النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
تخلَّفوا وكذَبوا، ويفرَحون بذلك، ويرَوْن أنها حِيلةٌ احتالوا بها(١).
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك قومٌ من أحبارِ اليهودِ كانوا يفرحون بإضلالِهم
الناسَ، ونسبةِ الناسٍ إِيَّاهم إلى العلمِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، [٨٩/١١ و] عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
أبى محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو سعيدِ بنِ تجبيرٍ: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: يعنى
فِنْحاصَ وأشيعَ وأشباهَهما من الأحبارِ الذين يفرحون بما يُصيبون من الدنيا على ما
زيَّنوا للناسِ من الضلالةِ، ﴿ويحبُّون أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا﴾: أن يقولَ لهم
الناسُ: علماءُ. وليسوا بأهلِ علم، لم يحمِلوها (١) على هُدًى ولا خيرٍ، ويحبُّون أن
يقولَ لهم الناس: قد فعَلوا(١) .
/حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، ٢٠٦/٤
قال : ثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابتٍ ، عن عكرمةً ، أنه حدَّثه عن ابنِ
عباسٍ بنحوِ ذلك، إلا أنه قال: وليسوا بأهلِ علمٍ، لم يحمِلوهم على هُدَى(٤).
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك قومٌ من اليهودِ فرِحوا باجتماع كلمتهم على
تكذيبٍ محمدٍ عَّهِ، ويحُّون أن يُحْمَدوا بأن يقالَ لهم (١) : هم أهلُ صلاةٍ وصيامٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((يحملوهم)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٥٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٨/٣، ٨٤٠ (٤٦٤٠، ٤٦٥٠) من
طریق سلمة به بدون ذكر سعيد بن جبير .
(٤) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٢٧٨، ٢٧٩.
(٥) فى الأصل: ((لكم )) .

٣٠٢
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفَرَج، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بُ
سليمانَ ، قال: سمِعت الضَّاكَ بنَ مُزاحم يقولُ فى قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ﴾: فإنهم فرِحوا باجتماعِهم على كفرهم بمحمدٍ سَ له ، وقالوا : قد
جمَع اللَّهُ كلمتَنا، ولم يخالِفْ أحدٌ منا أحدًا أن محمدًا ليس بنبيّ". وقالوا: نحنُ
أبناءُ اللَّهِ وأحبَّاؤُه، ونحن أهلُ الصلاةِ والصيامِ. وكذَبوا، بل هم أهلُ كفرٍ وشركٍ
وافتراءٍ على اللّهِ، قال اللَّهُ: ﴿ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾(١).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جُوَييرٌ، عن
الضخَّاكِ فى قولِهِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ﴾. قال: كانت(٢) اليهودُ أمَر بعضُهم(٤) بعضًا، فكتَب بعضُهم إلى بعضٍ : إِن
محمدًا ليس بنبيِّ، فأَجْمِعوا كلمتكم، وتمشَكُوا بدينكم وكتابِكم الذى معكم .
ففعلوا، وفرِحوا بذلك، وفرِحوا باجتماعِهم على الكفرِ بمحمدٍ عَلَهٍ(١).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: قال: كتّموا
اسمَ محمدٍ عَ لَهِ، ففرحوا بذلك(٧) حينَ اجْتَمعوا عليه، وكانوا يزُون أنفسَهم
فيقولون : نحنُ أهلُ الصيام، وأهلُ الصلاةِ، وأهلُ الزكاةِ ، ونحن على دينٍ
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٣: ((أن بنبى))، وفى م، س: ((أنه نبى))، وفى ت٢: ((إلا نبى)). والمثبت كما
فى الأثر التالى .
(٢) ينظر التبيان ٧٦/٣، والبحر المحيط ١٣٧/٣.
(٣) فى النسخ: ((قالت)). والصواب ما أثبتناه .
(٤) فى م: (( بعضكم )) .
(٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ففرحوا)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٧) بعده فى ص، م، ت١، ت٣، س: ((وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد سع ال. حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال:
ثنا أسباط عن السدى قال: كتموا اسم محمد عَّ وفرحوا بذلك)». وهو تكرار خلط بين الأثر السابق وهذا الأثر.

٣٠٣
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
إبراهيمَ. فَأَنْزَل اللَّهُ جل ثناؤه فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَواْ﴾ من
كتمانِ محمدٍ عَ لَه، ﴿وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾، أحبُوا أن تحمَدَهم
العربُ بما يزكّون به أنفسَهم ، وليسوا كذلك(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
أبى الجَخَّافِ، عن مسلم البَطِينِ، قال: سأل الحجَّائج جلساءَه عن هذه الآية: ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾. قال (" سعيدُ بنُ مُجبيرٍ): بكتمانِهم محمدًا ،
وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾. [٨٩/١١ ظ] قال: هو قولُهم: نحن على دينٍ
إبراهيم عليه السلامُ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ﴾: هم أهلُ الكتابِ ، أَنْزِل عليهم الكتابُ، فحكموا بغيرِ الحقِّ، وحرَّفوا
الكَلِمَ عن مواضعِه ، وفرِحوا بذلك ، وأحبُّوا أن / يُحْمَدوا بما لم يفعلوا ، فرِحوا بأنهم
كفَروا بمحمدٍ عَّه وما أُنزِل إليه (٤)، وهم يزعمون أنهم يعبدون اللَّهَ، ويصومون،
ويصلُّون ، ويطيعُون اللَّهَ، فقال اللَّه جلَّ ثناؤه لمحمدٍ عَمِ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
بِمَآ أَتَوَا﴾، كُفْرًا(٥) باللّهِ، وكُفْرًا(٥) بمحمدٍ عَه، ﴿وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ﴾، من الصلاةِ والصومِ، فقال اللَّهُ جلَّ وعزَّ لمحمدِ عِ لَه: ﴿فَلَ تَحْسَبَّهُم
(٦)
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
٢٠٧/٤
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) تقدم فى ص ٢٩٥ .
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الله)).
(٥) فى م وتفسير ابن أبى حاتم: ((كفروا)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٨/٣، ٨٤٠ (٤٦٣٩، ٤٦٤٨) عن محمد بن سعد به .

٣٠٤
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تحسَبَنَّ الذين يفرحون بما أَتَوْا من تبديلِهم
كتابَ اللَّهِ ، ويحبُّون أن يحمَدَهم الناسُ على ذلك.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَواْ﴾. قال:
يهودُ، فرِحوا بإعجابِ الناسِ بتبديلِهم الكتابَ ، وحمدِهم إِيَّاهم عليه، ولا تملِكُ
(١)
بهودُ ذلك(١).
وقال آخرون : معنى ذلك أنهم فرِحوا بما أعطَى اللَّهُ تعالى آلَ إبراهيم عليه السلامُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن أبى
المُعَلَى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ﴾. قال: اليهودُ، يفرَحون بما آتى اللَّهُ إبراهيمَ عليه السلامُ(٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُّ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى المُعَلَّى
العطَّارِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هم اليهودُ، فرِحوا بما أعطى اللَّهُ إبراهيمَ
الكتابَ(٣).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ من اليهودِ سألهم رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ عن شئْءٍ
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى
حاتم . وينظر تفسير ابن أبى حاتم ٨٣٧/٣ (٤٦٣٨).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى المصنف .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
. ".

٣٠٥
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
فكتَموه ، ففرحوا بكتمانِهم ذلك إِيَّاه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جريج ،
قال : أخبرنى ابنُ أبي مليكةً، أن علقمةَ (١ بنَ وقاصٍ(١) أخبره، أن مَرْوانَ قال الرافع:
اذهبْ يا رافعُ إلى ابنِ عباسٍ فقل له: لئن كان كلُّ امرئٍّ منا فرح بما أَتَى(٢)، وأحبُّ أن
يُحْمَدَ بما لم يفعَلْ معذَّبًا، لَيعذِّبَنَا اللَّهُ أجمعين. فقال ابنُ عباسٍ: وما لكم ولهذه؟ إنما
دعا النبيُّ عَ لِ يهودَ فسألهم عن شىْءٍ فَكتَموه إِيَّاه، وأخبروه بغيرِه، فأرَوه أن قد
استجابوا للَّهِ بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرحوا بما أَتَوْا (٣) من كتمانِهم إيَّاه، ثم قرأ(٤):
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِينَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ ﴾ الآية(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجْ، قال : قال ابنُ نجريج :
أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ أبى مُليكةَ، أن حميدَ بنَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ أخبرَه، أن مَرْوانَ
ابنَ الحكم [٩٠/١١ و ] قال لبؤَّابِه: يا رافعُ، اذهب إلى /ابنِ عباس فقل له: لئن كان كلَّ ٢٠٨/٤
امرئٍّ منا فرح بما أَتَى ، وأحبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعَلْ مُعذَّبًا، لَنُعذَّبَنَّ جميعًا. فقال ابنُ
عباسٍ : ما لكم ولهذه الآيةِ؟ إنما أَنْزِلت فى أهلِ الكتابِ. ثم تلا ابنُ عباسٍ: ﴿وَإِذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ﴾ إلى قولِه: ﴿أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ
يَفْعَلُواْ﴾. قال ابنُ عباسٍ: سألهم النبىُّ عَلَِّ عن شىءٍ فكتَموه إياه، وأخبروه
(١ - ١) فى م: ((بن أبى وقاص)). وينظر تهذيب الكمال ٣١٣/٢٠.
(٢) فى تفسير عبد الرزاق وصحيح البخارى: (( أوتى)).
(٣) فى س: (( أوتوا)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قال)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٤١/١، ١٤٢، ومن طريقه أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ١٠١، ١٠٢.
وقد أخرجه البخارى (٤٥٦٨)، والبغوى فى تفسيره ١٥٠/٢ من طريق ابن جريج به .
( تفسير الطبرى ٢٠/٦ )

٣٠٦
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
بغيرِه ، فخرجوا وقد أرَوه أن قد أخبَروه بما سألهم عنه ، فاسْتَحْمَدوا بذلك إليه ،
وفرحوا بما أَتَوْا من كتمانِهم إِيَّاه ما سألهم عنه(١) .
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك قومٌ من يهودَ أَظْهَروا النفاقَ للنبيِّ مَّمِ؛ محبةً
منهم للحمدِ ، واللَّهُ عالمٌ منهم خلاف ذلك .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أعداءَ
اللَّهِ اليهودَ؛ يهودَ خيبرَ، أَتَوا نبىَّ اللّهِ وَ له، فزعموا أنهم راضون(٢) بالذى جاءهم
به ، وأنهم متابعوه ، وهم متمسّكون بضلالتِهم، وأرادوا أن يحمَدَهم نبئُ اللَّهِ يهتم بما
لم يفعلوا، فَأَنْزَلِ اللَّهُ تعالى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ
بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ الآية(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةً
قال: إن أهلَ خيبرَ أَتَوًّا النبىَّ ◌َهِ وأصحابَه فقالوا: إنَّا على رأيكم وهيئتكم، وإنا
لكم رِدْءٌ(٤). فَأَكْذَبهم اللَّهُ فقال: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾ الآيتين(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
عمرِو بن مُرَّةً، عن أبى عبيدةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ فقال: إن كعبًا يقرأ
(١) أخرجه أحمد ٤٤٤/٤، ٤٤٥ (٢٧١٢)، والبخارى (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨) ، والترمذى
(٣٠١٤)، والنسائى (١١٠٨٦ - كبرى)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٩/٣ (٤٦٤٧)، والطبرانى
(١٠٧٣٠)، والبيهقى فى الشعب (٧٠١٩) من طريق حجاج به، وأخرجه الحاكم ٢٩٩/٢ من طريق ابن
جرير به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/١ إلى ابن المنذر به .
(٢) فى س: ((رضوا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) فى ت٢: ((ردف))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((ود)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٤٤/١.

٣٠٧
سورة آل عمران : الآية ١٨٨
عليك السلامَ ويقولُ: إن هذه الآيةَ لم تنزِلْ فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَوَأْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾. قال: أخبروه أنها
نزلت وهو يهودىٌّ(١).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويل قوله: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآَ
أَنَواْ﴾ الآية. قولُ من قال: عُنِى بذلك أهلُ الكتابِ الذين أَخْبَرِ اللَّهُ جلَّ وعزَّ أنه أَخَذْ
ميثاقَهم ، لَيُبِيِّئُنَّ للناسِ أَمرَ محمدٍ عَظَه، ولا يكتُمونه؛ لأن قولَه: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ﴾ الآية .. فى سياقِ الخبرِ عنهم ، وهو شبيهٌ بقصتِهم ، مع اتفاقِ أهلِ
التأويلٍ على أنهم المعنيُّون بذلك .
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: لا تحسَبَنَّ يا محمدُ الذين يفرحون بما أَتَوا
من كتمانِهم الناسَ أَمَرَك ، وأنك لى رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ، وهم يجدونَك مكتوبًا
عندَهم فى كتُبِهم، وقد أخَذتُ عليهم الميثاقَ بالإقرارِ بنبوَّتِك [٩٠/١١ظ] وبيانٍ
أمرِك للناس ، وألا يكتُموهم ذلك، وهم مع نقضِهم ميثاقى الذى أخَذتُ عليهم
بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياى فى ذلك، ومخالفتِهم أمرى، ويحِبُّون أن
يحمَدَهم الناسُ بأنهم أهلُ طاعةٍ للَّهِ وعبادةٍ وصلاةٍ وصومٍ، وأتِّباع لوحيِه وتنزيله
الذى أَنْزَله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياءُ أَحْلِياءُ؛ لتكذيِهم رسولَه، ونقضِهم
ميثاقَه الذى أخَذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحِبُّون أن يحمَدَهم الناسُ عليه، ﴿ فلا
تحسبَنَّهم بمفازةٍ من العذابِ ولهم عذابٌ/ أَلِيمٌ ﴾ .
٢٠٩/٤
" ويعنى بقوله(١): ﴿فَلَا تَّحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ اُلْعَذَابِ﴾: فلا تظُنَّنَّهم
بمنجاةٍ من عذابِ اللَّهِ الذى أعدَّه لأعدائِه فى الدنيا، من الخَسْفِ والمَسْخِ والرَّحْفِ
(١) تفسير سفيان ص ٨٣ بنحوه. وينظر ما تقدم فى ص ٢٩٦ .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وقوله)).

٣٠٨
سورة آل عمران : الآيات ١٨٨ - ١٩٠
والقتل، وما أَشْبَه ذلك من عقابِ اللَّهِ ، ولا هم ببعيدٍ منه .
كما حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَلَا
تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال: بمنجاةٍ من العذابِ، ( ولا هم يبعيدٍ منه" .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: ولهم عذابٌ فى الآخرةِ أيضًا مؤلمٌ، مع
الذى لهم فى الدنيا مُعَجَّلٌ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضُِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيُ
١٨٩
وهذا تكذيبٌ من اللَّهِ للذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. يقولُ تعالى ذكرُه
مكذِّبًا لهم: للَّهِ مُلكُ جميع ما حوَته السماواتُ والأرضُ، فكيف يكونُ - أيها
المفترون على اللَّهِ - من كان مُلكُ ذلك له فقيرًا؟ ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤه أنه القادرُ على
تعجيلِ العقوبةِ لقائلى ذلك ، ولكلِّ مكذِّبٍ به، ومفترٍ عليه، وعلى غير ذلك مما أراد
وأحبّ، ولكنه تفضَّلَ بحِلْمِه على خلقِه، فقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ .
يعنى : من إهلاكِ قائلى ذلك، وتعجيلٍ عقوبته لهم، وغيرِ ذلك من الأمورِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أَلَيَّلِ
وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
١٩٠
وهذا احتجاجٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه على قائلِ ذلك، وعلى سائرٍ خلقِه، بأنه
المدبِّرُ المصرِّفُ الأشياءَ، والمسخِّرُ ما أحبَّ، وأن الإغناءَ والإفقارَ إليه وبيدِه ، فقال
جلَّ ثناؤه: تدبَّروا [٩١/١١و] أيها الناسُ واعتبروا، ففيما أنشأتُّه فخلَقتُه من
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٠/٢ إلى المصنف.

٣٠٩
سورة آل عمران : الآيتان ١٩٠، ١٩١
السماواتِ والأرضِ لمعاشِكم وأقواتِكم وأرزاقِكم، وفيما عقّبْتُ بينَه من الليلِ
والنهارِ، فجعَلتُهما يختلفان ويعتقِبان عليكم، تتصرَّفون فى هذا لمعاشِكم،
وتسكُنون فى هذا راحةً لأبدنِكم (١) - معتبرٌ ومذَّكَرٌ، وآياتٌ وعظاتٌ ، لمن كان
منكم ذا لُبِّ وعقْلٍ يعلَمُ به أن من نسَبنى إلى أنى فقيرٌ وهو غنىٌّ ، كاذبٌ مفتٍ ، فإن
ذلك كلَّه بيدى ، أقلِّبُه وأصرِّفُه ، ولو أبطَلْتُ ذلك لهلَكتم، فكيف يُنْسَبُ إلى فقرٍ
مَن كان كلُّ ما به عيشُ ما فى السماواتِ والأرضِ بيدِه وإليه؟ أم كيف يكون غنيًا
من كان رزقُه بيدٍ غيرِه ؟ إذا شاء رزَقه، وإذا شاء حرَمه، فاعتبروا يا أولى الألبابِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
وقولُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾. من نعتِ ((أُولى الألباب))،
و﴿ الَّذِينَ﴾ فى موضع خفضٍ ردًّا على قولِه: ﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ .
/ومعنى الآية: إن فى خلقِ السماواتِ والأرضِ، واختلافِ الليلِ والنهارِ ٢١٠/٤
لآياتٍ لأولى الألبابِ ، الذاكرين اللَّهَ قيامًا وقعودًا، وعلى جنوبهم. يعنى بذلك:
قيامًا فى صلاتِهم ، وقعودًا فى تشهُدِهم ، وفى غيرِ صلاتِهم، وعلى جنوبهم نيامًا .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ تجريجٍ
قولَه: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا﴾ الآية. قال: هو ذكرُ اللَّهِ فى الصلاةِ
وفى غيرِ الصلاةِ ، وقراءةُ القرآنِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾: وهذه حالاتُك كلُّها يابنَ آدمَ ،
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لأجساد كم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.

٣١٠
سورة آل عمران : الآية ١٩١
"فاذكرِ اللهَ وأنت قائمٌ فإن لم تَستَطِعْ فاذكُرْه وأنت قاعدٌ ، فإن لم تَستَطِعِ فاذكُرْه
(١
وأنت على جنبِك، يُشْرًا من اللَّهِ وتخفيفًا(٢).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾. فعطّف بـ ﴿ عَلَى ﴾ وهى
صفةٌ، على (( القيامِ والقعودِ))، وهما اسمان ؟
قيل: لأن قولَه: ﴿ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. فى معنى الاسم، ومعناه : ونيامًا ،
أو: (٢) مضطجعين على جنوبهم. فحسُن عطفُ ذلك على القيامِ والقعودِ لذلك(٢)
المعنى، كما قيل: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنِسَنَ اُلُُّّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَبِمًا﴾
[ يونس: ١٢]. فعطَف بقوله: ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَابِمًا﴾. على قوله: ﴿لِجَنَّبِهِ﴾.
لأن معنى قوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾: مضطجعًا. فعطَف بـ ((القاعِد والقائم)) على معناه
[٩١/١١ظ]، فكذلك ذلك فى قوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ .
وأما قولُه: ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ ﴾ . فإنه يعنى بذلك أنهم
يعتبرون بصنعةٍ صانع ذلك ، فيعلمون أنه لا يصنَعُ ذلك إلا مَن ليس كمثله شىءٌ، ومَن
هو مالكُ كلِّ شيءٍ ورازقُه ، وخالقُ كلِّ شيءٍ ومديِّرُه، ومن هو على كلِّ شيءٍ قديرٌ،
وبيدِه الإغناءُ والإفقارُ، والإعزازُ والإذلالُ، والإحياءُ والإماتةُ، والشقاءُ والسعادةُ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ
·
النَّارِ
يعنى بذلك تعالى ذكره : وَيَتَفَكَّرُون فى خَلقِ السماواتِ والأرضِ قائلين: رَبَّنَا
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٢/٣ (٤٦٥٨) من طريق يزيد به .
(٣) بعده فى ص، ت١، س: (( و).
(٤) بعده فى الأصل، ص، ت١، س: (( من ).

٣١١
سورة آل عمران : الآيتان ١٩١، ١٩٢
مَا خَلَقتَ هذا باطِلًا. فترَك ذكرَ ((قائلين)) ؛ إذ كان فيما ظهَر من الكلام دلالةٌ عليه .
وقولُه: ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾. يقولُ: لم تخلُقْ هذا الخلقَ عبثًا ولا لعِبًا ،
ولم تخلُقْه إلا لأمرٍ عظيمٍ، من ثوابٍ وعقابٍ، ومحاسبةٍ ومجازاةٍ .
وإنما قال: ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾. ولم يقلْ: ما خَلَقْتَ هذه. ولا:
هؤلاء. لأنه أراد بـ ﴿هَذَا﴾ الخلقَ الذى فى السماوات والأرضِ، يدلُّ على ذلك
قولُه: ﴿ سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ورغبتُهم إلى ربِّهم فى أن يقيّهم عذابَ
الجحيم. ولو كان المعنى بقولِه: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾. السماواتِ والأرضَ،
لما كان لقولِه عَقِيبَ ذلك: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. معنّى مفهومٌ؛ لأن السماواتِ
والأرضَ أدلةٌ على بارئِها، لا على الثوابِ والعقابِ، وإنما الدليلُ على الثوابِ
والعقاب الأمر والنهىُ .
وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه أولى الألبابِ الذين ذكرهم فى هذه الآيةِ أنهم إذا رأْؤًا
المأمورين المنهيين، قالوا: يا رَبَّنا ، لم تخلُقْ هؤلاء باطلًا عبثًا .
﴿سبحانَك﴾. يعنى: تنزيهًا لك (١ وتعظيمًا لك١) من أن تفعَلَ شيئًا عبثًا،
ولكنك خلَقتهم(١) لعظيم من الأمرِ، لجنةٍ أو نارٍ. ثم فزِعوا إلى ربِّهم بالمسألةِ أن يُجيرَهم
من عذابِ النارِ ، وأَلَّ يجَعَلَهم ممن عصاه وخالَف أمرَه، فيكونوا من أهلِ جهنّمَ .
/ القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ رَبَّا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلَّلِمِينَ ٢١١/٤
١٩٢
مِنْ أَنْصَارِ
[٩٢/١١و] اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ربَّنا إنك
من تُدْخِلِ النارَ من عبادِك فتخلِّدْه فيها فقد أَخْزَيتَه. قالوا(٢) : ولا يُخْزَى مؤمنٌ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٢) فى س: (( جعلتهم)).
(٣) فى م، س: ((قال)).

٣١٢
سورة آل عمران : الآية ١٩٢
مصيرُه إلى الجنةِ، وإن ◌ُذِّب بالنارِ بعضَ العذابِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى أبو حفصِ الجُبُيرىُّ ومحمدُ بنُ بشارٍ ، قالا: أخبرنا المؤمَّلُ، أخبرنا(١)
أبو هلالٍ ، عن قتادةَ، عن أنس فى قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ﴾ .
قال : من تُخَلِّدْ فيها(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ ، عن
رجلٍ، عن ابنِ المسْيَّبِ: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ﴾. قال: هى
خاصَّةٌ لمن لا يخرُجُ منها (٢) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو النعمانِ عارٌ، قال : ثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، قال : ثنا
قَبِيصةُ بنُ مَرْوانَ ، عن الأشعثِ الحُمْلىِّ ، قال : قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ ، أرأيتَ
ما تذكُرُ من الشفاعةِ حقٌّ هو ؟ قال : نعم حقٌّ . قال : قلتُ : يا أبا سعيدٍ ، أرأيتَ قولَ
اللَّهِ جل وعز: ﴿رَبَّنَّا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ
مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: فقال لى: إنك واللَّهِ لا
تَسْطُو(٤) علىَّ بشىءٍ ) ، إن للنارِ أهلًا لا يخرجون منها كما قال اللَّهُ . قال: قلتُ :
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((وأخبرنا)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٢/٣ (٤٦٦٠)
من طريق قتادة به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٤٢/١.
(٤) فى م: ((تستطيع)). وأصل السطو القهر، يريد أنك لا تقهرنى وتغلبنى بحجة.
(٥) فى م: (( شىء)).

٣١٣
سورة آل عمران : الآية ١٩٢
يا أبا سعيدٍ: "فيمَ دَخَلوها ويم) خرجوا؟ قال: كانوا (٢) أصابواذنوبًا فى الدنيا، فأَخَذهم
اللَّهُ بها ، فأَدْخَلهم بها ، ثم أَخْرَجهم بما يعلَمُ فى قلوبهم من الإيمانِ والتصديقِ به .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ جريجٍ قولَه :
إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْنَهُ﴾. قال: هو من يُخلَّدُ فيها (1).
وقال آخرون : معنى ذلك : ربَّنا إِنك من تُدْخِلِ النارَ من مخلَّدٍ فيها وغيرِ مخلَّدٍ
ء
فيها ، فقد أَخْزِى بالعذابِ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا الحارثُ بنُ مسلم ، عن بحرٍ ، عن
عمرو بنٍ دينارٍ ، قال: قدِم علينا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ فى عُمْرَةٍ ، فانتهيتُ إليه أنا وعطاءٌ،
فقلتُ: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْرَيْتَهُ﴾. قال: وما أَخْزاه(٦) حينَ أَخْرَقِهِ(٧)
بالنارِ ! إنَّ دونَ ذاك لخزيًا(٢) .
وأولى القولين بالصوابِ عندى قولُ جابرٍ أن من أَدْخِل النارَ فقد أَخْزِى بدخوله
إياها وإن أُخْرِج منها . وذلك أن الخزْىَ إِنما هو هتْكُ سِترِ المُخْرَى وفضيحتُه، ومن
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فى من دخلوها ولم))، وفى م: ((فى من دخلوها ثم)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((كان)).
(٣) أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (٣٢٢) من طريق الأشعث بن جابر الحُمْلى بمعناه مختصرًا . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٠/٢ إلى ابن المنذر ببعضه.
(٤) ينظر التبيان ٨٢/٣.
(٥) فى النسخ: (( يحيى))، والمثبت من مصدر التخريج . وهو بحر بن كَنِيز الباهلى السقاء . ينظر تهذيب
الكمال ٠١٢/٤
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((إخزاؤه)).
(٧) فى ص: ((أحروه))، وفى ت١، ت٣، س: ((أخزوه))، وفى ت٢: ((أحزوه)).
(٨) أخرجه الحاكم ٣٠٠/٢ من طريق الحارث بن مسلم به نحوه .

٣١٤
سورة آل عمران : الآيتان ١٩٢، ١٩٣
عاقَبه [٩٢/١١ظ] ربُّه فى الآخرةِ على ذنُوبِه، فقد فضحه بعقابِه إياه، وذلك هو
الخزى .
وأما قولُه: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مَن أَنْصَارٍ﴾. يقولُ: وما لمن خالَف أمرَ اللَّهِ
فعصاه، من ذى نصرةٍ له ينصُرُه من اللَّهِ ، فيدفَعَ عنه عقابَه، أو يُنْقِذَه من عذابِه .
٢١٢/٤
/القولُ فى تأويل قوله: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ
بِرَبِّكُمْ فَشَامَتَّا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ
اُلْأَبْرَارِ
١٩٣
اخْتَلف أهلُ التأويل فى تأويل المنادِى الذى ذكّره اللهُ تعالى فى هذه الآيةِ ؛ فقال
بعضُهم : المنادِى فى هذا الموضعِ القرآنُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال : ثنا سفيانُ ، عن موسى بنٍ
عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ . قال : هو
الكتابُ، ليس كلُّهم ◌َقِى النبيِّ عَه(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا منصورُ بنُ حَكِيم، عن خارجةَ ، عن
موسى بنِ عُبيدةً، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ فى قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا
يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ليس كلُّ الناسِ سمِع النبىَّ ◌َّهِ، ولكِنَّ المنادِىَ القرآنُ(١).
وقال آخرون : بل هو محمدٌ عَلِّ .
(١) تفسير سفيان ص ٨٣ ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٢/٣ (٤٦٦٢) من طريق سفيان به .
(٢) أخرجه الخطيب البغدادى فى المتفق والمفترق ٥٧٩/١ (٣٢١) من طريق موسى بن عبيدة به مختصرًا،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .

٣١٥
سورة آل عمران : الآية ١٩٣
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريج قولَه :
﴿رَبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾. قال: هو محمدٌ عَهٍ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ رَّبَّنَآ
إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًّا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾. قال: ذلك رسولُ اللَّهِ عَ﴾(٣).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ محمدِ بنِ كعبٍ ، وهو أن يكونَ المنادِى
القرآنَ ؛ لأن كثيرًا ممن وصَفهم اللَّهُ جل ثناؤه بهذه الصفةِ فى هذه الآياتِ ، ليسوا ممن
رأى النبيَّ عَّ له ولا عايَنه، فيَسْمَعُوا(٢) دعاءَه إلى اللَّهِ تبارك وتعالى ونداءَه، ولكنه
القرآنُ ، وهو نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه مخبِرًا عن الجنّ إذ سمِعوا كلامَ اللَّهِ يُتْلَى عليهم،
أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ﴿ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢،١].
وبنحوِ ذلك " كان قتادةُ يقولُ) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّنَا
سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: سمِعوا دعوةٌ
من اللَّهِ فأجابوها، (وَأَحْسَنواْ) فيها، وصبروا عليها. ينبِّئُكم اللّهُ عن مؤمنٍ الإنسِ
كيف قال، وعن مؤمن الجنِّ كيف قال؛ فأما مؤمنُ الجنِّ فقال: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا
◌َجَبًا ﴿ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ [٥٩٣/١١] فَشَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِيْنَا أَحَدًا﴾. وأما٢ مؤمنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٣/٣ (٦٤٦٤) من طريق ابن ثور عن ابن جريج بنحوه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٢ إلى المصنف.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فسمعوا)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فأحسنوا الإجابة)).
(٦ - ٦) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س .

٣١٦
سورة آل عمران : الآية ١٩٣
الإنسِ فقال: ﴿ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَشَامَنَّا رَبَّنَا
فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآية(١).
/وقيل: ﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾. يعنى: ينادِى إلى الإيمانِ .
كما قال تعالى ذكره: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ هَدَنَنَا لِهَذَا ﴾ [الأعراف: ٤٣]. بمعنى:
هدانا إلى هذا. وكما قال الراجزُ(١) :
٢١٣/٤
أَوْحَى لها القرارَ فاسْتَقَرَّتِ
وشدَّها بالراسياتِ النَُّتِ
بمعنى: أُوْحَى إليها. ومنه قولُه: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [ الزلزلة: ٥].
وقيل : يحتمِلُ أن يكونَ معناه : إننا سمعنا مناديًا للإيمانِ ينادى: أن آمِنُوا بربِّكم .
فتأويلُ الآيةِ إذن : ربّنا إننا سمِعنا داعيًا يدعو إلى الإيمانِ . يقولُ : إلى التصديقِ
بك، والإقرارِ بوحدانيتك، واتِّباع رسولِك وطاعته، فيما أمَرنا به، ونهانا عنه ، مما
جاء به من عندِك، ﴿فَقَامَنَاْ رَبَّنَا﴾. يقولُ: فصدَّقنا بذلك يا ربَّنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا﴾. يقولُ: فاسْتُرْ علينا خطايانا، ولا تفضَحْنا بها فى القيامةِ على رءوسٍ
الأشهادِ ، بعقويتِك إيانا عليها، ولكن كفِّرْها عنا، وسيئاتِ أعمالنا ، فامْحُها
بفضلك ورحمتِك إيانا ، ﴿ وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾. يعنى بذلك: واقْبِضْنا إليك -
إذا قبَضتنا إليك - فى عِدادِ الأبرارِ، واحْشُرْنا مَحْشَرَهم ومعهم.
والأبرارُ جمعُ بَرِّ ، وهم الذين برُّوا اللَّهَ تبارك وتعالى بطاعتِهم إياه ، وخدمتِهم
له، حتى أُرِضَوْه فَرضِى عنهم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٣/٣ (٤٦٦٣) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١١/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) تقدم فى ٤٠١/٥، ٤٠٢.

٣١٧
سورة آل عمران : الآية ١٩٤
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ
١٩٤)
إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ اَلِيعَادَ
.
إن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ مسألةِ هؤلاء القومِ ربَّهم أن يؤتيَهم ما وعَدهم ، وقد
علِيموا(١) أن اللَّهَ منجزٌ وعدَه، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه إخلافُ موعدٍ ؟
قيل : قد (٢) اختلف فى ذلك أهلُ البحثِ؛ فقال بعضُهم: ذلك قولٌ خرَج
مَخْرَجَ المسألةِ، ومعناه الخبرُ. قالوا: وإنما تأويلُ الكلام: ربَّنَا إِنَّنا سمِعنا مُناديًا يُنادِى
للإِيمانِ أن آمِنوا بربِّكم فآمنًّا، ربَّنا فاغفِرْ لنا ذُنوبَنا وكفِّرْ عنا سيِّئَاتِنا وتوقَّنا مع
الأبرارِ، لتؤتيَنا ما وعَدتنا على رسلك، ولا تُخْزِنا يومَ القيامةِ. قالوا: وليس
ذلك على أنهم قالوا : إن توقَّتَنا مع الأبرارِ فَأَنْجِزْ لنا ما وعَدتنا؛ لأنهم قد علِموا
أن اللَّهَ لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأن ما وعَد على ألسنةِ رسلِه، ليس يعطيه (١) بالدعاءِ،
ولكنه تفضَّل بابتدائِه(١٠، ثم ینجِزُه .
وقال آخرون : بل ذلك قولٌ من قائلِيه(٥) على معنى المسألةِ والدعاءِ للَّهِ بأن
يجعَلَهم ممن آتاهم ما وعَدهم من الكرامةِ على ألسُنٍ رسلِه، لا أنهم كانوا قد استحقُّوا
منزلةً الكرامةِ عندَ اللَّهِ فى أنفسِهم، ثم سألوه أن يؤتيَهم ما وعَدهم، بعد علمِهم
[٩٣/١١ظ] باستحقاقِهم عندَ أنفسِهم، فيكونُ ذلك منهم مسألةً لربِّهم ألَّا يُخلفَ
وعدَه . قالوا: ولو كان القومُ إنما سألوا ربَّهم أن يؤتيَهم ما وعَد الأبرارَ، لكانوا قد زَّوْا
أنفسَهم ، وشهِدوا لها أنها ممن قد اسْتَوْجب كرامةَ اللَّهِ وثوابَه. قالوا: وليس ذلك صفةً
أهلِ الفضلِ من المؤمنين .
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((علمت)).
(٢) زيادة من : الأصل .
(٣) فى ص: ((بعطية))، وفى س: ((معطيه)).
(٤) فى م: ((بإيتائه)).
(٥) فى م: ((قائله)).

٣١٨
سورة آل عمران : الآية ١٩٤
وقال آخرون : بل قالوا هذا القولَ على وجهِ المسألةِ والرغبةِ منهم إلى اللَّهِ أن
يؤتيَهم ما وعَدهم ؛ من النصرِ على أعدائِهم من أهلِ الكفرِ، والظّفَرِ بهم ١، وإعلاءِ
٢١٤/٤ كلمةِ الحقِّ على الباطلِ، فيعجّلَ ذلك لهم(١). /قالوا: ومُحالٌ أن يكونَ القومُ مع
وصفِ اللَّهِ إياهم بما وصَفهم به، كانوا على غيرٍ يقينٍ من أن اللَّهَ لا يُخلِفُ
الميعادَ، فيرغَبوا إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤه فى ذلك، ولكنهم كانوا وُعِدوا النصرَ، ولم
يُؤَقَّتْ لهم فى ذلك وقتٌ فرغِبوا إلى اللهِ فى تعجيلٍ ذلك لهم، لما فى
تَعْجيلِهِ(١) من سرورِ الظُّفَرِ وراحةِ الجسدِ .
والذى هو أولى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك عندى، أن هذه الصفةَ صفةُ مَن هاجر
من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عِلّه من وطنِه ودارِهِ، مفارقًا لأهلِ الشركِ باللَّهِ، إلى اللَّهِ
ورسوله، وغيرِهم من تُبَاعِ رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ ، الذين رغِبوا إلى اللَّهِ فى تعجيلٍ نُصرتِهم
على أعداءِ اللَّهِ وأعدائِهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعَدتنا من نصرتِك عليهم عاجلًا ، فإنك
لا تخلفُ الميعادَ ، ولكن لا صبرَ لنا على أناتِك وحِلْمِك عنهم، فعجّل خِزْيَهم ، ولنا
الظفرَ عليهم . يدلُّ على صحةِ ذلك آخرُ الآيةِ الأخرى ، وهو قولُه : ﴿فَأَسْتَجَابَ
لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضَِّ قَالَّذِينَ
هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ الآيات بعدَها .
وليس ذلك مما ذهَب إليه الذين حكيتُ قولَهم فى شىءٍ . وذلك أنه غيرُ موجود
فى كلام العربِ أن يقالَ: افعلْ بنا يا ربِّ كذا وكذا. بمعنى: (لتَفْعَلَ بنا كذا وكذا)
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: (( به).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) فى م: (( تعجله)).
(٥) فى م: ((حربهم)).
(٦ - ٦) فى الأصل، ص، ت ١، ت٢، ت٣، س: ((افعل بنا كذا الذى))، وفى م: ((افعل بنا لكذا الذى)) .
والصواب ما أثبت ، ويؤيده قوله بعد : أقبل إلى لتكلمنى .

٣١٩
سورة آل عمران : الآيتان ١٩٤ ، ١٩٥
ولو جاز ذلك، لجاز أن يقولَ القائلُ لآخرَ(١): أقبلْ إلىَّ وكلِّمنى. بمعنى: أقبلْ إِلىَّ
لَتُكَلِّمَنى . وذلك غيرُ موجودٍ فى الكلام، ولا معروفٍ جوازُه. وكذلك أيضًا غيرُ
معروفٍ فى الكلام : آِنا ما وعَدتنا . بمعنى: اجعَلْنا ممن آتيتَه ذلك. وإن كان كلُّ من
ـر
أَعْطِىَ شيئًا سَنِيًّا ، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مَثلَه فى المعنى الذى أَعْطِيَه، ولكن ليس
الظاهرُ من معنى الكلامِ ذلك، وإن كان قد يَقُولُ معناه إليه .
فتأويلُ الكلام إذن : ربَّنا أَعْطِنا ما وعَدتنا على ألسُنِ رُسلِك، إنك تُعلِى
كلمتَك كلمةَ الحقِّ، فأيّدْنا (١) على من كفَربك، وحادَّك، وعبَد غيرَك، وعجِّلْ لنا
ذلك ، فإنا قد علِمنا أنك لا تخلِفُ ميعادَك، ولا تُخْزِنا يومَ القيامةِ ، فتفضحَنا بذنوبِنا
التى سلَفت منا، ولكن كفِّرْها عنا، واغفِرْها لنا .
وقد حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابن جريج قولَه :
رَبَّنَا وَءَائِنَآَ مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾. قال: يَسْتَنْجِزُ موعودَ اللَّهِ على رسلِه(٢) .
[٩٤/١١ و] القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ
عَمِلٍ مِّنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍِ﴾ .
/يعنى بذلك جل ثناؤه: فأجاب هؤلاء الداعين - بما وصَف اللَّهُ عنهم أنهم ٢١٥/٤
دَعَوهُ(٤) بِهِ - ربّهم ، بأنى لا أضيعُ عملَ عاملٍ منكم عمِل خيرًا؛ ذكرا كان العاملُ أو أُنثى.
وذُكِر أنه قيل لرسولِ اللَّهِ ◌َِّهِ: ما بالُ الرجالِ يُذْكَرون ولا تُذْكَرُ النساء فى
الهجرة . فأَنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى فى ذلك هذه الآيةَ.
(١) فى النسخ: ((الآخر)). والمثبت هو الصواب.
(٢) فى ص: ((يأيدينا))، وفى م، ت٢، ت٣: ((بتأييدنا))، وفى ت٢: ((بايداننا)). غير منقوطة.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٣/٣ (٤٦٦٥) من طريق ابن ثور عن ابن جريج.
(٤) فى م، ت٢، ت٣، س: ((دعوا)).

٣٢٠
سورة آل عمران : الآية ١٩٥
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمةً: يا رسولَ اللَّهِ، يُذْكَرُ الرجالُ فى
الهجرةِ ولا نُذْكَرُ. فنزلَت: ﴿أَنِى لَاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَىَّ ﴾ الآية(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيينةً ، عن
عمرو بن دينارٍ، قال: سمِعت رجلاً من ولدٍ أمِّ سَلَمَةَ زوج النبيِّ عَّمِ يقولُ: قالت أمّ
سَلَمَةَ: يا رسولَ اللَّهِ ، لا أسمَعُ اللَّهَ يذكُرُ النساءَ فى الهجرةِ بشىءٍ . فأَنْزِل اللَّهُ تبارك
وتعالى: ﴿فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم٢ْ) أَنِى لَاّ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ
(٣)
أُنثَىْ ﴾(٣).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو
ابنِ دينارٍ، عن رجلٍ من ولدِ أمِّ سَلَمَةَ ، عن أمِّ سَلَمةَ ، أنها قالت: يا رسولَ اللَّهِ، لا
أسمَعُ اللَّهَ ذكَر النساءَ فى الهجرةِ بشىءٍ. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿فَأُسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآَ
أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنَكُم مِّن ذَكَرٍ أَوَ أُنثَىُ﴾(٤) .
وقيل: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ﴾. بمعنى: فأجابَهم، كما قال الشاعرُ:
وداع دعا يا مَن يُجيبُ إلى النَّدَى
فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذاك مُجيبُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٤٤/٣ (٤٦٦٩)، والحاكم ٤١٦/٢، من طريق سفيان الثورى به .
وجاء فى تفسير ابن أبى حاتم قال: قالت أم سلمة، فذكر نحوه، وكأن فيه سقطًا؛ لأنه لم يسبق الأثر قبل.
(٢ - ٢) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة )).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٤٤/١.
(٤) أخرجه الحميدى (٣٠١)، وسعيد بن منصور في سننه (٥٥٢ - تفسير)، والترمذى (٣٠٢٣)، وأبو
يعلى (٦٩٥٨)، والطبرانى ٢٩٤/٢٣ (٦٥١)، والحاكم ٣٠٠/٢، والواحدى فى أسباب النزول ص ١٠٣
من طريق ابن عيينة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١١/٢ إلى ابن المنذر.
(٥) تقدم تخريج البيت فى ٣٣٥/١ .