النص المفهرس
صفحات 1-20
تفسِيرُ الطَّيْرَى جَامِعُ البَّيَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرآنِ لَأَبِ جَعَفَرَ حَّد بن جَرِيْرِ الطَّبَرِىّ (٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ ) تحقيق الدكتور/ عد التي بن عبد لحسن التركى بالتعاون مع مركز البحوث والدراسَات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السنة حسن الجزء السادس هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ٧٥٪ تَفْسِّيُالطَّيْرِىّ جَامِعُ الْبَّانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ 7 حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة ت : ٣٢٥١٠٢٧ مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦ ٥ سورة آل عمران : الآية ١٢١ -3 2 القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ ١٢١ يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُّبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾: وإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لايَضُرُكم أيُّها المؤمنون كَيْدُ هؤلاء الكفارِ من اليهودِ شيئًا، ولكن اللَّهَ ينصرُكم عليهم [١٣/١١ ظ] إن صَبَرتم على طاعتى واتباع أمرٍ رسولى، كما نَصَرْتُكم ببدرٍ وأنتم أَذِلَّةٌ ، وإن أنتم خالَفتم أيُّها المؤمنون أمرِى ، ولم تَصْبِروا على ما كَلَّقْتُكم من فَرائِضى ، ولم تَتَّقُوا ما نهيتكم عنه، وخالَفتم أمرِى وأمرَ رسولى، فإنه نازِلٌ بكم ما نزَل بكم بأُحُدٍ ، فاذكُرُوا ذلك اليومَ ، إذ غَدا نبئُكُم يُوِّئُ المؤمنين . فترك ذكْرَ الخبرِ عن أمرِ القومِ إن لم يَصْبِروا على أمرِ ربِّهم ، ولم يَتَّقُوه؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ على معناه، إذ ذكَر ما هو فاعلٌ بهم من صَرْفٍ كَيْدِ أعدائِهم عنهم ، إن صَبَروا على أمرِهِ واتَّقَوا مَحارمَه، وتَعْقيبَه ذلك بتَذْكيرِهم ما حَلّ بهم من البَلاءِ بأُحُدٍ ، إذ خالَف بعضُهم أمرَ رسولِهِ عَ لَه وتَنَازَعوا الرأىَ بينَهم . وَأُخْرِج الخِطابُ فى قولِهِ: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴾. على وَجْهِ الخطابِ لرسولِ اللَّهِ مَ ◌َّهِ، والمرادُ بمعناه: الذين نَهاهم اللهُ أن يُشَّخِذوا) الكفارَ من اليهودِ بِطانةً من دونِ المؤمنين. فقد تَبَيَّن إذنْ أن قوله: ﴿وَإِذْ ﴾ إنما خبرُها . فى معنى الكلام، على ماقد بَيَنتُ وأوضَحتُ . (١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يتخذ)). (٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((جرها)). ٦ سورة آل عمران : الآية ١٢١ وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى اليومِ الذى عَنَى اللَّهُ تبارك وتعالى بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِّ ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك يومَ أُحدٍ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: مَشَى النبىُ عَ لَّهِ يومَئذٍ على رِجْلَيه ◌ُوِّئُ المؤمنين(١). حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: ذلك يومُ أَحُدٍ، غَدا نبىُ اللَّهِ مٍََّّ من أهلِه إلى أُحُدٍ ، يَُوِّئُ المؤمنين مَقاعدَ للقتالِ (١) . حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع قولَه: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَفَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: فَغَدا نبىُّ اللَّهِ سَلَّمِ مِن أهلِه إلى أُحُدٍ ، يُوِّئُ المؤمنين مقَاعدَ القِتالِ(٣). / حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال : ثنى أبى، قال : ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. فهو يوم أحدٍ (١) . ٧٠/٤ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ (٤٠٦٧) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ عقب الأثر (٤٠٦٩) معلقا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ عقب الأثر (٤٠٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ (٤٠٦٩) عن محمد بن سعد به . . ٧ سورة آل عمران : الآية ١٢١ . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُّبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال: هذا يومٌ (٢) أحدٍ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال [١٤/١١و] ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: مما نزَل فى يومٍ (٣) أُحُدٍ : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقال آخرون: عَنَى بذلك يومَ الأحزابِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّزُ، قال: ثنا أبو بكر الحنَفيُ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُّبَوِّئُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. قال: يعنى محمدًا عَ لَّهِ غَدا يُبَوِّئُ المؤمنين مَقاعدَ للقتالِ يومَ الأحزاب (٤). وأولى هذين القولَين بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك يومَ أُحُدٍ ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه يقولُ فى الآيةِ التى بعدَها: ﴿ إِذْ هَمَّت طَّبِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ . ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ أنه عُنِى بالطائفتَين بنو سَلِمةً وبنو حارثةً ، ولا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ والمعرفةِ بِمَغازى رسولِ اللَّهِ مَ لِ أن الذى ذكَر اللَّهُ تبارك وتعالى من أمرِهما إنما كان يومَ أُحُدٍ دونَ يومٍ الأحزابِ . (١) فى م: ((هنا)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ عقب الأثر (٤٠٦٩) من طريق أسباط به . (٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ (٤٠٧٠) من طريق أبى بكر الحنفى به . ٨ سورة آل عمران : الآية ١٢١ فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يكونُ ذلك يومَ أحدٍ ورسولُ اللَّهِ مِ له إنما راحَ إلى أَحُدٍ من أهلِه للقتالِ يومَ الجمعةِ، بعدَ ما صَلَّى الجمعةَ فى أهلِهِ بالمدينةِ بالناسِ، كالذى حَدَّثكم ابنُ حُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنی محمدُ ابنُ مسلم بنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ شهابِ الزُّهرىُّ ، ومحمدُ بنُ یحیی بنِ حَبَّنَ ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرهم من علمائِنا، أن رسولَ اللَّهِ عَظَه راحَ حينَ صَلَّى الجمعةَ إِلى أُحُدٍ ، دَخَل فَلَبِس لَأَمنَهُ (١) ، وذلك يومَ الجمعةِ حينَ فرَغ من الصلاةِ، وقد مات فى ذلك اليومِ رجلٌ من الأنصارِ، فصَلَّى عليه رسولُ اللَّهِ عَظِلّه، ثم خرَج عليهم وقال: (( ما يَنْبَغِى للنبىِّ إذا لِس لأَمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتِلَ)) (١). قيل: إن النبيَّ ◌َِّ وإن كان خروجُه لقتالِ القومِ كان رَواحًا ) ، فلم يكنْ تَبْوِئَتُه المؤمنين مقاعدَهم للقتالِ عندَ خُروجِه، بل كان ذلك قبلَ خُروجِه لقتالٍ عَدوِّه، وذلك أن المشركين نزَلوا مَنْزِلَهم من أُحُدٍ - فيما بلَغنا - يومَ الأربعاءِ ، فأقاموا به ذلك اليومَ ويومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ، حتى راحَ رسولُ اللّهِ صَ لَّه إليهم فى يومٍ الجمعةِ، بعدَ ما صَلَّى بأصحابِهِ الجمعةَ، فأصبَح بالشِّغْبِ من أحدٍ يومَ السبتِ للنصف من شوالٍ . حدَّثنا بذلك ابنُ محُمَيدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال : ثنى محمدُ ابنُ مسلم الزهرىُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّنَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةً، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ وغیرُهم . (١) اللأمة مهموزة: الدرع. وقيل: السلاح. ولأمة الحرب: أداته . النهاية ٤/ ٢٢٠. (٢) جزء من أثر طويل فى سيرة ابن هشام ٦٠/٢ - ٦٤، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٩٩/٢ - ٥٠٣، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٢٢٤/٣ - ٢٢٧، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٣) الرواح: نقيض الصباح. وقيل: العشى أو من الزوال إلى الليل. التاج (روح ). ٩ سورة آل عمران : الآية ١٢١ /فإن قال: فكيف (١) كانت تَبْوِثَتُه المؤمنين مقاعدَ للقتالِ غُدُوًّا قبلَ خُروجِه، ٧١/٤ وقد عَلِمتَ أن التَّْوِئَةَ اتخاذُ المواضعِ(٢) ؟ قيل : كانت تَبْوِئتُه إياهم ذلك قبلَ مُناهضتِهِ عَدوَّه، عندَ مشورتِه على أصحابِه بالرأي الذى رآه لهم بيوم أو يومين، وذلك أن رسولَ اللَّهِ وَّهِ لَّ سمِع بنزولٍ المشركين من قريشٍ وأتباعها أَحَدًا، [١٤/١١ظ] قال - فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدِّىِّ - لأصحابِه: ((أَشِيروا علىّ، ما أصنَعُ))؟. فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، اخرجْ بنا(٢) إلى هذه الأكلُبِ. فقالت الأنصارُ: يا رسولَ اللَّهِ ، ما غلَتنا عدوٌّ لنا قطُّ(١٢) أتانا فى ديارِنا، فكيف وأنت فينا! فَدَعا رسولُ اللَّهِ مَِّلَّمِ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبيِّ ابنَ سَلُولَ، ولم يَدْعُه قَطُّ قبلَها، فاستشاره، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، اخرُجْ بِنا إلى هذه الأكلُبِ. وكان رسولُ اللَّهِ عَ لَّم. يُعْجِبُه أن يدخُلوا عليه المدينةَ ، فيُقاتَلُوا فى الأزْقَّةِ ، فأتاه التُّعْمانُ بنُ مالكِ الأنصارىُّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ ، لا تَحِمْنى الجنةَ، فوالذى بعَثَك بالحقِّ لأُدخُلَنَّ الجنةَ . فقال له : ((بمَ))؟ قال: بأنى أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وأنك رسولُ اللَّهِ، وأنى لا أَفِرُ من الرَّحْفِ. قال: ((صَدَقْتَ)). فقُتِل يومَئذٍ. ثم إن رسولَ اللَّهِ عَ طَهِ دَعا بدرْعِه فَلَبِسها، فلما رَأَوه قد لَبِس السلاحَ نَدِموا، وقالوا: بِئْسَما صنَعنا، نُشيرُ على رسولِ اللهِ عَ اله والوحى يأتيه! فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيتَ. فقال رسولُ اللَّهِ مَلِقّعٍ: (( لا يَنْبَغِى لِنَبِّ أَنْ يَلْبَسَ لَأَمَتَه فِيَضَعَها حتى يُقاتِلَ)) (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : ثنى ابنُ (١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((وكيف)). (٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الموضع)). (٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢/ ٥٠٣، وستأتى بقيته فى ص ١٣. ١٠ سورة آل عمران : الآية ١٢١ شِهابِ الزهرىُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بَنِ حَبَّنَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ، والحصينُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ معاذٍ، وغيرهم من علمائِنا، قالوا: لَّ سمِع رسولُ اللَّهِ عَ ◌ّمِ والمسلمون بالمشركين قد نزَلُوا مَنْزلَهم من أُحُدٍ ، قال رسولُ اللَّهِ ◌ِِّ للمسلمين: ((إِنِّى قد رأيتُ بَقَرًا، فَأَوَّلتُها خَيْرًا، ورأيتُ فى ذُبابٍ (١) سَيْفِى ثَلْمًا(٢) ، ورأيتُ أَنِّى أَدْخَلتُ يَدِى فى دِرْعٍ حَصِينةٍ ، فَأَوَلْتُها المدينةَ ، فإنْ رَأيْتُم أن تُقِيمُوا بالمدينةِ وتَدَعُوهم حيثُ نزَلوا ، فإن أقامُوا أقاموا بِشَرِّ مُقامٍ ، وإنْ هُم دخَلوا علينا قاتَلْناهم فيها)). وكان رأىُ عبدِ اللهِ بنِ أُتَىّ ابنٍ سَلُولَ مع رأي رسولِ اللهِ عَه، يُرَى رأىَ رسولِ اللهِ ◌َ ◌ّهِ فى ذلك ألا يخرج إليهم، وكان رسولُ اللَّهِ وَهِ يَكْرَهُ الخروج من المدينةِ ، فقال رجالٌ من المسلمين ممن أكرَم اللَّهُ بالشهادةِ يومَ أُحُدٍ ، وغيرهم ممن كان فاتَه بدرٌ وحضورُه : يا رسولَ اللَّهِ ، اخرجْ بنا إلى أعدائِنا، لا يَرَون أَنَّا جَبْنًا عنهم٢ وضَعُفْنا. فقال عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ ابنُ سلولَ: يا رسولَ اللَّهِ ، أَقِمْ بالمدينةِ ، لا تخرُجْ إليهم ، فواللَّهِ ما خرَجنا منها إلى عدوٍّ لنا قَطُّ إلا أصابَ منا، ولادخَلها علينا(4) إلا أَصَبْنا منه، فدَعْهم يارسولَ اللَّهِ، فإن أقاموا أقاموا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وإن دخَلوا قاتَلهم الرجالُ فى وجوهِهم ورَماهم النساء والصبيانُ بالحجارةِ من فوقِهم ، وإن رجَعوا رجَعوا خائِبين كما جاءوا. فلم يَزَلِ الناسُ برسولِ اللَّهِ مَ له، الذين كان من أمْرِهم حُبُّ لقاءٍ القوم، حتى [١٥/١١ و] دخَل رسولُ اللَّهِ عَ لَه فَلَبِس لَّأُمَتَهُ (٥) . فكانت تَبْوِئَةُ رسولِ اللهِ وَمِ المؤمنين المقاعدَ(٦) للقتالِ، ما ذكرنا / من ٧٢/٤ (١) ذباب السيف: طرفه الذى يضرب به. النهاية ٢/ ١٥٢. (٢) أى: كسرًا. (٣ - ٣) فى س: ((خفنا منهم)). (٤) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((قط)). (٥) تقدم تخريجه فى ص ٨. (٦) فى م: ((مقاعد)). ١١ سورة آل عمران : الآية ١٢١ مَشُورتِه على أصحابِه بالرأي الذى ذكرنا، على ما وصَفه الذين حَكَينا قولَهم . يقالُ منه: بَوَّأْتُ القومَ مَنْزِلًا ، وَبَوَّتُه لهم ، فأنا أُبْوَّتُهم المنزلَ تَبُوِئَةً ، وَأُبَوِّئُ لهم مَنْزِلَا تَبْوِئَةٌ . وقد ذُكِر أن فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (١): (وَإِذْ غدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبُوّئُ للْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ الْقِتالِ ). وذلك جائزٌ، كما يقالُ: رَدِفَكَ ورَدِفَ لك، ونَقَدتُ لها صَداقَها ونَقَدْتُها، كما قال الشاعرُ : أَستَغفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لستُ مُخْصِيَهُ رَبَّ العِبادِ إليه الوَجْهُ والعملُ والكلامُ : أستغفِرُ اللَّهَ لذنبٍ. وقد حُكِى عن العربِ سَماعًا: أَبَأْتُ القومَ مَنْزِلًا ، فأنا أُبِتُهم إِباءةً . ويقالُ منه: أَبَأْتُ الإِبلَ. إذا رَددتَها إلى المبَاءةِ. والمَبَاءةُ الْمُرَاحُ الذى تَبيتُ فيه . والمقاعدُ ، جمعُ مَفْعَدٍ ، وهو المجلِسُ . فتأويلُ الكلام: واذكُرْ إذ غَدوتَ يا محمدُ من أهْلِك، تَتَّخِذُ للمؤمنين مُعَشْكًا ومَوْضِعًا لقتالٍ عدوّهم . وقولُه: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللَّهُ سميعٌ لِما يقولُ المؤمنون لك فيما شاوَرْتَهم فيه ، من موضعٍ لقائِك ولقائِهم عدوَّك وعدوَّهم، من قولٍ مَن قال : اخرُجْ بِنا إليهم حتى نَلْقاهم خارجَ المدينةِ . وقولِ مَن قال لك: لا تَخْرُجْ إليهم ، وأقِمْ بالمدينةِ حتى يَدْخلوها علينا - على ما قد بيَّنا قبلُ - وبما (٢) تُشِيرُ به عليهم أنت يا محمدُ ، عليمٌ بأصلح تلك الآراءِ لك ولهم، وبما تُخْفِيه صدورُ (١) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٦. (٢) تقدم فى ١/ ١٧٠. (٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ما)). ١٢ سورة آل عمران : الآيتان ١٢٢،١٢١ المُشِيرِين عليك بالخروج إلى عدوّك، وصدورُ المُشِيرين عليك بالمقام فى المدينةِ ، وغیرِ ذلك من أمرِك وأمورِهم . كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ فى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أى سميعٌ لِما يقولون، عليم بما يُخْفُون(١) . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِذْهَمَّت ◌َابِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُهَا وَعَلَ (١٢٢ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللَّهُ سميع عليمٌ حينَ هَمَّت طائفتان منكم أن تَفْشَلا. والطائفتان اللَّتان هَمَّتا بالفَشَلِ - فيما ذُكِر لنا - بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َّبِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال : بنو حارثةَ كانوا نحوَ أُحُدٍ ، وينو سَلِمةَ نحوَ سَلْعٍ، [١٥/١١ظ] وذلك يومَ الخندقِ(٢). قال أبو جعفرٍ : وقد دلَّلنا على أن ذلك كان يومَ أُحُدٍ فيما مضَى بما فيه الكفايةُ عن إعادته . حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّت طَبِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ / تَفْشَلَا ﴾ الآية: وذلك يومَ أُحدٍ ، والطائفتان بنوسَلِمَةً وبنو ٧٣/٤ (١) سيرة ابن هشام ١٠٦/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٨/٣ (٤٠٧١، ٤٠٧٢) من طريق سلمة به . (٢) تفسير مجاهد ٢٥٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ١٣ سورة آل عمران : الآية ١٢٢ حارثةَ ؛ حَيَّان من الأنصارِ، هَمُّوا بأمرٍ، فَعَصَمهم اللَّهُ من ذلك. قال قتادةُ : وقد ذُكِر لنا أنه لمَّ أَنزلت هذه الآيةُ قالوا: ما يَسُرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذی هَمَمْنا به ، وقد أخبرنا اللَّهُ أنه وَلِيُنا (١). ٢ محُدِّثت عن عَمَّارٍ، قال): ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ الآية: وذلك يومَ أَحْدٍ ، فالطائفتان بنو سَلِمةً وبنو ز حارثةً؛ حَيَّانِ من الأنصارِ. فَذَكَر مثلَ قولِ قتادةً(٣) . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ، قال: خرج رسولُ اللَّهِ عٍَّ إلى أَحَدٍ فى ألفِ رجلٍ، وقد وَعَدهم الفَتْحَ إِن صَبَروا، فلما خرَج(٤)، رجَع عبدُ اللَّهِ بنُ أبيِّ ابنُ سَلولَ فى ثلاثمائةٍ ، فَتَبِعهم أبو جابرٍ السُّلَمِىُّ يَدْعوهم، فلما غَلَبوه وقالوا له: ما نعلَمُ قِتالًا، ولئن أَطَعْتَنَا لتَرْجِعنَّ مَعَنا . وقال: ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾. فهَمَّ بنو سَلِمَةَ وبنو حارثةً ، هَمُّوا بالرجوع حينَ رجَع عبدُ اللَّهِ بنُ أبيٍّ، فعَصَمهم اللَّهُ، وبَقِى رسولُ اللَّهِ صَ لِ فِى (٥) سبعِمائةٍ(٥). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ تُجرَيجٍ، قال : قال ◌ِكْرمةُ: نَزَلت فى بنى سَلِمةً من الخَرَرج، وبنى حارثةً من الأوسِ ، ورَأْسِهم عبدِ اللهِ بنِ أُبىّ ابٍ سَلولَ(٤). (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٩/٣ عقب الآثر (٤٠٧٣) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٢ إلی عبد بن حميد . (٢ - ٢) فى س: (( حدثنا عمرو قال حدثنا)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٩/٣ عقب الأثر (٤٠٧٣) من طريق ابن أبى جعفر به . (٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٥) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٩. (٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٢ إلى المصنف. ١٤ سورة آل عمران : الآية ١٢٢ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾. فهُم بنو حارثةً وبنو سَلِمةً (١) . حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾. والطائفتان بنو سَلِمةَ من ◌ُشَمَ بنِ الخَزَرِج ، وبنو حارثةَ بنِ النَّبِيتِ من الأوسِ، وهما الجناحان(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ، عن عَبَّادٍ ، عن الحسنِ فى قوله: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ الآية . قال: هما طائفتان من الأنصارِ، هَمَّا أَن يَفْشَلا، فَعَصَمهما اللَّهُ وهَزَم عدوَّهما(٢). حذَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيَينةَ ، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: ﴿إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾. قال: نحن(٤) هم؛ بنو سَلِمةَ وبنو حارثةَ ، وما نُحِبُّ أن لو لم "نَكُنْ هَمَهْناْ)؛ لقولِ اللهِ عزّ وجلّ: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال : ثنا أبو نُعَيمِ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةً، عن عمرٍو، (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٩/٣ عقب الأثر (٤٠٧٣) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر ٦٨/٢ إلى المصنف. (٢) ينظر سيرة ابن هشام ١٠٦/٢. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٩/٣ (٤٠٧٥) من طريق أبى بكر الحنفى به . (٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣. (٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((تكن همتا)). (٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٩/٣ (٤٠٧٧) عن الحسن بن يحيى به . وأخرجه سعيد بن منصور (٥٢٣ - تفسير)، والبخارى (٤٠٥١، ٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥)، والبيهقى فى الدلائل ٢٢١/٣ من طريق ابن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ١٥ سورة آل عمران : الآية ١٢٢ قال : سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ. فذكَر نحوَه . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال: هذا يومُ أُحُدٍ (١). وأما قولُه: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾. فإنه يعنى: " هَمَّا أن تَضْعُفا وتَجْناً) عن لقاءٍ عَدُوِّهما . يقالُ منه : فَشِل فلانٌ عن لقاءٍ عدوِّه، يَفْشَلُ فَشَلًا . / كما حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، ٧٤/٤ قال: قال [١٦/١١ و] ابنُ عباسٍ: الفَشَلُ الْجُبْنُ(٣) . وكان هَمّهما الذِى هَمَّا به من الفَشَلِ، الانصرافَ عن رسولِ اللَّهِ عَجِ والمؤمنين، حينَ انصرف عنهم عبدُ اللَّهِ بنُ أَتَىِّ ابنُ سلولَ بَمَن معه، جُبْنًا منهم، من غيرِ شَكُ منهم فى الإسلامِ ولا نفاقٍ ، فعَصَمَهم اللَّهُ عزَّ وجلّ مما هَمُّوا به من ذلك ، ومَضَوا مع رسولِ اللَّهِ بِ ظَهِ لوَجْهِه الذى مَضَى له، وتَرَكوا عبدَ اللَّهِ بِنَّ أبيِّ ابن سلولَ والمنافِقِين معه، فأثْنَى اللَّهُ عزّ وجلّ عليهما بثُبوتِهما على الحقِّ ، وأخبر أنه وَلِيُّهما وناصِرُهما على أعدائِهما من الكفارِ . كما حدَّثنا ابنُ محمَيدٍ، قال: ثناسَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُهُمَّ ﴾. أى: المُدَافِعُ(٤) عنهما ما هَمَّا به من فَشَلِهما(٥) . وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضَعْفٍ ووَهَنٍ أصابَهما من غيرِ شَكُّ أصابَهما فى دينِهما، فتَوَلَّى دَفْعَ ذلك عنهما برَحْمتِهِ وعائدتِه، حتى سَلِمَتا من (١) ينظر التبيان ٢/ ٥٧٧. (٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((هما أن يضعفا ويجبنا)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/٢ إلى المصنف. (٤) فى م: ((الدافع)). (٥) سيرة ابن هشام ٢ / ١٠٦. .-- - جيدة مكي: ١٦ سورة آل عمران : الآيتان ١٢٣،١٢٢ وَهَنِهما وضَعْفِهما، ولَحِقَتا بنَبِيِّهما عَلَّهِ . يقولُ: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. أى: مَن كان به ضَعْفٌ من المؤمنين أو وَهٌَّ فليَتَوَكَّلْ علىَّ ، ولْيَشْتَعِنْ بى، أُعِنْه على أمرِهِ، وأدفَعْ عنه حتى أبلغَ به، وأُقَوِّيَّه علی نِيَّتِه . وقد ذُكِر أن ابنّ مسعودٍ رضِى اللَّهُ عنه كان يقرأُ: (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمْ)(١) . وإنما جاز أن يقرأَ ذلك كذلك؛ لأن الطائفتين وإن كانتا فى لفظِ اثنين، فإنهما فى معنى جِماعٍ، بمنزلةِ الخَصْمَين والحِزْبَين . القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَوِلٌَّ فَأَتَّقُواْ اللّهُ ◌َعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٢٣ يعنى بذلك جلّ ثناؤه : وإن تَصْبِروا وتَتَّقوا لايَضُرُكم كَيْدُهم شيئًا، وينصُرُكُم رَبُّكم، ولقد نصَركم اللَّهُ ببدرٍ على أعدائِكم وأنتم يومَئذٍ أَزِلَّةٌ ، يعنى قليلون فى غيرِ مَنَعَةٍ من الناسِ، حتى أظهركم اللَّهُ على عدوِّكم، مع كثرةٍ عددِهم وقلةِ عددٍكم، وأنتم اليومَ أكثرُ عددًا منكم حينئذٍ، فإن تَصْبِروا لأمرِ اللَّهِ ينصُرْكم كما نصَركم ذلك اليومَ، ﴿ فَتَّقُواْ اللَّهَ﴾. يقولُ: فاتقوا ربّكم بطاعتِه، واجتنابٍ محارمِه، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. يقول: لتشكُروه على ما مَنَّ به عليكم من النصرِ على أعدائِكم، وإظهارِ دينكم، ولما هَداكم له من الحقِّ الذى ضَلَّ عنه مخالفو کم . كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ محيط . يقولُ: وأنتم أقلُّ عددًا وأضعفُ قوَّةً، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ (١) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٣٣/١، والبحر المحيط ٤٧/٣. ١٧ سورة آل عمران : الآية ١٢٣ تَشْكُرُونَ﴾ ، أى : فاتقون ، فإنه شكر نعمتى (١). واختُلِف فى المعنى الذى من أجلِه سُمِّى بدرٌ بدرًا؛ فقال بعضُهم: سُمِّى بذلك؛ لأنه كان ماءً لرجلٍ يُسَمَّى بدرًا، فسُمِّى باسمِ صاحبِهِ . ذكرُ من قال ذلك [١٦/١١ ظ] حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن زكريا، عن الشعبيّ، قال: كانت بدرٌ لرجل يقال له : بدرٌ. فسُمِّيَت به(١) . / حدَّثنی يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنازكريا، عن الشعبيّ، أنه قال: ٧٥/٤ ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. قال: كانت بدرٌ بئرًا لرجل يقال له: بدرٌ. فسُمِّيت به . وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: ذلك اسمٌ سُمِّيت به البقعةُ كما سُمِّی سائر البُلدانِ بأسمائها . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحارثُ بنُّ محمدٍ ، قال: ثنا ابنُ سعدٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ الواقدىُّ، قال: ثنا منصورٌ، عن أبى الأسودِ ، عن زكريا، عن الشعبيّ، قال : إنما سُمِّى بدرًا؛ لأنه كان ماءً لرجلٍ من جُهَينةَ ، يقالُ له : بدرٌ . قال الحارثُ ، قال ابنُ سعدٍ ، قال الواقدىُّ : فذكَرْتُ ذلك لعبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ ومحمدِ بنِ صالحٍ ، فأنكراه ، (١) سيرة ابن هشام ١٠٦/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥١/٣ (٤٠٨٨، ٤٠٩٠) من طريق سلمة به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٠/٢ (٤٠٨٣) من طريق وكيع به . وأخرجه ابن سعد ٢٧/٢، وابن أبى شيبة ١٤ / ٣٥٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٠/٢ (٤٠٨٢) من طريق زكريا به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ( تفسير الطبرى ٢/٦ ) ١٨ سورة آل عمران : الآية ١٢٣ وقالا: فلأىِّ شىءٍ سُمِّيت الصفراءُ(١)؟ ولأىِّ شىءٍ سُمِّيت الحمراءُ(١)؟ ولأىِّ شىءٍ سُمِّى رابغٌ؟ هذا ليس بشىءٍ ، إنما هو اسمُ الموضع. قال : وذكَرْتُ ذلك ليحيى بنٍ النعمانِ الغِفارىِّ. فقال: سمِعتُ شيوخَناً من بنى غِفارٍ يقولون: هو ماؤُنا ومنزلُنا ، وما مَلَكه أحدٌ قَطُّ يقالُ له: بدرٌ. وما هو من بلادِ مُهَينةً، إنما هى بلادُ غِفارٍ . قال الواقدىُّ: فهذا المعروفُ عندَنا(4). حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : أخبرنا عُبَيدُ بنُّ سليمانَ ، قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ : بدرٌ ماءٌ عن يمينِ طريقٍ مكةً، بينَ مكةً (٥) والمدينةِ(٥) . وأما قولُه: ﴿ أَزِلَّةٌ ﴾. فإنه جمعُ ذليلٍ، كما الأَعِزَّةُ جمعُ عزيزٍ، والأَلِيَّةُ جمعُ لَبِيبٍ ، وإنما سَمَّاهم اللَّهُ عزّ وجلّ أَذلَّةً؛ لقلةٍ عددِهم، لأنهم كانوا ثلاثمائةٍ نفسٍ وبضعةً عشَرَ، وعدؤُّهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ - على ما قد بَيَّنا فيما مضَى - فجعَلهم لقلةٍ عددِهم أذلةٌ . وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ (١) الصفراء: واد من ناحية المدينة ، وقال عرام بن الأصبغ السلمى: الصفراء: قرية كثيرة النخل والمزارع وماؤها عيون كلها وهى فوق ينبع مما يلى المدينة. معجم البلدان ٣/ ٣٩٩. (٢) الحمراء: حمراء الأسد، موضع على ثمانية أميال من المدينة إليه انتهى رسول الله مد لهم يوم أحد فى طلب المشركين. معجم البلدان ٣٣٢/٢. (٣) فى الأصل: (( شيوخا)). (٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٧/٢، وينظر: فتح البارى ٢٧/٢. (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/٢ إلى المصنف . . ١٩ سورة آل عمران : الآية ١٢٣ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: وبدرٌ ماءٌ بينَ مكةً والمدينةِ ، التَّقَى عليه نبىُّ اللَّهِ مَّ ◌َّهِ والمشركون، وكان أوَّلَ قتالٍ قاتَله نبىُ اللَّهِ مَّ ◌َّه. قال قتادةُ: ذُكِر لنا أنه قال لأصحابه يومَئذٍ: « أنتم اليومَ بعِدَّةِ أصحابٍ طالوتَ يومَ لَقِى جالوتَ)). فكانوا ثلاثَمائةٍ وبضعَةَ عشَرَ رجلًا، والمشركون يومَئذٍ ألفٌ أو رَاهَقوا (٢) ذلك(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ سِناٍ ، قال : ثنا أبو بكرٍ ، عن عَبادٍ ، عن الحسنِ فى قوله : ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. قال: يقولُ: وأنتم قليلٌ [١٧/١١ و] أذلةٌ. وهم يومَئذٍ بضعَةً عشَرَ وثلاثُمائةٍ(). حُدِّثت عن عَمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، نحوَ قولِ .(٤) قتادةَ(٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَةٌ﴾. "يقولُ: وأنتمْ) أقلُّ عددًا وأضعفُ قوةً(٦). / وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإن تأويله كالذى قد ٧٦/٤ بَیَنتُ . كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ (١ - ١) فى م: ((و)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد، وأخرج المرفوع عبد الرزاق فى تفسيره ١٠١/١ عن معمر عن قتادة . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥١/٣ (٤٠٨٦) من طريق أبى بكر به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥١/٣ (٤٠٨٧) من طريق ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن قتادة والربيع . (٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥١/٣ (٤٠٨٨) من طريق سلمة به . ٢٠ سورة آل عمران : الآيات ١٢٣ - ١٢٥ تَشْكُرُونَ﴾. أى: فاتَّقونى، فإنه شكرُ نِعْمتى(١). القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ ( بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُّمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥ يعنى بذلك جلّ ثناؤه : ولقد نصر كم اللهُ ببدرٍ وأنتم أذلةٌ إذ تقولُ للمؤمنين بك من أصحابِك: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِتَّكُمْ رَبُّكُمْ بِلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ، وذلك يوم بدرٍ . ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى حُضورِ الملائكةِ يومَئذٍ حَرْبَهم وفى أىِّ يومٍ وُعِدوا ذلك؟ فقال بعضُهم: إن اللَّهَ تبارك وتعالى ذكرُه كان وَعَد المؤمنين يومَ بدرٍ أن يُمِدَّهم بملائكته إنْ أتاهم العدوُّ من فَورِهم، فلم يَأْتوهم ولم يُمَدُّوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُّ المفضلِ، قال: ثنا داودُ ، عن عامٍ، قال: حُدِّث المسلمون ( يومَ بدرٍ) أن كُوْزَ بنَ جابرِ المحَارِييَّ يُمِدُّ المشركين. قال: فَشَقَّ ذلك على المسلمين، فقيل لهم: ﴿أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ مِثَلَاثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ (١) بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. قال: فبَلَغَت كُرْزًا الهزيمةُ ، فرجَع، ولم يُمِدَّهم بالخمسةِ (١) . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥١/٢ (٤٠٩٠) من طريق سلمة به. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س . (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٥٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥٢/٢ (٤٠٩٥) من طريق داود به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/٢ إلى ابن المنذر.