النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ وأما الفاحشةُ فهى صفةٌ لمتروكٍ. ومعنى الكلام: والذين إذا فعلوا فَعْلةً(١) فاحشةً . ويعنى بالفاحشةِ : الفَعْلةُ القبيحةُ الخارجةُ عما أَذِن اللّهُ عزّ وجلّ فيه . وأصلُ الفُخْشِ القُبْحُ والخروج عن الحدِّ والمقدارِ فى كلِّ شىءٍ، ولذلك(٢) قيل للطويلِ المُفْرطِ الطولِ : إنه لفاحِشُ الطَّلِ . يرادُ به : قبيحُ الطولِ ، خارجٌ عن المقدارِ المُسْتَحسَنِ. ومنه قيل للكلامِ القبيح غيرِ القصدِ(٢): كلامٌ فاحشٌ. وقيل للمتكلم به(٤): أفحَشَ فى كلامِه . إذا نَطَّق بِفُخْشٍ . وقد قيل: إن الفاحشةَ فى هذا الموضع مَغْنِىٌّ بها الزِّنَا . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا العباسُ بنُ عبدِ العظيم، قال: ثنا حِبَانُ، (قال: ثنا حَمَّادٌ ، عن ثابتٍ، عن جابرٍ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ . قال: زِنَا القومِ، وربّ الكعبةِ(٦). حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ أما الفاحشةُ فالرِّنا(٧) . وقولُه: ﴿أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾. يعنى به: فَعَلوا بأنفسِهم غيرَ الذى كان (١) سقط من: ص . (٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س. وفى م، ت٣، س: (( منه). (٣) كلام قصد : سهل مستقيم. التاج (ق ص د ). (٤) ليست فى : ت١، ت٢ ، ت٣ ، س. (٥ - ٥) سقط من : الأصل . (٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٤/٣ عقب الأثر (٤١٧٢) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٢ إلى المصنف وابن المنذر. (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٤/٣ (٤١٧٢) من طريق أحمد به . ٦٢ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ ينبغى لهم أن يفعلوا بها . والذى فعَلوا من ذلك ركوبُهم من معصيةِ اللَّهِ جل وعز، ما أوجبوا لها به عقوبته . كما حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى ، عن سُفيانَ، عن منصورٍ ، عن إبراهيم قولَه: ﴿ وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: الظلمُ من الفاحشةِ، والفاحشةُ من الظلم(١). وقولُه: ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾. يعنى بذلك: ذكَروا وعيدَ اللَّهِ على ما أتَوا من معصيتهم إياه، ﴿فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾. يقولُ: فسَألوا ربَّهم أن يَستُرَ عليهم ذنوبَهم، بصَفْحِه لهم عن العقوبةِ عليها. ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. يقولُ: وهل يغفر الذنوبَ - أى يعفو عن راكبِها فيستُها عليه - إلا اللَّهُ. ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ﴾. يقولُ: ولم يُقِيموا على ذنوبهم التى أَتَوها ، ومعصيتهم التى ركبوها ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: لم يُقِيموا على ذنوبهم عامِدين للمُقامِ عليها ، وهم يعلمون أن اللَّه عز وجل قد تقدَّم بالنهى عنها، وأوعَد عليها العقوبةَ مَن ركِبها . وذُكِر أن هذه الآيةَ أُنزِلت خُصوصًا بَتَخْفِيفِها ويُشْرِها أُقْتَنا (٢) مما كانت بنو إسرائيلَ مُمتحَنةً به من عظيمِ البلاءِ فى ذنوبِها . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجٌ ، عن ابنِ جرَيجِ ، عن عطاءِ ابنِ أبى رباح، أنهم قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، بنو إسرائيلَ أكرمُ على اللَّهِ مِنّا؟! ، كانوا إذا أَذْنَب أحدُهم أصبَحت كفارةُ ذنبِه مكتوبةً فى عَتَبَةِ بابِهِ: اجدَعْ أَذَك، اجدَعْ أَنفَك، افعلْ ... فسكَت رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ، فَنزَلَت: ﴿﴾ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ ٩٦/٤ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٤/٣ (٤١٧٣) من طريق وكيع به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٢ إلى ابن المنذر. (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أمنا)). وقوله: ((أمتنا)) منصوب على المفعولية لقوله: ((خصوصا)). ٦٣ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُوْ لِذُنُوبِهِمْ﴾ . [٢٧/١١ظ] فقال رسولُ اللَّهِ عَّهِ: ((ألَا أَخبِرُكم بخيرٍ من ذلك؟)) فقرَأ هؤلاء (١) الآياتِ(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عمرُ بنُ خليفةَ العَبْدِىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ زيدٍ بنِ جُدْعانَ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أذنَبوا، أصبَح مكتوبًا على بابِه الذنبُ وكفارتُه، فأَعْطِينا خيرًا من ذلك هذه الآيةُ(٢) . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ ، عن ثابتٍ البُنَانيّ، قال: لمّ نزَلت: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِّمْ نَفْسَهُ ﴾ [النساء: ١١٠] بكَى إِبليسُ فَرَعًا من هذه الآيةِ . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُّ سليمانَ، عن ثابتٍ الثُنَانيّ، قال: بَلَغنى أن إبليسَ حينَ نزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾. بِكَى(٤). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، قال : سمِعتُ عثمانَ مولى آلِ أبى عَقِيلِ الثقفىَّ، قال: سمِعتُ علىَّ بنَ ربيعةً يُحدِّثُ عن رجلٍ من فَزارةً ، يقالُ(٥) له: أسماءُ. أو: ابنُ أسماءً. عن علىٍّ، قال: كنتُ إذا (١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٥٩٥، وأبو حيان فى البحر المحيط ٥٩/٣ عن عطاء. (٢ - ٢) كذا فى النسخ، وصوابه: عمر بن أبى خليفة. ينظر تهذيب الكمال ٣٣٠/١٢. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٢ إلى ابن المنذر. (٤) تفسير عبد الرزاق ١٣٣/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٢ إلى عبد بن حميد. (٥) فى ص: ((فقال)). ٦٤ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ سمِعتُ من رسولِ اللهِ صَ لِّ شيئًا، نفَعنى اللَّهُ بما شاء أن ينفَعَنى به، وحدَّثنى أبو بكرٍ، وصدَق أبو بكرٍ، عن النبيِّ يَِّ، قال: (( ما مِن عبدٍ)). قال شعبةُ: وأحسَبُه قال: (مسلم)). ((يُذنبُ ذنبًا ثم يتوضأُ، ثم يصلِّى ركعتين، ثم يستغفرُ اللَّهَ لذلك الذنبِ "إلا غفر له))). قال شعبةُ: وقرأ إحدى هاتين الآيتين: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ وسفيانَ، عن عثمانَ بنِ المغيرةِ الثَّقَفىِّ، عن علىٍّ بنِ ربيعةَ الوَالِىِّ، عن أسماءَ بنِ الحكم الفزاريِّ، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ قال: كنتُ إذا سمِعتُ من رسولٍ اللَّهِ مِ لِّ حديثًا نفَعَنى اللَّهُ بما شاء منه، وإذا حدَّثنى عنه غيرُه، استحلَقتُه، فإذا حَلَف لى صدَّقتُه، وحدَّثنى أبو بكرٍ وصَدَق أبو بكرٍ، أنه قال: قال رسولُ اللَّهِ عَ لِّمِ: ((ما مِن رجلٍ يُذْنِبُ ذنبًا ثم يَتَوضَّأُ، ثم يصلِّى)). قال أحدُهما: ((ركعتين)). وقال الآخَرُ: ((ثم يصلِّى ويَسْتغفِرُ اللَّهَ إلا غفَر له))(١). وحدَّثنا الزبيرُ بنُ بَكّارٍ ، قال: ثنى سعدُ بنُ سعيدِ بن أبى سعيدِ الْمَقْبُرِىُّ، عن أخيه، عن جدِّه، عن عليّ بن أبى طالبٍ أنه قال: ما حدَّثنى أحدٌ حديثا (١ - ١) سقط من النسخ واستدركناه من مصادر التخريج ومن الروايات التى ستأتى. (٢) أخرجه أحمد ٢١٩/١ (٤٨) والمروزى فى مسند أبى بكر (١٠)، والبزار (٨)، وأبو يعلى (١٣) من طرق عن محمد بن جعفر به، وأخرجه الطيالسى (١)، وأحمد ٢١٨/١، ٢١٩ (٤٧)، وأبو يعلى (١٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٥/٣ (٤١٨٠) ، والبيهقى فى الشعب (٧٠٧٧) من طريق شعبة . (٣) أخرجه الحميدى (٤)، وابن أبى شيبة ٣٨٧/٢، وأحمد ١٧٩/١ (٢)، والمروزى فى مسند أبى بكر (٩) ، وابن ماجه (١٣٩٥)، والبزار (٩)، وأبو يعلى (١٢)، من طريق وكيع به، وأخرجه الحميدى (١)، والنسائى (١٠٢٤٧، ١٠٢٤٨ - كبرى)، والطبرانى فى الدعاء (١٨٤٢) من طريق مسعر به، وأخرجه النسائى (١٠٢٤٩ - كبرى)، وأبو يعلى (١٥)، والطبرانى فى الدعاء (١٨٤٢) من طريق سفيان به، وأخرجه الطيالسى (٢)، وأحمد ٢٢٣/١ (٥٦)، وأبو داود (١٥٢١) والترمذى (٤٠٦، ٣٠٠٦)، والنسائى (١٠٢٥٠ - كبرى)، والبزار (١٠)، وأبو يعلى (١١)، وابن حبان (٦٢٣)، والطبرانى فى الدعاء (١٨٤٢)، والبغوى (١٠١٥) من طريق عثمان بن المغيرة به. ٦٥ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ عن رسولِ اللَّهِ يٍَّ إلا سألتُه أن يُقسِمَ لى باللَّهِ لهو سمِعه من رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ، إلا أبا بكرٍ، فإنه كان لا يَكْذِبُ . قال علىِّ رضِى اللهُ عنه: فحدَّثنى أبو بكرٍ، أن رسولَ اللَّهِ مَِّلِ قال: (( ما مِن عبدٍ يُذنِبُ ذنبًا، ثم يقومُ عندَ ذكرِه ذنبه ذلك ، فيتوضَّأُ ثم يصلِّى ركعتين، ويستغفرُ اللَّهَ من ذنبه ذلك، إلا غفره اللَّهُ له))(١). /وأما قولُه: ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأُسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾. فإنه كما بَيَّنا تأويلَه. وبنحو ٩٧/٤ ذلك كان أهلُ التأويلِ يقولون . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا [٢٨/١١ و] ابنُ إسحاقَ : وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾. أى: إن أتَوا فاحشةً. ﴿أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ . بمعصيةٍ ، ذكَّروا نَهْىَ اللَّهِ عنها، وما حرَّم اللَّهُ عليهم ، فاستغفروا لها، وعَرَفوا أنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا هو (٢). وأما قولُه: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فإن اسمَ اللَّهِ مرفوعٌ، ولا جَحْدَ قبلَه ، وإِنما يُرْفَعُ ما بعدَ ((إلا )) بإتباعِه ما قبلَه، إذا كان نكرةً ومعه جَحْدٌ ، كقولِ القائلِ: ما فى الدارِ أحدٌ إلا أخوك. فأما إذا قيل: قام القومُ إلا أباك. فإن وَجْهَ الكلام فى الأُبِ النصبُ، و((مَن)) بصلتِه فى قوله: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ معرفةٌ . فإن ذلك إنما جاء رفعًا؛ لأن معنى الكلام: وهل يغفرُ الذنوبَ أحدٌ . أو: ما يغفرُ الذنوبَ أحدٌ إلا اللَّهُ. فرُفِع ما بعدَ ((إلا )) من اسم ((اللَّهِ)) على تأويلِ الكلامِ، لا على لفظِه . (١) أخرجه الحميدى فى مسنده (٥)، والبزار فى مسنده (٦)، وابن عدى فى الكامل ٣/ ١١٩٠، والدارقطنى فى العلل ١٨٠/١ من طريق عن سعد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٧/٢ إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر . (٢) سيرة ابن هشام ٢ / ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٤/٣ - ٧٦٦ (٤١٧٠، ٤١٧٩، ٤١٨٣) من طريق سلمة به . ٦٦ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ وأما قولُه: ﴿ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِ الإصْرارِ ، ومعنى هذه الكلمةِ ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك ، لم يثْبتوا على ما أَتَوا من الذنوبِ، ولم يُقِيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفَروا، كما وصفهم اللهُ جل ثناؤه به . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فإياكم والإصرارَ، فإِنما هَلَك المُصِرُّون الماضون قُدُمًا ، لا يَنْهاهم مخافةُ اللَّهِ عز وجل عن حرامِ حَوَّمه اللَّهُ عليهم، ولا يَتوبون من ذنبٍ أصابوه، حتى أتاهم الموتُ، وهم على ذلك(١) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال: قُدُمَّا قُدُمًا فى معاصى اللهِ ، لا تَنْهاهم مخافةُ اللَّهِ حتى جاءهم أمرُ اللَّهِ(١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أى: لم يُقِيموا على مَعْصِيتى، كفعلٍ مَن أَشرَكُ بى، فيما عَمِلوا به مِن كفرٍ بی() . وقال آخرون : معنى ذلك : لم يُواقِعوا الذنبَ إذا هَمُّوا به . (١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٦٠/٣ عن قتادة مختصرا بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى ابن المنذر. وينظر الأثر التالى . (٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٣، ١٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٦) عن الحسن بن یحیی به . (٣) سيرة ابن هشام ٢ / ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٨) من طريق سلمة به . ٦٧ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ ذكر من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسن فى قولِه: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ ﴾. قال: إتيانُ العبدِ ذنبًا إصرارٌ حتى يتوبَ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) قال : لم يُواقِعوا(١). وقال آخرون : معنى الإصرارِ السكوتُ على الذنبِ، وتركُ الاستغفارِ . / ذكرُ من قال ذلك ٩٨/٤ [٢٨/١١ ظ] حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أمَّا يُصِرُّوا: فيَشْكُتوا ولا يستغفِروا(٣) . وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندَنا: قولُ مَن قال: الإصرارُ: الإقامةُ على الذنبِ عامدًا ، و(٤) تركُ التوبةِ منه. ولا معنى لقولٍ مَن قال: الإصرارُ على الذنبِ، هو مُواقعتُه. لأن اللَّهَ عز وجلّ (١) تفسير عبد الرزاق ١٣٣/١، ١٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٦) عن الحسن بن یحیی به . (٢) فى ص، ت ١، س: (( يصروا)). والأثر فى تفسير مجاهد صفحة ٢٦٠ من طريق ابن أبى نجيح بنحوه، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٥) من طريق ابن جريج عن مجاهد بنحوه، وذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٦٠/٣ عن مجاهد بنحوه وفيها جميعًا: ((لم يمضوا)) ولم يقل ((لم يواقعوا)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٧) من طريق أحمد به . (٤) فى النسخ: ((أو)). وما أثبتناه هو المقتضى، يدلك عليه كلام المصنف عن الاستغفار بعد. ٦٨ سورة آل عمران : الآية ١٣٥ مَدَح بتركِ الإصرارِ على الذنبِ مُوَاقِعَ الذنبِ، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ ﴾. ولو كان المُوَاقِعُ الذنبَ مُصِرًّا بُمواقعتِه إياه، لم يكنْ للاستغفارِ وَجْةٌ مفهومٌ؛ لأن الاستغفارَ من الذنبِ إنما هو التوبةُ منه والندمُ ، ولا يُعرَفُ للاستغفارِ من ذنب لم يُواقِعْه صاحبُه وَجْهٌ . وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ عَ لَّمِ أنه قال: ((ما أَصَرَّ مَن استغفَر، وإن عاد فى اليومِ سبعين مرةً )) . حدَّثنى بذلك الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعِىُّ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانىُ، عن عثمانَ بنِ واقدٍ، عن أبى نُصَيرةً(١)، عن مولّى لأبى بكرٍ، عن أبى بكرٍ، عن رسولِ اللهِ عَلَه(٣). فلو كان مُواقِعُ الذنبِ مُصِرًّا، لم يكنْ لقوله: (( ما أَصَرَّ مَن استغفَر وإن عاد فى اليومٍ سبعين مرةً))، معنًى؛ لأن مُواقَعَةَ الذنبِ ، إذا كانت هى الإصرارُ، فلا يُزِيلُ الاسمَ الذى لَزِمه معنًى غيرُه، كما لا يزيلُ عن الزانى اسمَ زاٍ ، وعن القاتلِ اسمَ قاتلٍ ، توبتُه منه ، ولا معنًى غيرُها . وقد أبانَ هذا الخبرُ أن المُسْتغفِرَ من ذنِه غيرُ مُصِرٍّ عليه، فمعلومٌ بذلك أن الإصرارَ غيرُ المُواقعةِ ، وأنه المُقُالمُ عليه ، على ما قلنا قبلُ . واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه ، وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا . (١) فى ص: ((نضيرة)) وفى س: ((نصرة))، وينظر تهذيب الكمال ٣٤٥/٣٤. (٢) أخرجه المروزى فى مسند أبى بكر (١٢٢)، والترمذى (٣٥٥٩) عن الحسين بن يزيد السبيعى به، وأخرجه المروزى فى مسند أبى بكر (١٢١)، وأبو يعلى (١٣٧، ١٣٨)، وابن السنى (٣٦١)، والبيهقى فى الشعب (٦٤٢، ٧٠٩٩)، والبغوى (١٢٩٧) من طريق عبد الحميد الحمانى به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٦/٣ (٤١٨٤) من طريق عبد الحميد الحمانى به ، غير أنه قال : عن مولى لأبى بكر عن رسول الله . ولم يقل : عن أبى بكر. وأخرجه أبو داود فى سننه ٨٥/٢ (١٥١٤)، والبيهقى ١٨٨/١٠ من طريق عثمان به وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى عبد بن حميد. ٦٩ سورة آل عمران : الآيتان ١٣٥، ١٣٦ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ، أمَّا: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فيعلمون أنهم قد أذنَبوا، ثم أقاموا فلم (١) يستغفِروا (١) . وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلمون أن الذى أَتَوا معصيةُ اللَّهِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال : يعلمون بما حرَّمتُ عليهم من عبادةٍ غيرى (١). • قال أبو جعفرٍ : وقد تقدَّم بيانُنا أَوْلَى ذلك بالصوابِ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَجَنَّتُ تَّجُرِى مِن ٣٦ تَحْتِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ /يعنى تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾: الذين ذكَر أنه أعدَّ لهم الجنةَ التى ٩٩/٤ عرضُها السمواتُ والأرضُ مِن المتقين، ووَصَفهم بما وصَفهم به. ثم قال : هؤلاء الذين هذه صِفَتُهم ﴿ جَزَاؤُهُمْ﴾ يعنى: ثَوابُهم مِن أعمالِهِم التى وَصَفَهم تعالی ذِكْرُه أنهم عمِلوها ﴿مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾. يقولُ: عَفْوٌ لهم مِن اللَّهِ عن عُقويتِهم على ما سَلَف [٢٩/١١و] مِن ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا اللَّهَ فيه مِن أعمالِهم - مع محوٍ السيِّىَّ من أعمالِهِم بالحسنِ منها - ﴿ جَنَّتٌ﴾، وهى البساتينُ، ﴿َّجْرِى مِن (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٧/٣ (٤١٩٢) من طريق أحمد بن المفضل به . (٢) السيرة ٢ / ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٧/٣ (٤١٩٣) من طريق سلمة به . (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. ٧٠ سورة آل عمران : الآيتان ١٣٦، ١٣٧ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾. يقولُ: تَجْرِى خِلالَ أشجارِها الأنهارُ وفى أسافلِها، جزاءً لهم على صالحِ أعمالِهِم، ﴿خَلِينَ فِيهَا ﴾ يعنى: دائمى المُقُامِ فى هذه الجَنَّاتِ التى وَصَفها. ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ يعنى: ونِعْمَ جزاءُ العاملين للَّهِ الجناتُ التى وَصَفها . كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿أُوَلَبِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَثَّتُ تَّخْرِى مِنْ تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَنِعْمَ أَجْرُ اٌلْعَمِلِينَ﴾: أى ثوابُ المُطِيعين(١). القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ فَسِيرُوا فِىِ اُلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ١٣٧١ يعنى بقوله تعالى ذِكْرُه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ﴾: قد مَضَتَ وَسَلَفت منى فى مَن كان قبلَكم - يا مَعْشَرَ أصحابٍ محمدٍ وأهلَ الإِيمانِ به - مِن نحوِ قومٍ عادٍ وثمودَ وقومٍ إبراهيمَ (١) وقومٍ لوطٍ وغيرهم مِن سُلَّافِ الأَم قبلَكم ﴿سُنَّنٌ﴾ يعنى: "مُثُلًا وسِيرًا سِرتُها) فيهم وفى مَن(٤) كَذَّبوا به مِن أنبيائهم الذين أُرْسِلوا إليهم ، بإِمْهالى أهلَ التكذيبِ بهم، واسْتِدراجى إياهم، حتى بلَغ الكتابُ فيهم أَجَلِى(٦) الذى أجَلْتُه لإدالةِ أنبيائهم وأهلِ الإيمانِ بهم عليهم، ثم أُخْلَلتُ بهم عُقُوبَتى ، وأنزلتُ بساحتهم نِقْمَتِى(٢)، فتركتُهم لمن بعدَهم أمثالاً وعِبَرًا. ﴿فَسِبِرُوا (١) السيرة ١٠٩/٢ وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٨/٣ (٤١٩٩) من طريق سلمة به. (٢) فى الأصل، ص، م: ((هود)). وقد تقدم ذكر عاد قوم هود. (٣ - ٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((مثلات سيراسرتها))، وفى م: ((مثلات سير بها)). (٤) بعده فى الأصل: ((كان )). (٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يإمهال)). (٦) فى م: ((أجله)). (٧) فى ص: ((نقمى)). ٧١ سورة آل عمران : الآية ١٣٧ فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: فسيروا - أيها الظَّانُّون أن إدالتِى مَن أَدَلْتُ مِن أهلِ الشركِ يومَ أُحدٍ على محمدٍ وأصحابِه لغيرِ اسْتِدْراجٍ منی لمن أشرَك بى وكفَر برسولى(١) وخالَف أمْرِى - فى ديارِ الأُتم الذين كانوا قبلَكم، ممن كان على مثلِ الذى عليه هؤلاء المُكذّبون برسولى، والجاحِدون وَحْدَانِيَتَى ، فانْظُروا كيف كان عاقبةُ تَكْذِبِهِم أنبيائى، وما الذى آلَ إليه ◌ِبُ(٢) خلافِهم أمْرِى، وإنكارِهِم وَحْدَانِيَّى، فَتَعْلَموا عندَ ذلك أن إداَتِي مَن أَدَلْتُ مِن المشركين على نَبِّى محمدٍ وأصحابِهِ بأُحُدٍ، إنما هى اسْتِدْرائجُ وإِنْهالٌ (٢منى لهم؛ لِيَبلُغَ كتابى الأجلَ" الذى أَّلْتُ لهم، ثم : إما أن يَقُولَ حالُهم إلى مثلِ ما آل إليه حالُ الأُمم الذين سلفوا قبلَهم ، مِن تعجيلِ العقُوبةِ عليهم ، أو يُنيبوا إلى طاعتِى واتباعِ رَسُولی . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ ، قال : ثنا عبَّادٌ ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُكَذِّبِينَ ﴾ فقال: ألم يَسِيروا(٤) فى الأرض فينْظُروا (٥) كيف عَذَّب اللَّهُ قومَ نوحٍ وقومَ لوطٍ وقومَ صالح، والأُمَ التى عَذَّبَ اللَّهُ عزَّ وجلّ (١). / حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، [٢٩/١١ ظ] عن عيسى، عن ابنٍ ١٠٠/٤ (١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((برسلى)). (٢) فى ص: ((عب))، بالعين المهملة، وفى م، ت ١، ت ٢، س: ((عن)). وغب الشىء، ومغبته عاقبته وآخره. التاج ( غ ب ب ). (٣ - ٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ليبلغ الكتاب أجله)). (٤) فى م، ت ١: ((تسيروا)). (٥) فى م، ت ١: ((فتنظروا)). ٧١ سورة آل عمران : الآية ١٣٧ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا﴾. يقولُ : فى الكفارِ والمؤمنين، والخيرِ والشرّ(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: فى(٢) المؤمنين والكفارِ . حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: اسْتَقْبَل ذِكْرَ المُصِيبةِ التى نَزَلت بهم - يعنى بالمسلمين يومَ أَحدٍ - والبلاءِ الذى أصابَهم، والتمحيصِ لما كان فيهم، واتخاذِه الشهداءَ منهم ، فقال تَعْزيةً لهم ، وتعريفًا لهم فيما صَنَعوا، وما هو صانعٌ بهم: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. أى: قد مَضَت منى وقائعُ نِقْمةٍ فى أهلِ التكذيبِ لرُسُلى والشركِ بى "؛ عادٍ وثمودَ وقوم لوطٍ وأصحابٍ مَدْبِنَ، فسيروا فى الأرضِ تَرَوْا مَثُلاتٍ قد مَضَت منى فيهم ، ولمن كان على مثلِ ما هم عليه مِثْلُ ذلك منى ، وإن أمليتُ(٥) لهم، أى: لئلا يَظُنُّوا أن نِقْمَتى انْقَطَعت عن عَدوِّهم وعَدوِّى، للدَّوْلةِ التى أَدَلْتُها عليكم بها؛ لأَبْتَلِيَكم بذلك، لأَعْلَم ما عندكم(١). حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: مَنَّعهم فى الدنيا قليلًا ، ثم صَيَّرهم إلى النارِ . (١) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٩/٣ (٤٢٠١)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى الأصل: ((من)). (٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((فى)). (٤) ليست فى : ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س . (٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أمكنت)). (٦) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، ١١٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٨/٣ (٤٢٠٢)، من طريق سلمة به مختصرًا بنحوه . ٧٣ سورة آل عمران: الآيتان ١٣٧، ١٣٨ وأما السُّننُ فهى جميعُ سُنةٍ . والسنَّةُ هى المثالُ الْمُتَبعُ، والإِمامُ المُؤْتُمُّ به . يُقالُ منه : سَنَّ فلانٌ فينا سُنةً حَسَنةً ، وسنَّ سنَّةٌ سَيئةً . إذا عَمِل عملًا اتَّبِع عليه مِن خيرٍ أو(١) شرٌّ. ومنه قولُ لَبِيدِ بنِ رَبيعةً (١) : ولكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ وقولُ سليمانَ ابنٍ قَتَّةً(١) : وَإِنَّ الأُلَى بِالطَّفِّ(٤) مِنْ آلِ هَاشِمٍ تَآَسَوْا(٥) فَسَنُّوا للكِرَامِ التَّآسيا وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك بما حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾. قال: أمثالٌ . القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَمَوْعِظَةٌ ١٣٨ لِلْمُتَّقِينَ اختلف أهلُ التأويل فى المعنى الذى أَشِير إليه ب﴿ هَذَا﴾ ؛ فقال بعضُهم: عنى بقوله: ﴿هَذَا﴾ . القرآنَ . = بلفظ المصنف من طريق شيبان عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى عبد بن حميد. (١) فى م: ((و)). (٢) شرح ديوان لبيد ص ٣٢٠. (٣) البيت فى الكامل ١/ ١٤، والأغانى ١٢٩/١٩، وشرح ديوان الحماسة ١٠٧/١، وأمالى الشجرى ١/ ١٣١. غير منسوب إلا فى الأغانى . (٤) الطف : أرض من ضاحية الكوفة فى طريق البرية ، كان فيها مقتل الحسين بن على رضى الله عنه . معجم البلدان ٣/ ٠٥٣٩ (٥) تآسوا، من المؤاساة مهموزة، من قولهم: آسى يؤاسى من الأسوة . يريد: صار بعضهم لبعض أسوة . ينظر اللسان (أس ا ). ٧٤ سورة آل عمران : الآية ١٣٨ ذِكْرُ مَن قال ذلك ١٠١/٤ /حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: ﴿هَذَا﴾: (١) القرآنُ(١). حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: وهو هذا القرآنُ، جعَله اللَّهُ [٣٠/١١ و] بيانًا للناسِ عامةٌ، وَهُدًى ومَوْعظةً للمتقين خصوصًا(٢). حدَّثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنى عبدُ اللَّهِ ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾. قال: كان تبيانُه للناسِ عامةً، ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾: للمتقين خاصةً(٤). حدَّثنى المثنى، قال : ثنا سويدٌ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُرَيجٍ، فى قولِه : هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾: خاصةً . وقال آخرون : إنما أَشِيرَ بقولِه: ﴿هَذَا﴾، إلى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِىِ اُلْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ اُلْمُكَذِّبِينَ﴾. ثم قال: ﴿هَذَا﴾ الذى عَرَّفْتُكم يا مَعْشَرَ أصحابٍ محمدٍ ، ﴿ بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾. (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٩/٣ (٤٢١١) من طريق أبی بکر به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٩/٢ (٤٢٠٨) من طريق يزيد به. إلى قوله: عامة . وذكر بقيته فى ٧٧٠/٣ عقب الأثر (٤٢١٦) معلقاً . (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٠/٣ (٤٢١٦) من طريق أبى جعفر به بنحوه عن الربيع عن أبى العالية . ٧٥ سورة آل عمران : الآية ١٣٨ ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ بذلك . وأَوْلَى القولين فى ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: قولُه: ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى ما تقدَّم هذه الآيةَ مِن تذكيرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين ، وتعريفهم محُدودَه ، وحضِّهم على لزومٍ طاعتِه والصبرِ على جهادِ أعدائِه وأعدائِهم؛ لأن قوله: ﴿هَذَا﴾. إشارةٌ إلى حاضرٍ؛ إما مَرْئِئٍّ وإما مَسْموعٍ، وهو فى هذا المَوْضعِ إلى حاضرٍ مَسْموعٍ مِن الآياتِ المُتُقدِّمةِ. فمعنى الكلام: ﴿هَذَا﴾ الذى أَوْضَخْتُ لكم وعَرَّفْتُكُموه بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾، يعنى بالبيانِ: الشَّرْحَ والتَّفْسيرَ. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾: أى هذا تَفْسيرٌ للناسِ إن قَبِلوهُ(١) . حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم والمَثَنى ، قالا : ثنا أبو نُعَيم ، قال : ثنا سُفيانُ ، عن بيانٍ ، عن الشَّعْبِىِّ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. قال: مِن العَمَّى. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن "بيانٍ، عن٣ الشعبىِّ مثلَه(٤). وأما قولُه جل ثناؤُه: ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾. فإنه يعنى بالهُدَى: الدلالةَ على سبيلِ الحقِّ ومنهج الدينِ، وبالموعظةِ : التّذْكِرةَ للصوابِ والرشادِ . (١) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٩/٣ (٤٢٠٩) من طريق سلمة به. (٢) تفسير سفيان ص ٨٠، ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية ٣١١/٤ . وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٢٧ - تفسير) من طريق بيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س . (٤) تفسير عبد الرزاق ١٣٤/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٩/٣ (٤٢٠٧) عن الحسن بن يحيى به . ٧٦ سورة آل عمران : الآيتان ١٣٨، ١٣٩ كما حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ والمثنى، قالا : ثنا أبو نُعَيم ، قال : ثنا سفيانُ، عن بيانٍ، عن الشَّعْبِىِّ: ﴿ وَهُدِّى﴾. قال: مِن الضلالةِ، ﴿ وَمَوْعِظَةٌ﴾: مِن الجَهْلِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن بيانٍ ، عن الشَّعْبِيِّ مثلَهُ(١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ﴾: أى نورٌ وآدابٌ، فأما قولُه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعنى: لمن اتقى اللَّهَ عزَّ وجلَّ بطاعتِه واجتنابٍ محارمِه . حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: [٣٠/١١] ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ»: لِلْمُتَّقِينَ﴾. أى: لمن أطاعنى، وعَرَف أمْرِى (١). ١٠٢/٤ /القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ ٣٩ وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذِكْرُهِ تَعْزِيةٌ لأصحابِ رسولِه ◌ِ لِّ على ما أصابهم مِن الجِراحِ والقَتْلِ بأُحُدٍ(٤) . قال: ولا تَهِنوا ولا تَحْنوا يا أصحاب محمدٍ ، يعنى: ولا تَضْعُفوا بالذى نالكم مِن عَدوِّكم بأُحُدٍ مِن القتلِ والقُروح، عن جهادٍ عَدوِّ كم وحَرْبِهم، مِن قولِ القائلِ: وهَنَ فلانٌ فى هذا الأمرِ. فهو يَهِنُ وَهْنًا. ﴿ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾: ولا تَأْسَوا فَتَجْزَعوا على ما أصابكم مِن المُصيبةِ يَومَئذٍ، فإنكم أنتم الأَعْلَون ، يعنى : الظَّاهرون عليهم، ولكم العُقْبَى فى الظَّفَرِ والنُّصْرَةِ عليهم. ﴿ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم مُصَدِّقِى نبيِّى محمدٍ فيما يعدُكم وفيما يُنِْئُكُم (١) أخرجه ابن أبى حاتم ٧٦٩/٣ (٤٢١٠)، عن الحسن بن يحيى به . (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت ٣، س . (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٠/٣ (٤٢١٧) من طريق سلمة به . (٤) فى ص، ت ١: ((بأخذه)). ٧٧ سورة آل عمران : الآية ١٣٩ مِن الخَبَرِ عما يَئُولُ إليه أمرُكم وأَمْرُهم . كما حدَّثنا المُنى ، قال : ثنا سُوَيدُ بنُ نَصْرٍ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن يونسَ، عن الزهرىِّ، قال: كَثُرَ فى أصحابِ محمدٍ عَ لَّهِ القتلُ والجِرامحُ، حتى خَلَص إلى كلِّ امرىٌّ منهم البَأْسُ(١) ، فأنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ القرآنَ ، فَآَسَى(٢) فيه المؤمنين بأحسنٍ ما آسَى به قومًا مِن المسلمين كانوا قبلَهم مِن الأمم الماضيةِ، فقال: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، إلى قوله: ﴿كَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (١). حدَّثْنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنَتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾: يُعزِّى أصحابَ محمدٍ عَ لِّ كما تَسْمعون ، ويَحْثُّهم على قتالِ عَدوِّهم، ويَنْهاهم عن العجزِ والوَهْنِ فى طلبٍ عَدِّهم فى سبيلِ اللَّه(٤) . حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. قال : يَأْمِرُ محمدًا؛ يقولُ: ولا تَهنوا(9) أن تَمْضُوا فى سبيلِ اللَّهِ . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى ، عن ابن أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ﴾: ولا تَضْعُفوا . (١) فى م: ((اليأس)). والبأس: الخوف. اللسان (ب أس). (٢) آساهم، يعنى عزاهم. اللسان (أس ١). (٣) ذكره الحافظ فى العجاب ٧٥٨/٢ عن ابن المبارك به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى المصنف ، وينظر الفتح ٣٤٧/٧. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧١/٣ (٤٢٢٠) من طريق يزيد به . (٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((و)). (٦) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٠/٣ (٤٢١٩). ٧٨ سورة آل عمران : الآية ١٣٩ حدَّثنى المُنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنى المُثُنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾. يقولُ: ولا تَضْعُفوا(١). حدَّثنى القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيج: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ﴾. قال ابنُ جرَيج: ولا تَضْعُفوا [٣١/١١و] فى أمرٍ عَدوِّكم، ﴿ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. قال: انْهَزَم أصحابُ رسولِ اللَّهِ يَّهِ فى الشِّعْبِ ، فقالوا: ما فَعَل فلانٌ؟ ما فعَل فلانٌ؟ فتَعَى بعضُهم بعضًا، وتَحَدَّثوا أن رسولَ اللَّهِ مَِّلْمٍ قد قُتْلَ، فكانوا فى همٍّ وحَزَنٍ ، فبينماهم كذلك، إذ علا خالدُ بنُ الوليدِ الجبلَ بخَيلٍ /المشركين فوقَهم، وهم فى أسفلِ الشِّعْبٍ، فلما رَأْوًا النبيَّ ◌َ ◌ّهِ فَرِحوا، وقال النبيُّ عَلَّهِ: ((اللَّهُمَّ(٢) لاقوةَ لنا إلا بك، وليس يَعْبُدُكُ(٢) بهذه البَّلْدةِ غيرُ هؤلاءِ النَّفَرِ)). ١٠٣/٤ قال: وثاب نَفَرٌ مِن المسلمين رُماةٌ ، فصَعِدوا، فَرَمَوْا خيلَ المشركين حتى هَزَمهم اللّهُ، وعلا المسلمون الجَبَلَ(٤)، فذلك قوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُم مُؤْمِنِينَ﴾(٥) . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ﴾. أى: لا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٠/٣ عقب الأثر (٤٢١٩) من طريق ابن أبى جعفر به . (٢) سقط من: ص، ت ١، س. (٣) فى ص، ت ١: ((نعبدك)). (٤) فى ص: ((الخيل)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧١/٣ (٤٢٢٣) من طريق ابن ثور عن ابن جريج، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/٢ إلى ابن المنذر. ٧٩ سورة آل عمران : الآيتان ١٣٩، ١٤٠ تَضْعُفوا، ﴿ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾: ولا تَأْسَوا(١) على ما أصابكم ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. أى : لكم تَكُونُ العاقبةُ والظَّهورُ ﴿ إِن كُتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ : إن كنتم صَدَّقْتُم نبِّی بما جاءكم به عنّى (٢). حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عَمِّى ، قال : ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: أقْبل خالدُ بنُ الوليدِ يُرِيدُ أَن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النّبِىُّ عَّهِ: ((اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ علينا)). فأنزل اللَّهُ عز وجل ﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَتُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ﴾(٢). القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ فَرٌَّ فَقَدْ مَسَ الْقَوْمَ فَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ . اختلف القَرأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقَرأَتْه عامةُ قَرأَةٍ أهل الحجازِ والمدينةِ والبصرةِ : ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْعٌ فَقَدْ مَسَّ اُلْقَوْمَ قَرْعٌ مِّثْلُهُ﴾، كلاهما بفَتْح ((القافِ))؛ بمعنى: إِن يَمْسَسْكُمْ القَتْلُ والجراحُ يا معشرَ أصحابِ محمدٍ ، فقد مَسَّ القومَ من أعدائِكم مِن المشركين قَوْحٌ - قتلٌ وجِراحٌ - مثلُه . وقرأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الكوفةِ: (إن يَمْسَسْكُمْ قُرْعٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْجٌ مِثْلُهُ)(٥). (١) بضمّ القافِ فيهما جميعًا، بمعنى: إن يمسَسْكم ألمُ الجراحِ فقد مسَّ القومَ منكم مثلُه) . وأَوْلَى القِراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأْ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ (١) فى سيرة ابن هشام: ((تبتئسوا)). (٢) سيرة ابن هشام ١١٠/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧١/٣ (٤٢٢٢، ٤٢٢٤) من طريق سلمة به دون أوله. (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٠٨/٢. وينظر تفسير البغوى ٢/ ١١٠. (٤) هذه قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم فى رواية حفص عنه، ينظر السبعة ص ٢١٦. (٥) هذه قراءة حمزة والكسائى وعاصم فى رواية أبى بكر عنه. ينظر السبعة ص ٢١٦. (٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س . ٨٠ سورة آل عمران : الآية ١٤٠ فَرٌْ مِثْلُهُ﴾. بفتحِ ((القافِ)) فى الحَرّفين؛ لإجماع أهلِ التأويلِ على أن معناه القتلُ والجِرامحُ، فذلك يَدُلَّ على أن القراءةَ هى ((الفتحُ)). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أن القَرْحَ والقُرْحَ لغتان بمعنَّى واحدٍ، والمعروفُ عندَ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (ما قلنا). ذِكْرُ مَن قال: إن القَرْحَ الجِرائح والقتلُ. [٣١/١١ظ] حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿إِن يَمْسَكُمْ قَرْجُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرٌْ مِثْلُهُ﴾. قال : جِراحٌ وقتلٌ . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى تَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه(٢) . حدَّثنى محمدُ بنُ سِناٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْجُ فَقَدْ مَسَّ اُلْقَوْمَ قَرْجٌ مِّثْلُهُ﴾. قال: إِن يُقْتَلْ(١) منكم(٤) يومَ أحدٍ ، فقد قَتَلتم منهم يومَ بدٍ . ١٠٤/٤ /حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجُ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرٌْ مِّثْلُهُ﴾: والقَرْحُ: الجِراحةُ، وذاكم يومَ أَحُدٍ ، فَشَا فى أصحابٍ نبيِّ اللَّهِ مَ لَّهِ يومَئذٍ القتلُ والجراحةُ، فأخبرَهم اللَّهُ عز وجل أن القومَ قد (١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س. (٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٠، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ (٤٢٢٦)، وعزاه السیوطی فی الدر المنثور ٧٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) فى م: ((يقتلوا)). وفى ت ٢: ((تقتل)). (٤) فى الأصل: (( منهم)) . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧٢/٣ (٤٢٢٧)، من طريق أبى بكر الحنفى به .