النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة آل عمران : الآية ١٧٨
((إِنَّ)) إذا قُرِئت (تَحْسَبنَّ) بالتاءِ؛ لأن (تحسَبَنَّ) إذا قُرِئت بالتاءِ ، فإنها قد نصَبت
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، فلا يجوزُ أن تعمَلَ، وقد نصَبتْ اسمًا، فى ((أن))، ولكنى أَظُنّ
أن من قرأ ذلك بالتاءِ فى (تحسَبَنَّ)، وفتح الألفِ من ﴿أَنََّا﴾، إنما أراد تكريرَ
(تحسبَنَّ) على ﴿ أَنَّمَا﴾، كأنه قصَد إلى أن معنى الكلام: ولا تحسبنَّيا محمدُ أنت
الذين كفروا، لا تحسبَنَّ أنما نملى لهم خيرٌ لأنفسِهم، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ [ محمد: ١٨] بتأويلٍ: هل ينطُرون إلا الساعةَ،
هل ينظُرون إلا أن تأتيهم بغتةً؟ وذلك وإن كان وجهًا جائزًا فى العربيةِ، فوجهُ
كلامِ العربِ ما [١١ /٧٨ظ] وصَفنا قبلُ .
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا قراءةُ من قرأ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾. بالياءِ من ﴿يَحْسَبَنَ﴾، وبفتح الألفِ من ﴿أَنَّمَا﴾، على معنى أنَّ (١)
الحِسبانَ للذين كفروا دونَ غيرِهم، ثم يعمَلُ فى ﴿أَنَّمَا﴾ نصبًا؛ لأن ﴿ يَحْسَبَنَّ﴾
حينئذٍ لم تشْغَلْ بشىءٍ عُمِلت فيه، وهى تطلُب منصوبين. وإنما اخْتَرنا ذلك
الإجماعِ القرأةِ على فتح الألفِ من ﴿ أَنََّا﴾ الأُولى، فدلَّ ذلك على أن القراءةَ
الصحيحةَ فى ﴿ يَحْسَبَنَّ﴾ بالياءِ(١) لما وصَفنا. وأما ألفُ ﴿أَنَّمَا﴾ الثانيةِ فبالكسرِ"
(٣)
على الابتداءِ بإجماعٍ من القرأةِ عليه .
/ وتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّمَا ثُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾: إنما نؤِِّرُ آجالهم ١٨٧/٤
(٤)
فتُطِيلُها (٤) .
لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾، يقولُ: يكتسِبوا المعاصىَ، فتزدادَ آثامُهم وتكثُرَ .
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) فى ص: (( بالفاء)).
(٣) فى م: ((فالكسر)).
(٤) فى ص: ((فيطيلها)).

٢٦٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٨، ١٧٩
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، يقولُ: ولهؤلاء الذين كفروا باللَّهِ ورسولِه فى الآخرةِ
عقوبةٌ لهم مُهينةٌ مُذلَّةٌ .
وبنحوِ الذى قلنا فى تأويلٍ ذلك جاء الأثر.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
الأعمشِ، عن خَيْثمةَ ، عن الأسودِ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ : ما من نفسٍ برَّةٍ ولا فاجرةٍ
إلا والموتُ خيرٌ لها. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِىِ لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
إِنَّمَا ثُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾. وقرأ: ﴿نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهُ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ
لِلْأَبْرَارِ ﴾(١) [ آل عمران:
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى
يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الَِّبِ﴾ .
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿ مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ : ما
كان اللَّهُ ليدعَ المؤمنين، على ما أنتم عليه من التباسِ المؤمنِ منكم بالمنافقِ، فلا
يُعرَفَ هذا من هذا، ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾. يعنى بذلك: حتى يميزَ
الخبيثَ، وهو المنافقُ المُسْتَسِرُ للكفرِ، من الطيِّبِ، وهو المؤمنُ المخلصُ الصادقُ
الإيمانِ - بالمحنِ والاختبارِ، كما ميَّز بينَهم يومَ أحدٍ ، عندَ لقاءِ العدوّ، و(١) عندَ
خروجهم إليهم .
واخْتَلَف أهلُ التأويل فى ((الخبيث)) الذى عنى اللَّهُ فى هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٤٢/١ عن الثورى به، وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٣٠٣/١٣ (١٦٤٢٠)، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٣/٣ (٤٥٥٥)، والطبرانى (٨٧٥٩)، والحاكم فى المستدرك ٢٩٨/٢، من طريق الأعمش
بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وأبى بكر المروزى فى كتاب الجنائز وابن المنذر.
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣، س .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((إليه)).

٢٦٣
سورة آل عمران : الآية ١٧٩
فيه مثلَ قولِنا .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو (١) ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ جل وعز: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى
يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾. قال: ميَّز بينَهم يومَ أحدٍ ؛ المنافقَ من المؤمنِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿ مَّا
كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾. قال ابنُ
جريج : يقولُ : ليبيِّنَ الصادقَ بإيمانِهِ من الكاذبِ . قال ابنُ جريج : قال مجاهدٌ :
يومَ أَحدٍ ميَّزَ بعضَهم عن بعضٍ ؛ المنافقَ عن المؤمنِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
اُلْمُؤْمِنِينَ [٧٩/١١و] عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الَطِّبٍ﴾. أى المنافِقِينَ(١).
وقال آخرون: معنى ذلك : حتى يميزَ المؤمنَ من الكافرِ بالهجرةِ والجهادِ .
ذكرُ من قال ذلك
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ ١٨٨/٤
لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾. يعنى: الكفارَ. يقولُ: لم يكنِ اللَّهُ ليدعَ
المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالةِ ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ اُلْطَيِّبٍ﴾: يُميِّزَ
(١) فى ص، ت١، ت٢، س: ((سعد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٤/٣ (٤٥٦٤) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى م: ((المنافق))، والأثر فى سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١.

٢٦٤
سورة آل عمران : الآية ١٧٩
بينَهم فى الجهادِ والهجرةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ
فى قوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخِيثَ مِنَ الطَّيِّبِّ﴾. قال: حتى يميزَ الفاجرَ من المؤمنِ.
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الَِّبٍ﴾. قالوا: إن كان محمدٌ صادقًا ،
فلْيُخْبِرْنا بمن يُؤْمِنُ " به منّا) ومن يكفُرُ. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ
أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾: حتى يُخْرِجَ المؤمنَ من الكافرٍ(*).
والتأويلُ الأولُ أَوْلى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الآياتِ قبلَها فى ذكرِ المنافقين، وهذه
فى سياقتِها ، فكونُها بأن تكونَ فيهم أشبهُ منها بأن تكونَ فی غیرِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْنَبِى مِن
◌ُّسُلِهِ، مَن يَشَاءُ
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به محمدُ بنُ
الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدِّىِّ: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ
◌ِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾: وما كان اللَّهُ لِيطلِعَ محمدًا على الغيبِ ، ولكن اللَّهَ اجتباه ،
فجعَله رسولاً(*).
وقال آخرون بما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَمَا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٤/٣، ٨٢٥ (٤٥٥٨، ٤٥٦٦) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٠.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بالله)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٤/٣ (٤٥٥٩، ٤٥٦٣) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٥/٣ (٤٥٦٨) من طريق أحمد بن المفضل بنحوه .

٢٦٥
سورة آل عمران : الآية ١٧٩
كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ﴾. أى فيما يريدُ أن يبتليَكم به؛ لتحذروا ما يدخُلُ
عليكم فيه، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِنْ رُسُلِهِ، مَنْ يَشَاءٍ﴾: بِعِلْمِه(١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بتأويله: وما كان اللَّهُ ليطلعَكم على ضمائرِ قلوبِ
عبادِهِ ، فتعرِفوا المؤمنَ منهم من المنافقِ والكافرِ ، ولكنه يميِّزُ بينَهم بالمحنِ والابتلاءِ،
كما ميَّز بينَهم بالبأساءِ يومَ أَحدٍ ، وجهادِ عدوِّه، وما أشبهَ ذلك من صنوفٍ المحنِ،
حتى تعرِفوا مؤمنَهم من كافرِهم [٧٩/١١ظ] ومنافقِهم ، غير أنه جل وعز يجتبی من
رسلِه من يشاءُ، فيصطفيه ، فيطلِعُه على بعضٍ ما فى ضمائرِ بعضِهم ، بوحيِه ذلك
إليه ورسالتِه .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَن يَشَاءُ ﴾ . يجتبى:
يَمتحِنُ ؛ يُخْلِصُهم لنفسِه (١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَن يَشَاءٍ﴾. قال: يُخلِصُهم لنفسِه.
وإنما قلنا : هذا التأويلُ أولى بتأويل الآيةِ؛ ( لأن ابتداءَها) خبرٌ من اللَّهِ تعالى
ذكرُه أنه غيرُ تاركٍ عبادَه - يعنى بغيرِ محَنٍ - حتى يفرِّقَ بالابتلاءِ بينَ مؤمنِهم
وكافرِهم وأهلِ نفاقِهم، ثم عقّب ذلك بقولِه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ .
(١) فى مصدرى التخريج: ((يعلمه)). والأثر فى سيرة ابن هشام ١٢١/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٨٢٥/٣، ٨٢٦ (٤٥٦٩، ٤٥٧٣) من طريق سلمة به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٥/٣، ٨٢٦ (٤٥٧٠، ٤٥٧٢).
(٤ - ٤) فى ص: ((ابتداءها)). وفى م: ((وابتداؤها)). وفى ت ١، ت٢، س: ((وابتدأها)).

٢٦٦
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٩، ١٨٠
فكان فيما افْتَتَح به من صفةِ إظهارِ اللَّهِ نفاقَ المنافقِ، وكفرَ الكافرِ، / دَلالةٌ واضحةٌ
١٨٩/٤
على أن الذى وَلى ذلك هو الخبرُ عن (١) أنه لم يكنْ ليطلِعَهم على ما يَخفَى عنهم من
باطنٍ سرائرِهم ، إلا بالذى ذكَر أنه مميّزٌ به بينَهم(١) ، إلا مَن استثنَاه من رسلِه، الذى
خصَّه بعلمِه جل وعز .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلٍِّّ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرُ
١٧٩
عَظِيمٌ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ﴾ : وإن تصدّقوا من اجتبيتُه من رسلِی
بعلمِى(٢)، وأَطْلَعتُه على المنافقين منكم، ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾ ربَّكم بطاعتِه فيما أمركم به
نبيُكم محمدٌ عَلِّ، وفيما نهاكم عنه، ﴿فَلَكُمْ أَجْرُ عَظِيمٌ﴾. يقولُ: فلكم
بذلك من إيمانِكم واتقائِكم ربّكم ، ثوابٌ عظيمٌ .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَامِنُواْ
بِاللَّهِ وَرُسُلِهٍ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾. أى ترجِعوا وتتوبوا، ﴿فَلَكُمْ أَجْرُ
(٤)
عَظِيمٌ﴾(٤).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ [٨٠/١١و] بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً لَّهُمَّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَّمْ﴾.
اخْتَلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأته جماعةٌ من أهلِ الحجازِ والعراقِ: ﴿ وَلَا
(١) فى ص، ت١: ((غير)).
(٢) فى ص، م، ت٢، ت٣: ((نعتهم)). وفى ت١: ((نفيهم)) وفى س: ((منهم).
(٣) فى ص، س: (( لعلمى)).
(٤) سيرة ابن هشام ١٢١/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٦/٣ (٤٥٧٤) من طريق سلمة به .

٢٦٧
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. بالياءِ، من ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ . وقرأته جماعةٌ أَخرُ: ( ولا
تحسبَنَّ). بالتاءِ (١).
ثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ فى تأويلِ ذلك ، فقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ : معنى ذلك :
لا يحسبَنَّ الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم. فاكْتَفى بذكرِ ﴿ يَبْخَلُونَ﴾ من («البخل))،
كما تقولُ : قدِم فلانٌ فشرِرتُ به . وأنت تريدُ : فسُرِرتُ بقدومِه . وهو عمادٌ .
وقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ : إنما أراد بقوله: (ولا تَحسبَّ(٢) الَّذِينَ يَخَلُونَ
بما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضِلِهِ هو خَيرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرِّلَّهُمْ). لا تحسبَنَّالبخلَ هو خيرًا لهم.
وألقَى الاسمَ الذى أُوقَع عليه الحِشبانَ ، وهو البخلُ ؛ لأنه قد ذكر الحشبانَ ، وذكَر
مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فَأَضْمرَهما إذ ذكَرهما. قال: وقد جاء من
الحذفِ ما هو أشدُّ من هذا، قال: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلَّ﴾. ولم(٤) يقُلْ: ومن أَنْفَق(٥) من بعدِ الفتح. لأنه لما قال: ﴿ أُوْلَكَ أَعْظَمُ
دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنْ بعد﴾ [الحديد: ١٠]. كان فيه دليلٌ على أنه قد عناهم .
وقال بعضُ من أَنْكَر قولَ من ذكَرنا قولَه من أهلِ البصرةِ: إن ((من)) فى
قوله: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ﴾. فى معنى جمعٍ. ومعنى
الكلام: لا يَشْتَوى منكم مَن أَنْفَق ( من قبل الفتح فى منازلهم وحالاتهم، فكيف
مَن أنفقْ مِن بعدِ الفتح؟ فالأُولُ مكتفٍ . وقال: فى قوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
(١) قرأ نافع والكسائى وعاصم، ومعهم ابن عامر: ﴿ولا يحسبن﴾ بالياء وفتح السين. وقرأ ابن كثير وأبو
عمرو: (ولا يحسبن ) بالياء، وكسر السين. ينظر السبعة ص ٢١٩، ٢٢٠.
(٢) هذه قراءة حمزة، بالتاء وفتح السين. ينظر السبعة ص ٢٢٠.
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((يحسبن)).
(٤) فى ص، ت١، س: ((من)).
(٥) فى ت١، ت٢: ((نيفن)).
(٦ - ٦) سقط من: ت ١، ت٢، س.

٢٦٨
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾. محذوفٌ، غير أنه لم يُحذَفْ
إلا وفى الكلام ما قام مقامَ المحذوفِ؛ لأن ﴿هُوَ﴾ عائدُ البخلِ، و﴿خَيّاً لَّهُمَّ﴾
عائدُ الأسماءِ، فقد دلَّ هذان العائدان على أن قبلَهما اسمين، واكتفى بقولِه :
يَبْخَلُونَ﴾. مِن البخلِ. قال: وهذا إذا قُرِئَّ بالتاءِ، فالبخلُ قبلَ ﴿الَّذِينَ﴾، وإذا
قُرِئ بالياءِ ، فالبخلُ بعدَ ﴿ الَّذِينَ﴾، وقد اكتفى بـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ من البخلِ،
(١)
كما قال الشاعر
:
وخالَف والسفيهُ إلى خِلافٍ
/إذا نُهِى السَّفيهُ جَرَى إليه(٢)
١٩٠/٤
كأنه قال: جَرَى إلى السَّفَهِ. فاكتَفى ("بالسَّفيهِ من الشَّفه٣ِ)، كذلك اكتفى بـ
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ من البخلِ .
وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندِى قراءةُ مَن قرأ: (وَلا تَحْسَبِنَّ الَّذِينَ
يَتْخَلُونَ ). بالتاءِ، بتأويل: ولا تحسبَنَّ [٨٠/١١ظ] أنت يا محمدُ بخلَ الذين يبخَلون
بما آتاهم اللَّهُ من فضله هو خيرًا لهم. ٤ ثم(٥) ترك ذكرَ البخلِ(٦)؛ إذ كان فى قوله:
﴿ هُوَ خَيْا لَّهُمْ﴾. دلالةٌ على أنه مرادٌ فى الكلام، إذ كان قد تقدَّمَه قولُه: ﴿ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، ﴾
وإنما قلنا : قراءةُ ذلك بالتاءِ أولى بالصوابِ من قراءتِه بالياءِ؛ لأن المَحْسَبةَ من
(١) البيت فى معانى القرآن للفراء ١٠٤/١، ٢٤٩، ومجالس ثعلب ٧٥/١، والخزانة ٣٦٤/٤، غير
منسوب .
(٢) فى س: ((إليها)).
(٣ - ٣) فى ص، ت١، س: ((بالسفيه بالسفه))، وفى م: ((عن السفه بالسفيه)).
(٤ - ٤) سقط من: ت١، ت٢، س.
(٥) فى ص: ((من)) .
(٦) سقط من: ص، ت ١.

٢٦٩
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
شأنِها طلبُ اسم وخبرٍ، فإذا قُرِئ قولُه: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ
الله ﴾. بالياء، لم يكنْ للمحسبةِ اسم يكونُ قولُه: ﴿هُوَ خَيرَاً لَّهُمَّ﴾. خبرًا عنه .
وإذا قُرِئ ذلك بالتاءِ كان قولُه: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾. اسمًا له، قد أدَّى عن معنى
البخلِ الذى هو اسمُ المحسبةِ المتروكُ، وكان قولُه: ﴿هُوَ خَيرَاً لَّهُمْ﴾. خبرًا لها،
فكان جاريًا مَجْرَى المعروفِ من كلامِ العربِ الفصيح ؛ فلذلك اخترنا القراءةَ بالتاءِ
فى ذلك على ما قد بيّنا، وإن كانت القراءةُ بالياءِ غيرَ خطأً ، ولكنه ليس بالأفصح ولا
الأشهرِ من كلامِ العربِ(١) .
وأمَّا تأويلُ الآيةِ الذى(٢) هو تأويلُها على ما اخترنا من القراءةِ فى ذلك: ولا
تَحْسَبنَّيا محمدُ بخلَ الذين يبخَلون بما أعطاهم اللَّهُ من فضلِه فى الدنيا من الأموالِ،
فلا يُخرِجون منه حقَّ اللَّهِ الذى فرَضه عليهم فيه من الزكواتِ ، هو خيرًا لهم عندَ اللَّهِ
يومَ القيامةِ ، بل هو شرّ لهم عندَه فى الآخرةِ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ(٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا
أسباطُ ، عن الشُّدىِّ: (ولَا تَحْسَبِنَّ الَّذِينَ يَتْخَلُونِ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا
لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ): ( أما الذين يبخلون بما) آتاهم اللَّهُ من فضلِه، فبخِلوا أن
يُنفقوها فى سبيلِ اللَّهِ، ولم يُؤْدُّوا زكاتَها(٥).
(١) الوجه فى القراءة أنها سنة متبعة، فلا وجه لتفضيل قراءة على أخرى، ولم يكن القراء يراعون لا فُشُؤَّ
استعمال ولا اطراد قياس. وينظر تعليقنا المتقدم ٢١٣/٢، ٢١٤.
(٢) فى ص، ت١: ((التى)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((الحسن)).
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، س: ((هم الذين)). والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٦/٣ (٤٥٧٧) من طريق أحمد بن المفضل به .

٢٧٠
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخِلوا أن يُبيّنوا للناسِ ما أَنْزَل اللَّهُ
إليهم فى التوراةِ من أمرٍ محمدٍ عَ لَّه ونعتِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه : (وَلَا تَحْسَبِنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)،
إلى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْفِيَمَةُ﴾. ( يعنى بذلك١) أهلَ الكتابِ أنهم
بخِلوا بالكتابِ أن يُبيِّوه (٢) للناسِ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ( وَلَا تَحْسَبِنَّالَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قال: هم يهودُ ،
(٤) .
إلى قوله: ﴿ وَاُلْكِتَبِ الْمُنِيرِ"
وأولى التأويلين بتأويلِ هذه الآيةِ التأويلُ الأولُ، وهو أنه مَعنىٌّ بالبخلِ فى هذا
١٩١/٤ الموضع منعُ(٥) الزكاة [٨١/١١ر]؛ لتظاهرٍ / الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ عَهِ أنه تأوّل
قولَه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَئِمَةُ﴾. قال: البخيلُ الذى منَع حقَّ اللَّهِ
منه، أنه يصيرُ ثعبانًا فى عنقِه. ولقولٍ (١) اللَّهِ عز وجل عَقِيبَ هذه الآيةِ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ
اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾. فوصَف جلَّ ثناؤُه قولَ المشركين
(١ - ١) فى ص، ت١، ت٢، س: ((بمعنى وذلك)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، س: (( يعينوه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٨٢٦/٣ (٤٥٧٥) بهذا الإسناد .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، س: ((المبين)). وهى بعض الآية ١٨٤. والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٢
إلى المصنف .
(٥) فى ت١: ((معنى)).
(٦) فى ت٢: ((كقول))، وفى س: ((بقول)).

٢٧١
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
من اليهودِ الذين زعموا عندَ أمرِ اللَّهِ إياهم بالزكاةٍ ، أن اللَّهَ جل ثناؤه فقيرٌ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ﴾. سيجعَلُ اللَّهُ ما بخِل به المانعون
الزكاةَ طَوْقًا فى أعناقِهم، كهيئةِ الأطواقِ المعروفةِ .
كالذى حدَّثنى الحسنُ بنُ قَزَعةً (١)، قال: ثنا مسلمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا
داودُ، عن أبى قَرَعةً(١) ، عن أبى مالكِ العبدىِّ، قال: ما من عبدٍ يأتيه ذو رَحِم له
يسألُه من فضلٍ عندَه، فيبخَلُ عليه، إلا أُخْرِج له الذى بخِل به عليه شجاعًا أقرعَ(٢).
قال: وقرأ: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيّْاً لَهُمَّ
بَلْ هُوَ شَرٌ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْفِيَامَةُ﴾. إلى آخرِ الآيةِ(٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبى قَرَعةً، (٤عن
رجل٢ٍ، عن النبيِّ ◌ٍَِّّ قال: (( ما مِن ذِى رَحِم يأتى ذا رَحِمِه، فيسألُهُ مِن فَضْلِ جعَله
اللَّهُ عندَه، فيبخَلُ به عليه، إلا أُخرِجَ له من جهنَّمَ شجاعٌ يتلقَّظُ(٥)، حتى
(٦)
◌ُطَوِّقَه))(٦).
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو معاويةَ محمدُ بنُ خازم الضريرُ، قال: ثنا داودُ ،
عن "أبى قَزَعةً، عن حُجَيْرِ بنِ بَيَان٢ٍ)، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((ما مِن ذِى رَحِم
(١) فى ت١، ت٢: ((قرعة)).
(٢) بعده فى الأصل: ((من النار)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ١٥٢.
(٤ - ٤) سقط من: س. وبعده فى ت١: ((عن رجل عنه)).
(٥) لمظ الرجل يلمظ وتلمَّظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام بعد الأكل ، أو مسح به شفته . ومن المجاز تلمظت
الحية : أخرجت لسانها . الأساس (ل م ظ ).
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ١٥٢.
(٧ - ٧) فى الأصل، ص، م، ت١، ت ٢: ((أبى قزعة حجر بن بيان)). وفى س: ((ابن أبى قزعة حجر =

٢٧٢
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
يأتى ذا رَحِمِه ، فيسألُهُ من فَضْل أعطاه اللهُ إياه، فيبخَلُ به عليه ، إلا أُخرِج له يومَ
القيامةِ شجاعٌ من النارِ يتلقَّظُ، حتى يُطَوِّقَه)). ثم قرأ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ
بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾(١).
حدَّثنى زيادُ بنُ عبيدِ اللَّهِ المرّىُّ(٢)، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، وحدَّثنى ("عبدُ
اللَّهِ بنُ عبدٍ (٤) اللَّهِ الكلامِىُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بكرٍ (١) الشَّهْمُ، وحدَّثنى يعقوبُ
ابنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ واصلٍ أبو عبيدةَ الحدَّادُ - واللفظُ ليعقوبَ -
جميعًا ، عن بَهْزِ بنِ حكيمٍ بنِ معاويةَ بنِ حَيْدةَ، عن أبيه، عن جدِّه، قال : سمِعتُ
نبِىَّ اللَّهِ مَ الِه يقولُ: ((لا يأتى رجلٌ مولاه، فيسألُه من فضلِ مالٍ عندَه فيمنَعُه إيَّه،
إلا دعا له يومَ القيامةِ شجاعًا يتلقَّظُ فضْلَه الذى منَع))(٦).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ،
[٨١/١١ظ] عن أبى وائل، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ
اُلْقِيَمَةُ﴾. قال: ثعبانٌ ينقُرُ رأسَ أحدِهم، يقولُ: أنا مالُك الذى بخِلتَ به(١).
= بن بيان)). وأبو قزعة هو سويد بن حجير بن بيان ، يروى عن أبيه حجير. ينظر تهذيب الكمال ٢٤٤/١٢،
٢٤٥.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى مسنده (٥٩٣)، وهناد فى الزهد (١٠١٧) عن أبى معاوية به .
(٢) فى الأصل: (( المزنى)).
(٣ - ٣) فى م: ((محمد بن عبد الله الكلابى)). ولم نجد له ترجمة .
(٤) فى الأصل: ((عبيد)).
(٥) فی ت١: ((بکیر))، وفی س: ((أبى بكر)).
(٦) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٣٩٠) من طريق عبد الله بن بكر السهمى به، وأخرجه أحمد ٢/٥، ٣، ٥ (ميمنية)، وأبو
داود (٥١٣٩)، والنسائى (٢٥٦٥) من طريق بهز بن حكيم به، وأخرجه أحمد ٣/٥ (ميمنية)، والبيهقى فى الشعب (٣٣٩١)
من طريق حكيم بن معاوية به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٢ إلى عبد بن حميد والترمذى.
(٧) تفسير سفيان ص ٨٢، ومن طريقه الحاكم ٢٩٩/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٧/٣
(٤٥٧٩) من طريق ابن مهدى به ، وأخرجه الطبرانى (٩١٢٤) من طريق الفريابى عن سفيان به .

٢٧٣
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ، عن أبى
١٩٢/٤ إسحاقَ، قال: سمِعتُ / أبا وائلٍ يحدّثُ أنه سمِع عبدَ اللَّهِ قال فى هذه الآيةِ :
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: شجاعٌ يلتَوى برأسٍ أحدِهم (١).
حدَّثنى ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، "وحدَّثنا) خلَّادُ بنُ
أَسْلمَ ، قال : أخبرنا النضرُ بنُ شُميلٍ ، قال : أخبرنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى
وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بمثلِه(٥) ، إلا أنهما قالا: قال: شجاعٌ أسودُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
أبى إسحاقَ، عن أبى وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال: يجىءُ مالُه يومَ القيامةِ ثعبانًا ،
فينقُرُ رأسَه فيقولُ: أنا مالُك الذى بخِلتَ به. فينطوى على عُنُقِه ١ .
حُدِّثتُ عن سفيان بن عيينةً ، قال: ثنا (٤ جامعُ بنُ أبى راشِدٌٍ) وعبدُ الملكِ بنُ
أَعْينَ، عن أبى وائلٍ، عن ابن مسعودٍ ، قال: قال رسولُ اللّهِ عَهِ: ((ما من أحدٍ لا
يؤدِّى زكاةَ مالِه، إلا مُثِّل له شجاعٌ أقرعُ يُطوّقُه)). ثم قرأ علينا رسولُ اللَّهِ عَّهِ:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،َ هُوَ خَيرًا لَهُمْ﴾ الآية(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٧/٣ (٤٥٨٠) من طريق شعبة به .
(٢ - ٢) فى م: ((قال: ثنا)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٤١/١، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٤٩ - تفسير)، وابن زنجويه فى
الأموال (١٣٥٧)، وابن أبى حاتم ٨٢٧/٣ (٤٥٨١)، والطبرانى (٩١٢٢، ٩١٢٣)، والحاكم ٢٩٨/٢،
٢٩٩، وابن عبد البر فى التمهيد ١٥٠/١٧، ١٥١ من طريق أبى إسحاق به، وأخرجه الطيرانى (٩١٢٥)
من طريق أبى وائل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٢ إلى عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد فى زوائد
الزهد وابن المنذر .
(٤ - ٤) فى النسخ: ((جامع بن شداد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٨٥/٤ .
(٥) أخرجه الشافعى ١/(٦١٠)، والحميدى (٩٣)، وأحمد ٤٨/٦، ٤٩ (٣٥٧٧)، وابن زنجويه فى
الأموال (١٣٥٨)، وابن ماجه (١٧٨٤)، والترمذى (٣٠١٢)، والنسائى (٢٤٤٠)، وابن خزيمة
(٢٢٥٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٧/٣ (٤٥٧٨)، والبيهقى ٨١/٤، وابن عبد البر فى التمهيد ١٧/
١٥٠ من طريق ابن عيينة به .
( تفسير الطبرى ١٨/٦ )

٢٧٤
سورة آل عمران: الآية ١٨٠
« حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن المغيرةِ ،
عن الشعبىِّ فى قولِه: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةُ﴾. قال : شجائٌ
يلتوى) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ المفضَّلِ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ: أَمَّا ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾. فإنه يُجعَلُ مالُه يومَ القيامةِ
شجاعًا أقرعَ يُطوِّقُه ، فيأخُذُ بعنقه، فيتبعُه حتى يقذِفَه فى النارِ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا خلفُ بنُ خليفةً ، عن أبى هاشم ،
عن أبى وائلٍ، قال: هو الرجلُ الذى يرزُقُه اللَّهُ مالًا، فيمنَعُ قرابتَه الحقَّ الذى جعَل
اللَّهُ لهم فى مالِه، فيُجْعَلُ حِيَّةً، فيُطوَّقُها، فيقولُ: مالى ولك؟! فيقولُ : أنا
مالك(٢) .
حدّثنا المثنی ، قال : ثنا أبو غسان ، قال : ثنا إسرائيل ، عن حکیم بنِ مجبیٍ ، عن
سالم بن أبى الجعدِ ، عن مسروقٍ ، قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ
مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةٌ﴾. قال: يطوَّقون شجاعًا أقرعَ ينَهَشُ رأسَه (١).
وقال آخرون: معنى(٤) ذلك: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَامَةٌ﴾ :
فيُجعَلُ فى أعناقهم طَوْقًّا من نارٍ .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٥٠ - تفسير )، وابن أبى شيبة فى المصنف ٢١٣/٣ من طريق خلف
عن أبى هاشم عن أبى وائل عن مسروق ، وعزاه السيوطى إلى المصنف وسعيد بن منصور وابن أبى شيبة عن
مسروق .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٧/٣ (٤٥٨٢)، والطبرانى (٩١٢٦) من طريق إسرائيل بنحوه.
(٤) فى ص، ت١: ((بمعنى).

٢٧٥
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
إبراهيمَ: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال فى هذه الآية: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ
اُلْقِيَامَةُ﴾ [٣٨٢/١١]. قال: طَوْقًا من نارٍ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ(١).
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا
بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾. قال: طَوْقًا من نارٍ(٣).
١٩٣/٤
وقال آخرون : معنى ذلك: سيُحمَّلُ الذين كتَموا نبؤَّةَ محمدٍ مِِّ من أحبارٍ
اليهودِ ، ما كتَموا من ذلك .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخْلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾: ٢ يقولُ:
سيُحمَّلون يومَ القيامةِ ما بخلوا به ) ألم تسمَعْ أنه قال: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسََ
(١) تفسير سفيان ص ٨٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٨/٣ (٤٥٨٤).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤١.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٥١ - تفسير )، وابن أبى شيبة ٢١٣/٣ عن جرير به.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.

٢٧٦
سورة آل عمران : الآية ١٨٠
بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]. يعنى: أهلَ الكتابِ، يقولُ: يكتُمون ويأمُرون الناسَ
(١)
بالكتمانِ(١).
وقال آخرون : معنى ذلك : سيُكلَّفون أن يأتوا يومَ القيامةِ بما بخلوا به فى الدنيا
من أموالهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن
ابنِ أبى نَجَيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ
اٌلْقِيَمَةُ﴾. قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخِلوا به، إلى قوله: ﴿ وَالْكِتَبِ
الْمُنِيرِ﴾().
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿ سَيُطَوَّقُونَ﴾: سيكلَّفون أن يأتوا بمثل ما بخِلوا به من أموالهم يومَ
القيامة .
وأولى الأقوالِ بتأويلِ هذه الآيةِ التأويلُ الذى قلناه فى ذلك فى مبدأً قولِه :
سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾؛ للأخبارِ(٢) التى ذكَرنا فى ذلك عن رسولِ اللَّهِ عَهِ،
ولا أحدَ أَعلَمُ بما عنى اللَّهُ تبارك وتعالى بتنزيلِه منه عليه السلامُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيْرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ
(١٨٠)
(١) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٦/٣ (٤٥٧٥) عن محمد بن سعد به بنحوه .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٢. وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٧/٣ عقب الأثر (٤٥٨٣) معلقًا .
(٣) فى ص، ت١، س: ((الأخبار)).
:

٢٧٧
سورة آل عمران : الآيتان ١٨٠، ١٨١
يعنى تعالى ذكره بذلك : أنه الحىُّ الذى لا يموتُ، والباقى بعدَ فناءٍ جميع خَلْقِه .
فإن قال قائلٌ: فما معنى قوله: ﴿وَلِلَّهِ" مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾.
والميراثُ المعروفُ: هو ما انتقل من ملكِ مالك إلى وارثِه بموتِه، وللَّهِ الدنيا قبلَ فناءٍ
خلقِه وبعده ؟
قيل : إن معنى ذلك ما وصَفنا من وصفِه نفسَه بالبقاءِ ، وإعلام خلقِه أنه كتَب
عليهم الفناءَ. وذلك أن مُلكَ المالكِ إِنما يصيرُ ميراثًا بعدَ وفاتِه ، فإنما قال جلَّ ثناؤه :
﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ [٨٢/١١ظ] السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. إعلامًا منه بذلك عبادَه، أن أملاكَ
جميعِ خلقِه منتقلةٌ عنهم بموتِهم ، وأنه لا أحدَ إلا وهو فانٍ سواه ، فإنه الذى إِذا هلَك
جميعُ خلقِه ، فزالت أملاكُهم عنهم ، لم يبقَ أحدٌ يكونُ له ما كانوا يملكونَه غيرُه .
وإنما معنى الآية : ولا تحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم اللهُ من فضلِه هو خيرًا لهم،
بل هو شرّ لهم، سيُطوَّقون ما بخِلوا به يومَ القيامةِ، بعدَ ما يهلِكون ، وتزولُ عنهم
أملاكُهم، فى الحينِ الذى لا يملكون شيئًا، وصار للَّهِ ميراتُه ، وميراثُ غيرِه من خلقِه .
ثم أَخْبَر تعالى ذكرُه أنه بما يعمَلُ هؤلاء الذين بيخَلون بما آتاهم / اللَّهُ من فَضلِهِ ، ١٩٤/٤
وغيرهم من سائرٍ خلقِه، ذو خبرةٍ وعلم، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى يجازِىَ كلَّا منهم
على قدرِ استحقاقِهِ؛ المحسنَ بالإحسانِ ، والمسىءَ على ما يرَى تعالى ذكرُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ
أَغْنِيَآءُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ .
ذُكِر أن هذه الآيةَ وآياتٍ بعدَها نزَلت فى بعضِ اليهودِ الذين كانوا على عهدٍ
النبى ټِ .
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت ٢ (( له)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فضل)).

٢٧٨
سورة آل عمران : الآية ١٨١
ذكرُ الأخبارِ (١) بذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال : ثنا محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابتٍ ، عن عكرمةً ، أنه حدثه عن ابنِ
عباسٍ، قال: دخَل أبو بكرٍ الصدِّيقُ رحِمه اللَّهُ بيتَ المِدْراسِ (١) ، فوجَد ناسًا من
يهودَ كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجلٍ منهم يقالُ له: فِنْحاصُ. وكان من علمائِهم
وأحبارِهم ، ومعه حَبْرٌ يقالُ له : أشيعُ. فقال أبو بكرٍ لفنحاصَ: ويحَك يا فنحاصُ،
اتَّقِ اللَّهَ وأسلمْ، فواللَّهِ إنك لتعلَمُ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ ، قد جاءكم بالحقِّ من عندِ
اللَّهِ ، تجدونَه مكتوبًا عندَ كم فى التوراةِ والإنجيلِ. قال فنحاصُ: واللَّهِ يا أبا بكرٍ، ما بنا
إلى اللَّهِ من فقرٍ ، وإنه إلينا لفقيرٌ، وما نتضرَُّ إليه كما يتضرَُّ إلينا، وإنا عنه لأغنياءُ،
ولو كان عنا غنيًّا ما ( اسْتَقرضَنا أموالَنا) كما يزعُمُ صاحبُكم، ينهاكم عن الرِّبا
ويُعطِيناه، ولو كان غنيًّا عنا" ما أعطانا الرّبا. فغضِب أبو بكرٍ، فضرَب وجهَ فِنْحاصَ
ضربةً شديدةً، وقال: والذى نفسى بيدِه، لولا العهدُ الذى بيننا وبينَك لضرَبتُ
تُنْقَك يا عدوَّ اللَّهِ، فَأَكْذِبونا ما استطعتُم إن كنتم صادقين. [٨٣/١١و] فذهَب
فنحاصُ إلى رسولِ اللهِ عَهِ، فقال: يا محمدُ، انظُرْ ما صنَع بى صاحبُك. فقال
رسولُ اللَّهِ عَمِ لأبى بكرٍ: ((ما حمَلك على ما صنعتَ))؟ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن
عدوَّ اللَّهِ قال قولًا عظيمًا؛ زعم أن اللَّهَ فقيرٌ، وأنهم عنه أغنياءُ، فلما قال ذلك
غضِبتُ للَّهِ مما قال، فضرَبتُ وجهَه. فجحَد ذلك فنحاصُ ، وقال : ما قلتُ ذلك ؟
فَأَنْزَل اللَّهُ جل ثناؤه فيما قال فنحاصُ، ردًّا عليه، وتصديقًا لأبى بكرٍ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الآثار)).
(٢) فى ت ١، ت٢، ت٣، س، وتفسير ابن أبى حاتم: ((المدارس)). ومدارس اليهود: البيت الذى يدرسون
فيه . ينظر اللسان ( د ر س ) .
(٣ - ٣) سقط من: ص، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤ - ٤) فى م: ((استقرض منا)).

٢٧٩
سورة آل عمران : الآية ١٨١
اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾. إلى قولِه: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْحَرِيقِ﴾. و١) قول أبى بكرٍ وما بلَغه فى ذلك من الغضبِ: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ
مولی آلٍ زيد بن ثابت ، عن /عکرمةً مولی ابنِ عباسٍ، قال : دخل أبو بكرٍ . فذكر
نحوَه ، غير أنه قال: وإنا عنه لأغنياءُ، وما هو عنا بغنيٌّ، ولو كان غنيًّا . ثم ذكر سائرَ
الحديثِ نحوَه (١).
١٩٥/٤
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ :
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾: قالها فِنْحاصُ
اليهودىُّ من بنى مَرْثَّدٍ ، لقِيَه أبو بكرٍ فكلَّمه، فقال له : يا فنحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وَآمِنْ
وصَدِّقْ، وأقرضِ اللَّهَ قرضًا حسنًا. فقال فنحاصُ: يا أبا بكرٍ، تزعُمُ أن ربََّا فقيرٌ،
يستَقْرِضُنا أموالَنا؟ وما يستقرِضُ إلا الفقيرُ مِن الغنىّ، إن كان ما تقولُ حقًّا، فإن اللَّهَ
إذن لفقيرٌ. فَأَنْزَل اللَّهُ تبارك وتعالى هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدْنةٌ كانت بينَ
النبيِّ عَ لَه وبينَ بنى مَوْئِدٍ لقتلتُه(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ،
عن مجاهدٍ، قال: صكَّ أبو بكرٍ رجلًا منهم، الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن
(١) فى م: ((وفى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٨/٣، ٨٢٩ (٤٥٨٩)، والطحاوى فى مشكل الآثار (١٨٣٠) من
طريق يونس بن بكير به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/٢، ١٠٦ إلى ابن المنذر. وذكره الواحدى فى
أسباب النزول ص ٩٨ عن عكرمة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٢ إلى ابن المنذر .
(٣) سيرة ابن هشام ٥٥٨/١، ٥٥٩ .
(٤) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٩٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٢ إلى المصنف.

٢٨٠
سورة آل عمران : الآية ١٨١
أغنياءُ، لِمَ يستقرِضُنا وهو غنيٌّ؟ وهم يهودُ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابن أبى نَجِيح ، قال :
الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ، لِمَ يستقرِضُنا وهو غنيٌّ؟ قال شِبلٌ: بلَغنى أنه
فِنْحاصُ اليهودىُّ، وهو الذى قال : إن اللَّهَ ثالثُ ثلاثةٍ، ويدُ اللَّهِ مغلولةٌ(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ( حدَّثنا أبو حمزةَ" ، عن
عطاءٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلت: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ [ البقرة:
٢٤٥]. قالت اليهودُ: إن ربَّكم يَسْتَقْرِضُ منكم. فَأَنزَل اللَّهُ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ
اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءٌ﴾ الآية .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن الحسنِ
البصرىِّ، قال: لما نزَلت: ﴿ مَن ◌َذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال : عجِبت
اليهودُ فقالت: إن اللَّهَ فقيرٌ يستقرِضُ. فنزَلت: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ .
حدَّثنا بشرٌ، [٨٣/١١ظ] قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾: ذُكِر لنا أنها نزلت فى محُتَىٍ بن أَخْطبَ لما
أَنْزِل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُوْ أَضْعَافًاً
كَثِيرَةٌ﴾. قال: يستقرِضُنا ربُّنا؟ إنما يستقرِضُ الفقيرُ الغنىّ().
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٩٨، ٩٩ من طريق شبل عن ابن أبى نجيح عن مجاهد .
(٣ - ٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((حدثت))، وينظر تهذيب الكمال ٥٤٤/٢٦ .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٢ إلى المصنف، وينظر البحر المحيط ١٣٠/٣.