النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١
سورة آل عمران : الآية ١٩٥
بمعنى : فلم يُجبْهُ(١) عندَ ذاك مجيبٌ .
وَأَدْخِلَت ﴿مِّنْ﴾ فى(٢) قوله: ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوْ أَنْثَىُّ﴾. على الترجمةِ والتفسيرِ
عن قوله: ﴿ مِّنِكُمْ﴾. بمعنى: لا أضيعُ عمَلَ عاملٍ منكم من الذكورِ والإناثِ.
وليست ((مِن)) هذه بالتى يجوزُ إسقاطُها وحَذْفُها من الكلام فى الجحدِ؛ لأنها
دخَلت بمعنَّى لا يصلُحُ الكلامُ إلَّا به .
وزعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أنها دخلت فى هذا الموضع كما تدخُلُ فى قولهم :
قد كان من حديثٍ. قال: و﴿مِّن﴾ هلهنا أحسنُ؛ لأن حرفَ (١) النهي قد دخَل
فى قوله : ﴿ لَآ أُضِيعُ﴾.
وأنكر ذلك بعضُ نحويِّى الكوفةِ، وقال: لا تدخُلُ ((مِنْ)) ولا(٢) تخرجُ إلَّا فى
موضع الجحدِ . وقال: قولُه: ﴿لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِنْكُمْ﴾. لم يُدْرِكُه الجحدُ؛
لأنك لا تقولُ : لا أضرِبُ غلامَ رجلٍ فى الدارِ ولا فى البيتِ. فتُدخِلُ ((ولا))؛ لأنه
لم يَتَلْه الجْدُ، ولكن ((مِن)) مفسِّرةٌ .
وأما قولُه: ﴿بَعْضُكُمْ مِّنُ بَعْضِ﴾. فإنه يعنى: ﴿بَعْضُكُمْ﴾ أيها المؤمنون
الذين يذكرون اللَّهُ) قيامًا / وقعودا وعلى جنوبِهم، ﴿مِّنْ بَعْضٍ﴾؛ فى النُّصرةِ ٢١٦/٤
والمَلَّةِ(٥) والدينِ، وحكمُ جميعِكم فيما أنا بكم فاعلٌ(١) حكمُ أحدٍ كم، فى أنى لا
أضيعُ عملَ (١) ذكَرٍ منكم ولا أُنْثَى.
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يُجِبْ)).
(٢) سقط من: ص ، ت٢، س.
(٣) زيادة من : الأصل .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يذكرونى)).
(٥) فى م: ((المسألة)).
(٦) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((على)).
(٧) بعده فى الأصل: ((عامل)).
٣٢٢
سورة آل عمران : الآية ١٩٥
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِىِ
وَقَلْتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَّأُدْخِنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
١٩٥
اُلْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
[٩٤/١١ ظ] يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ (١: يعنى هاجَرُوا ))
قومَهم مِن أهلِ الكفرِ وعشيرتَهم، فى اللّهِ ، إلى إخوانِهم مِن أهلِ الإيمانِ باللّهِ
والتصديقٍ برسولِه، ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾. وهم المهاجرون الذين أخرَجهم
مشركو قريشٍ مِن ديارِهم بمكةَ، ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ﴾ . يعنى: وأوذوا فى طاعتِهم
ربَّهم ، وعبادتِهم إياه، مخلصين له الدينَ. وذلك هو سبيلُ اللّهِ التى آذى فيها
المشركون مِن أَهلِ مكةَ المؤمنين برسولِ اللّهِ عَّهِ مِن أهلِها، (٢ (وقُتِلُوا). يَغْنى:
وقُتِلُوا فى سبيلِ اللّهِ، (وقائلُوا) فيها٢، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ . يعنى:
لأمْحُوَنَّها عنهم، ولأُتَفَضَّلنَّ عليهم بعَقْوى ورَحْمتى، ولأُغْفِرَنَّها لهم،
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ﴾، ﴿ثَوَابًا﴾ . يَعْنى: جزاءً
لهم على ما عمِلوا وأبلَوا فى اللّهِ وفى سبيله، ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهُّ﴾. يَعْنى: مِن قِبَلِ اللّهِ
لهم، ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ النَّوَابِ ﴾. يَغْنى: أن اللّهَ عندَه مِن جزاءِ أعمالِهم لهم(١)
جميعُ صنوفِه، وذلك ما لا يَتْلُغُه وَصْفُ واصفٍ؛ لأنه مما لا عينٌ رَأَت، ٤ ولا أُذلّ
سمِعتُ) ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ .
كما حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا عمِّى عبدُ اللهِ بنُ
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢ - ٢) هكذا بالإبدال . وينظر القراءات التى سيذكرها المصنف بعد .
(٣) زيادة من : الأصل .
(٤ - ٤) سقط من : الأصل ، ص .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
٣٢٣
سورة آل عمران : الآية ١٩٥
وهبٍ، قال: ثنى عمرُو بنُ الحارثِ ، أن أبا عُشَّانةَ المَعافرىَّ حدَّثْه، أنه سمِع عبدَ
اللّهِ بنَ عمرو بنِ العاصِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللّهِ وَهِ يقولُ: ((إن أولَ ثُلَّةٍ(١)
تَدْخُلُ(٢) الجنةَ لَفقراءُ المهاجرين، الذين تُتَّقَى بهم المكارهُ، إذا أُمِروا سمِعوا وأطاعُوا،
وإن كانت لرجلٍ منهم حاجةٌ إلى السلطانِ لم تُقْضَ(٢) حتى يَمُوتَ وهی فی صدرِهِ،
وإن اللّهَ يَدْعُو يومَ القيامةِ الجنةَ، فتَأْتى بزخرفِها وزينتِها ، فيَقُولُ : أين عبادى الذين
قاتَلوا فى سبيلى وقُتلوا، وأوذوا فى سبيلى، وجاهَدوا فى سبيلى؟ ادخلوا الجنةً .
فيَدْخُلونها بغيرِ عذابٍ ولا حسابٍ ، وتَأتى الملائكةُ فِيَسْجُدون ويَقُولون : ربَّنا نحن
نُسبِّحُ لك الليلَ والنهارَ، ونُقَدِّسُ لك، مَن هؤلاء الذين آثَرْتَهم علينا؟ فيَقُولُ الرِبُّ
ءُ
جلّ ثناؤه: هؤلاء عبادى الذين قاتلوا فى سبيلى، وأوذوا فى سبيلى. فتَدْخُلُ الملائكةُ
عليهم مِن كلِّ بابٍ: ﴿ سَلَمَّ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤].
(٤)
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ فقرَأ بعضُهم: ( وَقَتَلُوا
وقُتِلُوا). بالتخفيفِ(٥)، بمعنى: أنهم قَتَلوا مَن قَتَلوا مِن المشركين، ثم قتَلهم المشركون) .
وقرَأ ذلك آخرون: (وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا). بتشديدِ: (قُتِّلوا)(١)، بمعنى: أنهم
قاتَلوا المشركين، وقتَّلهم المشركون بعضًا بعدَ بعضٍ، وقتلًا بعدَ قتلٍ .
(١) فى الأصل: (( ثلاثة)).
(٢) فى ص، ت١: ((يدخلوا)).
(٣) بعده فى الأصل: ((لهم)).
(٤) أخرجه الحاكم فى ٧١/٢، ٧٢، والبيهقى فى شعب الإيمان (٤٢٥٩) من طريق عبد الله بن وهب به ،
وأخرجه أحمد فى المسند ١٣١/١١ - ١٣٣ (٦٥٧٠، ٦٥٧١)، وعبد بن حميد (٣٥٢) ، والبزار
(٢٤٥٧)، وابن حبان (٧٤٢١)، والطبرانى ٦١/١٣ (١٥١)، وأبو نعيم فى الحلية ٣٤٧/١ من طريق أبى
عشانة به بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢/٢ إلى أبى الشيخ.
(٥) وهى قراءة شاذة ، حكاها أبو حيان عن عمر بن عبد العزيز. البحر المحيط ١٤٥/٣.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٧) وهى قراءة ابن كثير وابن عامر . السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١ .
٣٢٤
سورة آل عمران : الآيات ١٩٥ - ١٩٧
وقرّأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿وَقاتَلُوا وَقَتَلُوا ﴾
بالتخفيفِ (١) ، بمعنى: أنهم قاتَلوا المشركين وقُتِلوا .
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وَقُتِلُوا). بالتخفيفِ ، (وَقَاتَلُوا)(١٢). بمعنى:
أن بعضَهم قُتِل، وقاتَل مَن بَقِى منهم .
٢١٧/٤
والقرأةُ التى لا أسْتَجِيزُ أن أَعْدُوَها إحدى هاتين القراءتين، وهى: ﴿ وَقَاتَلُواْ
وَقُتِلُواْ﴾. بالتخفيفِ،/ أو: (وَقُتِلوا). بالتخفيفِ ، (وَقَاتَلُوا). لأنها القراءةُ
المنقولةُ نقلَ وراثةٍ [٥٩٥/١١]، وما عَدَاهما فشاذٌّ). وبأىِّ هاتين القراءتين اللتين
ذكّرتُ أنى لا أَسْتَجِيزُ أن أَعْدُوَهما، قرَأ قارئٍّ فمصيبٌ فى ذلك الصوابَ مِن
القراءةِ ؛ لاستِفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما فى قرَأَةِ الإسلامِ ، مع اتفاقٍ معنَيْهما .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِىِ اَلْبِلَدِ [®] مَتٌَ
(١٩٧
قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الِهَادُ
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى
اَلْبِلَدِ ﴾ يَعْنى: تَصَرُّفُهم فى الأرضِ وضَرْبُهم فيها .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن
السدىِّ: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ﴾. يقولُ: ضربُهم فى البلادِ (٤) .
فنهَى اللّهُ تعالى ذكرُه نبيَّه عَ لَّه عن الاغترارِ بضربهم فى البلادِ وإمهالِ اللّهِ
إياهم، مع شركِهم وجحودِهِم نِعَمَه، وعبادتِهم غيرَه. وخرَج الخطابُ بذلك
(١) وبها قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو . السبعة الموضع السابق.
(٢) وقرأ بها حمزة والكسائى. السبعة الموضع نفسه.
(٣) وتقدم أن ابن كثير وابن عامر - وهما من السبعة - قرأ: (وقاتلوا وقتّلوا ) . فليست قراءتهما شاذة .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٥/٣ (٤٦٧٣) من طريق أحمد بن المفضل به .
٣٢٥
سورة آل عمران : الآيات ١٩٦ - ١٩٨
للنبىّ عَ لَّهِ، والمعنىُ به غيرُه مِن أتباعِه وأصحابِهِ، كما قد بيَنَّا فيما مضى قبلُ ( مِن
أشكالِهُ (١)، وما اغْتَرَّ عَظِِّ بهم ولا خدَعوه عن شىءٍ مِن أمرِ اللّهِ، ولكن كان بأمرٍ
اللّهِ صادِعًا ، وإلى الحقِّ داعيًا .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال قتادةٌ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قوله: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ
تَقَلُّبُ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ﴾: واللهِ ما غرُوا نبىَّ اللّهِ، ولا وكَل إليهم شيئًا مِن أمرٍ
اللّهِ ، حتى قبضه اللّهُ على ذلك(٣).
وأما قولُه: ﴿ مَتَعُ قَلِيلٌ﴾. فإنه يَغْنِى أَن تَقَلََّهم فى البلادِ وتَصَرُّفَهم فيها مُتْعَةٌ
يُتَّعُونَ(٤) بها قليلاً ، حتى يَتْلُغوا آجالَهم فَتَخْتَرِمَهم مَنِيَّاتُهم، ﴿ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ
بعدَ مماتِهم. والمأَوَى: الموضعُ(٥) الذى يَأْؤُون إليه يومَ القيامةِ، فَيَصِيرون فيه .
ويَعْنى بقولِه: ﴿ وَيِنْسَ اُلْهَادُ﴾: وبئسَ الفراشُ والمَضْجَعُ جهنمُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
١٩٨
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْزَارِ
يعنى بقوله (٢): ﴿لَكِنِ اُلَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ﴾: لكن الذين اتَّقُوا اللّهَ بطاعتِه
واتباعٍ مرضاتِه ، فى العملِ بما أمرّهم به ، واجتنابٍ ما نهاهم عنه، ﴿لَهُمْ جَنَّتٌ﴾ .
يعنى: بساتينُ، ﴿تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾. يَقُولُ: باقين فيها
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣، س.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٠٤/٢ - ٤٠٦ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٥/٣ (٤٦٧٤) من طريق يزيد به .
(٤) فى الأصل ، ص، ت١: (( يتمتعون)).
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المصير)).
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بذلك جل ثناؤه)).
٣٢٦
سورة آل عمران : الآية ١٩٨
أبدًا، ﴿ نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهُ ﴾. يعنى: إنزالًا مِن اللّهِ إياهم فيها أنزلَهمُوها.
ونَصَبَ ﴿ نُزُلًا﴾ على التفسيرِ مِن قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَدُ ﴾. كما يُقالُ: لك عندَ اللَّهِ جناتٌ تجرى مِن تحتها الأنهارُ ثوابًا . وكما
يُقَالُ : هو لك صدقةٌ . و: هو لك حِبةٌ.
وقولُه: ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ ﴾. يَعْنى: مِن قِبَل اللّهِ، ومِن كرامةِ اللّهِ إياهم،
وعطاياه لهم .
٢١٨/٤
وقولُه: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. يقولُ: وما عندَ اللّهِ مِن الحياةِ
والكرامةِ وحُسنِ المآبِ ، خيرٌ للأبرارِ مما يَتَقَلَّبُ فيه الذين كفروا، فإن الذى يَتَقَلَّبون
فيه زائلٌ فانٍ، وهو قليلٌ مِن المتاع خسيس [٩٥/١١ظ] وما عندَ اللَّهِ(١) مِن كرامته
للأبرارِ - وهم أهلُ طاعتِه - باقٍ غيرُ فانٍ ولا زائلٍ .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : سمِعت ابنَ زيدٍ يقولُ فى قولِه :
﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَثْرَارِ﴾. قال: لمن يُطِيعُ اللّهَ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
الأعمش ، عن خيثمةَ، عن الأسودِ ، عن عبدِ اللّهِ ، قال: ما مِن نفسِ برَّةٍ ولا فاجرةٍ
إلا والموتُ خيرٌ لها. ثم قرَأ عبدُ اللّهِ: ﴿وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. وقرأ هذه
الآيةَ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (٣) .
(١) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((خير))، ومضروب عليها فى ص.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢ إلى المصنف.
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١٤٢/١، وينظر ما تقدم فى
ص ٢٦٢.
٣٢٧
سورة آل عمران : الآيتان ١٩٨، ١٩٩
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن فرَج بنِ فَضالةً،
عن لقمانَ ، عن أبى الدرداءِ ، أنه كان يقولُ : ما مِن مؤمنٍ إلا والموتُ خيرٌ له، وما مِن
كافرٍ إلا والموتُ خيرٌ له، ومَن لم يُصَدِّقْنى فإن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ
لِلْأَبْرَارِ ﴾ وَيَقُولُ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُمْلِى
لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ﴾(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى من عُنى بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها أصْحَمةُ
النجاشىُّ، وفيه أُنْزِلت .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عصامُ ١ بنُ روَّادِ بنِ الجراح، قال: ثنا أبى، قال : ثنا أبو بكرِ الهُذلُ ، عن
قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النبىَّ عَ ◌ّهِ قال: ((اخْرُجوا
فصَلُّوا على أخ لكم)). فخرَجُ(١) فصلَّى بنا فكبّر أربعَ تكبيراتٍ، فقال: (( هذا
النجاشىُّ أَصْحَمةُ)). فقال المنافقون: انْظُروا إلى هذا يُصَلِّى على عِلْجٍ(٤) نصرانىٌ لم يَرَهُ
قَطُّ . فأنزل اللّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ الآية(٥).
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٤٧ - تفسير) عن فرج بن فضالة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: (( بن زياد)). وينظر الجرح والتعديل ٢٦/٧.
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٤) العلج : الرجل من كفار العجم . اللسان ( ع ل ج ) .
(٥) أخرجه ابن عدى فى الكامل ١١٧١/٣ من طريق رواد بن الجراح به .
٣٢٨
سورة آل عمران : الآية ١٩٩.
حدَّثْنَا (١ محمدُ بنُ بشّار١ٍ) ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشام ، قال: ثنا أبى، عن قتادةَ ، أن
النبىَّ ◌َ ◌ّه قال: ((إن أخاكم النجاشىَّ قد مات فصلُّوا عليه)). قالوا: تُصَلِّى على
رجلٍ ليس بمسلم؟ قال: فنزلت: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ
أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال قتادةُ: فقالوا: فإنه كان لا
يُصَلِّى(٢) القبلةَ. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَّ وَجْهُ
اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١١٥].
٢١٩/٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ لَمَن / يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾: ذُكر لنا أن هذه
الآيةَ نزَلت فى النجاشيّ وفى ناسٍ مِن أصحابِهِ، آمَنوا بنبيِّ اللّهِ عِّهِ وصدَّقوا به .
قال: وذكِر لنا أن نبيَّ اللّهِ مَ ◌ّه [٩٦/١١ و] اسْتَغْفَرَ للنجاشىِّ وصلَّى عليه حينَ بلَغه
موتُه، قال(٤) لأصحابِهِ: ((صلُّوا على أخٍ لكم قد مات بغيرِ بلادٍ كم)) . فقال أناسٌ مِن
أهلِ النفاقِ: يُصَلِّى على رجلٍ مات ليس مِن أَهلِ دينِه؟ فأنزل اللّهُ هذه الآيةً: ﴿وَإِنَّ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنْزِلَ
(١ - ١) فى س: ((بشر)).
(٢) بعده فى م: ((إلى)).
(٣) أسباب النزول للواحدى ص ١٠٣ . وتقدم فى ٤٥٥/٢ .
(٤) فى س: ((وقال)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
٣٢٩
سورة آل عمران : الآية ١٩٩
إِلَيْهِمْ﴾. قال: نزَلت فى النجاشىّ وأصحابِهِ ممن آمَن بالنبيِّ ◌ِ ◌ِّ، واسمُ النجاشىِّ
أصحمةُ. قال الثورىُّ: واسمُ النجاشيّ أصحمةُ() .
حدَّثنا المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: قال عبدُ الرزاقِ : وقال ابنُ عيينةَ: اسمُ
النجاشيّ بالعربيةِ عطيةٌ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا حجاج، عن ابنٍ جريج، قال : لما
صلَّى النبىُ عَ لِّ على النجاشيّ، طعَن فى ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنَّ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ إلى آخِرِها (١).
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ ومَن معه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ،
قال: (قال آخرونُ): نزَلت - يَغْنى هذه الآيةَ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ الآية فى عبدِ اللهِ بنِ سلَامٍ ومَن معه(٥).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِنَّ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية كلها .
قال : هؤلاء يهودُ(٦).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣، س .
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١٤٤/١.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٤٤/١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر البحر المحيط ١٤٨/٣.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢ إلى المصنف.
٣٣٠
سورة آل عمران : الآية ١٩٩
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك مُسْلِمةُ أهلِ الكتابِ كلُّهم .
:
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾: مِن اليهود والنصارى،
وهم مُسْلِمةُ أهلِ الكتابِ (١).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قال مجاهدٌ ، وذلك أن اللّهَ جلَّ ثناؤُه عمّ
بقولِه : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾. أهلَ الكتابِ جميعًا، فلم يَخْصُصْ منهم
النصارى دونَ اليهودِ ، ولا اليهودَ دونَ النصارى، وإنما أخبر أن مِن أهلِ الكتابِ مَن
يُؤْمِنُ باللّهِ، وكلا الفريقين - أعنى اليهود والنصارى - من أهلِ الكتابِ .
فإن قال قائلٌ : فما أنت قائلٌ فى الخبرِ الذى رويتَ عن جابرٍ وغيرِه أنها نزلت
فى النجاشىّ وأصحابِه ؟
قيل : ذلك خبرٌ فى إسنادِه نَظَرٌ ، ولو كان صحيحًا لا شكَّ فیه لم يَكُنْ لما قلنا
٢٢٠/٤ فى معنى الآية بخلافٍ(٢)، وذلك/ أن جابرًا ومَن قال بقوله إنما قالوا: نزَلت فى
النجاشىِّ . وقد تَنْزِلُ الآيَةُ فى الشىءِ ثم يُعَمُّ بها كلُّ مَن كان فى معناه . فالآيةُ وإن
كانت نزلت فى النجاشيّ، فإن الله تبارك وتعالى [٩٦/١١ظ] قد جعَل الحكمَ الذى
حكَم به للنجاشىِّ حكمًا لجميع عبادِه الذين هم بصفةِ النجاشىّ ، فى اتباعِهم رسولَ
اللَّهِ عَظِلّهِ والتصديقِ بما جاءهم به مِن عندِ اللّهِ، بعدَ الذى كانوا عليه قبلَ ذلك ، مِن
اتباع أمرِ اللّهِ، فيما أمَر به عبادَه فى الكتابين؛ التوراة والإنجيلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٦/٣ (٤٦٨٤) من طريق أبي حذيفة به.
(٢) فى م: ((خلاف)).
٣٣١
سورة آل عمران : الآية ١٩٩
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾: التوراةِ
والإنجيلِ، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾، فيُقُّ بوحدانيتِه، ﴿ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أيُّها
المؤمنون . يقولُ : وما أنزل إليكم مِن كتابِهِ ووحيِه على لسانِ رسولِه محمدٍ عَ لَه ،
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ . يَعْنى: وما أنزِل إلى أهلِ الكتابِ مِن الكتبِ ، وذلك التوراةُ
والإِنجيلُ والزَّبُورُ، ﴿ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾. يَعْنى: خاضِعين للّهِ بالطاعةِ له ، مُشْتکِینین له
بها متذلِّلين .
كما حدَّثنا يونسُ ، قال : أخيَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى ابنُ زيدٍ فى قولِه :
خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾. قال: الخاشعُ المتذلِّلُ للّهِ الخائفُ.
ونَصَب قولَه: ﴿خَشِعِينَ﴾. على الحالِ مِن قولِه ﴿لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
خَشِعِينَ لِلّهِ﴾. وهو حالٌ مما فى ﴿يُؤْمِنُ﴾ من ذكرِ ﴿ مِنِ﴾ .
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقُولُ: لا يُحَرِّفون ما أنزل اللهُ
إليهم فى كتبِه مِن نعتِ محمدٍ عَ لَه ، فيُبَدِّلونه ، ولا غيرَ ذلك مِن أحكامِه وحججِه
فيه، لعَرَضٍ مِن الدنيا خسيسٍ، يُعْطَوْنه على ذلك التبديلِ، وابتغاءِ الرياسةِ على
الجهالِ ، ولكنَّهم يَتْقَادُون للحقِّ، فَيَعْمَلون بما أمرهم اللّهُ به فيما أنزل إليهم فى كتبِه،
ويَنْتَهُون عما نهاهم عنه فيها ، ويُؤْثِرون أمرَ اللّهِ على هوَى أنفسِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمَّ إِنَ اللَّهَ
١٩٩١
سَرِيعُ الْحِسَابِ
يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾: هؤلاء الذين يُؤْمِنون
باللّهِ وما أُنْزِل إليكم وما أُنْزِل إليهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: لهم
عِوَضُ أعمالِهِم التى عمِلوها، وثوابُ طاعتِهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه، ﴿عِندَ
٣٣٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٩٩، ٢٠٠
رَبِّهِمْ﴾. يَعْنى: مذخورٌ ذلك لهم لديه، حتى يصيروا إليه فى القيامةِ فيُوَفِّيَّهم
ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وسرعةُ [٩٧/١١ و] حسابه تعالی ذکرُه
أنه لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن أعمالِهِم قبلَ أن يَعْمَلوها وبعدَ ما عمِلوها ، فلا حاجةً به
إلى إحصاءِ عددٍ ذلك، فيَقَعَ فى الإحصاءِ إبطاءٌ، فلذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
اُلْحِسَابِ ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ ﴾ .
اختلف أهلُ التأويل فى تأويل ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : اصبروا على
دينكم ، وصابِروا الكفارَ ورابطوهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن المباركِ بنِ
٢٢١/٤ فَضالةَ، عن الحسن أنه سمِعه يقولُ فى قولِ اللّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾. قال: أمَرهم أن يصبروا على دينِهم، فلا يَدَعوه لشدّةٍ ولا
رخاءٍ، ولا سرّاءَ ولا ضرّاءَ، وأَمَرَهم أن يُصابِروا الكفارَ، وأن يُرابطوا المشركين(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾. أى: اصبروا على طاعةِ اللَّهِ، وصابِروا أهلَ
الضلالةِ، ورابطوا فى سبيلِ اللّهِ، ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(١).
(١) الجهاد لابن المبارك (١٧٠)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٧/٣ (٤٦٩٠) من طريق المبارك بن
فضالة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد .
٣٣٣
سورة آل عمران : الاية ٢٠٠
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾. يقولُ: صابِروا المشركين، ورابطوا
﴾ (١)
فى سبيلِ اللَّهِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج:
﴿أَصْبِرُواْ﴾ على الطاعةِ، ﴿ وَصَابِرُواْ﴾ أعداءَ اللّهِ، ﴿وَرَابِطُواْ﴾ فى سبيلِ اللهِ .
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾. قال: اصبِروا على ما أَمِرتم به،
وصابِروا العدوَّ ورابطوهم .
وقال آخرون: معنى ذلك": اصبروا على دينِكم، وصابروا وَعْدى إياكم على
طاعتِكم لى، ورابطوا أعداءَ كم .
[٩٧/١١ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى أبو صخرٍ، عن محمدٍ
ابنِ كعبِ القُرَظِيِّ، أنه كان يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾
يقولُ: اصبروا على دينِكم، وصابِروا الوعدَ الذى وعدتُكم، ورابطوا عدوِّى
وعدوَّكم حتى يَنْكَ دينَه لدينكم(٣).
وقال آخرون : معنى ذلك : اصبِروا على الجهادِ ، وصابِروا عدوَّكم ورَابِطوهم .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٤٤/١، وأخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٤/٢٠ من طريق معمر به .
(٢ - ٢) فى س: ((يعنى بذلك)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٧/٣، ٨٤٨، ٨٥٠ (٤٦٨٩، ٤٦٩٧، ٤٧٠٤) عن يونس به ،
وأخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٤/٢٠ من طريق ابن وهب به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٢
إلى ابن المنذر .
٣٣٤
سورة آل عمران : الآية ٢٠٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ ، قال : أخبرنا هشامُ
ابنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ فى قولِه: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ ﴾. قال : اصبِروا
على الجهادِ، وصابِروا عدوًّكم، ورابطوا على عدوّكم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللّهِ المدنىُ(٢)، قال: ثنا مالكٌ - يعنى
ابنَ أنسٍ - عن زيدِ بنِ أسلمَ ، قال: كتب أبو عبيدة بنُ الجراح إلى عمرَ بنِ الخطابِ ،
يَذْكُرُ له جموعًا مِن الرومِ ، وما يَتَخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمرُ : أما بعد ، فإنه مهما
نزَل بعيدٍ مؤمنٍ من منزلةٍ شدَّةٍ ، يجعَلُ اللّهُ له بعدَها فَرَجًا ، وإنه لن يَغْلِبَ عسرٌ يُسْرَين،
وإن اللّهَ تبارك وتعالى يَقُولُ فى كتابِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ
وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾(١).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿ وَرَابِطُواْ﴾. أى: رابِطوا على الصلواتِ. أى:
انْتَظِروها واحدةً بعدَ واحدةٍ .
٢٢٢/٤
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن مصعبِ بنِ ثابتٍ
ابنِ عبدِ اللّهِ بنِ الزبيرِ، قال: ثنى داودُ بنُ صالح، قال: قال لى أبو سلمةً بنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٨/٣، ٨٥٠ (٤٦٩٤، ٤٧٠٦)، والبيهقى فى الشعب (٤٢٠٥) من
طريق جعفر بن عون به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٤/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) فى ص: ((المرنى))، وفى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المرى)). وينظر تهذيب الكمال ٧٠/٢٨.
(٣) الموطأ ٤٤٦/٢، وأخرج نحوه ابن المبارك فى الجهاد (٢١٧)، وابن أبى شيبة ٣٣٥/٥، ٣٧/١٣، ٣٨،
وابن أبى الدنيا - كما فى الدر المنثور ١١٤/٢ - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (١٠٠١٠)، والحاكم ٢/
٣٠١، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٧٧/٢٥ من طريق زيد بن أسلم عن أبيه بنحوه .
٣٣٥
سورة آل عمران : الآية ٢٠٠
عبدِ الرحمنِ : يا بنَ أخى، هل تَدْرِى فى أىِّ شىءٍ نزلت هذه الآيةُ: ﴿أَصْبِرُواْ
وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾؟ قال: قلتُ: لا. قال: ( إنه يا بنَ أخى) لم يَكُنْ فى زمانٍ
النبيِّ عَظِِّ غَزْوٌ يُرابَط فيه ، ولكنه انتظارُ الصلاةِ خلفَ الصلاةِ(٢).
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سعيد المقبرىِّ، عن
جدِّه، عن شُرَحْبيلٍ، عن علىٍّ، قال: قال رسولُ اللّهِ عَ له: ((ألا أدُلَّكم على ما
يُكَفِّرُ "اللّهُ به" الذنوبَ والخطايا؟ إسباُ الوضوءِ على المكارهِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ
الصلاةِ، فذلك الرّباطُ))(٤).
حدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرملىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا محمدُ بنُ
مهاجرٍ، قال : ثنى يحيى بنُ يزيدَ، عن زيدِ بنِ أبى أنيسةَ، [٩٨/١١و] عن شُرَحْبيلٍ، عن
جابرِ ابنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللّهِ مَِّهِ: ((ألا أدُلُّكم على ما يَمْحُو اللّهُ به الخطايا،
ويُكفِّرُ به الذنوبَ؟ قال: قلنا: بلى يا رسولَ اللهِ . قال: ((إسباُ الوضوءِ فى أماكنِها،
وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، فذلكم الرِّباطُ)) (٥) .
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن
العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللّهِ مَ لِ: ((ألا
(١ - ١) فى المستدرك: ((يا ابن أخى إنى سمعت أبا هريرة يقول)).
(٢) الزهد لابن المبارك (٤٠٨)، ومن طريقه الحاكم ٣٠١/٢، والبيهقى فى الشعب (٢٨٩٧)، والواحدى
فى أسباب النزول ص (١٠٤)، وابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٤/٢٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٣/٢
إلى ابن المنذر .
(٣ - ٣) سقط من : الأصل .
(٤) أخرجه عبد بن حميد (٩١)، والبزار (٥٢٨)، وأبو يعلى (٤٨٨)، والحاكم ١٣٢/١، وابن عبد البر فى
التمهيد ٢٢٤/٢٠ من طريق سعيد بن المسيب ، عن على .
(٥) أخرجه ابن حبان (١٠٣٩)، والبزار (٤٤٩- كشف) من طريق زيد بن أبى أنيسة به ، وأخرجه البزار
(٤٥٠ - كشف ) من طريق الشعبى ، عن جابر بنحوه .
٣٣٦
سورة آل عمران : الآية ٢٠٠
أدُلُّكم على ما يَخُطُّ اللّهُ بِهُ(١) الخَطايا، ويَرْفَعُ به الدرجاتِ))؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ.
قال: ((إسباُ الوُضوءِ عندَ المكارهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ
الصلاةِ، فذلكم الرباطُ ، فذلكم الرّباطُ ))(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُّ جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّمَ الَه بنحوِهِ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال فى ذلك: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللّهَ ورسولَه، ﴿أَصْبِرُواْ﴾ على دينكم
وطاعةِ ربِّكم. وذلك أن اللّهَ جل ثناؤه لم يَخْصُصْ مِن معانى الصبرِ على الدينِ
والطاعةِ شيئًا فيَجُوزَ إخراجه من ظاهرِ التنزيلِ؛ فلذلك قلنا : إنه عَنَى بقولِه :
﴿ أَصْبِرُواْ﴾ . الأمرَ بالصبرِ على جميع معانى طاعةِ اللهِ فيما أمَر به ونهَى ؛ صعبها
وشديدِها، وسهلِهاً) وخفيفِها. ﴿ وَصَابِرُواْ﴾. يعنى: وصابِروا أعداءكم مِن
المشركين .
وإنما قلنا : ذلك أولى بالصوابِ ؛ لأن المعروفَ مِن كلام العربِ فى المفاعلةِ أن
تكونَ مِن فريقين ، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكونُ مِن واحدٍ إلا قليلًا فى أحرف
(١) فى ص: ((فيه)).
(٢) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٣/٢٠ من طريق أبي كريب به .
(٣) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٢٣/٢٠، ٢٢٤ من طريق الحسين بن داود سنيد به، وأخرجه مسلم
(٢٥١)، والترمذى (٥١)، وأبو يعلى (٦٥٠١)، وابن خزيمة (٥) من طريق إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه
مالك ١٦١/١، وعبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ١١٣/٢ - وعنه أحمد ١٤٣/١٢، ١٦٢/١٣
(٧٢٠٩، ٧٧٢٩)، ومسلم (٢٥١)، والنسائى ٨٩/١ (١٤٣)، وابن خزيمة (٥)، وأبو عوانة ٢٣١/١،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٩/٣ (٤٧٠٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن به .
(٤) فى الأصل: ((ثقيلها)).
٣٣٧
سورة آل عمران : الآية ٢٠٠
معدودةٍ . وإذا كان ذلك كذلك، فإنما أُمِر المؤمنون أن يُصابِروا غيرَهم مِن أعدائِهم
حتى يُظْفِرَهم اللّهُ [٩٨/١١ظ] بهم، ويُعْلِىَ كلمتَه، ويُخْزِىَ أعداءهم، وألا
يكونَ(١) عدؤُّهم أصبرَ منهم .
وكذلك قولُه: ﴿وَرَابِطُواْ﴾. معناه: ورابطوا أعداءَكم وأعداءَ دينكم مِن
أهلِ الشركِ فى سبيلِ اللهِ .
وأرَى أصلَ الرِّباطِ ارتباطَ الخيلِ للعدوِّ، كما ارتبط عدوُهم لهم خيلَهم (١، ثم
/ استُعْمِل ذلك فى كلِّ مقيم فى ثغرٍ يَدْفَعُ عمن وراءَه مَن أرادهم مِن أعدائهم بسوءٍ، ٢٢٣/٤
ويَحْمى عنهم مَن بينَه وبينَهم ممن بغاهم بشرٌّ، كان ذا خيلٍ قد ارتَبَطها، أو ذا
رُجْلةٍ(٣) لا مَرْكبَ له .
وإنما قلنا: معنى: ﴿ وَرَابِطُواْ﴾: ورابطوا أعداءَكم وأعداءَ دينكم؛ لأن
ذلك هو المعنى المعروفُ من معانى الرِّباطِ، وإنما يُوَبَّهُ الكلامُ إلى الأغلبِ المعروفِ
فى استعمالِ الناسِ مِن معانيه دونَ الخَفَيِّ ، حتى تَأْتِىَ بخلافٍ ذلك - مما(٤) يُوجِبُ
صرفَه إلى الخَفَىِّ مِن معانيه - حجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها ، مِن كتابِ اللهِ عز وجل ، أو
خبّرٍ عن الرسولِ عَ لَّهِ ، أو إجماعٍ مِن أهلِ التأويلِ.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٢٠٠
قال أبو جعفرٍ: يَعْنى تعالى ذكرُه: واتَّقوا الله أيها المؤمنون ، فاحذَروه أن
(١) فى م: (( يكن)).
(٢) فى ص، ت١: ((حناهم))، وفى ت٢: ((حيالهم))، وفى ت ٣: (( خبالهم)).
(٣) الرجلة : المشى راجلا . اللسان ( رج ل ).
(٤) فى النسخ: ((ما)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
( تفسير الطبرى ٢٢/٦ )
٣٣٨
سورة آل عمران : الآية ٢٠٠
تخالفوا أمرَه أو (١) تَتَقَدَّموا على نهِهِ، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتُفْلِحوا
فَتَبْقَوا فى نعيم الأُبدِ ، وتُنْجِحوا فى طلباتِكم عندَه .
كما حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى أبو صخرٍ، عن
[٩٩/١١ و] محمدِ بنِ كعبِ القُرظىِّ أنه كان يقولُ فى قوله: ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ﴾: واتَّقونى( ١) فيما بينى وبينَكم ، لعلكم تُفْلِحون غدًا إذا لَقِيتُمونى(١٢).
تمَّ التفسيرُ تفسيرُ سورةِ ((آل عمرانَ ))
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين
(١) فى م: ((و)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((اتقوا الله)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥١/٣ (٤٧٠٩، ٤٧١١) عن يونس به ، وأخرجه ابن عبد البر فى
التمهيد ٢٢٤/٢٠ من طريق ابن وهب به. وهو من تمام الأثر المتقدم فى ص ٣٣٣ .
٣٣٩
سورة النساء : الآية ١
[٩٩/١١ظ] القولُ فى تفسيرِ السورةِ التى يُذكرُ فيها النساءُ
بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ
وَحِدَةٍ ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَكُم مِّن
نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾. احْذَرِوا أيُّها الناسُ ربَّكم فى أن تُخالِفوه فيما أمَركم أو فيما
نهاكم، فيُحِلَّ بكم مِنْ عقويتِه ما لا قِلَ لكم به، ثم وصَف تعالى ذكرُه نفسَه
بأنه المتوحِّدُ بخلقِ جميع الأنامِ مِن شخصٍ واحدٍ ، وعرَّف عبادَه كيف كان
مُجْتَدأُ انتشائِه ذلك مِن النفسِ الواحدةِ (١) ، مُنَبِّهَهم بذلك على أن جميعَهم بنو
رجلٍ واحدٍ وأمّ واحدةٍ ، وأن بعضَهم مِن بعضٍ، وأن حقَّ بعضِهم على بعضٍ
واجبٌ وجوبَ حقِّ الأخ على /أخيه؛ لاجتماعِهم فى النسبِ إلى أبٍ واحدٍ وأمّ ٢٢٤/٤
واحدةٍ ، وأن الذى يَلْزَمُهم مِن رعايةِ بعضِهم حقَّ بعضٍ - وإن بعد التلاقى فى
النسبِ إلى الأبِ الجامعِ بينَهم، مثلُ الذى يَلْزَمُهم مِن ذلك فى النسبِ إلى
الأبِ) الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعضٍ ، ليَتَناصَفوا ولا يَتَظالموا، ولِيَبْذُلَ
القوىُّ منهم مِن نفسِه للضعيفِ حقَّه بالمعروفِ على ما ألزَمه اللّهُ له، فقال: ﴿ الَّذِى
خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾. يعنى: مِن آدمَ عليه السلامُ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلِ، قال : ثنا
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: (( و)).
(٢ - ٢) ليست فى: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
٣٤٠
سورة النساء : الآية ١
أَسْباطُ ، عن الشُدِّىِّ: أما خَلْقُكم مِن نفسٍ واحدةٍ فمِن آدمَ ().
حدَّثنا(١) بِشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
◌َيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُ مِّنِ نَّفْسٍ وَبِدَةٍ﴾. يَعْنى: آدمَ عَه(١).
حدَّثنا ("سفيانُ بنُ وَكيع، قال: ثنا أبى)، عن سفيانَ، عن رجلٍ واحدٌ ()، عن
مجاهدٍ : ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَبِدَةٍ﴾. قال: آدمُ(١).
ونظيرُ قولِه: ﴿مِّنِ نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾، والمعنىُ به رجلٌ، قولُ الشاعر(٧):
وأنت خليفةٌ ذاك الكمالُ
أبوك خليفةٌ ولَدتْه أخری
فقال: ولَدته أخرى. وهو يُريدُ الرجلَ، فَأَنَّث للفظِ الخليفةِ، وقال تعالى
ذكرُه: ﴿مِّنِ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾. لتأنيثِ النفسِ، والمعنى : مِن رجلٍ واحدٍ ، ولو قيل:
((مِن نَّفْسٍ واحدٍ)). [١٠٠/١١و] فأُخْرِج اللفظُ(٨) على التذكيرِ للمعنى كان صوابًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَسَاءٌ ﴾.
يَعْنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَخَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وخلَق مِن النفسِ الواحدةِ
زوجَها ، يَعْنى بالزوج: الثانى لها. وهو فيما قال أهلُ التأويل، امرأتُها حوَاءُ.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥٢/٣ (٤٧١٤) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) فى ت٢: ((كما حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٥٢/٣ عقب الأثر (٤٧١٤)، ١٦٣٠/٥ معلقا.
(٤ - ٤) فى س: (( بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد)).
(٥) تفسير سفيان ص ٨٥ .
(٦) ليست فى: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٧) تقدم فى ٣٦٢/٥ .
(٨) ليست فى : الأصل .