النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠١ سورة آل عمران : الآية ١١٥ قبلَها أولى مِن صرفِها عن معانى ما قبلَها . وبالذى اخترنا مِن القراءةِ كان ابنُ عباسٍ يَقْرأُ . [٧/١١ و] حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلِىُّ ، قال ثنا القاسمُ بنُ سلَّام، قال : ثنا حجاجٌ، عن هارونَ ، عن أبى عمرو بنِ العلاءِ، قال : بلَغنى عن ابنِ عباس أنه كان يَقْرَؤُهما جميعًا بالياءِ(١). فتأويلُ الآيةِ إذن على ما اخترنا مِن القراءةِ : وما تَفْعَلْ هذه الأُمةُ من خيرٍ ، وتعملْ مِن عملٍ للَّهِ فيه رضًا، فلن يَكْفُرَهم اللَّهُ ذلك. يَغْنى بذلك: فلن يُتْطِلَ اللَّهُ ثوابَ عملِهِم ذلك، ولا يَدَعَهم بغيرِ جزاءٍ منه لهم عليه ، ولكنَّه يُجْزِلُ لهم الثوابَ عليه، ويُسْنى(١) لهم الكرامةَ والجزاء. وقد دلَّنا على معنى (( الكفرِ)) فيما مضى قبلُ بشواهدِه، وأن أصلَه تغطيةٌ الشىءٍ ) . فكذلك ذلك فى قوله: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُغَطَّى على ما فعلوا مِن خيرٍ، فَيُتْرَكُوا بغيرِ مجازاةٍ ، ولكنهم يُشْكَرون على ما فعَلوا مِن ذلك، فيُجْزَلُ لھم الثوابُ منه . وبنحوِ ما قلناً مِن التأويلِ تأوَّل مَن تأوَّل ذلك مِن أهلِ التأويلِ . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ ◌َخَيْرٍ فلن تُكْفَرُوهُ). يقولُ: لن يُضَلَّ عنكم (٥). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى المصنف. (٢) يعنى : يزيد . (٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٦٢. (٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فى ذلك)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر ٦٥/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. ٧٠٢ سورة آل عمران : الآيتان ١١٦،١١٥ حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع مثلَه (١). وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّفِينَ﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ ذو علم بمن اتَّقاه بطاعتِه واجتنابٍ معاصِيه، وحافظٌ أعمالَهم الصالحةَ حتى يُثِيبَهم عليها ، ويجازِيَهم بها؛ تبشيرًا منه لهم جلَّ ذكرُه فى عاجلِ الدنيا، وحضًّا لهم على التمسكِ بالذى هم عليه مِن صالح الأخلاقِ التى ارتَضاها لهم. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ ١١٦ ٥٨/٤ /وهذا وعيدٌ من اللَّهِ جل ثناؤه للأُمّةِ الأُخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذین أخبَر عنهم بأنهم فاسقون ، وأنهم قد باءُوا بغضبٍ منه، ولمن كان من نُظَرائِهم من أهلِ الكفرِ باللّهِ ورسولِه، وما جاء به محمدٌ عَّهِ من عندِ اللَّهِ . يقولُ تعالى ذكره : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يعنى: الذين جَحَدوا نُبُوَّةَ محمدٍ عَهِ، وكذَّبوا به، وبما جاءهم به من عندِ اللَّهِ ، ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، يعنى : لن تَدْفَعَ أموالُه التى جمَعها فى الدنيا ، وأولادُه الذين رَبَّاهم فيها، شيئًا من عقوبةِ اللَّهِ يومَ القيامةِ، إن أَخَّرَها لهم إلى يومِ القيامةِ ، ولا فى الدنيا إن عَجَلَها لهم فيها . وإنما خَصَّ أموالَه وأولادَه؛ [٧/١١ظ] لأن أولادَ الرجلِ أقربُ أَنْسِبَائِه إليه ، وهو على مالِه أقدرُ(٢) منه على مالٍ غيرِهِ، وأمرُه فيه أجوزُ من أمرِه فى مالٍ غيرِهِ، فإذا لم يُغْنِ عنه ولدُه لصُلْبِهِ، ومالُه الذى هو نافِذُ الأمرِ فيه ، فغير ذلك من أقربائِه وسائرٍ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٠/٣ (٤٠٢٠) من طريق ابن أبى جعفر به . (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أقرب)). ٧٠٣ سورة آل عمران : الآيتان ١١٧،١١٦ أنسِبائِهِ وأموالهم، أبعدُ من أن تُغْنِىَ عنه من اللّهِ شيئًا . ثم أخبر جلّ ذكرُه أنهم هم أهلُ النارِ الذين هم أهلُها بقولِه: ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾. وإنما جعَلَهم أصحابَها؛ لأنهم أهلُها الذين لا يخرجون منها ولا يُفارِقونها، كصاحبِ الرجلِ الذى لا يُفارِقُه، وقَرينِه الذى لا يُزايلُه، ثم وَّدَ ذلك بإخبارِه عنهم أنهم فيها خالدون : إنَّ(١) صُخْبَتَهم إِيَّاها صحبةٌ لا انقطاعَ لها، إذْ كان من الأشياءِ ما يُفارِقُ صاحبه فى بعضِ الأحوالِ، ويُزايِلُه فى بعض الأوقاتِ، وليس كذلك صحبةُ الذين كفروا باللهِ النارَ التى أُصْلُوها ، ولكنها صحبةٌ دائمةٌ لا نهايةَ لها ولا انقطاعَ ، نعوذُ باللَّهِ منها، ومما قَرَّب منها من قولٍ وعملٍ . القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيح فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتَهُ ﴾ . يعنى بذلك جلّ ثناؤُه : شَبَهُ ما يُتْفِقُ الذين كفروا - أى: شَبَهُ ما يَتَصدَّقُ به الكافرُ من مالِه، فيُعْطِيه مَن يُعْطِيه على وَجْهِ القُرْبةِ إلى رَبِّه، وهو لوحدانيةِ اللَّهِ جاحدٌ ، ولمحمدٍ نبيّه ◌ٍَّ مُكَذِّبٌ، فى أنَّ ذلك غيرُ نافِعِه مع كُفْرِهِ، وأنه مُضْمَحِلٌ عندَ حاجتِه إليه ، ذاهبٌ بعدَ الذى كان يَرجو من عائدةٍ نَفْعِه عليه - کشَبَهِ ﴿ رِیچ فِهَا صِرُّ﴾ يعنى: فيها" بَرْدٌ شديدٌ، ﴿ أَصَابَتْ﴾ هذه الريحُ التى فيها البَرْدُ الشديدُ: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ﴾. يعنى: زرعَ قومٍ، قد أَمَّلُوا إدراكَه، ورَجَوا رَيْعَه، وعائدةَ نَفْعِه، ﴿ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمْ ﴾. يعنى: أصحابَ الزرع، عَصَوا اللَّهَ وَتَعَدَّوا حدودَه ؛ ﴿فَأَهْلَكَتْهُ ﴾، يقولُ: فأهلَكَت الريحُ التى فيها الصِّرُّ زرعَهم ذلك، بعدَ الذى كانوا عليه من الأمل، ورجاءِ عائدةِ نَفْعِه عليهم . (١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. (٢ - ٢) سقط من : م. ٧٠٤ سورة آل عمران : الآية ١١٧ يقولُ تعالى ذكره : فكذلك فِعْلُ اللَّهِ بنفقةِ الكافرِ وصدقتِهِ فى حياتِه حينَ يَلْقَاه، يُتْطِلُ ثَوابَها، ويُخيبُ رجاءَه منها . وَخَرَج المثَلُ للنفقةِ، والمرادُ بالمثَلِ صنيعُ اللَّهِ بالنفقةِ، يُبَيِّنُ ذلك قولُه: كَمَثَلِ رِيحِ فِهَا صِرُّ﴾. فهو كما قد بيَّنَا فى مثله من قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلٍ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: ١٧]. وما أشبه ذلك. فتأويلُ الكلام : مَثَلُ إبطالِ اللَّهِ أجرَ ما يُنْفِقون فى هذه الحياةِ الدنيا، كمثلٍ ٥٩/٤ ريح فيها صِرٌّ. وإنما جاز/ تَوْكُ ذِكْرِ إبطالِ اللَّهِ أجرَ ذلك لدلالةِ آخِرِ الكلامِ عليه، وهو قولُه: ﴿كَمَثَلِ رِيج فِهَا صِرُّ﴾. ولمعرفةِ السامع [٨/١١ر] ذلك معناه . واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((النفقةِ)) التى ذكرها فى هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم : هى التَّفقةُ المعروفةُ فى الناسِ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ، فى قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِ هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. قال : نَفَقةُ الكافرِ فى الدنيا(١) . وقال آخرون: بل(٢) الذى يقولُه بلسانِه مما لا يُصَدِّقُه قلبُه(١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٤١ (٤٠٢٤) من طريق ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((ذلك قوله)). (٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٢، س: ((بقلبه)). ٧٠٥ سورة آل عمران : الآية ١١٧ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيجِ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرّثَ قَوْبٍ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾. يقولُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُ(١) فلا يُقْبَلُ منه كمثلٍ هذا الزرعِ إذا زَرَعه القومُ الظالمون ، فأصابَتْه ريح فيها صِرٌّ ، أصابَته فأهلَكَته. فكذلك أنفَقوا ، فأهلكهم شِرْكُهم(٣) . وقد بَيَّنَّا أولى ذلك بالصوابِ قبلُ . وقد تقدَّم بَيَانُنا تأويلَ: ﴿ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ . بما فيه الكفايةُ من إعادتِه فى هذا (٣) الموضعِ(٣). وأما الصِّرُّ فإنه شدةُ البَرْدِ ، وذلك بعُصُوفٍ من الشمالِ فى إعصارِ الطّلّ والأنْدَاءِ، فى صبيحةٍ مُغيمةٍ(٤) بعَقِبٍ ليلةٍ مُصْحِيَّةٍ . كما حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ ، قال: ثنا يزيدُ بنُّ زُرَيعِ، عن عثمانَ بنِ غِيَّاتٍ ، قال : سمِعتُ عِكْرمةَ يقولُ: ﴿رِيج فِهَا صِرُّ﴾. قال: بَرْدٌ شَديدٌ(*). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال لى ابنُ جُرَيج : قال ابنُ عباسٍ : ﴿ رِیچ فِهَا صِرُّ ﴾. قال : بَودٌ شديدٌ وزَمْهَریرٌ. (١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ (٤٠٢٨) من طريق أحمد بن مفضل به . (٣) ينظر ما تقدم فى ٢١٦/٢، ٦٠٥/٣. (٤) فى م: ((معتمة)). ومعنى الكلام فى صبيحة لا يرى فيها شمس من شدة الدَّجْن، تعقب ليلة انقشع عنها الغیم. اللسان (غ ی م ، ص ح و ) . (٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقًا . ( تفسير الطبرى ٤٥/٥ ) ٧٠٦ سورة آل عمران : الآية ١١٧ حدَّثْنا علىُّ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿رِيج فِيهَا صِرُّ﴾. يقولُ: بَرْدٌ. حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: الصِّرُّ البَوْدُ(١). حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَمَثَلِ رِيح فِهَا صِرُّ﴾. أى بَوْدٌ شديدٌ(٢). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَهُ(١) . حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ((الصِّرُ)): و (٤) البردُ (٤). /حدَّثنا محمد بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبى، عن ٦٠/٤ أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرُّ﴾ . يقولُ: ريح فيها بَوْدٌّ . حدّثنی یونُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ : ﴿ رِیچ فِهَا صِرُّ﴾ . قال: صِرٌّ باردةٌ أَهلَكَت حَرْثَهم. قال: والعربُ تَدْعوها الضَّرِيبَ . تأتى الريحُ باردةٌ ، فَتُصبحُ ضَرِيبًا قد اخْتَرق الزرعُ. تقولُ: ضُرِب الليلةَ. أصابه ضَرِيبٌ ، تلك الصّرُ التى أصابَته . (١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٢٢ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ (٤٠٢٥) من طريق عنترة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ عقب الأثر (٤٠٢٥) من طريق ابن أبى جعفر به . (٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( الشديد)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ عقب الأثر (٤٠٢٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به . ٧٠٧ سورة آل عمران : الآيتان ١١٧، ١١٨ حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا جُوَييرٌ، عن الضحاكِ: رِيج فِيهَا صِرُّ﴾. قال: رِيحٌ فيها بَرْدٌ(١). [٨/١١ظ] القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١١٧ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وما فعَل اللَّهُ بهؤلاء الكفارِ ما فعَل بهم، من إحباطِه ثوابَ أعمالِهم وإبطالِهِ أجورَها ؛ ظُلْمًا منه لهم، يعنى: وَضْعًا منه لما فَعَل بهم من ذلك فى غيرِ مَوْضعِه، وعندَ غيرِ أهلِه ، بل وَضَع فعلَه ذلك فى مَوْضعِه، وفعَل بهم ما هم أهلُه؛ لأن عَمَلَهم الذى عَمِلوه لم يكنْ للَّهِ وهم له بالوحدانيةِ دائنون ، ولأمرِه مُتَّبِعون، ولرسلِه مُصَدِّقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمرِهِ مخالفون ، ولرسلِهِ مُكذِّبون ، بعدَ تَقَدُّم منه إليهم أنه لا يَقْبَلُ عملاً من عاملٍ ، إلا مع إخلاصِ التوحيد له ، والإقرارِ بنُبوّةٍ أنبيائه ، وتصديقٍ ما جاءوهم به ، وتو كيدِه الحُجَجَ بذلك عليهم ، فلم يكنْ بفعلِه ما فعَل بمَن كفَربه ، وخالَف أمرَه فى ذلك، بعدَ الإعذارِ إليه، من إحباطِ أجرٍ (٢) عملِه، له ظالماً، بل الكافرُ(٢) هو الظالمُ نفسَه، لإكسابِها من معصيةِ اللَّهِ ، وخلافٍ أمرِه ، ما أورَدها به نارَ جهنمَ، وأصلَاها به سعيرَ سَقَرَ . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَكَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأَلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنِتُمْ ﴾ . يعنى بذلك جل ذكره : يا أيها الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وأقرُوا بما جاءهم به نَبِيُّهم من عندِ ربِّهم، ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ﴾. يقولُ: لا تتخِذوا أولياءَ وأصدقاءَ (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤١/٣ عقب الأثر (٤٠٢٥) معلقًا. (٢) فى ص: ((وفر))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وافر)). (٣) بعده فى الأصل: ((و)). ٧٠٨ سورة آل عمران : الآية ١١٨ لأنفسِكم ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾. يقولُ: من دونِ أهلِ دينكم ومِلَّتِكم . یعنی: من غیرِ المؤمنين. وإنما جعَل البطانةَ مَثَلًا لخليلِ الرجلِ، فَشَبَّهَه بما وَلِى بطنَه من ثيابِهِ؛ لحلولِه(١) منه فى اطلاعه على أسرارِه وما يَطْويه عن أباعدِه وكثيرٍ من أقاربِهِ، مَحِلَّ ما وَلِى جَسَدَه من ثيابِه . فَنْهَى اللَّهُ المؤمنين به أن يتخِذوا من الكفارِ به أخِلَّاءَ وأصفياءَ، ثم عَرَّفهم ما هم عليه لهم مُنْطَوون ، من الغِشِّ والخيانةِ، وبُغْيِيِهم(١) إِيَّاهم الغَوائلَ، مُحَذِّرَهم بذلك منهم ومن١٢ مُخَالَّتِهم، فقال تعالى ذكره: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يعنى: لا يستطيعونكم شَرًا. من: أَلَوتُ أَلُو أَلْوًّا. يقالُ: ما أَلَا فلانٌ كذا. أى: ما استطاع، كما قال الشاعرُ): ٦١/٤ /جَهْراءُ لا تَأْلُو إذا هى أظهَرَت بَصَرًا ولا مِن عَيْلَةٍ تُغْنِینی [٩/١١ و] يعنى: لا تستطيعُ عندَ الظهرِ إبصارًا . وإنما يعنى جلّ ذكرُه بقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. البِطانةَ التى نهَى المؤمنين عن اتخاذِها من دونهم، فقال: إن هذه البِطانةَ لاتَتْرُكُكم طاقتَها خَبالًا . أى: لا تَدَعُ جهدَها فيما أورَثَكم الخبالَ . وأصلُ الخَتَلِ والخَبَالِ الفسادُ، ثم يُستَعملُ فى معانٍ كثيرةٍ ، يدُلُّ على ذلك الخبرُ عن النبيِّ عَه: ((مَن أُصِيب بخَبْلٍ أو جِرَاحٍ))(٥). (١) فى الأصل: (( لجلوله)). (٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بغيهم). (٣) فى الأصل: ((عن )). (٤) هو أبو العيال الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٢٦٣/٢. (٥) أخرجه أحمد ٢٩٦/٢٦، ٢٩٧ (١٦٣٧٥)، والدارمى ١٨٨/٢، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن ماجه (٢٦٢٣) من حديث أبى شريح الخزاعى . ٧٠٩ سورة آل عمران : الآية ١١٨ وأما قولُه: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنُِّ ﴾. فإنه يعنى: وَدُّوا عَنَتَكُم . يقولُ: يَتَمَّنَّون لكم العَنَتَ والشَّرَّ فى دينكم، وما يسوءُ كم ولا يَشُّكم . وذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت فى قوم من المسلمين كانوا يُخالِطون حلفاءهم من اليهودِ وأهلِ النفاقِ منهم ، ويُصافونهم المَودَّةَ، بالأسبابِ التى كانت بينَهم فى جاهليتهم قبلَ الإسلام ، فَنَهاهم اللَّهُ عن ذلك، وأن يَشْتَنصِحوهم فى شىءٍ من أمورهم . ذكرُ ( الخبرِ بذلك) حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: قال محمدُ ابنُ أبي محمدٍ ، عن عِكْرمةَ ، أو عن سعيدٍ بنِ مُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رجالٌ من المسلمين يواصلون رجالاً من يهودَ ؛ لِما كان بينَهم من الجوارِ والحِلْفِ فى الجاهليةِ ، فأنزل اللَّهُ تبارك وتعالى فيهم ، يَنْهاهم عن مُباطَنتِهم ؛ تَخَوُّفَ الفتنةِ عليهم منهم: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِلْكِتَبِ كُلِهِ﴾(٢). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾: فى المنافِقين من أهلِ المدينةِ ، نهَى اللَّهُ جل ثناؤه المؤمنين أن يَتَولَّوهم(١) . (١ - ١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((من قال ذلك)). (٢) سيرة ابن هشام ٥٥٨/١، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٨ عن ابن عباس معلقًا ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٣/٣ (٤٠٣٧) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبى محمد قوله . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى ابن المنذر . (٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٢/٣ (٤٠٣٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٧١٠ سورة آل عمران : الآية ١١٨ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُمْ ﴾: نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤه المؤمنين أن يَسْتدخِلوا المنافِقِين أو يُؤْاخوهم، أو (١) يَتَولَّوهم من دونِ المؤمنين(٢). حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾: هم المنافقون(٣). ٦٢/٤ /حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه عن الربيع قولَه: ﴿يَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. يقولُ: لا تَشْتدخِلوا المنافِقِين، فتَولَّؤْهم دونَ المؤمنينَ(). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا العَوَّامُ بنُ حَوشبٍ، عن الأزهرِ بنِ راشدٍ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مَاتٍ : (( لا تَسْتَضِيئوا بنارِ أهلِ الشِّرْكِ، ولا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكُم عَرَبِيًّا)). [٩/١١ ظ] قال: فلم يَدْرُوا ما ذلك حتى أَتَوا الحسنَ فسألوه، فقال: نعم، أما قولُه: ((لا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكُم عَرَبًّا)). فإنه يقولُ: لا تَنْقُشوا فى خَواتيمِكم محمدًا. وأما قولُه: (( ولا تَسْتَضِيئوا بنارِ أهلِ الشركِ )) . فإنه يعنى به المشركين، يقولُ لاتَسْتَشيروهم فى شىءٍ من أمورٍ كم. قال : وقال الحسنُ: وتصديقُ ذلك فى كتابِ اللَّهِ. ثم تَلا هذه الآيةَ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾(١). (١) فى ص، ت ٢: ((أن))، وفى م، ت ١، س: ((أى)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٣/٣ (٤٠٣٥) من طريق شيبان ، عن قتادة . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٢/٣ (٤٠٣٣) عن محمد بن سعد به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٣/٣ عقب الأثر (٤٠٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به ، (٥) أخرجه بتمامه أبو يعلى - كما فى تفسير ابن كثير ٨٩/٢، ومسدد - كما فى المطالب العالية (٢٤٧٩) - والبيهقى ١٢٧/١٠، وفى الشعب (٩٣٧٥) من طريق هشيم به ، وأخرجه أحمد = ٧١١ سورة آل عمران : الآية ١١٨ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا [٤٤٧/١ و] أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال : ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾: أما البطانةُ ، فهم المنافقون(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ ، عن ابنِ مجرَيج قولَه : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِّن دُونِكُمْ ﴾ الآية. قال: لا يَسْتدخِلُ المؤمنُ المنافقَ دونَ أخيه . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِّن دُونِكُمْ﴾ الآية. قال: هؤلاء المنافقون، وقرأ قولَه: ﴿قَدْ بَدَتِ اٌلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ الآية . واختلفوا فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَدُواْ مَا عَنُِّمْ﴾؛ فقال بعضُهم : معناه: وَدُّوا ما ضَلَلْتم عن دينِكم . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: وَدُواْ مَا عَنُِّمْ ﴾. يقولُ: ما ضَلَلْتم(٢). وقال آخرون بما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ مجرَيجِ: ﴿وَدُّواْمَا عَنْتُمْ﴾ . يقولُ: فى دينكم ، يعنى أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتوا فى دينِكم . فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَدُواْ مَا عَنْتُمْ﴾. فجاء بالخبرِ عن البِطانةِ = ١٨/١٩ (١١٩٥٤)، والنسائى (٥٢٢٤) وغيرهما من طريق هشيم به - بدون ذكر تفسير الحسن - وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٣/٣ عقب الأثر (٤٠٣٥) من طريق عمرو بن حماد ، أسباط به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٣/٣ (٤٠٤٠) من طريق أسباط به . ٧١٢ سورة آل عمران : الآية ١١٨ بلفظِ الماضى فى مَحِلُّ الحالِ والقَطْع، بعدَ تَمامِ الخبرِ ، والحالاتُ لا تكونُ إلا بصُورِ الأسماءِ أو الأفعالِ المستقبلةِ ، دونَ الماضيةِ منها ؟ قيل: ليس الأمرُ فى ذلك على ما ظَنَنتَ من أن قوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ﴾ حالٌ للبطانةِ(١)، وإنما هو خبرٌ عنهم ثانٍ، منقطعٌ عن الأوَّلِ، غيرُ مُتَّصِلٍ به . وإنما تأويلُ الكلام: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَتَّخِذوا بِطانةً صِفَتُهم كذا، صِفَتُهم كذا . فالخبرُ عن الصفةِ الثانيةِ غيرُ مُتَّصِلٍ بالصفةِ الأولى ، وإن كانَتا جميعًا من صفةٍ شخصٍ واحدٍ . /وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أن قولَه: ﴿وَدُوا مَا عَنُِّ﴾. من صلةٍ البطانةِ، " وأن معنى ذلك: لا تَتَّخِذوا بطانةً ودُوا - أى: أحَبُوا - ما عنِتُم . ٦٣/٤ وليس لهذا القولِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ وجةٌ معروفٌ ؛ وذلك أن البِطانةَ ) قد وُصِلَت بقولِه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. فلا وَجْهَ لصلةٍ أخرى بعدَ تَمام البطانةِ بصِلتِهِ، ولكنّ القولَ فى ذلك كما بَيَّنا قبلُ من أن قوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ﴾ . خبرٌ مبتدأٌ عن البِطانةِ غيرُ الخبرِ الأولِ، وغيرُ حالٍ من البِطانةِ ولا قَطْعٍ منها . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَِهِهِمْ﴾ . يعنى بذلك تعالى ذكرُه : قد بَدَت بَغْضاءُ هؤلاء الذين نَهَيتُكم أيُّها المؤمنون أن تَتَّخِذوهم [١٠/١١ و] بِطانةٌ من دونِكم، لكم بأفواهِهم ، يعنى: بألسنتِهم ، والذى بدا لهم منهم بألسنتِهم، إقامتُهم على كُفْرِهم، وعداوتُهم مَن خالَف ما هم عليه مُقِيمون من الضَّلالةِ ، فذلك من أوكدِ الأسبابِ فى مُعاداتِهم أهلَ الإيمانِ ؛ لأن ذلك (١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من البطانة)). (٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: (( و)). ٠ ٧١٣ سورة آل عمران : الآية ١١٨ عداوةٌ على الدِّينِ، والعداوةُ على الدينِ العداوةُ التى لا زَوالَ لها إلا بانتقالِ أحدٍ المُتُعادِيَين إلى مِلَّةِ الآخرِ منهما، وذلك انتقالٌ مِن هدى إلى ضلالةٍ، كانت عندَ المتقِلِ إليها ضَلالةٌ قبلَ ذلك ، فكان فى إبدائِهم ذلك للمؤمنين ومُقامِهم عليه ، أبْيَنُ الدلالةِ لأَهلِ الإيمانِ على ماهم عليه لهم ١ من التَغْضاءِ والعَداوةِ . وقد قال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: قد بَدَت بَغْضاؤهم لأهلِ الإيمانِ إلى أوليائهم من المنافقين وأهلِ الكفرِ ، بإطلاع بعضِهم بعضًا على ذلك . وزعَم قائِلو هذه المقالةِ أن الذين عُنُوا بهذه الآيةِ أهلُ النفاقِ ، دونَ مَن كان مُصَرِّحًا بالكفرِ من اليهودِ وأهلِ الشِّرْكِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ قَدْ بَدَتِ اُلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمَّ﴾. يقولُ: قد بَدَت البغضاءُ من أفواهِ المنافقين إلى إخوانِهم من الكفارِ، مِن غِشْهم للإسلامِ وأهلِه، وبُغْضِهم إياهم . حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ﴾. يقولُ: من أفواهِ المنافِقِينَ(١) . وهذا القولُ الذى ذكرناه عن قتادةَ قولٌ لا معنى له ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه إنما نهى المؤمنين أن يَتَّخِذوا بِطانةً ممن قد عَرَفوه بالغِشِّ للإسلام وأهلِه والبَغْضاءِ؛ إما (١) سقط من : م. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٤/٣ (٤٠٤٢) من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٤/٣ عقب الأثر (٤٠٤٢) من طريق ابن أبى جعفر به. ٠ ٧١٤ سورة آل عمران : الآية ١١٨ بأدلةٍ ظاهرةٍ دَالنَّةٍ على أن ذلك من صِفَتِهم ، وإما بإظهارِ الموصوفين بذلك العداوةَ والشَّنآنَ وبالمناصَبةِ لهم، فأما مَن لم يُتْبِتوه (١) معرفةً أنه الذى نَهاهم اللَّهُ عزّ وجلّ عن مُخالَّتِهِ ومُباطَنِتِهِ ، فغيرُ جائزٍ أن يكونوا نُهُوا عن مُخالَّتِهِ ومُصادقتِهِ ، إلا بعدَ تعريفِهم إياهم ، إما بأعيانِهم وأسمائهم، وإما بصفاتٍ قد عرَفوهم بها . وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداءُ المنافقين بألسنتِهم ما فى قلوبهم من بَغْضاءِ المؤمنين إلى إخوانِهم من الكفارِ، غيرَ مُدْرِكٍ به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارِهم الإيمانَ بألسنتِهم لهم ، والتَّوَدُّدِ إليهم، كان بَيِّنا أن الذى نهَى اللَّهُ المؤمنين عن انِّخاذِهم لأُنفسِهم بِطانةً دونَهم ، هم الذين قد ظهَرَت لهم بَغْضاؤُهم بألسنتِهم ، على ما وصَفهم اللَّهُ تبارك وتعالى به، فعَرَفهم المؤمنون بالصفةِ التى نَعَتَهم اللَّهُ بها ، وأنهم هم الذين وصفهم تعالی ذ کژه بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ، ممن كان له ذِمَّةٌ وعهدٌ من رسولِ اللَّهِ عَظ ◌ِلّهِ وأصحابِهِ ، من أهلِ /الكتابِ؛ لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمرُ فيهم على ما قد بَيّنا، ولو كانوا الكفارَ [١٠/١١ظ] ممن قد ناصَب المؤمنين الحربَ، لم يكنِ المؤمنون مُتَّخِذِيهم لأنفسِهم بِطانةً من دونِ المؤمنين مع اختلافٍ بلادِهم، وافتراقٍ أمصارِهم، ولكنهم الذين كانوا بينَ أَظْهُرِ دُورٍ(٢) المؤمنين من أهلِ الكتابِ، أيامَ رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ، ممن كان له مِن رسولِ اللَّه ◌َّمِ عهدٌ وعقدٌ ، من يهود بنى إسرائيلَ . ٦٤/٤ والبغْضاءُ مصدرٌ، وقد ذُكِر أنها فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ (١): (قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَقْوَاهِهِمْ). على وَجْهِ التذكيرِ، وإنما جاز ذلك بالتَّذكيرِ وَلَفْظُه لَفْظُ المؤنثِ ؛ لأن المصادرَ تأنيثُها ليس بالتأنيثِ اللازم، فيجوزُ تذكيرُ ما خرَج منها على لفظٍ (١) لم يثبتوه : لم يعرفوه حق المعرفة . (٢) سقط من : م . (٣) معانى القرآن للفراء ٢٣١/١، البحر المحيط ٣٨/٣. ٧١٥ سورة آل عمران : الآية ١١٨ المؤنثِ وتأنيثُه، كما قال اللهُ جل ثناؤه: ﴿ وَأَخَذَ اُلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [ هود: ٦٧]. وكما قال: ﴿فَقَدْ جَآَ كُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . وفى موضعٍ آخَرَ : ﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ [هود: ٩٤]، و﴿ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكَمْ ﴾ [ الأعراف: ٧٣، ٨٥]. وقال: ﴿مِنْ أَفْوَهِهِمْ﴾ وإنما بَدا ما بَدا من البغضاءِ منهم(٢ بألسنتِهم؛ لأن المعنىَّ به الكلامُ الذى ظهَر للمؤمنين منهم من أفواهِهم، فقال: قد بدَتِ البغضاءُ بألسنتِهم من أفواهِهم . القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ آَكبرُ یعنی جل ثناؤه بذلك : والذی تُخْفِی ﴿صُدُورُهُمْ ﴾ . یعنی : صدورُ هؤلاء الذين نَهاهم عن اتخاذِهم بِطانةٌ ، فتَخْبِئُهُ(١) عنكم أيُّها المؤمنون، ﴿أَكْبَرٌ﴾. يقولُ: أكبرُ مما قد بَدا لكم بألسنتِهم من أفواهِهم من التَّغْضاءِ وأعظمُ . كما حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ﴾. يقولُ: وما تُخْفِى صدورُهم أكبرُ مماقد أبدوا بألسنتِهم(١). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرْ﴾. يقولُ: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مما قد أبدوا بألسنتِهم(٤). ١١٨ القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: قد بيَّنَّا لكم أيُّها المؤمنون ﴿الْآَيَتِّ﴾. يعنى بالآيات (١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. (٢) فى م، ت ٢، ت ٣، س: (( فتخفيه) . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٤/٣ (٤٠٤٣) من طريق ابن أبى جعفر به. ٧١٦ سورة آل عمران : الآيتان ١١٨، ١١٩ العبّرَ . يقولُ : قد بَيِّنا لكم من أمرٍ هؤلاء اليهودِ الذين نَهَينا كم أن تَتَّخِذوهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، ماتَعْتَبِرون وتَتَّعِظون به من أمْرِهم ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يعنى: إن كنتم تَعْقِلون عن اللَّهِ مَواعظَه، وأمرَه ونهيَه ، وتعرِفون مواقعَ نَفْعِ ذلك منكم ، ومَبْلَغَ عائدتِه علیکم . [١١/١١و] القولُ فى تأويل قوله: ﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِهِ، ﴾ . يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتم أيُّها المؤمنون الذين ﴿ تُحِبُّونَهُمْ﴾. يقولُ: تُحِيُّون هؤلاء الكفارَ الذين نَهَيتُكم/ عن اتِّخاذِهم بِطانةً من دونِ المؤمنين، فَتَوَدُّونهم وتُواصِلونهم، وهم لا يُحِبُّونكم، بل يَنْطَؤُون(١) لكم على(٢) العداوةِ والغِشٌ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِّهِهِ﴾ . ٦٥/٤ ومعنى الكتابِ فى هذا الموضع معنى الجمع، كما يقالُ: كثُر الدِّرْهَمُ فى أيدى الناس. بمعنى: الدَّراهم. فكذلك قولُه: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ﴾« إنما معناه: بالكُتُبِ كلِّها؛ كتابِكم الذى أنزله اللَّهُ تبارك وتعالى إليكم، وكتابِهم الذى أنزله إليهم، وغيرِ ذلك من الكتبِ التى أَنزَلها اللَّهُ تعالى ذكرُه على عبادِه . يقولُ جل ثناؤه: فأنتم - إذ كنتم أيُّها المؤمنون تُؤمِنون بالكُتُبِ كُلِّها، وتعلمون أن الذین نھیتُكم عن ان تتخذوهم بطانةً من دونِکم ، کفارٌ بذلك كلِّه؛ بجُحودِهم "ما فى ذلك كلِّه، من عُهودِ اللَّهِ إليهم، وتَبْديلهم ما فيه من أمرِ اللَّهِ ونھیه - أولی بعداوێکم إياهم ، وبَغْضائِھم وغِشِهم ، منهم بِعَداوَێکم وَغْضائِکم ، مع جحودهم بعض الكتب، وتكذیپھم ببعضها . (١) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((ينتظرون))، وفى ت ١: ((ينظرون)). (٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س . (٣ - ٣) سقط من م، س، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)). ٧١٧ سورة آل عمران : الآية ١١٩ کما حدَّثنا ابنُ حُمَیدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن محمد بن إسحاقَ ، قال : ثنی محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن عِكْرمةً، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ : ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِّهِ﴾. أى: بكتابِكم وكتابِهم، وبما مضَى من الكتبِ قبلَ ذلك، وهم يكفُرون بكتابِكم، فأنتم أحقُّ بالتَغْضاءِ لهم، منهم لكم (١). وقال: ﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ﴾. ولم يَقُلْ: هؤلاء(٢) أنتم. فَفَرَّق بينَ ((ها)) و ((أولاءٍ))، بكنايةِ اسم المخاطَبِين؛ لأن العربَ كذلك تفعَلُ فى ((هاذا))، إذا أرادَت به التقريبَ ومَذْهبَ النُّقْصانِ الذى يَحتاج إلى تَمَامِ الخبرِ ، وذلك مثلُ أن يقالَ لبعضِهم: أين أنت؟ فيجيبُ المقولُ ذلك له: ها أنا ذا. فتُفَرَّقُ بينَ التَّنبِهِ، و ((ذا)) ) بمَكْنِىٌّ اسم نفسِه، ولا يَكادون يقولون: هذا أنا. ثم يُثَنَّى ويُجْمَعُ على ذلك، وربما أعادوا حرفَ التَّْبيهِ مع ((ذا))، فقالوا: ها أنا هذا. ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا ، فأما إذا كان على غيرِ التَّقريبِ والنقصانِ ، قالوا : هذا هو، وهذا أنت . وكذلك يفعَلون مع الأسماءِ الظاهرةِ ، يقولون: هذا عمرٌو قائمًا وإن كان ((هذا)) تَقْرِيبًا. وإِنما فعلوا ذلك فى المكنىٌّ مع التقريبٍ ؛ تَفْرقةٌ بينَ ((هذا)) إذا كان بمعنى الناقصِ الذى يحتاجُ إلى تَمَامٍ، وبينَه إذا كان بمعنى الاسمِ الصحيحِ . وقولُه: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ خبرٌ للتقريبِ . وفى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن حالِ الفريقَين - أعنى المؤمنين والكافرين - ورحمةِ أهلِ [١١/١١ ظ] الإيمانِ ورَأْفتهم بأهلِ الخلافِ لهم، وقَساوةٍ قلوبِ أهلِ الكفرِ وغِلْظتهم على أهلِ الإيمانِ . (١) سيرة ابن هشام ٥٥٨/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى ابن المنذر. (٢) فى الأصل، ص، ت ١: ((هذا)). (٣) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أولاء)). ٧١٨ سورة آل عمران : الآية ١١٩ كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَأَنتُمْ أُؤْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كُلِّهِ،﴾: فواللهِ، إن المؤمنَ لَيُحِبُ المُنَافِقَ ، ويَأْوِى له ويَرْحَمُه ، ولو أن المنافقَ يَقْدِرُ على ما يقدِرُ عليه المؤمنُ منه ، لأَباد (١) خضراءَه (١) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيج، قال : المؤمنُ خيرٌ للمنافقِ من المنافقِ للمؤمنِ ، يَرحَمُه ، ولو يَقدِرُ المنافقُ من المؤمنِ على مثلِ ما يَقدِرُ المؤمنُ عليه منه، لأبادَ خضراءَه (١) . وكان مجاهدٌ يقولُ : نزلت هذه الآيةُ فى المنافِقِين. /حدّثنی بذلك محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عیسی ، عن ابنِ أُبی تَجَيح، عن مجاهدٍ(٢). ٦٦/٤ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَمَنَا وَإِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ اُلْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾ . يعنى بذلك جل ثناؤه أن هؤلاء الذين نهَى اللَّهُ تبارك وتعالى المؤمنين أن يَتَّخِذوهم بِطانةً من دونِهم، ووصفهم بصفتِهم، إذا لَقُوا المؤمنين من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ عَ الِه ، أعطَوهم بألسنتِهم تَقِيَّةً؛ حذرًا على أنفسِهم منهم ، فقالوا لهم: قد آمَنَّا وصَدَّقنا بما جاء به محمدٌ. وإذا هم خَلَوا فَصاروا فى خَلاءِ حيثُ لا يَراهم المؤمنون ، عَضُّوا - على ما يَرَون من ائتلافٍ المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاحٍ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٥/٣ (٤٠٤٧) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلی عبد بن حميد . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى المصنف وابن المنذر. (٣) تفسیر مجاهد ص ٢٥٨. ٧١٩ سورة آل عمران : الآية ١١٩ ذاتِ بينهم - أنامِلَهم، وهى أطرافُ أصابعِهم؛ تَغَيُّظًا مما بهم من المَوْجِدَةِ عليهم ، وأَسَى على ظَهْرٍ يستندون إليه؛ لمكاشَفتِهم العداوةَ، ومُناجَزِيِهم المحاربةَ. وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثناسعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذَا لَقُوَكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ ﴾: إذا لَقُوا المؤمنين قالوا: آمَنَّا. ليس بهم إلا مَخافةٌ على دمائهم وأموالهم، فَصانَعوهم بذلك، ﴿ وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُواْ عَلَيْكُمُ اُلْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظْ ﴾. يقولُ: مما يَجِدون فى قلوبهم من الغَيْظِ والكراهةِ للذى هم عليه ، لو يَجِدون رِيحًا(١) لَكانوا على المؤمنين، فهم كما نَعَت اللَّهُ تبارك وتعالى(١). حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله ، إلا أنه قال : من الغيظِ لكراهيةِ الذى هم عليه . ولم يَقُلْ: لو يَجِدون رِيحًا. وما بعدَهُ(١). حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنى يحيى بنُ عمرو ابنِ مالكِ التِّكْرِىُّ(٤)، قال: ثنا أبى، قال: كان أبو الجوزاءِ إذا تَلا هذه الآيةَ: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ ﴾. قال: هم الإباضِيَّةُ [١٢/١١و]. (١) الريح هنا بمعنى الغلبة والقوة . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٦/٣ (٤٠٥٦) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى عبد بن حميد . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٥/٣ عقب الأثر (٤٠٥٢) من طريق ابن أبى جعفر به . (٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٤٣ س: ((البكرى)). وينظر الأنساب ٥٢٢/٥. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٥/٣، ٧٤٦ (٤٠٥١، ٤٠٥٥) من طريق يحيى بن عمرو بن مالك به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٦/٢ إلى عبد بن حميد. = ٧٢٠ سورة آل عمران : الآية ١١٩ القولُ فى تَأْوِيلِ قولِه: ﴿اَلْأَنَامِلَ﴾ والأناملُ جمعُ أَعْلَةٍ ، ويقالُ: أَمُلَةٌ. وربما جُمِعَت أَمُلًا، قال الشاعرُ(١): وما حَمَلَتِ كَفَّىَ أَعْلِيَ العَشْرَا أُوَفِيكما (٢) ما بَلَّ حَلْقِىَ رِيقَتِى وهى أطرافُ الأصابعِ . كما حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الأناملُ أطرافُ (٣) الأصابع(). ٦٧/٤ /حُدِّثتُ عن عَمَّارٍ، (٤)عن ابن أبى)) جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَهُ(٢). حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِّ: ﴿ وَإِذَا خَلَوْ عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾: الأصابعُ(٢). حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، (عن أبى إسحاقَ"، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ قولَه: ﴿عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ﴾. قال: عَضُّوا = والإباضية: فرقة من الخوارج، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمى، الذى خرج فى أيام مروان بن محمد ، ومن معتقداتهم أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين ، ومنا كحتهم جائزة ، وموارثتهم حلال ، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام ، ودار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان ، فإنه دار بغى ، ومرتكبى الكبائر موحدون لا مؤمنون . ينظر الملل والنحل ٢٤٤/١. (١) البيت فى اللسان والتاج ( ك ف ف). (٢) فى الأصل: ((أودبكما))، وفى ص: ((أودكها))، وفى م: ((أود كما))، وفى ت ١: ((أودىكها))، وفى ت ٢ : ((أودفكما))، وفى س: ((أوذيلها)). والمثبت موافق لما فى اللسان والتاج، وما فى هذه النسخ تحريف عنه. (٣) ذكره ابن كثير ٩٠/٢ . (٤ - ٤) فى الأصل: ((قال: ثنا أبو)). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٦/٣ عقب الأثر (٤٠٥٤) من طريق ابن أبى جعفر به . (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤٦/٣ عقب الأثر (٤٠٥٤) من طريق عمرو عن أسباط به . (٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر تهذيب الكمال ١٠٢/٢٢.