النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
أصابهم مِن ذلك مِثْلُ الذى أصابكم، (من أعدائِكم) عُقُوبةً(٢)
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْجٌ مِثْلُهُ﴾. قال: ذلك يومَ
أُحُدٍ ، فَشا فى المسلمين "القَرْحُ، والقَرْعُ) الجراحُ، وفَشا فيهم القتلُ ، فذلك قولُه:
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرٌْ مِّثْلُهُ ﴾. يقولُ: إن كان أصابكم قَرْحٌ
فقد أصاب عَدُوَّكم مِثْلُه، يُعَزِّى أصحابَ محمدٍ عَظِلَه، ويَحُثُّهم على القتالِ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المُفَضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾: والفَرْحُ هى
ج
(٥)
الجراحاتُ(٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرَّحٌ﴾ :
أى: جِراحٌ، ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْجُ مِثْلُ﴾، أى جِراحٌ مِثْلُها(١) .
حدَّثنى المُنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرٌ ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ
أبانٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نام المسلمون وبهم الكُلُومُ ، يعنى
يومَ أُحُدٍ ، قال عِكرمةُ: وفيهم أَنْزِلت: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرٌْ فَقَدْ مَسَّ
الْقَوْمَ قَرْجٌ مِّثْلُهُ, وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيِّنَ النَّاسِ﴾، وفيهم أُنْزِلَت:
﴿ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا
(١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وأن الذى أصابكم)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ عقب الأثر (٤٢٢٦) معلقا، مقتصرا على لفظة: الجراحات، فقط.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ ، ت٣، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ (٤٢٢٨) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به بنحوه .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ عقب الأثر (٤٢٢٦) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به .
(٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠.
( تفسير الطبرى ٦/٦ )
٨٢
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
يَرْجُونَ﴾(١) [ النساء:
[ النساء: ١٠٤ ] .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ﴾. فإِنه : إن يُصِبْكم .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ﴾: إن يُصِبْكم(١).
القولُ فى تأويلٍ قوله عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾ ؛ أيامُ بدرٍ وأُحُدٍ . ويعنى
بقوله: ﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نجعلُها دُوَلًا بينَ الناسِ مُصَرَّفَةٌ . ويعنى بالناسِ:
المسلمين والمشركين، وذلك أن اللَّهَ عز وجل [٣٢/١١ ] أدالَ () المسلمين مِن
المشركين ببَدْرٍ فقتلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين، وأدال(٢) المشركين مِن المسلمين
بأَحُدٍ فقتلوا منهم سبعين سِوَى مَن جَرَحوا منهم. يُقالُ منه: أدال(٢) اللَّهُ فلانًا مِن
فلانٍ، فهو يُدِيلُهُ(٤) منه إدالَةٌ(*): إذا ظَفِرِ به فانْتَصَر منه مما (٦) كان نال(٧) منه المُدَالُ(٨)
منه .
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧١/٣ (٤٢٢٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة بنحوه .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أذال)). وفى س: ((أنال)).
(٤) فى ت ١: ((يذيله))، وفى ت ٢: ((يذله))، وفى س: ((ينله)) .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إذالة))، وفى س: ((إنالة)).
(٦) فى ت ٢: ((من)).
(٧) فى ت ٢: ((ذال)).
(٨) فى ت ١: ((الذال))، وفى ت ٢: ((الدال))، وفى س: ((النال)).
٨٣
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ :
﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيِّنَ النَّاسِ﴾. قال: جعَل اللَّهُ الأيامَ دُولًا، أدالَ(١)
الكفار یومَ أُحدٍ مِن أصحاب محمدٍ عَێ(١)
١٠٥/٤
/ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: إنه واللَّهِ لولا الدُّوَلُ ما أُوذِى(٣) المؤمنون، ولكن قد يُدَالُ
للكافرِ مِن المؤمِنِ، ويُتَلَى المؤمنُ بالكافرِ؛ ليعلمَ اللَّهُ عز وجل مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه،
ويَعْلَمَ الصادقَ مِن الكاذبِ (٤).
حدَّثنى المُنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيعِ قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا﴾: فَأَظْهَر اللَّهُ عز وجل نبيَّه ◌ِفَهِ وأصحابَه
على المشركين يومَ بدرٍ، وأَظْهرَ عليهم عدوَّهم يومَ أُحُدٍ ، وقد يُدالُ الكافرُ مِن
المؤمن ، ويُتَلى المؤمنُ بالكافرِ؛ ليعلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُه ممن يَعْصِيه، ويَعْلَمَ الصادقَ مِن
الكاذبِ، وأما مَن ابْتُلِىَ منهم - مِن المسلمين - يومَ أَحُدٍ، فكان (١) عُقوبةٌ بمعصيتِهم
رسولَ اللَّهِ عَ (١).
(١) فى ت ١: ((أذال))، وفى س: ((أنال)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٣/٣ (٤٢٣١) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٣) فى م: ((أنزل)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى المصنف .
(٥) فى ت ١، ت ٢: ((المؤمنين)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((فكانت)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٣/٣ (٤٢٣٤) من طريق ابن أبى جعفر به ببعضه.
٨٤
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السُّدىِّ: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: يومًا لكم ويومًا
(١)
عليكم(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ ، قال : قال ابنُ نجريج : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: أدالَ المشركين على النبيِّ ◌َ ◌ّهِ يومَ
أُحدٍ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس قوله: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ : فإنه كان يوم
أَحُدٍ بيومٍ بدرٍ ؛ قُتِل المؤمنون يومَ أَحَدٍ ، اتَّخذَ اللَّهُ منهم شهداءَ، وغَلَب رسولُ
اللَّهِ ◌ِ ◌ِهِ يومَ بدرٍ المشركين، فجعَل له الدولةَ عليهم(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ ، قال: ثنا الحكمُ بنُ
أبانٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما كان قِتالُ أُحدٍ ، وأصاب المسلمين ما(*)
أصاب، صعِد النبىُّ عَ لِّ الجبلَ، فجاء أبو سفيانَ، فقال: يا محمدُ يا محمدُ، ألا
تَخْرجُ؟ ألا تَخْرجُ؟ الحربُ سِجالٌ، يوم لنا ويومٌ لكم. فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّه
لأصحابِهِ [٣٢/١١ظ]: ((أُجِيبُوه)). فقالوا: لاسواءً لاسواءَ، قَتْلانا فى الجنةِ وقتلاكم فى
النارِ. فقال أبو سفيانَ: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللَّهِ مَ لِ: ((قولوا: اللَّهُ
مولانا ولا مَوْلَى لكم)). فقال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ. فقال رسولُ
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٦٠١/٢ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٧٩، إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ (٤٢٣٠) عن محمد بن سعد به .
(٤) فى ص: ((بما)).
٨٥
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
اللَّهِ عَظِهِ: ((قولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأجَلُّ)). فقال أبو سفيانَ: موعدُكم وموعدُنا بدرٌ
الصُّغْرَى. قال عكرمةُ: وفيهم أُنْزِلَتْ: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾(١).
حدَّثنى المثنى: قال: ثنا سويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ . عن ابنِ
جُرَيجٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيِّنَ النَّاسِ﴾: فإنه أدال
على النبىِّ عَ ◌ّله يومَ أَحَدٍ(٢) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثناسلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاسِ﴾: أى نُصرِّفُها للناسِ للبلاءِ(٢) والتَّمحيصِ(٤).
حدَّثنى إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهَّابِ الحَجَبِىُّ،
قال: ثنا حمادُ بنُ زَيْدٍ، عن ابنِ عَوْنٍ (١)، عن محمدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: يعنى الأمراءَ.
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ ١٠٦/٤
١٤٠
لَا يُحِبُّ الَّلِمِينَ
يعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: وليعلمَ اللَّهُ الذين آمنوا ويتخِذَ منكم شُهداءَ ،
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ .
ولو لم تَكُنْ فى الكلامِ واوٌ لكان قولُه: ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ مُتَّصِلًا بما قبلَه، وكان:
وتلك الأيامُ نُداوِلُها بينَ الناسِ لَيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا. ولكن لمّا دَخَلت الواوُ فيه،
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٨٢ حاشية (١).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٣/ ٧٧١، ٧٧٢ (٤٢٢٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة مطولًا.
(٣) فى م: ((بالبلاء)).
(٤) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٣/٣ (٤٢٣٣) من طريق سلمة به .
(٥) فى ت ٢، س: ((عوف)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٥/١٥، ٣٩٦.
٨٦
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
آذَنَتْ بأن الكلامَ غيرُ(١) مُتَّصِل بما قبلَها، وأن بعدَها خبرًا مطلوبًا، اللامُ التى فى
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ . به متعلّقةٌ .
فإن قال قائلٌ: وكيف قِيلَ: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. و﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ " مَعرِفَةٌ، وأنت لا تَسْتجيزُ) فى الكلام: ((قد سَألتُ فعَلِمتُ عبدَ اللَّهِ))،
وأنت تريدُ: عَلِمتُ شَخْصَه، إلا أن تُرِيدَ: عَلمِتُ صِفَتَه وما هو .
قيل: إن ذلك إنما جاز مع ((الذين))؛ لأن فى ((الذين)) تأويلَ ((مَن))
و((أى))، وكذلك جائزٌ مِثْلُه فى ((الألفِ واللام))، كما قال تعالى ذِكُرُه:
﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ﴾ [ العنكبوت: ٣]؛ لأن فى ((الألفِ
واللامٍ)) مِن تأويلِ ((أى))، و ((مَن)) مثلَ الذى فى ((الذى)). ولو جُعِلَ مع الاسم
المعرفةِ اسمٌ فيه دلالةٌ على ((أى))، جاز كما يُقالُ: سَأَلتُ لأُعلمَ عبدَ اللهِ مِن عمرٍو.
ويُرادُ بذلك: لأعرِفَ هذا من هذا (٥).
فتأويلُ الكلام: وليَعلمَ اللَّهُ الذين آمنوا منكم، أيها القومُ، مِن الذين نافَقوا
منكم، نُداوِلُ بينَ الناسِ. فاسْتَغْنى بقولِه: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ من"
ذكرٍ قوله: ((مِنَ الَّذِينَ نافَقُوا))؛ لدلالةِ الكلامِ عليه؛ إذ كان فى قوله: ﴿ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ تأويلُ ((أى)) على ما وَصَفْنا. فكأنه قيل: وليَعلمَ اللَّهُ أَيُّكم المؤمنُ، كما
قال جل ثناؤه: ﴿ لِنَعْلَمَ أَّ الِبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]. غيرَ أن ((الألفَ واللامَ))
و ((الذى)) و ((مَن))، إذا وُضِعَتْ مع العَلَم مَوْضِعَ (١) ((أى)) نُصِبَت بوقوعِ العلمِ
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٢) فى م: ((للام)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١ ، ت٢، ت٣، س.
(٤) فى الأصل: (( تستحسن)).
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٣٤/١، ٢٣٥.
(٦) فى م: ((عن)).
(٧) فى ص، ت ١، س: ((مواضع)).
٨٧
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
عليه، كما قيل: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِيِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]. فأما ((أى)) فإنها تُرفعُ(١).
وأما قولُه: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ ﴾. فإنه يعنى: وليعلمَ اللَّهُ الذين آمنوا،
[٣٣/١١و] وليَتَّخِذَ منكم شُهداءَ، أى: ليُكْرِمَ منكم بالشهادةِ مَن أراد أن يُكْرِمَه بها .
و ((الشهداءُ)): جمعُ شَهيدٍ .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أى: لِيُميِّزَ بينَ المؤمنين والمنافقين، وليُكْرِمَ مَن أكرَم مِن أهلِ الإِيمانِ
(٢)
بالشهادةٍ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ قِراءةً على ابنٍ
جريج، فى قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ ﴾. قال: فإن
المسلمين كانوا يَسألون رَبَّهم: ربَّنا أرِنا يومًا كيومٍ بدرٍ، نُقاتِلُ فيه المشركين،
ونُثِيك(٢) فيه خيرًا، ونَلْتَمِسُ فيه الشهادةَ ، فَلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فانَّخَذ منهم
شهداءَ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ ﴾: فكرَم اللَّهُ أولياءَه بالشهادةِ بأيدى عَدِّهم،
ثُم تَصِيرُ حواصلُ الأمورِ وعواقبها لأهلِ طاعةِ اللَّهِ(٤) .
(١) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٣٤/١، ٢٣٥، ومغنى اللبيب بحاشية الأمير ٧٢/١، ٧٣.
(٢) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧١/٢ (١٥٢٠ - تحقيق د.حكمت بشير
ياسين) من طريق سلمة به .
(٣) فى س: ((وننال)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٣/٢ (١٥٢٣ - تحقيق حكمت بشير ياسين) من طريق يزيد به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى عبد بن حميد.
٨٨
سورة آل عمران : الآية ١٤٠
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ :
﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ / ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنَكُمْ شُهَدَآءَ﴾. قال: قال ابنُ
عباسٍ: كانوا يَشْألون الشهادةَ، فلَقُوا المشركين يومَ أُحُدٍ، فانَّخذَ منهم
و
١٠٧/٤
(١)
شُهداءً(١).
حدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال(١) : أخبرنا
عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ ﴾: كان المسلمون يَشْألون ربَّهم أن يُرِيَهم
يومًا كيومٍ بدرٍ، يُلُون فيه خيرًا، ويُؤْزَقون فيه الشهادةَ، وُرْزَقون الجنةَ والحياةَ
والرِّزْقَ، ("فَلَقَوا المشركين٣) يومَ أُحُدٍ ، فاتَّخذ اللَّهُ منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم
اللَّهُ عز وجل فقال: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتٌ﴾(٤) الآية
[ البقرة : ١٥٤] .
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾. فإنه يعنى به: الذين ظَلَموا أنفسَهم
بمعصیتھم ربَّهم .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ ﴾: أى: المنافقين الذين يُظْهِرون بألسنتِهم الطاعةَ، وقلوبُهم مُصِرةٌ على
(٥)
المعصية
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((وقال)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فلقى المسلمين))، وفى م: ((فلقى المسلمون)).
(٤) بعده فى الأصل: (( بل أحياء عند ربهم يرزقون))، وهو من الآية ١٦٩ سورة آل عمران .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٤/٣ (٤٢٤١) من طريق سلمة به .
٨٩
سورة آل عمران : الآية ١٤١
١٤
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِينَ
يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: ولِيَخْتَبِرَ اللَّهُ الذين
صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، فيَبتليَهم بإدالةِ ) المشركين منهم، حتى يَتَبِيَّنَ المؤمنَ منهم
المخلصَ الصحيحَ الإِيمانِ مِن المنافقِ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ (٢) فى قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ اللَّهُ ءَامَنُواْ ﴾. قال:
(٣)
ليَبْتَلِیَ
٠
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال: [٣٣/١١ظ] ليُمحِّصَ اللَّهُ المؤمنَ حتى
= (٤)
يُصَدِّقَ(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾. يقولُ: يَبتلىَ المؤمنين(٥).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيج ، قال : قال
(١) فى ت ١: ((بإذالة)).
(٢) بعده فى م: ((مثله)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٠. ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٤/٣ (٤٢٤٣).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٤) من طريق أبى بكر الحنفى به، وستأتى بقيته فى
ص ٩١.
(٥) ذكره الطوسى فى التبيان ٣/٣ عن السدى بنحوه.
٩٠
سورة آل عمران : الآية ١٤١
ابنُ عباسٍ: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾. قال: يَلِيَّهم(١).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِينَ﴾: فكان تَمْحِيصًا للمؤمنين، ومَحْقًا للكافرين(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾: أى: يَخْتَبِرُ الذين آمنوا حتى يُخَلَّصَهم بالبلاءِ الذى نزَل بهم، وكيف
صَبْرُهم ويَقِينُهم (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ / ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقُ مَن مُحِق فى
الدنيا، وكان بَقِيَةُ مَن يَمْحَقُ(٤) فى الآخرةِ فى النارِ .
١٠٨/٤
وأما قولُه: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾، فإنه يعنى به: أنه يَنْقُصُهم ويُفْنِيهم.
يقالُ منه: مَحَق فلانٌ هذا الطعامَ - إذا نَقَصه أو أفناه - يَمْحَقُه مَحْقًا. ومنه
قيل لُحَاقِ القمرِ (٥): مُحاقٌ، وذلك لنقصانِه وفنائِه.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ ◌ُرَيجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾. قال: يَنْقُصُهم(١).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٦) من طريق ابن جريج به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٧٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٧) من طريق يزيد به .
(٣) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٥) من طريق سلمة به.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((يمحو)).
(٥) فى ص، ت ٢، س: ((العمر)). ومحاق القمر: أن يستسرّ القمر ليلتين فلا يرى غدوة ولا عشية. ينظر
اللسان (م ح ق).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٩) من طريق ابن جريج عن ابن عباس به .
٩١
سورة آل عمران : الايتان ١٤١، ١٤٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾. قال: يَمْحَقَ الكافرَ(١) حتى يُكَذِّبَه(٢).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَيَمْحَقَ
اَلْكَفِينَ﴾. أى: يُتْطِلَ مِن المُنافِقين قولَهم بألسنتِهم ما ليس فى قلوبِهم،
حتى يَظْهَرَ منهم كفرهم الذى يَسْتَتِرون (١) به منكم(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ
١٤٢
يعنى بذلك جل ثناؤه: أم حَسِبْتُم يا مَعْشَر أصحابٍ محمدٍ ، وظَننتم أن تَدْخُلوا
الجنةَ، وتنالوا كَرامَةَ ربِّكم وشَرَفَ المَنَازِلِ عندَه، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ
مِنْكُمْ﴾. يقولُ: ولمّ يَّنْ لعبادِى المؤمنين المجاهدُ منكم فى سبيلى(٥) على ما أَمَرتُه(٦) به.
وقد بَيَّنْتُ معنى قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ﴾ وما أشبه ذلك،
بأدلتِه فيما مضَى(٧) ، بما أغْنَى عن إعادته .
وقولُه: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ﴾. يعنى : الصابرين عندَ البأسِ، على ما يَنالُهم
فى ذاتِ اللَّهِ مِن مجروحٍ(٨) وألمٍ وَمَكْروهٍ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((الكافرين)).
(٢) تتمة الأثر المتقدم ص ٨٩.
(٣) فى ص، ت ١، س: ((يستسرون)). وفى ت ٢: ((يستبشرون)).
(٤) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣ (٤٢٤٨) من طريق سلمة به .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سبيل الله)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أمر))، وفى م: (( أمره )).
(٧) ينظر ما تقدم فى ٦٤١/٢ - ٦٤٥.
(٨) فى م: (( جرح)).
٩٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٤٢، ١٤٣
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنَ
تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾، وتُصِيبوا مِن ثوابى الكرامةَ، ولم أخْتَبِرْكم بالشِّدةِ ، وأبْتَلِيَكم
بالمكارِه، [٣٤/١١ و] حتى أَعْلَمَ صِدْقَ(١) ذلك منكم؛ الإيمانُ (١) بى، والصبرُ على ما
(٣) .
أصابكم فى(٣)؟
ونَصَب ﴿وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ﴾ على الصَّرْفِ. والصَّرْفُ: أن يَجْتمِعَ فِعْلانِ
ببعضِ حروفٍ النسقِ، وفى أولِه ما لا يَحْسُنُ إعادتُه مع حرفِ النسقِ ، فَيُنْصَبُ
الذى بعدَ حرفِ العطفِ على الصرفِ ؛ لأنه مَصْروفٌ عن مَغْنى الأولِ ، وذلك(٤)
يكونُ مع جَحْدٍ أو استفهامٍ أو نَهْي فى أولِ الكلامِ ، وذلك كقولهم: لا يسعُنی شیءٌ
ويَضِيقَ عنك (٥). لأن ((لا)) التى مع ((يسعنى)) لا يَحْسُنُ إعادتُها مع قوله: ويضيقَ
عنك . فلذلك نُصِبَ (١) .
والقَرأَةُ فى هذا الحرفِ على النصبِ. وقد رُوِىَ عن الحسنِ أنه كان يَقْرأُ
( وَيَعْلَمْ الصَّابِرِينَ). فيَكْسِرُ الميمَ من: ( يعلم). لأنه كان يَنْوِى جَزْمَها على العطفِ
به على قوله: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أصدق)).
(٢) فى سيرة ابن هشام: (( بالإِيمان)).
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((بى)). والأثر فى سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٥/٣
من طريق سلمة به مقتصرا على قوله : وتصيبوا من ثوابى الكرامة .
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لكن)).
(٥) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٦) ينظر ما تقدم فى ١ / ٦٠٧.
(٧) ينظر مختصر شواذ القرآن ص ٢٩، والبحر المحيط ٣/ ٦٦.
٩٣
سورة آل عمران : الآية ١٤٣
١٤٣
رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اُلْمَوْتَ﴾: ولقد كنتم يا مَعْشَرَ
أصحابٍ محمدٍ ﴿ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ﴾، يعنى أسبابَ الموتِ، وذلك القتالُ، ﴿فَقَدْ
رَأَيْتُمُوهُ﴾. يقولُ: فقد رَأَيْثُم ما كنتم تَمَنَّونه .
والهاءُ فى قوله: ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾، عائدةٌ / على الموتِ، والمعنى ما ١٠٩/٤
وصفتُ)، ﴿وَأَنْتُم ◌َنْظُرُونَ﴾ يعنى: قد رَأَيْتُموه بمرأَى منكم ومَنْظَرٍ، أى بقُربٍ منكم .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعمُ أنه قيل: ﴿ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴾. على وجهِ التوكيدِ
للكلام، كما يقالُ: رأيته عيانًا ورأيته بعينى وسمعتُه بأَذُنى. وإنما قيل: ﴿وَلَقَدْ
كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. لأن قومًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّه
ممن "لم يَشْهدْ" بدرًا، كانوا يَتَمنَّون قبلَ أُحُدٍ يومًا مثلَ يومٍ بدٍ ، (١) فِيُثُلُوا اللَّهُ) من
أنفسِهم خيرًا ، ويَنَالوا مِن الأجرِ مثلَ ما نال أهلُ بدرٍ ، فلما كان يومُ أَحُدٍ فرَ بعضُهم ،
وصَبر بعضُهم حتى أَوْفَى بما كان عاهَد اللَّهَ قبلَ(6) ذلك ، فعاتَب اللَّهُ مَن فَرَّمنهم،
فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ ﴾ الآية. وأَثْنَى
على الصابرين منهم والمُوفِين بعهدِهم(٦).
ذِكْرُ الأخبارِ بما ذكَرنا مِن ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
(١) فى م: ((ومعنى)).
(٢ - ٢) بياض فى ص. وسقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٣ - ٣) فى ت ١، ت ٢، س: ((شهد)). وينظر الأثر التالى، وسيرة ابن هشام ٢/ ١١١.
(٤ - ٤) فى ت ١، ت ٢: ((فينيلوا من))، وفى س: ((فينيلوا)).
(٥) فى ت ٢: ((فى)).
(٦) سقط من: ت ١، س.
٩٤
سورة آل عمران : الآية ١٤٣
تَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَلَقَدْ كُمْ تَمَنَّوْنَ أَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ
﴾ . قال : غاب رجالٌ عن بدرٍ ، فكانوا يَتَمنَّون مثلَ يومٍ
رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ
بدرٍ أن يلقَوه ، فيُصِيبوا مِن الخيرِ والأجرِ مثلَ ما أصاب أهلُ بدرٍ ، فلما كان يومُ أُمحدٍ
وَلَّى مَن ولَّى منهم(١)، فعاتَبتهم اللَّهُ - أو فعابهم، أو: فعيَّهم(١) - على ذلك. شك أبو
(٣)
عاصم(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، [٣٤/١١] عن ابنٍ أبى
نَجيحِ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فعاتَبهم اللَّهُ على ذلك، ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ كُنُمْ
تَمَنَّوَّنَ اُلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوَهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أُناسٌ مِن المؤمنين لم
يَشْهدوا يومَ بدرٍ والذى أعطى اللَّهُ أهلَ بدرٍ من الفضلِ والشرفِ والأجرِ)، فكانوا
يَتَمنَّون أن يُرْزَقوا قتالًا فيُقاتلوا، ( فسِيقَ إليهمْ) القتالُ حتى كان فى ناحيةِ المدينةِ يومَ
أُحُدٍ ، فقال اللَّهُ عز وجل كما تَسْمَعون: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ اُلْمَوْتَ ﴾ ، حتى بلغ
﴿ اُلشَّكِرِينَ﴾
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
(١) سقط من: م.
(٢) فى ص: ((فيعيهم))، وفى م: ((فعتبهم)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٦٠ وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٦/٣ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤ - ٤) سقط من: ت ١، ت ٢، س.
(٥ - ٥) فى ت ٢: ((فسبق إليهم))، وفى س: ((فشق عليهم)).
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٦/٣ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٠/٢ إلى عبد بن حميد والمصنف .
٩٥
سورة آل عمران : الآية ١٤٣
قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوَّنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. قال: كانوا يَتَمنَّون أن
يَلْقَوا المشركين فيُقاتِلوهم، فلما لَقُوهم يومَ أُحُدٍ ولَوْا(١).
حدَّثنى المُثُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ،
قال : إن أُناسًا (٢) مِن المؤمنين لم يَشْهَدوا يومَ بدرٍ والذى أعطاهم اللَّهُ مِن الفضلِ،
فكانوا يَتَمنَّون أن يرَوا قتالاً فيُقاتِلوا، فسِيقَ(١) إليهم القتالُ حتى كان بناحيةِ المدينةِ يومَ
أُحُدٍ ، فأنزل اللَّهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ بِشَّارٍ ، قال: ثنا هَوْذَةُ ، قال : ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ ، قال :
بلَغَنى أن رجالاً مِن أصحابِ النبيِّ عَ ◌ّهِ كانوا يقولون: لئن لقِينا مع النبيِّ عَلَّه
لَفْعَلنَّ(٥) ولتَفْعلَّ(٥)، / فابثُلُوا بذلك، فلا واللَّهِ ما كلُّهم صدَق اللَّهُ(١)، فأنزل اللَّهُ عز ١١٠/٤
وجل: ﴿ وَلَقَدْ كُنُمْ تَمَنَّوْنَ اٌلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ الآية(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ،
قال: كان ناسٌ مِن أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ لم يَشْهَدوا بدرًا، فلمَّا رَأُوا فَضِيلةَ أهل بدرٍ
قالوا : اللهمَّ إنا نَسْألُك أن تُرِيَنا يومًا كيومٍ بدرٍ ، نُثْلِيك فيه خيرًا. فرَأَوا أُحُدًا، فقال
(١) تفسير عبد الرزاق ١٣٤/١.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ناسا)).
(٣) فى ت ٢: (( فسبق)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٦/٣ عقب الأثر (٤٢٥٤) من طريق ابن أبى جعفر به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٠/٢ إلى عبد بن حميد .
(٥) فى ت ١، ت ٢: ((ليفعلن)).
(٦) سقط من: ص، م.
(٧) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٦/٣ عقب الأثر (٤٢٥٤) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٠/٢ إلى المصنف .
٩٦
سورة آل عمران : الآيتان ١٤٣ ، ١٤٤
لهم: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَّدْ رَأَيْتُهُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
اَلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوَهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾: أى: لقد كنتم تَمَنَّون الشَّهادةَ
على الذى أنتم عليه مِن الحقِّ ، قبلَ أن تَلْقَوا عَدوَّكم ، يعنى الذين استباصوا (٢) رسولَ
اللّهِ عَمٍ إلى(١) خروجِه بهم إلى عَدوّهم لما فاتَهم مِن الحُضورِ فى اليومِ الذى كان قبلَه
ببدرٍ ؛ رغبةً فى الشَّهادةِ التى فاتَتْهم به، يقولُ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أى:
الموتَ بالسيوفِ فى أيدى الرجالِ قد خُلِّى(٤) بينكم وبينهم، وأنتم تَنْظُرون إليهم ،
فصَدَدْتم عنهم(٢) .
[٥٣٥/١١] القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنقَلَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
١٤٤
اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ
يعنى تعالى ذِكْرُه بذلك : وما محمدٌ إلا رسولٌ كبعضٍ رسلِ اللَّهِ الذين أَرْسَلَهم
إلى خلقِه داعيًا إلى اللَّهِ وإلى طاعتِه، الذين حين انْقَضَتْ آجالُهم ماتوا وقَبضهم اللَّهُ
إليه . يقولُ جل ثناؤه: فمحمدٌ عَِّ إنما هو فيما اللَّهُ به صانعٌ مِن قَبْضِه إليه عندَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٧٦، عقب الأثر (٤٢٥٤) من طريق عمرو، عن أسباط به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٠/٢ إلى المصنف .
(٢) فى ص: ((استاصوا)) مصحفة، وفى م: ((حملوا))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((استناصوا))، وفى
سيرة ابن هشام: ((استنهضوا)). والتَوْص: أن تستعجل إنسانًا فى تحميلكه أمرًا لا تدعه يتمهل فيه. التاج
(ب و ص).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((على)).
(٤) فى م: ((حل))، وهى محتملة فى ص، وفى ت ٢: ((فدخل)).
(٥) سيرة ابن هشام ١١١/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٦/٣ (٤٢٥٥) من طريق سلمة به .
٩٧
سورة آل عمران : الاية ١٤٤
انقِضاءِ مُدَّةٍ أَجلِه، كسائرٍ (١) رسلِه إلى خَلْقِه الذين مَضَوا قبلَه، وماتوا عندَ انقضاءٍ
مُدةِ آجالِهم . ثم قال لأصحابِ محمدٍ مُعاتِبَهم على ما كان منهم مِن الَلَعِ والجَزَعِ،
حينَ قيل لهم بأَحُدٍ : إن محمدًا قد قُتِلَ. ومُقَبِّحًا إليهم انصرافَ مَن انْصَرَف منهم
عن عَدوِّهم وانْهِزامَه عنهم: أفإن مات محمدٌ أيُّها القومُ؛ لانقضاءِ مُدَّةِ أجلِه ، أو قتَله
عَدُوُّهُ(٢)، ﴿ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَلِكُمْ﴾. يعنى ارْتَدَدتم عن دينكم الذى بعَث اللَّهُ
محمدًا بالدعاءِ إليه، ورجَعتم عنه كفارًا باللَّهِ بعدَ الإِيمانِ به ، وبعدَ ما قد وَضَحت
لكم صِحةُ ما دعاكم محمدٌ إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به مِن عندِ ربِّه، ﴿ وَمَن يَنْقَلِبُ
عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾. يعنى بذلك: ومَن يَرْتَدَّ منكم عن دينه ويَرْجِعْ كافرًا بعدَ إِيمانِه ﴿ فَلَن
يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يُوهِنَ ذلك عِزَّةَ(٢) اللَّهِ ولا سلطانَه، ولا يَدْخُلُ بذاك
نقصٌ فى مُلْكِه، بل نفسَه يَضُرُّ بِرِدَّتِهِ، وحَظَّ نفسِه يَنْقُصُ بِكُفْرِه، ﴿ وَسَيَجْزِى اَللَّهُ
الشَّكِرِينَ﴾. يقولُ: وسيثِيبُ اللَّهُ مَن شكره على توفيقه وهدایته إياه لدینه بثبوتِه (١
على ما جاء به محمدٌ عَ ظِّمِ إن هو مات أو قُتِل، واستقامتِهِ على مِنْهاجِه، وَتَمَسْكِه
بدينِه ومِلَّتِهِ بعدَه .
كما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم، قال:
أخبرنا سيفُ بن عمرَ(٥)، عن / أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىٍّ رحمه اللهُ فى ١١١/٤
قوله: ﴿ وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: الثابتين على دينهم؛ أبا بكرٍ وأصحابَه .
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((مدة)).
(٢) فى م: ((عدوكم))، وفى ت ١، ت ٢، س: ((عدوهم)).
(٣) فى ت ٢: ((غيره)) .
(٤) فى م: ((بنبوته)).
(٥) فى م: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٤/١٢.
٩٨
سورة آل عمران : الآية ١٤٤
فكان علىّ رَضِى اللَّهُ عنه يقولُ: كان أبو بكرٍ أميرَ() الشاكرين، وأميرَ(١) أحباءِ اللَّهِ،
وكان أشكرَهم(٢)، وأحبّهم إلى اللَّهِ(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن العلاءِ بنِ بدرٍ ، قال: إن(١)
أبا بكرٍ أميرُ(١) الشاكرين. وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ وَسَيَجْزِى اللَّهُ
الشَّكِرِينَ﴾: أى: مَن أطاعه وعمِل بأمرِه (٥).
وذكر أن هذه الآيةَ أَنْزِلت على رسولِ اللَّهِ وَ لَّهِ فِى مَن انهزَم عنه بأُحدٍ من
أصحابه .
[٣٥/١١ظ٢ ذِكْرُ الأخبارِ الواردةِ بذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، إلى قولِه: ﴿ وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾:
ذاكم يومَ أَحُدٍ حينَ أصابهم القَوْحُ والقَتْلُ، ثم تناعَوا (١) رسولَ اللَّهِ يَ ◌ّهِ على تَفِئَةٍ(١)
ذلك، فقال أُناسٌ: لو كان نبيًّا ما قُتِلَ. وقال أناسٌ مِن عِلْيةِ أصحابٍ نبيِّ اللّهِ عَبِّهِ :
قاتِلوا على ما قاتَل عليه نبيكم ، حتى يَفْتَحَ اللَّهُ جل وعز لكم أو تَلْحَقوا به. فقال اللَّهُ
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أمين)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، س: ((أشكر)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٨١، إلى المصنف.
(٤) فى الأصل: ((وجدنا))، وفى ص، ت ٢، س: ((وحدثنا)) .
(٥) سيرة ابن هشام ١١١/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٩/٣ (٤٢٦٧) من طريق سلمة به .
(٦) فى م: ((تنازعوا))، وفى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور: ((تداعوا)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢: ((بقية))، وغير منقوطة فى ص. وتفئة الشىء: حينه وزمانه. وفى الأثر: ثم دخل
أبو بكر على تفئة ذلك. أى: على إثره. ينظر النهاية ١/ ١٩٢، واللسان (ت ف أ).
٩٩
سورة آل عمران : الآية ١٤٤
عز وجل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ
عَّ أَعْقَلِكُمْ﴾، يقولُ: إن مات نبيكم أو قُتِل ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إِيمانِكمْ()؟
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
بنحوِه، وزاد فيه: قال الربيعُ: وذُكِرَ لنا - واللهُ أعلم - أن رجلًا مِن المهاجرين مرَّ
على رجلٍ مِن الأنصارِ، وهو يَتَشَخَّطُ (٢) فى دمِه، فقال: يا فلانُ أَشَعَرت أن محمدًا
قد قُتِلَ ؟ فقال الأنصارىُّ(٢) : إن كان محمدٌ قد قُتِلَ فقد بَلَّغَ، فقاتِلوا عن دينِكم.
فأنزل اللَّه عز وجل: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ
قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَّ أَعْقَبِّكُمْ﴾، يقولُ: ارْتَدَدتم كفارًا بعدَ إيمانِكم(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: لمَّ بَرَز رسولُ اللَّهِ ◌َهِ يومَ أَحَدٍ إليهم - يعنى إلى المشركين - أُمَر
الرماةَ فقاموا بأَصْلِ الجبلِ فى وجوهٍ خيلِ المشركين، وقال: (( لا تَبْرَحُوا مكانَكم إن
رأيْتُمونا قد هزَمْناهم ، فإنَّا لن نزالَ غالبين ما ثبتُّم مكانكم))، وأَمَّر عليهم عبدَ اللهِ بنَ
مُجُبيرٍ ، أخا خَوَّاتِ بنِ جُبيرٍ ، ثم شَدَّ الزُّبِيرُ بنُ العَوَّامِ والمقدادُ بنُ الأسودِ على المشركين
فهزَماهم ، وحمَل النبيُّ عَ لَّهِ وأصحابُه فهَزَموا أبا سفيانَ، فلمَّا رأى ذلك خالدُ بنُ
الوليدِ، وهو على خيلِ المشركين، حمَلُ(٥)، فَرَمَتْه الرُّمَاةُ فَانْقَمَع، فلمَّا نظَرَ الرُّماةُ إلى
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٨/٣ عقب الأثر (٤٢٦٢) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٨٠/٢، إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) تشحط القتيل فى دمه: تخبط فيه واضطرب وتمرغ. التاج (ش ح ط).
(٣) قال الحافظ ابن كثير: لعل هذا الأنصارى هو أنس بن النضر؛ عم أنس بن مالك . البداية والنهاية ٤٠١/٥
بتحقیقنا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٨/٣ (٤٢٦٢) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.
(٥) فى ص: ((قد))، وفى م: ((قدم)) والمثبت من التاريخ .
١٠٠
سورة آل عمران : الآية ١٤٤
رسولِ اللهِ وَّهِ وأصحابِهِ فى جوفِ عسكرِ المشركين يَنْتَهِبونهُ)، بادَرُوا إِلى ◌ُ"
الغَنِيمةِ، فقال بعضُهم: لا نَتْكُ أمرَ رسولِ اللَّهِ وَمِ. فَانْطَلَق عامَّتُهم فَلَحِقوا
بالعسكرِ، فلما رأَى خالدٌ قَّةَ الرُّماةِ (١) صاح فى خيله، ثم حمَل فقتل الرُّماةَ، وحمَل
١١٢/٤ على أصحابِ النبيِّ ◌َِّ، فلما / رأَى المشركون أن خيلَهم تُقاتِلُ تَنادَوْا(٤) ، فشدُّوا
على المسلمين، فهزَموهم وقتلوهم، فأتَى ابنُ قَمِئَةً(٢) الحارثيُ - أَحدُ بنى الحارثِ [٣٦/١١و]
ابنِ عبدِ مناةً(١) بنِ كنانةَ - فرمَى رسولَ اللَّهِ وَهِ بحجرٍ، فكسَر أَنفَه ورَباعِيتَه(٧)، وشته
فى وجهِه فأنْقَلَهُ (١، وتفَرَّق عنه أصحابُه، ودخَل بعضُهم المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ
الجبلِ إلى الصخرةِ، فقاموا عليها، وجعَل رسولُ اللَّهِ عَهِ يَدْعُو الناسَ: ((إِلىَّ عبادَ اللَّهِ،
إلىَّ عبادَ اللهِ)). فاجْتَمَع إليه ثلاثون رجلًا ، فجعَلوا يَسِيرون بينَ يديه ، فلم يَقِفْ أحدٌ إلا
طلحةُ وسهلُ بنُ مُنَيفٍ ، فحماه طلحةُ فُمِىَ بسهم فى يدِه فِيَبِسَتْ(٩) يُدُه، وأَقْبَل أُتُ بِنُ
حَلَفِ الْجُمَحِىُّ وقد حَلَف لَيَقْتُلَنَّ النبيَّ ◌ِ ◌َهِ، فقال النبيُّ ◌َه: ((بل أنا أَقْتُلُهُ(١١))، فقال:
((يا كذابُ، أين تَفِرُّ منى (٢)؟» فحمَل عليه، فطعَنه النبىُّ ◌َّهِ طعنةً(٢) فى جيبٍ(١١)
(١) فى ت ١: ((ينتهنونه))، وفى ت ٢: ((ينتهبوا به))، وفى س: ((يتبعوا به)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س.
(٣) فى م: ((الرماح)).
(٤) فى م: ((تبادروا)).
(٥) فى م: ((قميئة)). وهو عبد الله بن قمئة الليثى الحارثى. ينظر سيرة ابن هشام ٧٣/٢، ٨٠، ٨٢، ٩٤،
١٢٢، وتاريخ الطبرى ٥١٥/٢، ٥١٦، ٥١٩، ٥٢٧، والروض الأنف ٥/ ٤٦٩، والبداية والنهاية ٣٩٨/٥
بتحقیقنا .
(٦) فى النسخ: ((مناف)). والمثبت من تاريخ الطبرى ٥١٩/٢ وينظر جمهرة أنساب العرب ص ١٨٨.
(٧) الرباعية: السِّنُّ التى بين الثنيّة والناب. ينظر التاج (ر ب ع).
(٨) فى ت ٢: ((فأقبله))، وفى س: ((فأفعله)).
(٩) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((ويبست)). وينظر التاريخ ٥٢٠/٢.
(١٠) فى م: ((أقتلك)).
(١١) جيب الشىء مدخله، ومنه: جيب الدرع: ما يدخل منه الرأس عند لبسه. ينظر التاج (ج ی ب).