النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١
سورة آل عمران : الآية ١٢٧
وقال آخرون : بل معنى ذلك، وما النصر إلا من عندِ اللَّهِ ؛ لِيُقطَعَ طَرَفًا من الذين
كفروا. وقال: إنما تُنِى بذلك مَن قُتِل بأُحُدٍ .
ذكرُ من قال ذلك
[٢٢/١١و] حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ ، قال: ثنا
أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ، قال: ذكَر اللَّهُ قَتْلى المشركين - يعنى بأُحُدٍ - وكانوا ثمانيةً
عشَرَ رجلًاً، فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. ثم ذكَر الشهداءَ فقال:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا﴾. الآية [ آل عمران: ١٦٩].
وأما قولُه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾. فإنه يعنى بذلك: أو يُخْزِيَهم بالخيبةِ مما(٢) رَجَوا
من الظَّفَرِ بكم . وقد قيل : إن معنى قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: أو يَصْرَعَهم لوجوهِهم .
ذَكَرَ بعضُهم أنه سَمِع العربَ تقولُ : كَبْتَه اللَّهُ لوجهِه، بمعنى: صَرَعه اللَّهُ.
فتأويلُ الكلام: ولقد نصَركم اللَّهُ ببدرٍ ؛ ليُهْلِكَ فريقًا من الكفارِ بالسيفِ ، أو
يُخْزِيَهم، بخيبتِهم مما طَمِعوا فيه من الظَّفَرِ بكم، ﴿ فَيَنْقَلِبُواْ خَبِينَ﴾. يقولُ:
فيرجعوا عنكم خائبين، لم يُصِيبوا منكم شيئًا مما رَجَوا أن ينالوه منكم.
/ كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ ٨٦/٤
فَيَنْقَلِبُواْ خَلِينَ﴾: أو يَرْدَّهم خائِبين. أى(٢): يَرجِعُ مَن بَقِى منهم فَلَّ(4) خائبين،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٠/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((بما)).
(٣) فى النسخ: ((أو))، والمثبت من مصدرى التخريج.
(٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣ ، س. وضرب عليه فى ص. والفلَّ: القوم المنهزمون ، من الفل:
الكسر، وهو مصدر سمى به، ويقع على الواحد والاثنين والجمع. النهاية ٤٧٣/٣.
٤٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٢٧، ١٢٨
لم يَنالوا شيئًا مما كانوا يَأْمَلون(١).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ
يقولُ: يُخْزِيَهم ﴿ فَيَنْقَلِبُواْ خَبِينَ﴾(١).
حُدِّثت عن عَمَّارٍ، عن ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه(٧) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوُبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَالِمُونَ
(١٢٨)
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: لِيَقْطَعَ طَرَفًا من الذين كفَروا، أو يكبتَهم، أو يتوبَ
عليهم، أو يعذبَهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمرِ شىءٌ. فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ﴾. منصوبٌ عطفًا على قولِه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ .
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ تأويلُه: ليس لك من الأمرِ شىءٌ حتى يتوبَ عليهم .
فيكونَ نصبُ ﴿ يَتُوبَ﴾ بمعنى ((أو)) التى هى فى معنى ((حتى) .
والقولُ الأولُ أولى بالصوابِ ؛ لأنه لا شىءَ من أمرِ الخلقِ إلى أحدٍ سوى
خالقِهم قبلَ توبةِ الكفارِ وعقابِهم ، وبعدَ ذلك .
وتأويلُ قولِه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾: ليس إليك يا محمدُ من أمرٍ
خلقى إلا أن تُنفِذَ فيهم أمرى ، وتَنتهىَ فيهم إلى طاعتى، وإنما أمْرُهم إلىَّ، والقضاءُ
فيهم بيدى دونَ غيرِى ، أقضِى فيهم ، وأحكمُ بالذى أشاءُ، من التوبةِ على من كفَر
(١) سيرة ابن هشام ٢ / ١٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٦/٣ (٤١٢٣) من طريق سلمة به.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٦/٣ عقب الأثر (٤١٢١) معلقا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٦/٣ (٤١٢١) من طريق ابن أبى جعفر به.
٤٣
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
بى وعَصانى ، وخالَف أمرى، أو العذابِ ؛ إما فى عاجلِ الدنيا بالقتلِ والنّقَمِ المُبِيرةِ،
وإما فى آجلِ الآخرةِ ، بما أعددتُ الأهلِ الكفرِ بى .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: ثم قال
لمحمدٍ عَّهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَلِمُونَ﴾. أى: ليس لك من الحكم شىءٌ فى عبادى، إلا ما أمَرْتُك به فيهم ، أو
أتوبَ عليهم برحمتى، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبَهم [٢٢/١١ظ] بذنوبِهم،
﴿ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ ﴾ . أى : قد استحقوا ذلك معصيتهم إیاى (١).
وذُكِر أن اللَّهَ عزّ وجلّ إنما أَنزَل هذه الآيةَ على نبيِّه محمدٍ مِّالِ؛ لأنه لمّ أصابه
بأُحدٍ ما أصابَه من المشركين، قال كالآيسٍ لهم من الهدى، أو من الإنابةِ إلى الحقِّ:
((كيف يُفْلِحُ(١) قومٌ فعَلوا هذا بنبيّهم؟)).
ذكرُ الرواية التى وردت بذلك
حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثناحُمَيدٌ ، قال : قال
أنس: قال النبىُّ ◌َّهِ يومَ أَحَدٍ، وكُسِرَت رَباعِيتُه، وشُتَّ، فجعَل يَمْسَحُ عن وجهِه
الدمَ، ويقولُ: ((كيف يُفْلِحُ(١) قومٌ خَضَّبوا نبيَّهم بالدمٍ ، وهو يَدْعوهم إلى ربِّهمْ؟)).
فَأَنْزِلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىِّءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾(١).
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٧/٣، ٧٥٨ (٤١٢٩، ٤١٣٠،
٤١٣١) من طريق سلمة به .
(٢) فى ت ١، ت ٢: ((يصلح)).
(٣) فى ص، ت ١، ت٢: ((يصلح)).
(٤) أخرجه أحمد ٢١٣/٢٠، ٢١٤، ٣٦٤ (١٢٨٣١، ١٣٠٨٣)، وابن ماجه (٤٠٢٧)، والترمذى
(٣٠٠٣)، والنسائى (١١٠٧٧ - كبرى)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٨٩، والبغوى (٣٧٤٨) من
طريق ابن حميد به .
٤٤
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن محُمَيدٍ، عن أنس، عن النبىِّ عَ لَّه
(١)
بنحوه (١).
/ حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن محُمَيدِ الطويلِ، عن أنس، عن
النبىِّ عَلِ بنحوِه (٢).
٨٧/٤
حدَّثنى يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعىُّ ، قال: ثنا أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشِ، عن محمَيدٍ
الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّمِ حينَ شُجَّ فِى جَبْهتِهِ،
وكُسِرَتْ رَباعِيتُه: (( لا يُفْلِحُ قومُ صنَعوا هذا بنبيّهم)). فأوحَى اللَّهُ إليه: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابنُ عونٍ ، عن الحسنِ: أن
النبيَّ ◌َّهِ قال يومَ أَحَدٍ: «كيف يُفْلِحُ قومٌ دمَّوا وَجْهَ نبيِّهم وهو يَدْعوهم إلى اللهِ عز
وجل؟)). فنزَلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتْوُبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَلِمُونَ﴾(٤).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن حُمَيدٍ، عن أنس، عن النبيِّ عَلَِّ نحوَ
(٥)
ذلك
.
(١) أخرجه أحمد ٢٠٦/٣ (١٣١٦٠) عن ابن أبى عدى به.
(٢) أخرجه ابن سعد ٢ / ٤٤، وأحمد ٢٠/١٩ (١١٩٥٦)، والترمذى (٣٠٠٢) وابن حبان (٦٥٧٤)،
وأبو يعلى (٣٧٣٨) من طريق هشيم به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى المشكل (٥٧١) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٦/٣ (٤١٢٤) من طريق أبى بكر بن
عیاش به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٢ إلى عبد بن حميد.
(٥) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٠٧٧) من طريق ابن علية به .
٤٥
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ذُكِر لنا أن هذه الآيةَ أُنزلت
على رسولِ اللهِ عَهِ يومَ أُحُدٍ، وقد جُرِح نبىُ اللَّهِ يَِّ فِى وَجْهِه، وأُصِيب بعضُ
رَبَاعيَتِه، فقال - وسالم مولى أبى حُذَيفةً يَغْسِلُ عن وَجْهِه الدمَ -: (( كيف يُفْلِحُ
قومٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نبيِّهم بالدمِ وهو يَدْعوهم إلى ربِّهم؟)). فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوَ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
مَطَرٍ، عن قتادةَ، قال أُصِيب النبىّ ◌َّهِ يومَ أُحُدٍ، وكُسِرَت رَبَاعِيْتُه، وَفَوْقُ(٢)
حاجبِهِ، فوقَع، وعليه دِرْعان، [٢٣/١١و] والدمُ يسيلُ، فمََّ به سالمٌ مولى أبى
حُذَيفَةَ ، فَأَجلَسه، ومَسَح الدمَ(١) عن وَجْهِه، فأفاقَ وهو يقولُ: (( كيف بقومٍ فَعَلوا
هذا بنبيّهم، وهو يَدْعوهم إلى اللّهِ؟ )). فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ
حُدِّثت عن عَمَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه قولَه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءُ ﴾ الآية. قال: قال الربيعُ بنُ أنس: نزلت هذه الآيةُ على رسولِ اللَّهِ عَلَه يومَ
أُحُدٍ وقد شُعَّ رسولُ اللّهِ عَه فِى وَجْهِه، وأُصِيبت رَباعِيْتُه، فَهَمَّ رسولُ اللَّهِ عَلِ أَن
يَدْعُوَ عليهم ، فقال: (( كيف يُفْلِحُ قومٌ أَدمَوا وَجْهَ نبيِّهم ، وهو يَدْعوهم إلى اللَّهِ وهم
يَدْعونه إلى الشيطانِ ، ويَدْعوهم إلى الهُدى ، ويَدْعونه إلى الضلالةِ ، ويَدْعوهم إلى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٢ إلى المصنف.
(٢) فى الأصل، ص: ((فوق)). والفرق: الفصل بين الشيئين، وموضع المفرق من الرأس. وفَوْق الرأس: ما
بين الجبين إلى الدائرة . وفرق الحاجب : لعله موضع افتراق الحاجبين . وينظر اللسان (ف رق ) وسيأتى عن
ابن عباس: ((شج النبى لتر فى فرق حاجبه)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
٤٦
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
الجنةِ، ويَدْعونه إلى النارِ؟)). فَهِمَّ أَن يَدْعُوَ عليهم، فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾. فَكَفَّ رسولُ اللَّهِ عَلِ
عن الدعاءِ عليهم .
٨٨/٤
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ ، قال : ثنا عَبَّادٌ ، عن الحسنِ،
فى قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ / مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية كلّها . قال: جاء أبو
سفيانَ من الحولِ غضبانَ لِما صُنِعِ بأصحابِهِ يومَ بدرٍ، فقاتَل أصحابَ محمدٍ عَ لَه يومَ
أُحُدٍ قِتالًا شديدًا، حتى قُتلٍ منهم بعددِ الأُسارى يومَ بدرٍ، فقال رسولُ اللَّهِ مَِّ
كلمةٌ عَلِمِ اللَّهُ أنها قد خالَطَت غَضَبًا: (( كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَّبوا وَجْهَ نبيِّهم بالدمِ
وهو يَدْعوهم إلى الإسلام؟)). فقال اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ
يَتُوبَ عَلَهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ، أَن رَباعيةَ النبيِّ عَلَّهِ أُصِيبت يومَ أُحُدٍ ، أصابَها عُثْبةُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ، وشَجَّه
فى وَجْهِه، وكان سالمٌ مولى أبي حُذَيفةً يَعْسِلُ عن النبيِّ ◌َ ◌ّهِ الدّمَ، والنبيُِّ ◌َّه
يقولُ: ((كيف يُفْلِحُ قومٌ صَنَعوا بنبيّهم هذا؟)). فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ
اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ،
عن الزهرىِّ، وعن عثمانَ الجزَرِىِّ، عن مِقْسَم، أن النبيَّ ◌َِّ دَعا على عُتْبَةَ بنِ
أبِى وَقَّاصٍ يومَ أحدٍ حينَ كسَر رَباعيتَه، ووَثَّا(١) وجهَه، فقال: ((اللهمَّ لا تُحِلْ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧١/٢ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وأخرجه ابن سعد ٤٥/٢ من طريق معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧١/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) الوثء: الضربُّ حتى يرهص الجلد واللحم ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر. اللسان (وثأ).
٤٧
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
عليه الحولَ حتى يموتَ كافرًا)). [٢٣/١١ظ] قال: فما حالَ عليه الحولُ حتى
مات كافرًا(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، عن ابنِ جُرَيج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ: شُبَّ النبيُّ عَ لَه فِى فَرْقِ حاجبِهِ، وكُسِرَت رَباعِيَّتُه. قال ابنُ جُرَيج :
ذُكِر لنا أنه لمّ بجرح، جعَل سالم مولى أبي حُذَيفةَ يغسِلُ الدمَ عن وَجْهِه، ورسولُ
اللَّهِ عَ لَّهِ يقولُ: ((كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نبيِّهم بالدمِ وهو يَدْعوهم إلى اللّهِ)).
فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ .
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ على النبيِّ ◌َِّ؛ لأنه دَعا على قومٍ ، فأَنزَل
اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ .
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنى يحيى بنُ حبيبٍ بنِ عربيٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ
ابنُ عَجْلانَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ مَ اهِ كان يَدْعو على أربعةِ نَفَرٍ ،
فأَنزَل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوُبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَالِمُونَ ﴾. قال: وهَداهم اللَّهُ للإسلامِ(٢).
حدَّثنى أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جنادةَ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بشيرٍ ، عن عمرَ بنِ
حمزةَ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَّ ◌َه: ((اللهمَّ الْعَنْ أبا سُفيانَ،
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وفى مصنفه (٩٦٤٩)، ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص٢٨٩،
والبيهقى فى الدلائل ٢٦٥/٣.
(٢) أخرجه أحمد ٧٦/١٠ (٥٨١٣)، والترمذى (٣٠٠٥)، وابن خزيمة (٦٢٣)، وابن حبان (١٩٨٨) من
طريق ابن حبيب به. وأخرجه أحمد ٧٥/١٠ (٥٨١٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٧/٣ (٤١٢٨) من
طريق خالد بن الحارث به ، وأخرجه الطحاوى فى المشكل (٥٦٨) من طريق ابن عجلان به .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سفيان)). ينظر تهذيب الكمال ٢٧٣/١.
٤٨
سورة آل عمران : الآية ١٢٨
٨٩/٤
اللهمَّ الْعَنْ الحارثَ / بنَ هشام، اللهمَّ الْعَنْ صَفْوانَ بنَ أَمَيَّةَ)). فنزَلَت: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوُّبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ﴾(١).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُّ إسحاقَ ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَيَاشِ بنِ أبى ربيعةً، عن عبدِ اللَّهِ بنِ كعبٍ،
عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ عَ لَحِ
الفجرَ، فلمَّا رفَع رأسه من الركعةِ الثانيةِ، قال: ((اللهمَّ أَنْ عَيَّشَ بنَ أبى ربيعةً،
وسَلَمَةَ بنَ هشامٍ ، والوليدَ بنَ الوليدِ ، اللهمَّ أنتج المستضعفين من المسلمين، اللهمَّ
اشدُدْ وَطْأْتَك على مُضَرَ، اللهمَّ سنينَ كسنينٍ آلٍ يوسفَ)). فأنزل اللّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. الآية(١).
وحدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنی یونسُ بنُ یزیدَ ، عن ابنِ
شهابٍ ، أخبره عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، وأبى سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أنهما سَمِعا أبا
هريرةَ يقولُ: كان رسولُ اللَّهِ مَّهِ يقولُ حينَ يَفْرَعُ فى صلاةِ الفجرِ من القراءةِ،
ويُكَّرُ ويرفَعُ رأسَه : ((سَمِعِ اللَّهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ)). ثم يقولُ وهو قائمٌ:
((اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمَةَ بنَ هشامٍ، وعَيَّشَ بنَ أبى ربيعةً، والمستضعفين
من المؤمنين، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَك على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم كَسِنى يوسفَ، اللهمَّ
الْعَنْ لِحِيْانَ ورِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةً عَصَتِ اللَّهَ ورسولَه)). ثم بَلَغَنا أنه ترك ذلك لمّ
أُنزل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ [٢٤/١١ و] اُلْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ
ظَلِمُونَ ﴾()
(١) أخرجه الترمذى (٣٠٠٤) عن أبى السائب به، وأخرجه أحمد ٤٨٦/٩ (٥٦٧٤) من طريق عمر بن
حمزة به . وأخرجه البخارى (٤٠٦٩) من طريق سالم بنحوه .
(٢) أخرجه الطحاوى ٢٤٢/١ وفى المشكل (٥٦٩) من طريق ابن إسحاق به .
(٣) أخرجه المصنف فى تهذيب الآثار مسند ابن عباس ٣٢٣/١ (٥٣٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٧/٣
(٤١٢٦)، والطحاوى فى شرح معاني الآثار ١/ ٢٤١، وأبو عوانة ٢٨٠/٢ والنحاس فى ناسخه ص ٩٠=
٤٩
سورة آل عمران : الآية ١٢٩، ١٣٠
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
١٢٩
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ليس لك يا محمدُ من الأمرِ شىءٌ، وللَّهِ جميعُ ما بينَ
أقطارِ السمواتِ والأرضِ من مَشْرقِ الشمسِ إلى مَغْرِبِها ، دونَك ودونَهم، يحكمُ
فيهم بما شاء، ويَقْضى فيهم ما أحَبَّ ، فيتوبُ على مَن أحبُّ من خلقِه العاصين أمرَه
ونَهْيَه، ثم يغفرُ له ، ويعاقِبُ مَن شاء منهم على جُرْمِه ، فيَنْتِقِمُ منه، وهو الغفورُ،
الذى يسترُ ذنوبَ مَن أحبَّ أن يسترَ عليه ذنوبَه من خلقِه، بتَفَضُّلِهُ(١) عليهم بالعفوِ
والصفحِ، والرحيمُ بهم فى تَرْكِه عقوبتَهم عاجلًا على عظيم ما يأتون من المآثم .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾. أى يغفرُ الذنوبَ، ويرحَمُ العبادَ على ما فيهم.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَأْ أَضْعَلِفًا
مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين آمنوا باللّهِ ورسولِه، لا تأكُلوا الربا فى ٩٠/٤
إسلامِكم ، بعدَ إِذْ هَداكم له، كما كنتم تأكُّلونه فى جاهليتكم . وكان أَكْلُهم ذلك
فى جاهليتهم ، أن الرجلَ منهم كان يكونُ له على الرجلِ مالٌ إلى أجلٍ ، فإذا حَلَّ
الأجلُ طَلَبه من صاحبِهِ ، فيقولُ له الذى عليه المالُ: أَخِّرْ عنى دَيْنَك ، وأَزِيدُك على
مالِك. فيفعَلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافًا مُضاعفةً ، فتَهاهم اللَّهُ عزّ وجلّ فى
إسلامهم عنه .
= عن يونس بن عبد الأعلى به. وأخرجه مسلم (٢٩٤ /٦٧٥)، وابن حبان (١٩٧٢)، والبيهقى ١٩٧/٢ من
طريق ابن وهب به . وأخرجه أحمد ٤٣١/١٢ (٧٤٦٥)، والبخارى ٤٧/٦ (٤٥٦٠)، وابن خزيمة (٦١٩)،
وأبو عوانة ٢٨٠/٢، والطحاوى ٢٤٢/١ وغيرهم من طريق الزهرى به .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بفضله)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٨/٣ (٤١٣٦، ٤١٣٧) من طريق سلمة به .
( تفسير الطبري ٤/٦ )
٥٠
سورة آل عمران : الآية ١٣٠
كما حدَّثنا محمدُ بنُّ بَشّارٍ (١) ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ
◌ُجُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال : كانت ثقيفُ تَدَّاينُ فى بنى المغيرةِ فى الجاهليةِ ، فإذا حَلّ
الأجلُ قالوا: نَزِيدُكم وتؤّرون. فنزَلت: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَفًا
مُضَعَفَةٌ ﴾ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، قال: ﴿ يََّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ﴾. أى: لا تأكُلوا فى الإسلام، إذ
هَداكم اللَّهُ له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيرِهِ، مما لا يَحِلُّ لكم فى دينكم(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ، فى قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ
أَضْعَفًّا مُضَعَفَةٌ﴾ . قال : رِبا الجاهليةِ ().
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ فى قولِه :
[٢٤/١١ظ] ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَأْ أَضْعَلَفًا مُضَعَفَةٌ﴾. قال: كان أَبِى يقولُ: إِنما
كان الرِّبا فى الجاهليةِ فى التضعيفِ وفى السِّنِّ، يكونُ للرجلِ فضلُ دَيْنِ،
فيأتيه إذا حلَّ الأجلُ، فيقولُ له: ( تَقْضِى أو تُزْبِىّ)؟ فإن كان عنده شيءٌ يَقْضيه
قضَى ، وإلا حوَّله إلى السّنِّ التى فوقَ ذلك، إن كانت ابنةَ مَخاضٍ جعَلها ابنةَ لَبونٍ فى
السنة الثانيةِ ، ثم حِقّةً ، ثم جذعةً ، ثم رَبَاعِیًا ، ثم هكذا إلى فوقَ . وفى العَيْنِ ، يأتيه ،
فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه فى العامِ القابلِ ، فإن لم يكنْ عندَه أضعَفه أيضًا ، تكونُ مائةٌ ،
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سنان)). وهو تصحيف .
(٢) سيرة ابن هشام ١٠٩/٢ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٩. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٩/٣ (٤١٣٩) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، ت٢، س: ((تقضنى أو تزدنى))، وفى م، ت٣: ((تقضينى أو تزيدنى)).
٥١
سورة آل عمران : الآيات ١٣٠ - ١٣٢
فيجعلُها إلى قابلٍ مائتين، فإن لم يكنْ عندَه جعَلها (١) أربعَمائةٍ، يُضعِفُها له كلَّ سنةٍ، أو
يَقْضيه. قال: فهذا قولُه: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَفًّا مُضَعَفَةٌ﴾ .
وأما قولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فإنه يعنى: واتَّقوا اللَّهَ أَيُّها
المؤمنون فى أمرٍ الربا فلا تأكُلوه ، وفى غيرِه مما أمَر كم به ، أونَها كم عنه ، وأطيعوه فيه
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. يقولُ: لتنجَحوا فتَنْجُوا من عِقابِهِ، وتُدْرِ كوا ما رَغْبكم فيه
من ثوابه ، والخلودِ فی چنانِه .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
◌َعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أى: فَأَطِيعوا اللَّهَ لعلكم أن تَنْجُوا مما حَذّركم من عذابِهِ،
وتُدْرِ كوا ما رَغُبكم فيه من ثوابِه(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَأَّقُواْ النَّارَ الَّتِيَ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ
١٣
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين : واتقوا أيُّها المؤمنون النارَ - أَن تَصْلَوها بأكْلِكم
الربا، بعدَ نَهْيِى إياكم عنه - التى أُعْدَدتُها لَمَن كَفَربى، فتدخُلوا مَداخِلَهم (١) - بعدَ
إیمانِکم یی - بخلافِکم أمری، وتزککم طاعتی .
/ كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَأَتَّقُواْ النَّارَ ٩١/٤
اُلَِّيَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾. أى: التى ◌ُِلَت دارًا لمن كفَربى).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٣٢
يعنى بذلك جلّ ثناؤه : وأطيعوا اللهَ أيُّها المؤمنون فيما نها كم عنه من أكلِ الربا
(١) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( جعله)).
(٢) سيرة ابن هشام ١٠٩/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٠/٣ (٤١٤٦) من طريق سلمة به.
(٣) فى ص: ((مدخلهم)) .
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٠/٣ (٤١٥٠) من طريق سلمة به .
٥٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٣٣،١٣٢
وغيرِه من الأشياءِ، وفيما أمَركم به. ﴿وَالرَّسُولَ﴾(١). يقولُ: وأَطِيعوا الرسولَ
أيضًا كذلك. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. يقولُ: لتُوْحَموا فلا تُعَذَّبوا .
وقد قيل : إن ذلك مُعاتبةٌ من اللَّهِ عزّ وجلّ أصحابَ رسولِ اللَّهِ عَ لِ الذين
خالَفوا أمْرَه يومَ أَحُدٍ ، فأُخَلُّوا بمراكزِهم التى أَمِروا بالثباتِ عليها .
[٢٥/١١ و] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: مُعاتبةٌ للذين عَصَوا رسولَه ◌ِِّ حينَ أمَرهم بما أمرهم به
فى ذلك اليومِ وفى غيرِه (٣) . يعنى فى يومٍ أُحُدٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
١٣٣
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَسَارِعُواْ﴾: وبادِروا وسابِقوا ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ﴾ . يعنى : إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم من رحمتِهِ، وما يُغَطِّيها عليكم من
عَفْوِه عن عُقويتكم عليها، ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ﴾. يعنى:
وسارِعوا أيضًا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرضُ. ذُكِر لنا أن معنى ذلك: وجنةٍ
عرضُها كعرضِ السماواتِ السبعِ، والأُرَضِينَ السبعِ، إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١ - ١) فى م: ((أمركم به الرسول)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س. ((مما))، وفى م: ((بالذى)).
(٣) سيرة ابن هشام ١٠٩/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦١/٣ (٤١٥٢) من طريق سلمة به .
٥٣
سورة آل عمران : الآية ١٣٣
الشُّدِّىِّ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: تُقْرَنُ
السماواتُ السبعُ والأرَضون السبعُ، كما تُقْرَنُ الثيابُ بعضُها إلى بعضٍ، فذاك
عرضُ الجنةِ (١).
وإنما قيل: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾. فوصَف عرضَها
بالسماواتِ السبع والأرضينَ(١) السبعُ(١) ، والمعنى ما وصَفنا من وَصْفِ عرضِها
بعرضِ السماواتِ والأرضِ، تَشْبيهًا به فى الشَّعَةِ والعِظَم، كما قيل: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ
وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]. يعنى إلا كبَعْثِ نفسٍ واحدةٍ.
وكما قال الشاعرُ :
كأنَّ عَذِيرَهمْ(٥) بجَنُوبٍ سِلَّی(٦)
نَعَامٌ قَاقَ(٢) فى بَلَدِ قِفَارٍ
أى عَذِيرُ نعامٍ. وكما قال الأخر(1):
وما هى وَيْبَ غَيرِكَ بالعَنَاقِ ٩٢/٤
/ حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِى عَنَاقًا
يريدُ صوتَ عَنَاقٍ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٢ إلى المصنف.
(٢) سقط من: ص، م.
(٣) فى الأصل، ص: ((الأرض)).
(٤) نسبه سيبويه والأعلم وابن منظور فى اللسان إلى النابغة الجعدى، ونسبه ياقوت فى معجم البلدان وابن
برى - كما نقله عنه فى اللسان - إلى شقيق بن جزء الباهلى .
والبیت فی الکتاب ٢١٤/١، والکامل ٣٢٢/٣، ونکت العلم ١/ ٣١٣، واللسان (س ل ل، ق و
ق )، وشعر النابغة الجعدى ص ٢٤٢، ومعجم البلدان ٣/ ١٠٩، ١١٠.
(٥) فى الكامل واللسان (ق وق): ((غديرهم)) بالغين المعجمة والدال المهملة على الجمع، وفى معجم
البلدان ((غديرها)) والعذير: الحال، أراد: عذير نعام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه . وزعم الأعلم
أن العذير هنا الصوت .
(٦) سلى، بكسر أوله وتشديد ثانيه وقصر الألف: ماء لبنى ضبة باليمامة. معجم البلدان ٣/ ١٠٩.
(٧) قاق النعام : صوّت . اللسان ( ق وق ).
(٨) تقدم فى ٢٦٥/٢، ٥٩١، ٧٦/٣.
٥٤
سورة آل عمران : الآية ١٣٣
وقد ذُكِر أن رسولَ اللَّهِ ◌َّمِ سُئِلَ فقيل له: هذه الجنةُ عرضُها (١) السماواتُ
والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال: ((هذا النهارُ إذا جاء، أين الليلُ؟)).
ذكْرُ الأخبارِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ عَّهِ وغيرِه
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : أخبرنى مسلمُ بنُ خالدٍ ، عن ابنِ
◌ُثَيم، عن سعيدِ بنِ أبي راشدٍ ، "عن يَعْلَى بنِ مُرَّةً)، قال: لَقِيتُ التَُّوخِىَّ رسولَ
هِرَقْلَ إلى رسولِ اللَّهِ عَهِ بِحِمْصَ شيخًا كبيرًا، قد فَنِدُ(١) ، قال: قَدِمتُ على رسولٍ
اللَّهِ مَّ ◌َهِ بكتابٍ هِرَقْلَ، فناوَل الصحيفةَ رجلاً عن يساره. قال: قلت: مَن
صاحبكم الذى يَقْرَأَ؟ قالوا: معاويةُ، فإذا ( كتابُ صاحبى) : إنك كتبتَ تدعونى
إلى جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ(٥) فأين النارُ؟ [٢٥/١١ظ] فقال رسولُ اللّهِ مَّعٍ:
(سبحانَ اللَّهِ! فأين الليلُ إذا جاء النهارُ؟))(٦).
(١) بعده فى الأصل: (( كمثل)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يعلى بن أبى مرة)). وهو يعلى بن مرة الثقفى يروى عنه
سعيد بن أبى راشد. وسقط هذا الراوى من مسند الإمام أحمد حيث ساقه من قول سعيد بن أبى راشد .
وسعيد بن أبى راشد هذا يروى عن يعلى وعن التنوخى مباشرة كما فى تهذيب الكمال ٤٢٦/١٠. ورأى
الشيخ شاكر أن ذكر يعلى مقحم فى هذا السند. ونقله ابن كثير فى تفسيره عن الطبرى كالذى هنا . فالله
أعلم . وينظر تفسير الطبرى بتحقيق الشيخ شاكر ٢٠٩/٧ - ٢١١.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((مد)). وفى م: ((أقعد)). وعند ابن كثير: ((فسد)). وصوبناه من لفظ المسند :
((بلغ الفند)). والفند بالتحريك: الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض. التاج (ف ن د ).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كان))، وفى م: ((هو)). والمثبت من المسند وتفسير ابن كثير.
(٥) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أعدت للمتقين)).
(٦) أخرجه أحمد ٤١٦/٢٤ - ٤١٩ (١٥٦٥٥)، وابن زنجويه فى الأموال (١٠٤)، وعبد الله بن أحمد فى
الزوائد ٢٤٢/٢٧ - ٢٤٥ (١٦٦٩٣، ١٦٦٩٤)، وأبو يعلى (١٥٩٧) من طريق عبد الله بن عثمان بن
خثيم به بدون ذکر یعلی .
سورة آل عمران : الآية ١٣٣
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٌّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
قيسٍ بنِ مسلم، عن طارقٍ بنِ شهابٍ ، أن ناسًا من اليهودِ سألوا عمرَ بنَ الخطابِ ،
عن جنةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، أين النارُ؟ قال : أرأيتم إذا جاء الليلُ أين يكونُ
النهائُ؟ فقالوا: اللهمَّ نَزَعتَ بمثلِهُ(١) من التوراةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن قيسٍ
ابنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهابٍ : أن عمرَ أتاه ثلاثةُ نَفَرٍ من أهلِ نجرانَ ، فسألوه ،
وعندَه أصحابهُ، فقالوا: أرأيتَ قولَه: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾.
فأين النارُ؟ فأحجم الناسُ، فقال عمرُ: أرأيتم إذا جاء الليلُ، أين يكونُ النهارُ؟ وإذا
جاء النهارُ، أين يكون الليلُ؟ فقالوا: لقد نَزَعْتَ مثلَها من التوراةِ(١) .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: وأخبرنا شعبةُ، عن
إبراهيمَ بنِ مُهاجرٍ ، عن طارقٍ بنٍ شهابٍ ، عن عمرَ، بنحوِه فى الثلاثةِ الرَّهْطِ الذین
أتَوا عمرَ ، فسألوه عن جنة عرضها كعرضٍ السماواتِ والأرضِ، بمثلٍ حدیثِ قیسٍ بنِ
مسلم .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا جعفرُ بنُ عونٍ ، قال: أخبرنا الأعمشُ ، عن
قيسٍ بنِ مسلمٍ ، عن طارقِ بنِ شهابٍ ، قال : جاء رجلٌ من اليهودِ إلى عمرَ ، فقال :
تقولون: جنةٌ عرضُها السماواتُ والأضُ، أين تكونُ النارُ؟ فقال له عمرُ: أرأيتَ
النهارَ إذا جاء، أين يكونُ الليلُ؟ أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين يكونُ النهار؟ فقال: إنه
(١) فى م: ((مثله)). ونزعت بمثله، يعنى: جئت بما يشبهها. ينظر النهاية ٤١/٥.
(٢) ذكره بن كثير فى تفسيره ٩٩/٢ عن سفيان، وعزاه السيوطى فى الدر ٧٢/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٩/٢ نقلا عن المصنف من طريق شعبة .
(٤) فى م: ((ابن إبراهيم)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٢١١.
٥٦
سورة آل عمران : الآيتان ١٣٣ ، ١٣٤
◌َثْلُها فى التوراةِ . فقال له صاحبُه: لِم أخبرتَه؟ فقال له صاحبُه): دَعْه إنه بكلِّ
مُوقِقٌ(٢).
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال: أخبرنا أبو نُعَيْم ، قال : ثنا جعفرُ بنُّ بُوْقَانَ ، قال :
ء
ثنا يزيدُ بنُ (٢) الأصَمّ ، أن رجلاً من أهلِ الكتابِ أَتَّى ابنَ عباسٍ ، فقال: تقولون: جنةٌ
عرضُها السماوات والأرضُ، فأين النارُ؟ فقال ابنُ عباسٍ : أرأيتَ الليلَ إذا جاء، أين
يكونُ النهارُ؟ وإذا جاء النهارُ، أين يكونُ الليلُ؟(٤).
٩٣/٤
/ وأما قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فإنه يعنى أن الجنةَ التى عرضُها
كعرضِ السمواتِ السبعِ(١) والأرضينَ السبعِ، أعدَّها اللّهُ للمتقين، الذين اتقوا اللَّهَ،
فأطاعوه فيما أمَرهم ونَهاهم، فلم يَتَعَدَّوا حدودَه، ولم يُقَصِّروا فى واجبٍ حقِّه
عليهم ، فيُضَيِّعوه .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ﴿ وَسَارِعُوّْ
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أى: ذلك(٥) لمن أطاعنى، وأطاعَ رسولى(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ
(١٣٤)
اٌلْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(١ - ١) ليس فى : الأصل.
(٢) ذكره بن كثير فى تفسيره ٩٩/٢ نقلا عن المصنف من طريق الأعمش .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٩/٢ نقلا عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٢/٢ إلى عبد بن
حميد والمصنف .
(٥) فى سيرة ابن هشام وتفسير ابن أبى حاتم: ((دارًا)).
(٦) سيرة ابن هشام ٢ / ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٢/٣ (٤١٦٠) من طريق سلمة به.
٥٧
سورة آل عمران : الآية ١٣٤
٢٦/١١ و] يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾:
أُعِدَّت الجنةُ التى عرضها السمواتُ والأرضُ للمتقين، وهم المُفقون أموالَهم فى
سبيلِ اللهِ، إما فى صَرْفِه على مُحْتاج، وإما فى تَقْويةِ مُضْعِفٍ(١) ، على النهوضِ
لجهادِ عدوٍ فى سبيلِ اللهِ .
وأما قولُه: ﴿فِي السَّرَّآءِ﴾. فإنه يعنى : فى حالِ السرورِ بكثرةِ المالِ ، ورخاءٍ
العيش .
والسَّرَّاءُ مصدرٌ، من قولِهِم: سَرَّنى هذا الأمرُ مَسَرَّةً وسُرورًا .
والضَّرَّاءُ مصدرٌ، من قولهم: قد ضُرَّ فلانٌ فهو يُضَرُّ. إذا أصابَه الضُّرُّ، وذلك
إذا أصابَه الضِّيقُ والْجَهْدُ فی عَيْشِه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السَّآءِ وَالضَّرَآءِ﴾. يقولُ: فى العسرِ
(٢)
واليسرِ .
فأخبَر جلّ ثناؤه أن الجنةَ التى وَصَف صفتَها لمن اتَّقاه، وأنفَق مالَه فى حالٍ
الرخاءِ() والشَّعَةِ، وفى حالِ الضِّيقِ والشدةِ ، فى سبيله .
وقولُه: ﴿ وَالْكَظِمِينَ اٌلْغَيْظَ ﴾. يعنى: والجارِعين الغيظُ عندَ امتلاءِ نفوسِهم
منه، يقالُ منه: كَظَم فلانٌ غَيْطَه . إذا تَجَرَّعَه، فحَفِظ نفسَه من أن تُخْضِىَ ما هى
قادرةٌ على إمضائِه، باستِشْفائها(٤) ممن غاظَها، وانتصارِها ممن ظَلَمها .
(١) أضعف فلان: ضعفت دابته ، يقال: هو ضعيف مضعف. فالضعيف فى بدنه، والمضعف فى دابته .
التاج ( ض ع ف ).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٢/٣ (٤١٦٢) عن محمد بن سعد به، وليس فيه: ((واليسر)).
(٣) فى ص، ت ١، س: ((الرضا)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((باستمكانها)).
٥٨
سورة آل عمران : الآية ١٣٤
وأصلُ ذلك، من كَظْمَ القِرْبةِ ، يقالُ منه: كَظَمْتُ القِرْبةَ(١) . إذا ملأتَها ماءً،
وفلانٌ كَظِيمٌ ومَكْظومٌ. إذا كان مُمْتَلِئًا غَمَّا وحُزْنًا، ومنه قولُ اللهِ عزّ وجلّ :
(٢)
وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [ يوسف: ٨٤]. یعنی : فهو
مُمتلئُ من الحُزْنِ. ومنه قيل لمجارى الماءِ (١) : الكَظائمُ. لامتلائِها بالماءِ، ومنه قيل :
أخذتُ بكَظَمِه . یعنی بمَجارِی نفسِه .
والغَيْظُ، مصدرٌ، من قولِ القائلِ: غاظَنى فلانٌ، فهو يَغِيظُنِى غَيْظًا. وذلك
إذا أحفَظه(٤) وأغضَبه .
وأما قولُه: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾. فإنه يعنى: والصافِحين عن الناسٍ
عقوبةَ ذنوبهم إليهم ، وهم على الانتقام منهم قادِرون ، فَتَارِكيها(٥) لهم .
وأما قولُه: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فإنه يعنى: فإن اللَّهَ يُحِبُّ مَن عمِل
بهذه الأمورِ، التى وَصَف أنه أَعَدَّ للعاملين بها الجنةَ، التى عرضُها السمواتُ
والأرضُ، والعامِلون بها هم المحتِنون، وإحسانُهم هو عملُهم بها .
٩٤/٤
/ كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
فِي السَّرَآءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ الآية إلى(٢): ﴿وَاَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِنُ وَاَللّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾. أى: وذلك الإحسانُ، وأنا أحِبُّ مَن عل به (١) .
حدَّثنا بِشْرٌ، [٢٦/١١ظ] قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ
(١) فى ص: ((القرية)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المياه)).
(٤) يقال: أحفظه فاحتفظ، يعنى أغضبه فغضب. اللسان (ح ف ظ ).
(٥) فى م: ((فتاركوها)).
(٦) سيرة ابن هشام ١٠٩/٢.
٥٩
سورة آل عمران : الآية ١٣٤
يُنْفِقُونَ فِى السََّّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِينَ الْغَيْطَ وَاُلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾: قوم أنفَقوا فى العُسْرِ واليُشْرِ، والجَهْدِ والرخاءِ. فمَن استطاعَ أن
يَغْلِبَ الشرّ بالخيرِ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللّهِ، فَنِعْمَتْ واللَّهِ يا بنَ آدمَ ، الجَرْعَةُ تَجَتِعُها
من صبرٍ، وأنت مَغِيظٌ ، وأنت مظلومٌ(١).
حدَّثنی موسى بنُ عبدِ الرحمنِ ، قال: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا مُحْرِزٌ أبو
رجاءٍ، عن الحسنِ، قال : يقالُ يومَ القيامةِ: لِيَقْ مَن كان له على اللَّهِ أجرٌ. فما يقومُ
إلا إنسانٌ عَفا، ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاللَّهُ يُحِبُّ
اُلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا داودُ بنُ قیسٍ ،
عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن رجلٍ من أهلِ الشام ، يقالُ له : عبدُ الجليلِ. عن عَمِّ له ، عن
أبى هريرةً فى قوله جل وعز: ﴿وَأَلْكَظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾. أن النبىَّ مَ ◌ِّ قال: ((مَن
كَظَم غَيْظًا وهو يَقْدِرُ على إنفاذِهِ، ملأه اللَّهُ أَمْنًا وإيمانًا))(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابن عباس قولَه جل وعز: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ إلى قولِه ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾: ف﴿ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
[ الشورى: ٣٧]. يغضَبون فى الأمرِ (٤) لو وَقَعوا به كان حرامًا، فيَغْفِرون ويَعْفُون ،
يُلْتِمِسون بذلك وجهَ اللَّهِ . ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ كقولِه: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ قولِه إلى ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [ النور: ٢٢].
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٦٢، ٧٦٣ عقب الأثرين (٤١٦٣، ٤١٦٤) معلقا .
(٢) بعده فى الأصل: (( والعافين)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٢.
(٤) فى ص: ((الأمن)) .
٦٠
سورة آل عمران: الآيتان ١٣٤، ١٣٥
يقولُ: لا تُقْسِموا على أن لا تُعطوهم من النفقةِ شيئًا، واعفُوا واصفَحوا(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿ وَأَلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ
(١٣٥
عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
يعنى بقوله جلَّ وعز: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾. أن الجنةَ التى وصَف
عز وجل صفتَها ، أَعِدَّت للمتقين، ("الذين ينفقون) فى السراء والضراءِ، والذين إذا
فعلوا فاحشةً، وجميعُ هذه النعوتِ من صفةِ المتقين الذين قال تعالى ذكره :
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا جعفرُ بنُ
سليمانَ ، عن ثابتٍ البُنَانيّ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى
السَّرَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِينَ ﴾
ثم قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾. / إلى ﴿أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾. فقال: إن
هذين النعتَين لَنَعْتُ رجلٍ واحدٍ (١) .
٩٥/٤
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، [٢٧/١١ و] قال: ثنا جريرٌ بنُ عبد الحميدِ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: هذان(٤) ذَنْبان؛
الفاحشةُ ذنبٌ ، وظلموا أنفسهم ذنبٌ (٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦٣/٣ (٤١٦٥) عن محمد بن سعد إلى قوله: (( وجه الله)).
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المنفقين)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣٣/١.
(٤) فى م: ((هذان)).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٢٥ - تفسير) من طريق جرير به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٧/٢ إلى عبد بن حميد .