٥٩، ٢٦٠ -
تفسير)، وابن أبى شيبة ١١/ ٢٠٤، والنسائى فى الكبرى (١١٠٩٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٨٨/٣
(٤٩٤٠)، والبيهقى ٢٧١/٦ من طريق داود بن أبى هند به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى عبد بن حميد
وابن المنذر .

٤٨٧
سورة النساء : الآية ١٢
حدَّثنى موسى بنُ سَهلِ الرَّمْلىُ ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ( أبو النَّضْرِ)،
قال: ثنا عمرُ بنُ المُغِيرةِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ،
عن النبيِّ عَلَه، قال: ((الضِّرارُ فى الوصيةِ مِن الكبائرِ)) (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو عَمرِو التَّيْمِىُّ،
عن أبى الضُّحى، [٥١٠/١ظ] قال: دخَلت معَ مسروقٍ على مريضٍ، فإذا هو
يُوصِى، قال: فقال له مسروقٌ: اعْدِلْ لا تَضْلِلْ(٤).
ونُصِبت ﴿غَيْرَ مُضَآرٍ﴾ على الخروجِ من قوله: ﴿يُوصَى بِهَا﴾.
وأمَّا قولُه: ﴿وَصِيَّةٌ﴾. فإن نصبَه مِن قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾. وسائرٍ ما أَوْصى به فى الاثنين، ثم قال: ﴿وَصِيَّةٌ
مِّنَ اللَّهُ﴾ مصدرًا من قولِه: ﴿يُوصِيكُمْ﴾.
وقد قال بعضُ أهل العربية ) : ذلك منصوبٌ مِن قولهِ: ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا
السُّدُسُّ﴾ - ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾. وقال: هو مثلُ قولِك: لك درهمان نفقةً
إلى أهلِك .
والذى قلناه بالصوابِ أولى؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه افْتَتح ذكرَ قسمةِ المواريثِ فى
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أبو النصر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٩/٢.
(٢) فى النسخ: ((عمرو)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٨٩/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٨٨٨/٣ (٤٩٣٩) من طريق أبى النضر به، وأخرجه العقيلى ١٨٩/٣، والدارقطنى
١٥١/٤، والطبرانى فى الأوسط (٨٩٤٧)، والبيهقى ٢٧١/٦ من طريق عمر بن المغيرة به .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢)، والبيهقى ٢٧١/٦ من طريق أبى الضحى به
مطولًا .
(٥) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٢٥٨.

٤٨٨
سورة النساء : الآيتان ١٢، ١٣
هاتين الآيتين بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾. ثم ختم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ
اُللَّهِ﴾. أخْبَرِ أن جميعَ ذلك وصيةٌ منه به عبادَه. فنصبُ قولِه: ﴿ وَصِيَّةً﴾ على
المصدرِ مِن قوله: ﴿ يُوصِيكُمْ﴾. أولى مِن نصبِهِ على التفسيرِ مِن قوله: ﴿ فَلِكُلِّ
وَاحِدٍ مِّنْهُمَا اُلْسُّدُسَُّ﴾؛ لما ذكرنا .
ويعنى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾: عهدًا مِن اللَّهِ إليكم فيما
يَجِبُ لكم مِن ميراثِ مَن مات منكم، ﴿ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: والله ذو علم
بمصالحِ خلقِه ومضارّهم، ومَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْطَى مِن أقرِباءٍ مَن مات منكم وأنسبائِه
مِن ميراثِه ، ومَن يُحْرَمُ ذلك منهم ، ومبلغ ما يَسْتَحِقُّ به كلَّ مَن استحقَّ منهم قَسْمًا ،
وغيرِ ذلك مِن أمورٍ عبادِه ومصالحهم. ﴿ حَلِيمٌ﴾. يقولُ: ذو حِلم عن خلقِه،
وذو أَنَاةٍ فى تركِه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على ظلم بعضهم بعضًا ، فى إعطائِهم الميراثَ
لأَهلِ الجَلَدِ والقوةِ مِن ولدِ الميتِ ، وأهلِ الغَنَاءِ والبأسِ منهم، دونَ أهلِ الضعفِ
والعجزِ مِن صِغارٍ ولدِه وإناثِهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِيعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ, يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا
١٣
وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودٌ
اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى به : تلك شروطُ اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) فى ص: ((من))، وفى م: ((على)).

٤٨٩
سورة النساء : الآية ١٣
الشدِّىِّ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: شروطُ اللَّهِ(١)
٢٩٠/٤
/ وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعةُ اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك :
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنا معاويةُ بنُ صالح، عن عليّ بنِ أبى
طلحةَ ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يعنى: طاعةُ اللَّهِ . يعنى:
المواريثُ التى سمَّى اللَّهُ(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك : تلك سنَّةُ اللَّهِ وأمرُه .
وقال آخَرون : بل معنى ذلك : تلك فرائضُ اللَّهِ .
قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنوه، وهو أن حدَّ
كلِّ شيءٍ ما فصَل بينَه وبينَ غيرِهِ، ولذلك قيل لحدودٍ الدارِ وحدودِ الأَرَضينَ:
حدودٌ ؛ لفصولِها بينَ ما حُدَّ بها وبينَ غيرِه، فكذلك قولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ
اُللَّهِ ﴾. معناه: هذه القسمةُ التى قسَمها لكم ربُّكم، والفرائضُ التى فَرَضها
الأحيائِكم مِن موتاكم فى هذه الآيةِ، على ما فرَض وبينَّ فى هاتين الآيتين،
﴿حُدُودُ اُللَّهِ﴾. يعنى: فصولُ ما بينَ طاعةِ اللَّهِ ومعصيتِه فى قَسْمِكم مواريثَ
موتاكم. كما قال ابنُ عباسٍ، وإنما تُرِك ((طاعة))(٢)، والمعنىُّ بذلك حدودُ طاعةٍ
اللَّه؛ اكتفاءً بمعرفةِ المخاطَبين بذلك بمعنى الكلامِ مِن ذكرِها . والدليلُ على صحةٍ ما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٠/٣ (٤٩٥١) من طريق أحمد بن مفضل به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٢٨/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٠/٣ (٤٩٤٩) من طريق أبى صالح به .
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت ٢، ت٣: ((اللَّه)).

٤٩٠
سورة النساء : الآية ١٣
قلنا فى ذلك قولُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. ( والآيَةُ التى بعدَها :
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [ النساء: ١٤].
فتأويلُ الآيةِ إذن : هذه القسمةُ التى قسَم بينكم أيُّها الناسُ عليها ربُّكم مواريثَ
موتا کم، فصول فصل بها لکم بينَ طاعته ومعصيته ، وحدودٌ لكم تنتهون إليها ، فلا
تَتَعَدَّوْها؛ ليعلَمَ (١) منكم أهلَ طاعتِهِ مِن أهلِ معصيتِه، فيما أمَركم به مِن قسمةٍ
مواريثِ موتاكم بينكم، وفيما نهاكم عنه منها. ثم أْبَر جلَّ ثناؤُه عمَّا أعدَّ لكلِّ
فريقٍ منهم ، فقال لفريقِ أهلِ طاعتِه فى ذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ فی
العملِ بما أمَره به ، والانتهاءِ إلى ما حدَّه له ، فى قسمةِ المواريثِ وغيرِها ، ويَجْتَنِبْ ما
نهاه عنه فى ذلك وغيرِهِ، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اَلْأَنْهَرُ﴾. فقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ . يعنى: بساتينَ تَّجْرِى مِن تحتِ
غُروسِها وأشجارِها الأنهارُ، ﴿خَلِينَ فِيهَاْ﴾. يقولُ: باقين فيها أبدًا ، لا
يموتون فيها، ولا يَفْنَوْن، ولا يخرجون منها، ﴿ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
يقولُ: وإدخالُ اللَّهِ إياهم الجنانَ التى وصَفها على ما وصَف مِن ذلك، ﴿اُلْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ﴾. يعنى: الفَلْجُ العظيمُ .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيْجٍ، عن
(١ - ١) فى النسخ: ((الآية)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٢) فى ص: ((سلم)) كذا بغير إعجام، وفى م: ((وفصل))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((فسلم))، وفى س:
(( بینکم))، والمثبت هو الصواب .

٤٩١
سورة النساء : الآيتان ١٣، ١٤
مجاهدٍ : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ الآيَةَ.
قال : فى شأنِ المواريثِ التى ذكَر قبلُ(١).
حدَّثْنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: التى حدَّ لخلقِه، [٥١١/١,] وفرائضُه بينَهم مِن الميراثِ
والقسمةِ، فانْتَهُوا إليها، ولا تَعَدَّوْها إلى غيرِها(١).
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ٢٩١/٤
نَارًّا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ (
١٤
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : ومن يَعْصِ اللهَ ورسولَه فى العملِ بما أمَراه به مِن قسمةٍ
المواريثِ على ما أمَراه بقسمةِ ذلك بينَهم ، وغيرِ ذلك مِن فرائضِ اللَّهِ، مخالفًا أمرَهما
إلى ما نَهَياه عنه ، ﴿وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ﴾ . يقولُ: وَيَتَجاوَزْ فصولَ طاعتِه التى جعَلها
تعالى فاصلةٌ بينَها وبينَ معصيتِه ، إلى ما نهاه عنه مِن قسمةٍ تَرِكاتٍ موتاهم بينَ
ورثتِه، وغيرِ ذلك مِن حدودِهِ، ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا﴾ . يقولُ: باقيًا فيها
أبدًا، لا يموتُ، ولا يَخْرُجُ منها أبدًا، ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِيرٌ﴾. يعنى: وله
عذابٌ مُذِلٌّ مَن ◌ُذِّب به، مُخٍْ له .
وبنحوِ ما قلنا فى تأويلٍ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَّعَدَّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٢ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٤٩٢
سورة النساء : الآيتان ١٤، ١٥
حُدُودَهُ﴾ الآية : فى شأنِ المواريثِ التى ذكَر قبلُ .
قال ابنُ مجرَيْج: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: مَن أصاب مِن
الذنوبِ ما يُعَذِّبُ اللَّهُ عليه .
فإن قال قائلٌ: أوَ مُخَلَّدٌ(١) فى النارِ مَن عصَى اللَّهَ ورسولَه فى قسمةِ المواريثِ؟
قيل: نعم، إذا جمَع إلى معصيتهما فى ذلك شكًا فى أن اللَّهَ فرض
عليه ما فرَض على عبادِه فى هاتين الآيتين، أو علِم ذلك فحادَّ اللَّهَ ورسوله
فى أمرِهما، على ما ذكَر ابنُ عباسٍ مِن قولٍ مَن قال حين نزَل على رسولٍ
اللَّهِ عَ لِ قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
لأَنْشَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين . أَيُوَرَّثُ مَن لا يَوْكَبُ الفرسَ ولا يُقاتِلُ العدوَّ ولا يَجُوزُ
الغنيمةَ، نصفَ المالِ أو جميعَ المالِ (٣) ؟ استنكارًا منهم قسمةَ اللَّهِ ما قسم لصغارٍ ولدِ
الميتِ ونسائِه وإناثٍ ولدِه، فمن(٢) خالَف قسمةَ اللَّهِ ما قسم مِن ميراثِ أهلِ الميراثِ
بينهم ، علی ما قسمه فی کتابه، وخالَف حكمه فى ذلك وحكم رسوله ، استنكارًا
منه حكمَهما، كما اسْتَنكره الذين ذكَر أمرّهم ابنُ عباسٍ، ممن كان بينَ أَظُرِ
أصحابِ رسولِ اللَّهِ مْظله مِن المنافقين، الذين فيهم نزَلت وفى أشكالهم هذه الآيةُ -
فهو مِن أهلِ الخلودِ فى النارِ؛ لأنه باستنكارِه حُكْمَ اللَّهِ فى تلك يَصِيرُ باللَّهِ كافرًا ،
ومِن مَّةِ الإسلامِ خارجًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ
عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةُ مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((يخلد)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٥.
(٣) فى النسخ: ((ممن)). والمثبت ما يقتضيه السياق.

٤٩٣
سورة النساء : الآية ١٥
١٥
يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ﴾: والنساءُ اللاتى
يَأْتِينَ بالزنى، أى: يَزْنِينَ، ﴿مِن نِسَائِكُمْ﴾ وهن مُحْصَناتٌ ذواتُ أزواج، أو
غيرُ ذواتِ أزواج، ﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً / مِّنكُمْ﴾. يقولُ: فاسْتَشْهِدوا ٢٩٢/٤
عليهنَّ بما أَتَيْنَ به مِن الفاحشةِ أربعةً رجالٍ مِن رجالِكم، يعنى: مِن المسلمين،
﴿فَإِن شَهِدُواْ ﴾ عَلَيْهِنَّ، ﴿فَأَمْسِكُهُنَ فِ الْبُيُوتِ ﴾. يقولُ: فاحْبِسوهنَّ فى
البيوتِ ﴿حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ﴾. يقولُ: حتى يَمُثْنَ ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا﴾. يعنى: أو يَجْعَلَ اللَّهُ لهنَّ مَخْرَجًا وطريقًا إلى النجاةِ مما أَتَيْنَ به مِن
الفاحشة .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعىُّ(١) محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ ، عن ابنِ
◌ُجُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَالَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ
أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَ فِى الْبُيُوتِ ﴾ : أمَر بحبسِهنَّ فى البيوتِ حتى
يُتْنَ، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَاَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾. قال: الزنى، كان أمَر
بحبسِهنَّ حِينَ يَشْهَدُ عليهنَّ أربعةٌ حتى يَمُثْنَ، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ .
(١) بعده فى م: ( عن)).
(٢) أخرجه البيهقى ٢١٠/٨ من طريق ابن أبى نجيح به بنحوه .

٤٩٤
سورة النساء : الآية ١٥
والسبيلُ: الحَدُّ(١).
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن
نِسَائِكُمْ﴾. إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فكانت المرأةُ إذا زنَت ◌ُحُبِست
فى البيتِ حتى تموتَ، ثم أَنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى بعدَ ذلك: ﴿الَِّيَةُ وَاَلَِّ فَأَجْلِدُواْ
كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. فإن كانا مُحْصَنَيْنِ رُجِما، فهذا سبيلُهما
الذى جعل اللَّهُ لهما(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوَ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فقد جعَل اللَّهُ لهنَّ، وهو
الجَلْدُ والرجمُ .
حدَّثنی بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَالَّتِى
يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ﴾. حتى بلَغ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: كان هذا مِن
قَبَلِ الحدودِ ، فكانا يُؤْذَيانِ بالقولِ جميعًا ، وبحبسِ المرأةِ ، ثم جعَل اللَّهُ لهنَّ سبيلًا،
فكان سبيلَ مَن أَحْصَن جلدُ مائةٍ ، ثم رَمْىٌّ بالحجارةِ ، وسبيلَ مَن لم يُحْصنْ جَلْدُ
مائةٍ ، ونفئُ سنةٍ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: [٥١١/١ظ] ثنا حجّاجْ، عن ابنِ
بُجْرَيْجٍ ، قال : قال عطاءُ بنُّ أَبِى رَبَاحِ وعبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ : الفاحشةُ الزنى. والسبيلُ:
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٩، وأخرجه البيهقى ٢١٠/٨ من طريق أبى عاصم به .
(٢) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٣١٠، والبيهقى ٢١١/٨ وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص
٢٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٦٤ من طريق سعيد به .

٤٩٥
سورة النساء : الآية ١٥
الحدُّ؛ الرجمُ والجلدُ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ﴿وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ
مِنكُمْ﴾ إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. هؤلاء اللاتى قد نكَحن
وأحْصَنَّ. إذا زنَت المرأةُ فإنها كانت تُحْسُ فى البيتِ، ويَأْخُذُ زوجُها مهرَها / ٢٩٣/٤
فهو له، فذلك قوله: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ
شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] - ﴿إِلََّ أَن يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]: الزنى (١)،
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. حتى جاءت الحدودُ فنسختها ، فجُلِدت ورُجِمت ،
وكان مهرُها ميراثًا ، فكان السبيلُ هو الجلدَ(٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّاكَ بنَ مُزاحِم يقولُ فى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا﴾. قال: الحَدُّ، نسَخ الحَدِّ هذه الآيةَ(٤).
حدَّثنا أبو هشامِ الرّفاعىُّ، قال : ثنا يحيى، عن إسرائيلَ، عن خُصيفٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: جلدُ مائةٍ الفاعلَ
والفاعلةً .
(١) ذكره ابن كثير ٢٠٥/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٢/٣، ٨٩٣، ٨٩٥ (٤٩٧٠، ٤٩٨٢)
من طريق حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن ابن عباس .
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٢ إلى المصنف.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٢٠٤.

٤٩٦
سورة النساء : الآية ١٥
حدَّثنا الرفاعىُ، قال: ثنا يحيى، عن وَرْقَاءَ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ ،
قال : الجلدُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ ، قال: ثنا أبى، عن قتادةَ ، عن
الحسن، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ اللَّهِ الرَّقاشيِّ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، أن النبيَّ معَ له
كان إذا نزَل عليه الوحىُ نكَس رأسَه، ونكس أصحابُه رءوسَهم ، فلمَّا سُرِّى عنه رفَع
رأسه فقال: ((قد جعَل اللَّهُ لهن سبيلاً، الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبكرِ، أمَّا القَّيِّبُ
فيجلدُ ثم يُرْجَمُ، وأَمَّ الِكْرُ فَيُجْلَدُ ثم يُنْفَىَ))(١).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال : ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، "عن
الحسن(٢)، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قال نبيُ اللَّهِ ◌ِ لهِ :
((خُذُوا عَنِّى قد جعَل اللَّهُ لهنَّ سبيلاً، النَِّبُ بِالنَِّبِ، (الِكْرُ بالبكرِ)، ( وَالثَّبُ(٢)
يُجْلَدُ مائَةً ويُرْجَمُ بالحجارةِ ، والبِكْرُ جلدُ مائةٍ ونفىُ سنَةٍ))(٤).
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن
حِطَّانَ بنِ عبدِ اللهِ أخى بنى رَقَاشٍ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ ، أن رسولَ اللَّهِ ◌ََّخِ كان
إذا نُزِّل عليه (٥)، كُرِب لذلك، وتَرَبَّد له وجهُه، فَأَنْزَل اللَّهُ عليه ذاتَ يومٍ ، فلقِى ذلك،
فلمَّا سُرِّى عنه، قال: ((خُذُوا عَنِّى ؛ قد جعَل اللَّهُ لهنَّ سبيلاً، الثَّيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ
مائةٍ ثم رجمٌ بالحجارةِ ، والبِكْرُ بالبكرِ ، جلدُ مائةٍ ثم نفىُ سنةٍ))(١).
(١) أخرجه مسلم (١٣/١٦٩٠) عن محمد بن بشار به .
(٢ - ٢) سقط من: النسخ. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) أخرجه مسلم (١٣/١٦٩٠) من طريق محمد بن بشار به.
(٥) بعده فى م: (( الوحى)).
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (٧١٤٣) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه أحمد ٣١٨/٥، ٣٢٠،
٣٢١ (الميمنية)، وأبو داود (٤٤١٥)، وابن حبان (٤٤٤٣) من طريق سعيد به .

٤٩٧
سورة النساء : الآية ١٥
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَلَِّىِ
يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال:
يقولُ : لا تَنْكِحوهنَّ حتى يتوفّاهنَّ الموتُ، ولم يُخْرِجْهنَّ مِن الإسلامِ، ثم نسخ هذا،
وجعَل السبيل(١) أن يُجْعَلَ لهنَّ سبيلاً. قال: فجعَل لها السبيلَ، إذا زنّت وهى
مُحْصَنَةٌ ، رُجِمت وأُخْرِجت، وجعَل السبيلَ للبكرِ جلدَ مائةٍ .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالب " قال: أخبرنا يزيد١ُ ، قال: أخبرَنا مُجُوَثِيرٌ، عن
الضَّّاكِ فى قولِه: ﴿حَتَّى يَتَوَقَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾. قال: الجَلَدُ
.(٣)
والرّجْمُ(٢).
حدَّثنا ابنُ(٤) المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ(٥) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن
الحسنِ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ اللهِ الرَّقَاشىِّ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عَه: ((خُذُوا عَنِّى، / قد جعَل اللَّهُ لهنَّ سبيلًا، القَّيِّبُ بالَّيِّبِ، والبِكرُ بالبِكرِ، ٢٩٤/٤
٥
الَّيِّبُ يُجْلَدُ ويُوْجَمُ، والبِكْرُ يُجْلَدُ ويُنْفَى))(١).
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى ، عن أبيه ، عن جدِّه، عن
(١) بعده فى م: ((التى ذكر)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٢٠٤.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣.
(٥) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((أبى)).
(٦) أخرجه مسلم (١٦٩٠)/١٤)، والبزار (٢٦٨٦) عن ابن المثنى، وأخرجه أبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ١٧٨،
وأحمد ٣٢٠/٥ (الميمنية)، وأخرجه ابن أبى شيبة ٨٠/١٠، والطحاوى ١٣٤/٣، وفى المشكل (٤٥٤٣) وابن حبان
(٤٤٢٧) من طريق شعبة به، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٣٦٠)، والدرامى ١٨١/٢ وغيرهما من طريق قتادة به ، وأخرجه
الطيالسى (٥٨٥)، وأبو عبيد فى الناسخ والمنسوخ ص ١٧٩،١٧٨، والترمذى (١٤٣٤)، وابن الجارود (٨١٠)، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٤/٣، ٨٩٥ (٤٩٨١)، والنحاس ص ٣٠٨ وغيرهم من طريق الحسن به، وأخرجه ابن ماجه
(٢٥٥٠) من طريق حطان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
۔۔
( تفسير الطبري ٣٢/٦ )

٤٩٨
سورة النساء : الآية ١٦
الأعمش، عن إسماعيلَ بنِ مسلم البصرىِّ، عن الحسنِ ، عن عُبادةَ بنِ الصامتِ ،
قال: كُنَّا جلوسًا عندَ النبيِّ مَ لِ إذا احمرَّ وجهُه، وكان يَفْعَلُ ذلك إذا نزَل عليه
الوحىُ ، فأخَذه كهيئةِ الغَشْي؛ لما يَجِدُ مِن ثِقَلِ ذلك، فلمَّا أفاق قال: ((خُذُوا عَنِّى قد
جعَل اللَّهُ لهنَّ سبيلاً ، البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنَةً ، والقَّيَِّانِ يُجْلَدانِ ويُْجَمانٍ ))(١) .
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ بالصحةِ فى تأويلِ قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ
سَبِيلًا﴾. قولُ مَن قال: السبيلُ التى جعَلها اللَّهُ جل ثناؤه للشَّتَينِ المحصَنَيْنِ الرجمُ
بالحجارةِ ، وللبِكْرَيْنِ جلدُ مائةٍ ونفىُ سنَّةٍ؛ لصحَّةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ سَ ال أنه رجم
ولم يجْلِدْ(١) ، وإجماع الحُبَّةِ التى لا يجوزُ عليها فيما نقلته مجمِعةً عليه - الخطأ
والسهوُ والكذبُ، وصحةِ الخبرِ عنه أنه قضَى فى البِكْرَيْنِ بجلدٍ مائةٍ ونَفْي سَنةٍ ،
فکان فی الذی صح عنهمِن تركه جلد مَن رُجمِ مِن الزُّناةِ فی عصره دليلٌ واضحٌ على
وَهَاءِ الخبرِ الذى رُوِى عن الحسنِ، عن حِطَّانَ، عن عُبادةَ، عن النبيِّ عَلَّم أنه قال:
((السبيلُ لنَّيْبِ المَحْصَنِ الجلدُ والرجمُ)).
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (واللاتى يَأْتِينَ بالفاحشةِ مِن
نسائِكم)(٢). والعربُ تقولُ: أتيتُ أمرًا عظيمًا، وبأمرٍ عظيم، وتكلّمْتُ بكلامٍ
قبيح، و کلامًا قبيحًا .
[١٢/١ ٥و] القولُ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمََّ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَاَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾: والرجلُ والمرأةُ اللذان
(١) أخرجه الشافعى (٢٥٢)، وفى الرسالة (٣٧٩)، والطيالسى (٣٧٩)، والطيالسى (٥٨٥)، وأحمد ٣٢٧/٥
(اليمنية)، والنسائى فى الكبرى (٧١٤٢)، والبيهقى ٢١٠/٨، والبغوى (٢٥٨٠) وفى التفسير ١٨١/٢ من طريق
الحسن به .
(٢) أخرجه البخارى (٦٨١٤)، ومسلم (١٦٩٢)/١١٧ من حديث جابر وينظر الطيالسى (١٧٩٦).
(٣) تفسير القرطبى ٨٣/٥، البحر المحيط ١٩٥/٣.
.

٤٩٩
سورة النساء : الآية ١٦
يَأْتِيَنِهَا﴾، يقولُ: يأتيانِ الفاحشةَ. والهاءُ والألفُ فى قوله: ﴿ يَأْتِيَنِهَا﴾
عائدةٌ على ((الفاحشةِ)) التى فى قوله: ﴿وَالَّتِى يَأْتِينَ اُلْفَاحِشَةَ مِن
نِسَائِكُمْ﴾. والمعنى : واللذان يأتيانِ منكم الفاحشةَ فَاذُوهما.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى المَغَنِىّ بقولِه: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ
فَشَاذُوهُمَا﴾؛ فقال بعضُهم: هما البِكَرانِ اللذان لم يُحْصَنا ، وهما غيرُ اللاتى عُنِينَ
بالآيةِ قبلَها. وقالوا: قولُه: ﴿ وَاَلَّتِىِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ﴾. مَعْنِىٌّ به
الثّياتُ المَحْصَناتُ بالأزواجِ. وقولُه: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾ . يعنى به :
البِكرانِ غيرُ المَحْصَنَيْنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدِّىِّ: ذكَر الجوارىَ والفتيانَ اللذين لم يَنْكِحوا، فقال: ﴿ وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا
مِنكُمْ فَاذُوهُمَّاً﴾(١).
/ حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذَانِ ٢٩٥/٤
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾: البِكْران ﴿ فَقَاذُوهُمَّا﴾.
وقال آخَرُون: بل عُنِى بقولِه: ﴿ وَاَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾: الرجلان
الزانيان .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعىُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابنٍ جُرَيْج، عن مجاهدٍ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٥/٣ (٤٩٨٥) من طريق أحمد بن مفضل به .

٥٠٠
سورة النساء : الآية ١٦
﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوُهُمَا﴾. قال: الرجلان الفاعلان ، لا يَكْنِى.
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنْككُمْ﴾: الزانيان(١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك الرجلُ والمرأةُ ، إلا أنه لم يُقْصَدْ به بكرّ دونَ
تَيِّب .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعىُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيْج، عن عطاءٍ :
وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا﴾. قال: الرجلُ والمرأة(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسينُ، عن
يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمة والحسنِ البصرىِّ، قالا: ﴿ وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن
نِسَابِكُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ [ النساء: ١٥]: فذكَر الرجلَ
بعدَ المرأةِ، ثم جمَعهما جميعًا، فقال: ﴿ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوُهُمَّاً
فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا زَّحِيمًا﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، قال :
قال عطاءٌ وعبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ قولَه: ﴿ وَأَلَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ﴾. قال: هذه
للرجلِ والمرأةِ جميعًا (٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٩٥/٣ (٤٩٨٤) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٣٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٠/٢ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٢٠٥.